يشهد الفضاء الخارجي -کمجال للحرب- منافسة دولية محتدمة في ظل تعدد استخداماته العسکرية والمدنية. وعليه، تسعى هذه الدراسة للوقوف على أبعاد تلک الظاهرة الاستراتيجية المؤثرة في توازنات القوى الدولية. کما تقف الدراسة على أبرز أسبابها وذلک انطلاقًا من الافتراضات النظرية للواقعية الجديدة. کما تصنف القوى الفضائية الدولية تبعًا لقدراتها وجهودها القومية واستراتيجياتها الفضائية الوطنية. وقد توصلت الدراسة إلى تعدد الإشکاليات السياسية والقانونية والمفاهيمية التي تقوض الجهود الدولية الرامية إلى ضبط عسکرة الفضاء، ما يمهد الطريق إلى تسليحه. فمع التطورات التکنولوجية المتسارعة، قد يصبح الفضاء الخارجي ساحة للمعارک المستقبلية بين القوى الفضائية الکبرى، لا سيما في ظل تنامي المشاعر العدائية بين تلک القوى التي تتبنى السيناريو الأسوأ. ولذا، تعددت المبادئ الحاکمة للفضاء الخارجي لتشمل: الهيمنة، والتحکم، والملاذ الأمن، والملجأ الأخير، وغير ذلک. کما تنوعت سياسات الدول تجاه عسکرة وتسليح الفضاء الخارجي بين تکثيف الجهود الوطنية لتسليحه، والتحالف مع القوى الفضائية الکبرى للحفاظ على الأمن القومي للدول، والسعي الحثيث إلى حظر تسليحه.

المؤلف
د. رغدة البهي 
قسم العلوم السياسية، کلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة
مجلة السياسة والاقتصاد، المقالة 14، المجلد 17، العدد 16، أكتوبر 2022، الصفحة 446-480

المقدمة:

لقد تزايد اعتماد المجتمع الدولي على التكنولوجيا الفضائية أكثر من أي وقت مضى، ومن ثم تصاعدت عسكرة/تسليح الفضاء بشكل متزايد لا سيما مع تعدد استخداماته للأغراض العسكرية والمدنية على حد سواء، وهي الاستخدامات التي تمخض عنها دعوات للهيمنة والسيطرة عليه صاحبها شكلًا جديدًا من أشكال سباقات التسلح؛ فإن وضعت الولايات المتحدة الأمريكية -على سبيل المثال- أسلحة في الفضاء، ستتجه الدول الأخرى إلى تطوير أساليب مضادة لمهاجمة الأقمار الصناعية الأمريكية، وإن طورت تلك الدول الأخرى أنظمة مكافئة، سيبدأ سباق تسلح محتدم خوفًا من تحكم دولة بعينها في الفضاء، ليصبح تطوير الأسلحة الفضائية من قبل دول أخرى أمرًا لا مفر منه( ). وبشكل عام، وبالنظر إلى خصوصية الولايات المتحدة، وفي ظل تزايد اعتمادها على الفضاء بالمقارنة بالدول الأخرى، تتزايد بالتبعية احتمالات تعرض أنظمة الفضاء لهجمات محتملة تحت مسمى “بيرل هاربور الفضاء” ((Space Pearl Harbor( ).

ووفقًا لاستراتيجية الفضاء الدفاعية الأمريكية لعام 2020(Defense Space Strategy) ( )، قامت الصين وروسيا بتسليح الفضاء للحد من حرية الولايات المتحدة وحلفائها فيه. وتدفع تلك الاستراتيجية بأن الصين اختبرت وامتلكت قدرات الفضاء المضادة التي تهدد الأمن القومي للولايات المتحدة وحلفائها، فقد ركزت هي وروسيا على أنظمة الفضاء باعتبارها نقطة ضعف أمريكية محتملة، لذا تسعى كلتاهما إلى تطوير الأسلحة الفضائية (مثل: التشويش، والليزر، والأسلحة المضادة للأقمار الصناعية، وغير ذلك)، ما يعني أن الأقمار الصناعية الأمريكية لم تعد في ملاذ أمن في الفضاء من ناحية، وأن التفوق العسكري الأمريكي في الفضاء لم يعد من المسلمات من ناحية ثانية( ).

إذ تثير عسكرة الفضاء وجهود تسليحه إشكاليات سياسية عدة يأتي في مقدمتها الكيفية التي تدرك بها دولة ما جهود دولة أخرى على صعيد استخدامات الفضاء لا سيما في ظل استخداماته المزدوجة؛ ذلك أن الليزر -على سبيل المثال- وإن استُخدم لأغراض الدفاع، فإنه يمكن توظيفه كسلاح هجومي بامتياز ضد أهداف فضائية أو أرضية، ومن ثم يصبح السؤال هو كيف تدرك الولايات المتحدة نشر روسيا لسلاح فضائي قادر على استهداف الأراضي الأمريكية أو أصولها الفضائية؟ وهل يعد ذلك استخدامًا “سلميًا” للفضاء طالما لم يُستخدم للأغراض الهجومية؟ وهل يمكن أن يؤدي نشر مثل هذه الأنظمة إلى سباق تسلح في الفضاء؟ إن تلك الأسئلة هي التي تدفع الدول لتطوير الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية، وهي أيضًا مصدر مبدأ التحكم في الفضاء الذي يدفع مختلف الدول صوب سباق تسلح محتدم( ).

• المشكلة البحثية:

يعد الفضاء الخارجي مشاعًا عالميًا تمتلكه البشرية جمعاء للأغراض السلمية. ومع هذا، يركز المخططون العسكريون على عسكرة الفضاء وتسليحه حتى تجاوز الأمر الصواريخ التي يمكنها اجتياز الفضاء الخارجي، والأقمار الصناعية التي يمكنها توجيه الصواريخ عقب تحديد أهدافها بدقة، وصولًا إلى إمكانية وضع أسلحة بشكل دائم خارج الغلاف الجوي للأرض، وهو ما يعني تعدد استخدامات الفضاء الخارجي بين الأغراض السلمية التي تعود بالنفع على الجميع من ناحية، والاستخدامات العسكرية التي تدلل على تحول الفضاء الخارجي إلى مجال للحرب من ناحية ثانية، ليتعايش الاستخدامان معًا في مفارقة تجعل تسليح الفضاء مصدرًا للسلام على الأرض.

