*مصطفى قطبي

يطلّ ”هنري ليفي” بعد طول غياب، ويسجل حضوره هذه المرة من البوابة الكردية السورية، فأستاذ المزيفين، وفيلسوف الثورات ”برنار ليفي” عاد إلى الأضواء بعد أفول نجمه، والتقى قادة ”قوات سورية الديمقراطية ـ قسد” على أرض العروبة سورية. وفي تصريح إعلامي، اعتبر المستشار الإعلامي السابق لـ”وحدات حماية الشعب” الكردية في منطقة عفرين المحتلة، أن ”لقاء القادة في ”قسد” مع ليفي لا يمكن تفسيره إلا أنه استمرار لحالة الفشل والتخبط والتيه التي يعيشها بعض القادة”. وأضاف: ”تاريخ الكرد بشكل عام حافل بالهزائم السياسية، ولكنهم كانوا يحافظون على احترام الآخرين لهم، على عزة النفس التي حمتهم وحافظت على وجودهم، ولكن هذه المرة الكرد يخسرون المعارك السياسية وعزة النفس، وبالتالي باتوا أمام خطر وجودي حقيقي”.

برنار هنري ليفي، يعتبر نفسه الأب الروحي في الوطن العربي، لمن يصفهم بـ”الثوار العرب” كما ”الثوار الأكراد”… ليس طارئا على التدخل الفظ في الشؤون الدولية، فقد كان بطل التدويل في إقليم البوسنة والهرسك عام 1995 مع وزير الخارجية الفرنسية السابق آلان جوبيه، لكن الرئيس الفرنسي الاشتراكي حينها فرانسوا ميتران رفض توسطه اللجوج لطرد الصرب من المناطق المقيمين فيها في البوسنة لفك الحصار عن سراييفو. يؤمن ”ليفي” بنظرية البناء بالهدم، هلل للغزو الاسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982 وفي عام 1990 طالب الغرب وحضهم على الاعتراف بأصلان ماسخادوف رئيسا للشيشان المستقل، وهو صاحب قرار استقلال كوسوفو عن صربيا بتواطؤ دولي، ومن مؤيدي جورج بوش في تدمير أفغانستان واحتلال العراق، ولعب دورا كبيرا في النزاع الجيورجي الروسي 2008 حيث كان من مؤيدي الرئيس ميخائيل ساكاسفيلي. وستظل لعنة التاريخ تلاحق ”برنار هنري ليفي” صاحب البصمات السوداء في ليبيا، وقبلها في العراق  والسودان وسوريا… وللأمانة فالملياردير الفرنسي ”برنار ليفي”، الصهيوني الهوى والحاقد على كل شيء في الحياة، وجد في عنصريته الطاغية على كتاباته التي كرسها فقط للدفاع عن الصهيونية، منفذاً له ليعمل مع ملياراته ضد كل القوميات.

والحقيقة أنه رجل ميدان، عرفته ساحات الحروب وعلى وجه الخصوص التي شنت لتركيع الشعوب: عرفته حرب البوسنة وكوسوفو التي أبيد فيها آلاف المسلمين، وعرفته جبال أفغانستان، عرفته ساحات الحرب في العراق، وعرفته جبال كردستان وعرفه السودان وسهول الجنوب وسهول ووديان دارفور وله مواقف مثيرة جداً حول السودان وتقسيمه، فقد كان من أشرس الداعين للتدخل الدولي في دارفور شمال السودان، وأيضاً مدن الشرق الليبي حيث أنزل العلم الأخضر الذي اعتمدته ليبيا رداً على اتفاقيات ”كامب ديفيد” 1977 ورفع العلم الملكي، ووضع خريطة التقسيم الجاهزة المعالم لليبيا.