• التساؤلات البحثية:

انطلاقًا مما سبق، يصبح السؤال البحثي الرئيسي الذي تسعى الدراسة للإجابة عنه هو: لماذا اتجهت الدول لا سيما القوى الكبرى إلى عسكرة الفضاء؟ ويتفرع من هذا السؤال جملة من التساؤلات البحثية التي يمكن الوقوف عليها على النحو التالي:

1- ما المقصود بعسكرة الفضاء؟ وما هو الحد الفاصل بين عسكرة الفضاء وتسليحه؟

2- كيف ساهمت استخدامات الفضاء السلمية والمزدوجة في تصاعد حدة عسكرة الفضاء؟

3- كيف يمكن تصنيف الدول تبعًا لقدراتها الفضائية بين دول عظمى ومتوسطة وصغرى؟

4- إلى أين وصل سباق التسلح في الفضاء بين القوى الفضائية الكبرى؟ وما هي أبرز المبادئ التي تحكم سياساتها واستراتيجياتها في الفضاء؟

5- لماذا يصعب وقف عسكرة الفضاء وضبط سباق التسلح فيه؟

• أهمية الدراسة:

تستمد الدراسة أهميتها العلمية بحكم اهتمامها بمفهوم عسكرة الفضاء إلى جانب عدد من المفاهيم المحورية الأخرى ممثلة في: أسلحة الفضاء، وتسليح الفضاء، والدفاع عن الفضاء، والفضاء للدفاع. كما تحاول الدراسة تفسير ظاهرة عسكرة وتسليح الفضاء من خلال المقولات النظرية للواقعية الجديدة. فيما تبرز الأهمية العملية للدراسة بحكم اهتمامها بعسكرة الفضاء بوصفها أحد التحولات الاستراتيجية العالمية ذات الصلة بالتنافس الدولي على نحو يؤثر في توازنات القوى العالمية وسباقات التسلح المستقبلية.

• الإطار المفاهيمي:

يدور الإطار المفاهيمي للدراسة حول مفهومي عسكرة الفضاء وتسليح الفضاء. وفي هذا الصدد، يمكن التمييز بين اتجاهين رئيسيين، وذلك على النحو التالي:

الاتجاه الأول: يرى إمكانية التمييز بين كلا المفهومين على الرغم من استخدامهما بشكل تبادلي في كثير من الأحيان، ويتأسس هذا التمييز على حقيقة مفادها عدم وجود أسلحة منتشرة بالفعل في الفضاء الخارجي ما ينفي عن الأخير صفة التسلح، على عكس صفة العسكرة الملازمة له بالنظر إلى تعدد الأقمار الصناعية التي يمكن توظيفها للأغراض العسكرية التي قد تسفر عن تعطيل أو تدمير الأصول الفضائية للدول الأخرى( ). ومن الأمثلة البارزة على ذلك “نظام تحديد المواقع العالمي” (GPS-Global Positioning System)؛ فقد طور الجيش الأمريكي هذا النظام للأغراض الملاحية، وإن استخدم في عدد من المهام العسكرية مثل: الملاحة البرية والبحرية والجوية، وتخطيط المهام العسكرية، وتوجيه الذخائر الدقيقة، وغير ذلك. فمثل تلك الاستخدامات للأقمار الصناعية يمكن تسكينها في إطار عسكرة الفضاء وليس تسليحه، لأن تلك الأنظمة لا تعد أسلحة في حد ذاتها، ولكنها تستخدم لتعزيز الأنظمة العسكرية الأرضية.

وبعبارة أخرى، فإن تسليح الفضاء يشير إلى نشر أسلحة فضائية، أما عسكرة الفضاء فتشير إلى تطوير التكنولوجيا العسكرية في مدار الأرض وفي الفضاء السحيق، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والطائرات الشراعية التي تفوق سرعتها سرعة الصوت التي تمر عبر الفضاء الخارجي واستخدامها لأغراض: الاتصالات، والملاحة، وجمع المعلومات الاستخبارية، وغير ذلك. وبهذا المعنى، فإن هناك فارقًا حقيقيًا بين استخدام الأنظمة المدارية لتأمين الاتصالات العسكرية والنشر الفعلي لأنظمة الأسلحة في المدار مع القدرة على تدمير الأهداف سواء في الفضاء أو في الأرض. وعليه، تنبغي الإشارة إلى أن الأسلحة التي تتطور على الأرض لا تعد أسلحة فضائية حتى لو كانت تمر عبر الفضاء مثل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وأن أنظمة الفضاء التي تُستخدم لجمع المعلومات الاستخبارية أو لدعم الاتصالات وغير ذلك لا تُعتبر أسلحة فضائية؛ إذ يستخدم السلاح الفضائي لممارسة القوة مباشرة ضد الخصم أو لعرقلة قدرته على شن عمليات عسكرية في الفضاء) (.

الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه الذي تتبناه الدراسة، ويرى أن تسليح الفضاء يشير إلى وضع أجهزة فضائية ذات قدرات تدميرية في المدار، مع الأخذ في الاعتبار أنه وفقًا لهذا الاتجاه، فإن الأنظمة الأرضية المصممة للهجمات الفضائية أو المستخدمة على خلفيتها تشكل أيضًا أسلحة فضائية على الرغم من عدم وجودها في الفضاء الخارجي. وتبعًا لهذا الاتجاه أيضًا، فإن الأسلحة التي تنتقل عبر الفضاء من أجل الوصول إلى أهدافها (مثل المركبات التكنولوجية التي تفوق سرعتها سرعة الصوت) تسهم أيضًا في تسليح الفضاء. كما يمكن أن تشكل العديد من عناصر نظام الدفاع الصاروخي أسلحة فضائية أيضًا، حيث يمتلك العديد منها خصائص الاستخدام المزدوج، ما يسمح لها بتدمير الأصول الفضائية وكذا الصواريخ الباليستية. أما عسكرة الفضاء، فتشير إلى استخدام الفضاء لدعم العمليات العسكرية البرية والبحرية والجوية، وهو ما يشمل تطوير الأصول الفضائية مع دعم البنية التحتية الأرضية للاستخدامات العسكرية والاستخبارية (مثل: الإنذار المبكر، والاتصالات، والقيادة، والتحكم، والمراقبة، والاستشعار عن بعد)، ما يساعد في تحسين القيادة والسيطرة والاتصالات وعمليات المراقبة في ساحات المعارك.

وتجب الإشارة إلى مفهوم أسلحة الفضاء على الرغم من صعوبة تعريفه بالنظر إلى تعدد الأشياء التي يمكن استخدامها كأسلحة في الفضاء؛ فالأقمار الصناعية على سبيل المثال وبصرف النظر عن وضعها قيد التشغيل من عدمه يمكن وضعها في مسار تصادمي لإتلاف أي جسم يدور بشكل خطير. وبالإضافة إلى ذلك، فإن 95٪ من الأقمار الصناعية تستخدم لأغراض عسكرية ومدنية على حد سواء( ).

وتبعًا لهذا الاتجاه، فإن تسليح الفضاء هو جزء فرعي من عسكرته، ولا يوجد سوى فارق دقيق بين كلا المفهومين؛ إذ يمكن النظر إلى أنظمة الفضاء المستخدمة للأغراض المدنية مرورًا بالأقمار الصناعية التي تدعم العمليات العسكرية الأرضية وصولًا إلى الأقمار الصناعية باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من أنظمة الأسلحة الأرضية أو الأسلحة نفسها التي يتم نشرها في الفضاء؛ بحيث يتضمن تسليح الفضاء نشر مجموعة كاملة من أسلحة الفضاء (بما في ذلك: الأنظمة القائمة على الأقمار الصناعية للدفاع ضد الصواريخ الباليستية، والأسلحة الفضائية المضادة للأقمار الصناعية، وذلك من بين أنواع أخرى)، بهدف التحكم في الفضاء (بمعنى حماية أصول الدولة المدارية وأصول الدول الصديقة، ومهاجمة أصول الخصم، ومنع وصوله إلى الفضاء من خلال تدمير أقماره الصناعية، وحرمانه من مزايا أصوله المدارية) وتطبيق القوة الفضائية (أي مهاجمة أهداف أرضية من أسلحة فضائية، ما يقلل الوقت المتاح أمام الخصم للرد، ويزيد من خسائره حال مهاجمة أهداف استراتيجية)( ).

• الإطار النظري:

تقدم الواقعية الجديدة تفسيرًا لمفهوم عسكرة الفضاء الذي يمكن تسكينه في إطار أمن الفضاء بشكل أوسع، وتتمثل أبرز افتراضاتها في فوضى النظام الدولي (بمعنى غياب الحكومة العالمية التي يمكنها إجبار الدول على اتخاذ قرار بعينه، ما يدفع الدول إلى تبني أسوا السيناريوهات والاعتماد على الذات في ظل الطابع البنيوي للصراع الدولي، بل وتبني تدابير دفاعية استباقية لتجنب العمل العدواني المحتمل). وفي هذا السياق، تؤمن الواقعية الهجومية بأن الطبيعة الهيكلية للنظام الدولي الفوضوي تدفع الدول إلى تعزيز قدراتها لمواجهة التهديدات المتصورة التي تتجلى في صورة شك دائم ومتأصل تجاه الدول الأخرى، الأمر الذي يترجم نفسه في صورة زيادة قدراتها الهجومية مُخلفًا معضلة أمنية( ).

إذ تحدث المعضلة الأمنية نتيجة قيام دولة واحدة بزيادة أمنها على نحو ينتقص من أمن الأخرين، وهو الشعور الذي تعززه البيئة الفوضوية الدولية. ونتيجة لسعي الدول الحثيث لامتلاك القوة لزيادة أمنها وضمان هيمنتها من ناحية، وتراكم القدرات العسكرية الهجومية التدميرية بينما تفتقر الدول الأخرى للقدرات المتقدمة لمواجهتها من ناحية ثانية، ستزداد حدة التهديدات الأمنية ومن ثم المنافسة الاستراتيجية، وتتأجج الصراعات بين الدول في ظل انعدام الثقة المستمر واستمرار الشك في نوايا الدول الأخرى( ).

وتطبيقًا لما سبق، يمكن القول إن عسكرة الفضاء هي مرآة عاكسة لسعي الدول الحثيث لتعظيم أمنها، وهو ما يتجلى في جملة من المؤشرات منها: حجم الانفاق العسكري على التكنولوجيا والأسلحة المضادة للأقمار الصناعية مع الاختبار المستمر لها، والإيمان بأن من يتحكم في المدار الأرضي المنخفض يتحكم في الفضاء القريب من الأرض وأن من يتحكم في الأخير يسيطر على الأرض، واستمرار استخدام الذخائر التقليدية في الفضاء، وتكثيف استخدامات الفضاء العسكرية، وغير ذلك. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الاختبار الصيني للأسلحة المضادة للأقمار الصناعية في يناير 2007 (لتسقط الصين أحد أقمارها الصناعية المخصصة للاستخدامات البيئية ومراقبة الطقس) لتصبح الدولة الثالثة -بعد الولايات المتحدة وروسيا- التي اختبرت بنجاح الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية في أول اختبار لسلاح مضاد للأقمار الصناعية منذ الثمانينيات (على الرغم من ادعاء الصين أن الاختبار لم يكن مقصودًا ولم يكن عملًا عدوانيًا) على أنه محاولة لمواجهة الهيمنة العسكرية الأمريكية في الفضاء، ما يعكس النوايا العدائية التي تفسر بها كل دولة سلوك الدول الأخرى في الفضاء( )، حتى أضحت عسكرة الفضاء لدى بعض الدول -وفي مقدمتها الصين- أمرًا حتميًا تاريخيًا.

كما يمكن القول إن ديناميكيات المعضلة الأمنية (سواء البيئة الهيكلية الفوضوية أو تراكم القوة الهجومية للقوى الفضائية أو النوايا العدائية المشتركة) ترجع بالأساس إلى عدم وجود نظام ملزم قانونًا يحظر عسكرة الفضاء بالنظر إلى الضعف العام للإطار القانوني الذي ينظم الأنشطة الفضائية، ويعالج مسألة نشر الأسلحة أو استخدامات الفضاء العسكرية، لأنه يركز فقط على حظر الأسلحة النووية أو أسلحة الدمار الشامل. إذ تفتقر الجهود الرامية إلى السيطرة على سباق التسلح في الفضاء إلى صفة الإلزامية بالنظر إلى تضارب الرؤى المفسرة لها من ناحية، والتقدم التكنولوجي لقوى الفضاء النشطة التي يمكن أن تصيب أي إطار قانوني محتمل لتنظيم عسكرة الفضاء بالشلل والجمود جراء تمتعها بحق الفيتو في مجلس الأمن من ناحية ثانية. فلا تزال سياسات الفضاء بيد القوى الفضائية الكبرى دون وجود لأطر ملزمة تثنيها عن عسكرته.