استغل ”برنار ليفي” ما يسمى ”الربيع العربي”، بظهوره العلني أمام عدسات المصورين ومشاركته الميدانية اليومية في التظاهرات التي اجتاحت شوارع تونس قبل سقوط زين العابدين بن علي، وظهوره المتكرر في ميدان التحرير وسط القاهرة، والأنكى من ذلك كله أنه قام بتوزيع الطعام على المحتجين في ميدان التحرير من دون أن يتعرف عليه أحد، واشترك معهم في اقتحام أمن الدولة، وهو الذي رشح (وائل غنيم) لنيل الجوائز الدولية…

قد لا يحتاج الصهيوني ”برنار ليفي” إلى فيلم وثائقي يبرز خلاله دوره في غزو ليبيا وتشجيع الناتو للإسراع بتنفيذ المهمة لأن تصريحات ليفي آنذاك والمؤتمرات العلنية التي عقدها لإتمام السيناريو أكثر من أن تحصى. وهكذا سعى برنارد ليفي الممثل الخاص لساركوزي إلى اختراق حراك الشعب الليبي. كانت البداية في إعلان أثرياء من يهود ليبيا، ومصراتة بخاصة، سواء ممن هجروها إلى فلسطين المغتصبة أو من استوطنوا أوروبا، عن دعم مادي للثورة ضد القذافي. قلنا يومها لعل بعض هؤلاء يعبر عن حنينه لليبيا وندمه على مغادرتها. يماثل هذا ما سبق أن قلناه عندما قال مسؤول الجالية اليهودية الليبية في فلسطين المغتصبة مائير كحلون، الذي هاجر من ليبيا عام 1950،  وسكن تل أبيب أنه التقى مراراً برسميين ليبيين ما بين العامين 2005 و2007!

ولكن الأمر اختلف، وصارت البراءة أو حسن الظن أقرب إلى سذاجة عندما برز دور صهاينة فرنسيين أشدهم التزاماً بغزاة فلسطين الصهاينة، وبخاصة برنار هنري ليفي، العدو الشرس للإسلام والعرب، فقد ظلَ هنري ليفي أكثر نشاطاً بحيث اعتبرته أوساط كثيرة مهندس ما جرى في ليبيا، فقد حضر اجتماعات وفود المجلس الانتقالي الليبي مع ساركوزي وسواه من مسؤولين فرنسيين، ونشط في ترتيب تدخل قوات حلف شمال الأطلسي في ليبيا، وقيل إنه نقل رسالة من أحد قادة الحراك الليبي إلى بنيامين نتنياهو ورده عليها. فهو ملهم الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي وبنك معلوماته ومستشاره المقرب، وصاحب فكرة وقرار (فجر الأوديسة) الحرب التي نشرت الخراب والإرهاب والقتل والفوضى وتدمير البنية التحتية في ليبيا من خلال آلاف الغارات الجوية، ويتباهى: (صار الناس والكتاب يتساءلون: من هو هذا الكاتب الذي يمكن أن ينجح في أن يستصدر له قرار من مجلس الأمن يوافق لأول مرة على التطبيق الكامل والعسكري لمبدأ التدخل).

يقول ليفي: (إن الثائرين الليبيين حملوني رسالة إلى اسرائيل تقول: لن نعاديها وسنقيم علاقات جيدة معها يا سيد برنار). ثم يقول :قضيت ساعات مع باراك أشرح له الرسالة، وجرد قائمة الأسلحة التي يطلبها الليبيون صراحة،  لكن إسرائيل يمكن أن تزودهم بها). ويختم كلامه بالتأكيد على وجود إسرائيل واستمرارها وأنها ضرورات قطعية لا يسمح للغرب أن يلعب أو يستهين بها، وأن يتعرض أمنها لأي خطر، ولا توجد مشكلة إسمها إسرائيل. (إني وضعت نصب عيني ليبيا حرة تعلن القطيعة مع العصبية الدينية السابقة وتقيم أواصر العلاقات مع اسرائيل).