إن مخاوف الدول وقلقها تجاه نوايا بعضها البعض قد دفعها للتفاعل في بيئة ضبابية تفتقر إلى اليقين تجاه سلوك الخصم، وهو ما يتضح بشكل كبير في تفاعلات روسيا والولايات المتحدة والصين؛ وهو ما أدى إلى رفض العديد من الصكوك القانونية المقترحة لحظر عسكرة الفضاء بسبب التخوف من النتائج والعواقب غير المؤكدة مثل مشروع معاهدة “منع نشر الأسلحة في الفضاء الخارجي والتهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد الأجسام الموجودة في الفضاء الخارجي” (معاهدة منع نـشر الأسلحة في الفضاء الخارجي) المعروفة اختصارًا باسم (PPWT) التي قدمتها الصين وروسيا في عام 2008 والتي رفضتها الولايات المتحدة( ) خشية السماح ببناء كلتيهما للقدرات الهجومية التي قد تهدد أمنها القومي عبر زيادة ضعفها في الفضاء الخارجي بسبب الاعتماد المتزايد على التطبيقات الفضائية للاستخدامات الأرضية وبخاصة للأغراض العسكرية.

كما يتجلى الخوف وعدم اليقين أيضًا في رد فعل الولايات المتحدة تجاه تطوير الصين للأقمار الصناعية؛ حيث أظهرت لجنة الخدمات المسلحة بمجلس النواب (House Armed Services Committee) خوفها من نوايا الصين ودوافعها، وجادلت بأن حظر عسكرة الفضاء أمر غير وارد، بل وطالبت بزيادة الميزانية المخصصة لبرامج الفضاء الأكثر تقدمًا التي يمكنها تدمير الأقمار الصناعية للخصوم.

إذ تشير الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية وأدوات الدفاع الصاروخي الباليستي والأقمار الصناعية ذات الأغراض المزدوجة إلى التطور المضطرد في القدرات الهجومية التي لم يجرمها الإطار القانوني للفضاء؛ فقد شكلت المعاهدات المعتمدة الخطوط الأساسية لعسكرة الفضاء تاركة ثغرات عدة على صعيد أنواع الأسلحة والقدرات الفضائية، الأمر الذي أتاح المجال لإساءة استغلال الغموض وتطوير قدرات فضائية هجومية أكثر تقدمًا. إن التطور المضطرد للبرامج الفضائية يندرج تحت مفهوم القوة التراكمية التي ستدفع بدورها الدول الأخرى لتطوير برامجها وقدراتها الفضائية مع التركيز على الإمكانات الهجومية التي يمكنها أن تستهدف القدرات الفضائية للخصم( ).

ويستخلص مما سبق أن تاريخ عسكرة الفضاء قد شهد تغيرات هائلة بدأت بممارسات ضبط النفس أثناء الحرب الباردة، وانتهت بتطوير قدرات فضائية تكنولوجية جديدة ذات قدرات هجومية غير محظورة قانونًا، وأن عسكرة الفضاء إنما هي انعكاس واقعي لمعضلة أمنية كلاسيكية بين القوى الكبرى. إذ يتأسس تسليح الفضاء على ثلاث افتراضات هي: الحتمية، والضعف، والسيطرة؛ فكلما ارتفع مستوى الاعتماد على الأصول الفضائية للأغراض العسكرية، زادت نقاط الضعف. وعلاوة على ذلك، فإن الدول التي لديها القدرة على إطلاق صواريخ باليستية عابرة للقارات (ICBM) أو وضع أقمار صناعية في الفضاء ستكون أيضًا قادرة على شن هجوم مضاد للأقمار الصناعية، ما يعني أن انتشار الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية ستصبح مشكلة دولية كبرى يمكن مقارنتها بالانتشار النووي.

أولًا: تأجج العسكرة.. رؤية تحليلية:

خلال حقبة الحرب الباردة، ومع التقدم المضطرد في عسكرة الفضاء، تجنبت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي تسليح الفضاء من خلال عدد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، بيد أن ذلك لا يعني بالضرورة انعدام جهود تسليح الفضاء في عصر جديد من الحروب غير المتكافئة لا سيما مع صعوبة حماية الأقمار الصناعية التي أصبحت أهدافًا سهلة لأسلحة الفضاء من ناحية، وما كشف عنه الوضع الاستراتيجي العالمي من حقيقة مفادها تطوير عدد من الدول لقدراتها الفضائية مزدوجة الاستخدام بوتيرة متسارعة ما أثر بالضرورة في موازين القوى الدولية لا سيما أن عددًا كبيرًا من الدول التي ترتاد الفضاء ترى أن الحروب المستقبلية ستنصرف إليه بالضرورة من ناحية ثانية( ).

وبعبارة أخرى، يمكن القول إنه مع التطورات التكنولوجية المتسارعة، قد يصبح الفضاء الخارجي ساحة للمعارك المستقبلية، لأنه يمثل الأرض المرتفعة المطلقة التي تلبي رغبة القادة العسكريين التقليدية في “رؤية الجانب الآخر من التل”. وبصرف النظر عن احتمالات اندلاع حرب فضائية من عدمه، يظل للفضاء أهمية استراتيجية كبرى ساهمت في عسكرته؛ فمنذ نهاية الستينيات، كان للأقمار الصناعية تطبيقات مدنية وعسكرية واستخباراتية وتجارية. ولدورها المحتمل في إطلاق صواريخ باليستية عابرة للقارات برؤوس نووية، تعددت الاتفاقيات الدولية الرامية إلى منع تسليح الفضاء، لكنها لم تفلح في تجنب الانتشار العالمي المتزايد للصواريخ البالستية العابرة للقارات.

وفي أوائل الثمانينيات، تأسست “مبادرة الدفاع الاستراتيجي” (المعروفة باسم برنامج “حرب النجوم”) على إمكانية وضع عدد كبير من الأقمار الصناعية في مدار من شأنه الكشف عن إطلاق صواريخ العدو ثم إسقاطها كجزء من مفهوم الدفاع الشامل كملاذ أخير في صورة درع وقائي ضد الهجمات الصاروخية التي قد تحمل رؤوسًا نووية. فقد تأسس الدفاع الصاروخي في إحدى صوره على تدمير صواريخ العدو في مواقعها قبل إطلاقها باستخدام الأقمار الصناعية الفضائية أو في مرحلة تعزيزها حيث تتراجع سرعتها مع صعوبة إخفاءها.

أما في أوائل التسعينات، أثبتت حرب الخليج الثانية 1990-1991 قدرة الفضاء على أن يكون عاملًا قتاليًا فعالًا يوفر تكنولوجيا معلومات محسّنة، وقد تجلى ذلك حينما اعتمدت الولايات المتحدة على الأقمار الصناعية لأغراض الاستطلاع العسكري والاتصالات وتحديد الأهداف وتوجيه الأسلحة والنيران والقيادة والسيطرة على ساحات المعارك) (. فقد تحولت أهمية القدرات الفضائية من الأهمية الاستراتيجية البحتة إلى الأهمية التكتيكية أثناء تلك الحرب بعد أن سمحت استخبارات الإشارة (أي اعتراض الإشارات العدائية)، والاتصالات السلكية واللاسلكية، وتحديد المواقع الملاحية، والعديد من التطورات التقنية الجديدة الأخرى لأول مرة للولايات المتحدة بدعم شبه فوري لقواتها البرية وتوجيها الدقيق للذخائر. ففي تلك الحرب، كان ما يقرب من 3% من الذخائر التي أسقطتها القوات الأمريكية موجهة بدقة باستخدام الأقمار الصناعية ونظام تحديد المواقع العالمي. والجدير بالذكر أن تلك النسبة ارتفعت في حرب كوسوفو في عام 1999 إلى 33% وفي حرب أفغانستان في عام 2001 إلى 60%) (.

لقد لاحظت الدول الأخرى مدى فعالية تلك الأسلحة الرائدة وأنظمة الاستخبارات القائمة على التطبيقات الفضائية بطبيعة الحال؛ فبدأت روسيا والصين في تطوير برامج مضادة للأقمار الصناعية منذ عقد التسعينات، ما أدى إلى تأجيج عسكرة الفضاء وتضخيم معضلته الأمنية. فلا شك في تزايد الأهمية الاستراتيجية للأقمار الصناعية والأنظمة المدارية الأخرى التي نجمت عن التطور المتسارع في تقنيات الفضاء والتي شملت أنظمة التسلح الدفاعية (للقضاء على التهديدات) والهجومية (لتأمين الميزات العسكرية وتحقيق الردع). ولم يعد تطوير تقنيات وبرامج الفضاء مقتصرًا على الدول الكبرى (مثل: الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، واليابان، والصين) أو المنظمات الدولية (مثل: حلف شمال الأطلسي، ووكالة الفضاء الأوروبية). فقد تنامت تقنيات الفضاء وتعددت استخداماتها السلمية لأغراض السياحة الفضائية (بقيادة شركة “سبيس إكس”) ولأغراض الاتصال ومراقبة الطقس والملاحة، بجانب الاستخدامات العسكرية التي صاحبها تزايد نمو الاستثمارات في الأنظمة الدفاعية التي تؤمن الأقمار الصناعية( ). فأضحت كل دول العالم تقريبًا مستهلكًا للخدمات الفضائية، وتطورت الأسلحة الفضائية من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات إلى الأنظمة الدفاعية المصممة لإيقافها في إطار الدفاع الصاروخي.

ولا شك أن اندلاع حرب فضائية سيقوض الثقة والتعاون الضروريين لتعزيز الاستخدامات السلمية للفضاء. وعلى الرغم من هذه الحقيقة، فإن مشروعات عسكرة الفضاء الخارجي وتسليحه ما فتئت تتزايد بهدف الهيمنة العسكرية على الفضاء الخارجي والتي تنبع من عدم الثقة في قدرة أنظمة الدفاع الصاروخي الحالية على إعاقة صاروخ عابر للقارات ومسلح برأس حربي نووي من ناحية، وأهمية تطوير الأقمار الصناعية في الفضاء كي تتصدي للأسلحة المضادة للأقمار الصناعية من ناحية ثانية، وتعزيز قدرات الدول حال شنت أو خاضت حربًا برية أو بحرية أو جوية بالنظر إلى قدرة الأقمار الصناعية على تصوير الأرض وتحديد المواقع بدقة متناهية ودعم أنظمة الملاحة والاتصالات والطقس من ناحية ثالثة. وعليه، تظل الأقمار الصناعية بحاجة إلى الحماية، ما يعزز ضرورة تطوير أسلحة متطورة بنفس قدر تطور الأقمار الصناعية نفسها. وبعبارة أخرى، لقد أدى الاعتماد على الأقمار الصناعية للأغراض العسكرية إلى تطوير وسائل عدوانية لمواجهة القدرات الفضائية للدول الأخرى، وهي الوسائل التي تشمل: أسلحة الاستطلاع، والأسلحة المضادة للأقمار الصناعية، وأسلحة الضربة المباشرة، وغير ذلك( ).

وقد أدى تزايد الاعتماد على الفضاء إلى تفاقم التوتر بين القوى العالمية، وتعزيز الاتجاه إلى عسكرة الفضاء؛ فخلال الحرب الباردة، اتجهت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى ضبط النفس الفعال. لذلك، تبنت الدولتان اتفاقات ثنائية عدة، وانخرطتا في مفاوضات عدة لحظر نشر القدرات العدوانية في الفضاء. ومع ذلك، لا يزال النظام القانوني المعتمد لتنظيم الأنشطة الفضائية غير قادر على معالجة التطورات التكنولوجية الحديثة. كما أدت زيادة الدول الفاعلة في هذا المجال إلى جانب الأقمار الصناعية المنتشرة ذات الأغراض المزدوجة إلى تحويل المدار الفضائي إلى ساحة احتدم فيها سباق التسلح بين لاعبي الفضاء الكبار بهدف الحفاظ على مصالحهم الوطنية وضمان بقائهم، ما يفسر النهج المتردد للقوى الفضائية الكبرى تجاه تشكيل نظام قانوني فعال ومُحدّث يمكنه أن يعالج الأبعاد المختلفة لعسكرة الفضاء( ).