ولهذا كله لم يكن غريباً أن نرى فرنسا وبريطانيا وأميركا تعلن استعدادها وبسرعة مطلقة لتنفيذ منطقة الحظر الجوي فوق ليبيا والذهاب سريعاً آنذاك لغزوها فالعامل الصهيوني الذي يمثله ليفي وأمثاله حاضر دائماً وخصوصاً في الملفات والقضايا التي تهم الصهيونية.‏ وللأسف بعد غزو ليبيا فقد تحولت إلى صحراء ربع خال، وأصبح شعبها الذي كان يتباهى بالنهر العظيم شتاتا، وأعادهم ”ربيع برنار ليفي” إلى جاهلية جديدة متناحرة، وكأن الحرية تعني قتل مئات الآلاف من الليبيين وتدمير الحضارة والمدينة وتقسيم ليبيا وإطلاق يد الغرب في سرقة البترول الليبي).

وليس من المفارقة في شيء أن يكون الصهيوني ”برنار هنري ليفي” هو من يقود الحملة التبشيرية الاستعمارية الصهيونية، والأخذ بيد المعارضة الأوكرانية… ـ فقبل ذلك بأكثر من مئتي عام، قاد الحملة ذاتها الفيلسوف البريطاني ”هنري سبنسر”، والشاعر والمؤرخ البريطاني ”روديارد كيبلينغ”، ومفكرو الحقبة الاستعمارية، والتأريخ الاستعماري، مبدعو مصطلح ”عبء الإنسان الأبيض” الذي يرتب على الحكومات الغربية القيام بواجبها الحضاري، ومسؤوليتها في الارتقاء بالشعوب الأخرى نحو الحضارة، تلك كانت رسالة ”كيبلينغ” في أولى حروب أمريكا في جزر الفلبين، كما في رسالته حين استعمرت بريطانيا الهند، لأن الإنسان الأبيض هنا يحمل مسؤولية أخذ هذا الآخر ـ غير المتحضر ـ إلى مدنيته وحضارته الغربية تحديداً، وحتى لو تضمنت هذه المسؤولية نهب هذا الآخر واستعباده وتخلفه وتبعيته.

فـ”هنري ليفي” هو المحرك والمحرض على الحكومة الشرعية الأوكرانية، حيث نفث تهييجه في آذان أحزاب المعارضة الثلاثة، الوطن، واودار، وسبوفودا الفاشي، والهيئات الأخرى المدعومة والممولة من الغرب، فهو قام بتضليل مفتعل وذرائعي للمعارضة الأوكرانية، للأخذ بيدها إلى الحرية والديمقراطية، كذلك استخدم ”كيبلينغ وسبنسر”، الرواية والشعر كفعل ثقافي وسياسي تبريري، يشرعن الهيمنة، لتصبح الثقافة هنا فعلاً حضارياً وليس مشروعاً غازياً.

”هنري برنار ليفي” عرفه الناس مراسلاً حربياً، عاد للظهور من جديد في أفغانستان بصفته مبعوثاً خاصاً للرئيس الفرنسي السابق (جاك شيراك)، وكانت له علاقات مشبوهة بوزير الدفاع الأسبق (عبد الرشيد دستم)، و(أحمد شاه مسعود)، ثم ظهر بوجه آخر في (أستونيا الجنوبية) وكان حينها قريبا من رئيس جورجيا (ميخائيل ساكشفيلي)، وهو الذي حرضه على قرع طبول الحرب الاستفزازية ضد روسيا. وتكرر ظهوره في الجزائر مع (سعيد سعدي) زعيم حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وظهر في مراعي دارفور، وكانت تربطه صداقة حميمة مع الانفصالي جون قرنق المغدور، وله مكامن وأوكار في الصومال وأرتيريا، ولهذا المخلب الخبيث علاقات قديمة بـ(سليمان رشدي) ووقع معه بياناً معادياً للإسلام للرد على الاحتجاجات العارمة التي اجتاحت العالم الإسلامي على خلفية الرسوم الكاريكاتورية الدنمركية المسيئة للإسلام والمسلمين، وقاد في حينها حملته المعادية للإسلام، وكانت بعنوان (معاً لمواجهة الشمولية الجديدة).