وبشكل عام، وانطلاقًا من المقولات النظرية للواقعية الجديدة، يمكن القول إن تسليح الفضاء بات تهديدًا أمنيًا لا سيما أن الإجراءات الأحادية التي تتخذها البلدان لتسليحه تزيد من عدم اليقين داخل النظام الدولي، وتفاقم التهديدات البيئية الناجمة عن التجارب على الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية التي أدت إلى تكوين كميات كبيرة من الحطام الفضائي. إذ تزيد قطع الحطام الموجودة بالفعل في الفضاء عن 500 ألف قطعة، لتشكل مخاطر كبيرة على مستقبل الفضاء والبنية التحتية الحالية الموجودة فيه، وكذلك الأقمار الصناعية المستقبلية والمركبات الفضائية والبعثات الاستكشافية. وعمومًا، يكون الحطام الفضائي طبيعيًا (مثل الكويكب) أو اصطناعيًا (مثل ذلك الناجم عن تدمير الأقمار الصناعية القديمة).

وعلى الرغم من تراجع احتمالات التصادم، فإن هناك ما يقرب من 300 ألف قطعة من الحطام ذات حجم كافٍ لتدمير الأقمار الصناعية عند الاصطدام بها. إذ تشمل التهديدات الناجمة عن اصطدام الحطام الفضائي فشل نظام تحديد المواقع العالمي المعتمد على الأقمار الصناعية، وتعطيل خدمات الطوارئ، وشلل والأنظمة المصرفية العالمية وشبكات الطاقة الكهربائية على سبيل المثال، لذا وجه المجتمع الدولي اهتمامه إلى برامج تخفيف الحطام وتنظيفه رغم صعوبة تتبعه وتفاقم أعداده مستقبلًا مع زيادة الأنشطة البشرية.

وبإعادة صياغة ما سبق، يمكن القول إن الفضاء سيلعب دورًا حاسمًا في العمليات العسكرية المستقبلية على نحو يؤثر في توازنات القوى الدولية، إذ تبشر عسكرة الفضاء ببداية عصر جديد من المنافسة الشرسة بين القوى الكبرى لا سيما أن العديد من الحكومات على الرغم من اتفاقها من حيث المبدأ على الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي، فإن المعاهدات والاتفاقيات المختلفة المعمول بها لتعزيز هذا لم تمنع حقيقة أن الفضاء الخارجي بات مجالًا تنافسيًا( ) وبخاصة مع ارتباطه الوثيق بعقيدتي “الملاذ الأمن” و”الملجأ الأخير” اللتين ظهرتا استجابة للمخاوف من الاستخدامات العسكرية للفضاء.

فلا شك في أهمية أقمار الاتصالات السلكية واللاسلكية وتحديد المواقع على سبيل المثال في وقت السلم، لكنها أهداف سهلة في زمن الحرب. وعليه، يجب أن تعتمد الخدمات العسكرية على الأصول المقاومة للمخاطر والتي يسهل نشرها في حالة وقوع هجوم عسكري وشيك. وقد بني ذلك المبدأ على صعوبة تحريك الأقمار الصناعية أو تغيير مساراتها بسهولة من ناحية، وتزايد أهميتها بحكم كونها مصدرًا لبيانات الاستخبارات اللازمة للخدمات العسكرية ما يجعلها أهدافًا محتملة من ناحية ثانية. وعلى الرغم من ذلك، واجه ذلك المبدأ انتقادات عدة شككت في ضعف الأصول المنتشرة في الفضاء الخارجي لأن النظام الروسي المضاد للأقمار الصناعية بالكاد يشكل تهديدًا خطيرًا للأقمار الصناعية الأمريكية الموجودة في ارتفاعات عالية، ناهيك بارتفاع تكلفة التكنولوجيا المضادة للأقمار الصناعية، ما يعني ضرورة جني مكاسب تفوق التكاليف المتكبدة. وقد غيرت تلك الانتقادات من نظرة القيادات السياسية إلى الفضاء، واضفت عليه طابعًا تجاريًا يغلب على طابعه العسكري، وسمحت للقطاع الخاص بنقل شحنات البضائع إلى محطة الفضاء الدولية (International Space Station)( )، فظهرت قوانين تنظم استكشاف الموارد الفضائية، وتسمح ببيعها لشركات خاصة.

ومع ضعف مبدأ “البقاء على قيد الحياة”، ظهر نهج جديد يبرر عسكرة الفضاء انطلاقًا من مبدأ الأرض المرتفعة ((High-Ground الذي يعني ضرورة السيطرة على الفضاء الخارجي للحفاظ على التفوق العسكري في البر والبحر والجو، ولكي يتحقق هذا لا بد من تطوير واستخدام تقنيات قادرة على استخدام الصواريخ الباليستية الدفاعية مباشرة من الفضاء لأنها ستدافع عن الأقمار الصناعية المدنية والعسكرية ضد ضربات العدو. إذ يمكن لهذه التكنولوجيا اعتراض الهجمات المعادية قبل أن تترك الغلاف الجوي للأرض في طريقها إلى الفضاء الخارجي.