أمثال ”برنار هنري ليفي” بكل أسف، يسمون أنفسهم أو هكذا يطلقون عليه كلمة فيلسوف، والحقيقة أنهم جواسيس بأيدي استخبارات عالمية، إضافة إلى ”المجد” الذي يعلنه باعتباره يهوديا. وهل يتحرك مثل هؤلاء إلا عندما يطلب منهم تغطية شأن ما يراد له بعدا دراميا. فقد دخل ”برنارد هنري ليفي” على الخط التركي طالبا طرد تركيا من حلف الناتو بعدما صارت برأيه مركزا لنشر التطرف الإسلامي، والمضحك إلى حد السخرية أنه يلومها على تأجيج العنف بسوريا، وهو أول من طالبها في السابق ممارسة أي دور لتغيير الدولة والنظام في سوريا.

عقيدة ليفي الذي يروج لفكرة الحروب الإنسانية التي يتخفى في ثناياها استعمار جديد بأقنعة متعددة تقوم على دعم المعارضة كي تقوم بوجه الحكومة في أكثر من مكان، وتسخير الدين وتسييسه القوة الأكثر تأثيرا في الشارع العربي و الشارع الإسلامي اللذين يعدان العمل الوطني والقومي كفرا وإلحادا، لجر البلد إلى حرب أهلية طاحنة تحرق الأخضر واليابس لإنهاك البلاد وإيقاع المجازر والضحايا ما يوفر غطاء قانونيا للتدخل العسكري دفاعا عن حقوق الانسان !!

فغراب ثورات ”الربيع العربي” المتصهين  ”برنار ليفي” دعا منذ الأيام الأولى للأزمة السورية إلى التدخل الدولي المباشر، مبشراً بتكرار السيناريو الليبي فيها. وقد لوح للسوريين بالسواطير وبشرهم بقاذفات القنابل. وللتاريخ، فقد نشرت صحف فرنسية إعلاناً مدفوع الأجر، دعا فيه ليفي وبعض الصهاينة من حكومة ساركوزي آنذاك، إلى اجتماع في حزيران 2011 في سينما سان جرمان دوبريه في باريس لما أسماه نجدة الشعب السوري. وبحماسة صهيونية بالغة، بعث برنار هنري ليفي برسالة إلى مجلس الأمن الدولي، طالباً اعتماد قرار حاسم بشأن سورية. ووقع الرسالة معه المرتد سلمان رشدي والروائي الإسرائيلي عاموس عوز!

أما في تونس فقد حاول ”هنري ليفي” العودة من البوابة التونسية لكنه طرد من قبل المحتجين الشرفاء فور وصوله إلى مطار قرطاج رافعين العبارات التي تقول: ”لا لمصالح الصهيونية في تونس”. ولا يمكن أن تكون  زيارته بالتزامن مع حلول ذكرى وعد بلفور المشؤوم الذي يصادف الثاني من نوفمبر2014 إلا محاولة لقلب الطاولة على ”تجربة تونس الديمقراطية” وإجهاضها، وصب الزيت على حرائق المنطقة، وطبخ ”ثورة” مزعومة تستهدف الجزائر، التي ظلت في منأى عما يسمى ”الربيع العربي”. وربما حاول ”ليفي” آنذاك، تحريض حزب النهضة على نداء تونس وإدخال تونس في مرحلة اللا استقرار تماهياً مع الفوضى في ليبيا التي بدأت تتشكل فيها تنظيمات موالية لداعش، لأن عدم استقرار تونس وليبيا بالنتيجة ومع مرور الزمن سيسمح بزعزعة استقرار كل من الجزائر ومصر، وربما أيضاً أراد ”هنري ليفي” التأكيد على استحقاقات كان وعد بها من قبل حزب النهضة بالتطبيع مع كيان الاحتلال الصهيوني، خصوصاً وأن هناك مطالبات بتضمين الدستور مادة تطالب بالتطبيع مع الاحتلال الصهيوني، حيث يرى نواب بحزب النهضة وحزب التكتل من أجل العمل والحريات، لا ضرورة لتضمين الدستور مادة تجرم التطبيع. إلا أنه وما يحسب للشعب التونسي وعيه ونضجه السياسي في معرفة مصادر أوجاع المنطقة وخبائثها، فما كان منه إلا التظاهر والمطالبة برحيل ”هنري ليفي” من تونس الذين أيقن التونسيون أنه واحد من مصادر الخبائث والدمار والإرهاب لشعوب المنطقة.