ومع ذلك، ظهرت عقيدة جديدة لعسكرة الفضاء ممثلة في مبدأ “التحكم” التي قدمتها دراسة صادرة عن “معهد أبحاث القوة الجوية”( ) للكاتب “ديفيد لوبتون” (Lupton David) لتدفع بأن القوة الفضائية يجب أن تكون مماثلة للقوة البحرية والجوية، بل وتدافع عن المرافق الاستراتيجية، وتنكر القدرات العدائية لاستكشاف الفضاء، لتتعايش القوة الفضائية مع المجالات الأخرى من أجل الدفاع عن أصول الدولة في وقت السلم، وتوظفها كقدرة هجومية في مواجهة الخصم في وقت الحرب. وبينما اعتبر مبدأ “التحكم” أن وضع سلاح الليزر في الفضاء أمر غير منطقي لأنه سيحفز البلدان الأخرى على فعل الشيء نفسه، دفع مبدأ “الأرض المرتفعة” بأن نقل مسرح الحرب إلى الفضاء يمكن أن يخفف من الدمار المحتمل على سطح الأرض. ويرى المبدأ الأول أن ضمان السيطرة على الفضاء في وقت السلم سيفوق أهمية إعداد أسلحة دفاعية تحسبًا للحرب، وأن المركبات القادرة على العمل في كل من الغلاف الجوي والفضاء الخارجي ستكون ضرورية لتحقيق التفوق العسكري في الأخير، وأن احتمالات “بيرل هاربر الفضائي” لا تزال قائمة. لذا وضعت وزارة الدفاع مبادئ توجيهية للمساعدة في إنشاء “قيادة مقاتلة مسؤولة عن الفضاء” بهدف إظهار الهيمنة الأمريكية على الفضاء الخارجي، وضمان سلامة الأقمار الصناعية والأجهزة المدارية الأخرى( ).

وتظهر موافقة الكونجرس في أواخر عام 2019 على إنشاء القوة الفضائية (باعتبارها الفرع السادس للقوات المسلحة الأمريكية) مدى تأثير مبدأ التحكم؛ فقد سبق أن قال “جوزيف آشي” (الجنرال السابق في سلاح الجو الأمريكي) “إنه أمر حساس من الناحية السياسية، لكنه سيحدث. بعض الناس لا يريدون سماع هذا، ومن المؤكد أنه ليس رائجًا… لكن بالتأكيد سنقاتل في الفضاء. سنقاتل من الفضاء، وسنقاتل في الفضاء”. وفي السياق ذاته، قال “مايكل شميت” (أستاذ القانون الدولي العام وخبير حرب الفضاء في جامعة “إكستر” في المملكة المتحدة) إنه من المحتمل أن ينتقل الصراع إلى الفضاء( ).

إذ ينبع الاعتقاد السائد بحتمية تسليح الفضاء جزئيًا من الاقتناع بأن حروب المستقبل ستنصرف إلى حروب الفضاء التي لن تختلف بالضرورة عن البر والبحر والجو بعد أن شهدوا جميعًا حروبًا عسكرية من ناحية، وضرورة السعي وراء القدرات الفضائية كي تملك الدول خيار نشر أسلحة في الفضاء لردع التهديدات والدفاع ضد الهجمات المحتملة على مصالحها القومية بما يتناسب مع درجة اعتمادها على الأصول الفضائية من ناحية ثانية، وحتمية الانخراط في تسليح الفضاء خشية أن يُفهم ضبط النفس على أنه ضعف محتمل من ناحية ثالثة.

ثانيًا: استخدامات الفضاء:

تشمل الاستخدامات السلمية للفضاء كما سبق القول: الاتصالات (الهواتف المحمولة، والراديو، والمعاملات المصرفية) والنقل (نظام تحديد المواقع العالمي ومراقبة الحركة الجوية) والبيئة (الإدارة البيئية، ورصد الطقس، والتنبؤ بالمناخ، ومراقبة الكوارث الطبيعية)( ). كما استُخدم الفضاء للأغراض العسكرية لعقود من الزمن، وإن كان مقتصرًا على نشر أنظمة عسكرية غير هجومية مثل أقمار الاتصالات والملاحة والتصوير والمراقبة. ومع ذلك، طورت عدة دول بنية عسكرية فضائية شاملة لتسهيل الأنشطة العسكرية على الأرض؛ فبات الفضاء مجالًا عسكريًا تتطلع الدول إلى استخدامه لتعزيز قدراتها العسكرية وأمنها. وما يدلل على هذا حرب الخليج الثانية التي وُصفت بأنها “حرب الفضاء الأولى” بسبب الاستخدام الاستراتيجي للاستخبارات التكتيكية، وبيانات الأرصاد الجوية والجيوديسية، والاتصالات عبر الأقمار الصناعية( ). ويمكن فيما يلي الوقوف على أبرز استخدامات الفضاء، وذلك على النحو التالي:

أ‌- الاستخدامات المزدوجة:

تدور تلك الاستخدامات حول الاستطلاع والاتصالات والملاحة والتنبؤ بالطقس والدراسات الجيوديسية( ). وتشير التقديرات إلى أنه من بين جميع الأقمار الصناعية التي أطلقتها القوى الكبرى، فإن أكثر من نصفها مخصصة للأغراض العسكرية. وبشكل عام، يمكن الوقوف على أبرز تلك الاستخدامات في النقاط التالية:

 الاستطلاع: وهو الاستخدام الأكثر ذيوعًا؛ إذ يمكن تزويد أقمار الاستطلاع بأجهزة استشعار لجمع المعلومات كي يمكنها مراقبة اتصالات الخصم والاستماع إلى إرساله عبر الإذاعة والتلكس والرادار بل وتسجيل محتواه. وعقب عودتها إلى مجال جوي صديق، تنقل الأقمار الصناعية الإرسالات المسجلة إلى محطات أرضية. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك إطلاق مكتب الاستطلاع الوطني الأمريكي (وكالة الاستخبارات المسئولة عن إطلاق الأقمار الصناعية وصيانتها والتي تمتلك نحو 50 قمرًا صناعيًا من أقمار جمع المعلومات) القمر الصناعي المعروف باسم “إن. آر. أو. إل. 85” في إبريل 2022 تحت مسمى الأمن القومي الأمريكي( ).

 المراقبة: يمكن تزويد أقمار الاستطلاع بالأشعة تحت الحمراء لاكتشاف ما هو تحت الأرض أو ما يسعى الخصم إلى إخفاؤه بالتمويه. والأهم أن الأقمار الصناعية يمكنها التحذير من هجوم محتمل بالصواريخ الباليستية في غضون ثوانٍ من إطلاقها من خلال رصد عوادمها المنبعثة. ومن أشهر أنواع أقمار المراقبة ذلك المعروف باسم كابيلا 2″ (Capella 2) الذي أطلقته شركة (Capella Space)( ) في عام 2020، لا سيما أنه يمكنه التقاط صور شديدة الوضوح لأي بقعة في العالم ليلًا أو نهارًا بصرف النظر عن حالة الطقس بدقة متناهية دون أن تحول الجدران الخرسانية دون ذلك( ).