لقد لعب دوراً كبيراً في الأزمات الناشئة بين العرب و(إسرائيل) وبين العرب أنفسهم، وهو صاحب خريطة الطريق المنبثقة من خططه الثعلبية في المنطقة، حيث يقول في السبعينيات: ”الطريق إلى تل أبيب، يبدأ من بغداد”… فهل تحتاج هذه الرؤية إلى توضيح أو تأكيد…

”برنار هنري ليفي”، ولد في الخامس من تشرين الثاني من عام 1948 لعائلة يهودية ثرية في مدينة (بني صاف) بالجزائر، هاجرت عائلته إلى فرنسا بعد ولادته ببضعة أشهر، فتعلم في المدارس الفرنسية اليهودية، ودرس الفلسفة في معاهد باريس، ثم اشتهر كأحد (الفلاسفة الجدد) وكان من الجماعات التي انتقدت الاشتراكية بلا هوادة، وكان يعدها من المفاسد الأخلاقية، وهذا ما عبر عنه في كتابه، الذي حمل عنوان (البربرية بوجه إنساني، عام 1977)، ثم كتابه (وصية الله).

وظف ما ورثه عن أبيه في المشاريع الإسرائيلية التوسعية، واشترك مع مجموعة من اليهود المتعصبين في تأسيس معهد (ليفي ناس) الفلسفي في القدس المحتلة وكان من أشد المتأثرين بأفكار (ليفي) المعادية للعقيدة الإسلامية، وكان يرى في الحجاب دعوة للاغتصاب، ويرى أن الحركات الإسلامية المتشددة لم تكن من إفرازات السلوكيات الغربية المناوئة للإسلام، بل هي (من وجهة نظره) متأصلة في العقيدة الإسلامية الداعية إلى العنف، وأنها من أشد المخاطر التي تهدد الغرب، تماماً كما هددتها الفاشية في الماضي القريب، ويرى أيضاً: أن التدخل العسكري والسياسي في شؤون العالم العربي والإسلامي… لا يعد من الانتهاكات الامبريالية، بل هو حق مشروع من حقوق الغرب المتمدن وواجب مقدس لابد من القيام به على وجه السرعة ومن دون تردد، فالأهداف عنده تتمحور كلها في تفكيك الكيانات العربية والإسلامية، والسعي لتجزئتها وبعثرتها، وزعزعة أمنها والعبث باستقرارها، حتى لا تقوم لها قائمة!

يمكن القول: إن الفيلسوف (ميشيل أونفراي) أول من انتقد تطفل برنارد ليفي، وكان يرى فيه (فيلسوفاً متواطئاً مع المخططات العالمية المشبوهة)، ويرى أنه (مشعل نار)، وتاجر حروب. يطلق عليه فلاسفة فرنسيون كبار ـ من أمثال جيل دولوز وأستاذه جاك دريدا والمؤرخ بيار فيدال ناكيه ـ وصف الخديعة الثقافية”، كما أسماه الفيلسوف كورنليوس كاستورياديس ”الأمير الفارغ والانتهازي المجرم”. وكيف ”لمثقف” متطرف أن يحب الخير للدول الآمنة والمستقرة والتي لا تأتمر بأوامر الصهاينة، فهو كالطاعون الأسود يصيب من يحمله باللعنة الأبدية. يستمد قوته الشيطانية من المنظمات السرية الغامضة، وفي مقدمتها: المحافل الماسونية، والجماعات التنويرية، وتعاليم (الويكا والكابالا) ووصايا منظمة (الجمجمة والعظام)، ويرتبط بعلاقات عقائدية بفرسان المعبد، ودولة فرسان مالطا (سموم).

وتوفر له حكومة (تل أبيب) ما يحتاجه من الدعم المادي والحربي والمعنوي، ناهيك عن تزويده بالمعلومات الاستخباراتية، ويكاد يكون هو الأقرب لمعظم رؤساء الوزراء في (إسرائيل) ويتمتع عندهم بنفوذ واسع، ويتلقى منهم الرعاية والحفاوة والترحيب الكامل، وباستطاعته أن يدخل إلى مكاتبهم، ويتحدث معهم على انفراد متى يشاء، ومن دون مواعيد مسبقة، فهو الفتى المدلل عند مناحيم بيغن، والابن البار لشمعون بيريز، والصديق الحميم لـإيهود أولمرت”، والمستشار العقائدي لوزير الدفاع السابق باراك، ويرتبط بعلاقات وطيدة مع (بنيامين نتنياهو)، وهو فوق ذلك كله المرشح الحالي الأوفر حظاً للتربع على سدة الرئاسة في (إسرائيل)!

من أقواله وأفعاله تعرف حقيقة ”برنار هنري ليفي سيد ومعلم المزورين” ففي كتاب صدر في باريس بعنوان: ”المثقفون المزورون، الانتصار الإعلامي لخبراء الكذب” للباحث الاستراتيجي ”باسكال بونيفاس”، يرى المؤلف أن أول أكذوبة ”لليفي” هي أنه يقدم نفسه كفيلسوف، فرغم أنه درس الفلسفة لكنه لم يمارس التدريس ولم تكن الفلسفة يوماً مصدر رزقه وسمحت له ثروته بأن يتفرغ للساحات الإعلامية، وبإنشاء شبكة إعلامية، ويمارس الكذب كأنه ”الفن الثامن”، مستفيداً من نفوذه الكبير على الإعلام والنشر. ويوضح المؤلف أن ”ليفي” مهووس بمسألة معاداة السامية ويتهم كل من يخالفه الرأي بأنه ”معاد للسامية”، فهو يهودي ومن لا يتفق معه يكون غير محب لليهود”!

وقال عنه الكاتب الجزائري ”سليم بوقنداسة”: أن هذا الرجل لا ينطلق من أي مرجع أو مبدأ، لكنه يتحرك كبائع كتب وأشرطة مصورة و ”مثقف ميديا”، ما يهمه أن يذكر إسمه مقروناً بالأحداث الجارية. ويضيف، لا يستطيع ”ليفي” أن يكون نصيراً للثورات أو مروجاً نزيهاً لخطاب الحرية وهو يناصر في الوقت نفسه الجيش الإسرائيلي الذي قال ذات مرة وهو يمدحه: ”لم أر في حياتي جيشاً ديمقراطياً كهذا يطرح على نفسه هذا الكم من الأسئلة الأخلاقية، فثمة شيء حيوي بشكل غير اعتيادي في الديمقراطية الإسرائيلية”.

لعلنا نشكر الأحداث على كشف المستور وعلى توضيح ما كان مخفيا، ف”هنري ليفي” الذي نصبوه ونصب نفسه وصياً على الأحداث الجسيمة التي عصفت بمنطقتنا العربية والتي أهلكتنا وما زالت، وأكاد أفكر بأن ما تم من إنجازات إرهابية تحمل أسماء تنظيمات هي أبناء خلص له، لم يترجل بعد ولن، طالما أن له أتباعاً يتحركون هنا وهناك، ينالون رضاه وبركاته، ويقدمون له الأفكار الملائمة ليقدم لهم بالمقابل النصح والمشورة.

كلمة أخيرة: حينما يعشق ”برنار هنري ليفي” إسرائيل وينتشي حين يتحدث بنيامين نتنياهو عن ”الدولة اليهودية التي لن يقوم الهيكل من دونها” وحينما يتأكد لنا أنه ينشط حالياً لاستقطاب مثقفين وحتى سياسيين ودبلوماسيين من عرب الجنسية، لإقامة ”فيدرالية خلاقة بين بني إبراهيم” وهو الذي لم يعترض ولو ببنت شفة على جدار الفصل الذي قبله بسنوات وسنوات أقامت الصهيونية وما زالت تقيم جدران الدم…

باحث وكاتب صحفي من المغرب.

Print Friendly, PDF & Email