 الاتصالات: تقدم الاتصالات المعتمدة على الأقمار الصناعية روابط آمنة بين القوات البرية والسفن والطائرات من ناحية، والقيادة التكتيكية والمخططين الاستراتيجيين في أرض الوطن من ناحية ثانية. إذ تمكن تلك الاتصالات الجيوش من التواصل المتزامن بين مختلف الوحدات والمحطات التي يفصل بينها آلاف الأميال. ولتعزيز مرونتها، تعتمد الجيوش على محطات أرضية قابلة للتنقل. وبشكل عام، تعتمد ثلثا الاتصالات العسكرية الأمريكية على الأقمار الصناعية. كما تملك الولايات المتحدة نظام اتصالات خاص بالأقمار الصناعية الدفاعية تحت اسم (DSCS)، وهو أقرب ما يكون إلى كوكبة أقمار صناعية تتبع قوة الفضاء الأمريكية، ويتمثل هدفها الأساسي في إمداد البلاد بالاتصالات العسكرية ودعم مختلف المستخدمين العسكريين حول العالم( ).

 الملاحة: بمساعدة الأقمار الصناعية المخصصة للأغراض الملاحية، يمكن للملاح الحصول على موقع ثابت بثلاث أبعاد في حدود 10 أمتار، بجانب تحديد السرعة في حدود 6 سنتيمترات في الثانية، ما يُمكن أنظمة الأسلحة المتنقلة (مثل: الصواريخ النووية العابرة للقارات، وصواريخ كروز، وغير ذلك) من إصابة أهدافها بدقة متناهية. وتعمل الولايات المتحدة على تطوير نظام (Navstar Global) لتحديد المواقع بخصائص متطورة تمتاز بالدقة العالية والتغطية الشاملة والدائمة التي تضمن استمرارية التشغيل حتى في حالة عدم استخدام بعض الأقمار الصناعية مع اقترانه بأنظمة الملاحة الأخرى( ).

 الأرصاد الجوية: يمكن استخدام أقمار الأرصاد الجوية لمعرفة مواعيد إطلاق أقمار الاستطلاع الصناعية حتى تعثر على المنطقة المراد استشعارها بحيث تخلو من السحب. ولذا، تتزايد أهميتها في مهام القصف العسكري على سبيل المثال، إذ تعتمد العديد من العمليات العسكرية على الأرصاد الجوية، بما يشمله ذلك من استهداف الصواريخ البالستية العابرة للقارات التي تتأثر مسارات ناقلاتها بالظروف الجوية السائدة في طريقها إلى أهدافها المنشودة. وقد تستخدم أقمار الطقس الصناعية في مراحل متقدمة للتحكم في الطقس واستخدامه لأغراض عدائية.

 الدراسات الجيوديسية: يمكن أن تساعد الأقمار الصناعية التي تدرس شكل الأرض ومجال الجاذبية غير المنتظم والمواقع الدقيقة للنقاط المختلفة على سطح الأرض في الحساب الدقيق لمسارات الصواريخ والطائرات.

وبشكل عام، كلما زاد اعتماد الدول على الأقمار الصناعية، زادت الحاجة إلى حمايتها وتأمينها. وكلما زاد الاعتماد على الفضاء كمضاعف للقوة، زادت احتمالات استهداف الأقمار الصناعية. فعلى سبيل المثال، يعتمد 80% من الطائرات العسكرية الأمريكية طويلة المدى على الأقمار الصناعية، وهو ما يحتم على الولايات المتحدة حمايتها( ). وفي هذا الإطار، يجدر التمييز بين مفهومي الفضاء للدفاع والدفاع عن الفضاء؛ إذ يشير الأول إلى القدرات الفضائية السابق ذكرها والتي تعمل كعامل تمكين أثناء الصراع العسكري، بينما يشير الثاني إلى ضرورة حماية القدرات الفضائية للدول عبر جميع التدابير النشطة والسلبية المتخذة لحماية قدرات الفضاء من الهجوم أو من مخاطر غير مقصودة مثل الرياح الشمسية أو الحطام الفضائي. وتشمل الجهود الدفاعية لمواجهة هذه التهديدات تدابير لخداع أنظمة استهداف العدو وإضعافها وتدميرها، وحماية الأصول الفضائية ماديًا، فضلًا عن توزيع وتنويع المنصات والمدارات والأنظمة المستخدمة( ).

ب‌- الاستخدامات العسكرية البحتة:

تعكس الاستخدامات العسكرية في طبيعتها -بالنظر إلى تعددها وطابعها المتطور- الدرجة التي وصلت إليها عسكرة الفضاء الخارجي، مع الأخذ في الاعتبار أن الأقمار الصناعية وإن أضحت بالفعل جزء من العمليات الحربية لتوجيه القوات البرية وتقديم معلومات استخبارية مفصلة عن الأهداف المحتملة وغير ذلك، فإنها لا تضطلع بعمليات قتالية بمفردها. وتتمثل أبرز الأسلحة الفضائية في الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية والصواريخ الباليستية (أي الأسلحة التي يمكنها اعتراض الصواريخ في منتصف مسارها عبر الفضاء). بينما يمكن نشر الأسلحة أو الأنظمة المضادة للأقمار الصناعية من الأرض أو حملها بواسطة قمر صناعي وتوجيهها ضد الأقمار الصناعية( ).

وبشكل عام، يمكن تقسيم أسلحة الفضاء إلى أسلحة أرض-فضاء (أو فضاء-أرض)، وفضاء-فضاء. كما يمكن تقسيمها تقسيمًا فرعيًا أخر إلى أسلحة حركية وغير حركية ذات تأثيرات مؤقتة أو دائمة( )، وذلك على النحو التالي:

 الأسلحة الحركية أرض-فضاء: وتشمل أسلحة الصعود المباشر والأسلحة المدارية المضادة للأقمار الصناعية برأس حربي أو مقذوف يضرب المركبة الفضائية المستهدفة مباشرة أو ينفجر بالقرب منها. وقد اختبرت الصين وروسيا والهند والولايات المتحدة هذه الأسلحة. وللأسلحة الحركية عمومًا تأثيرات دائمة على القمر الصناعي، وتخلق حطامًا فضائيًا.

 الأسلحة غير الحركية أرض-فضاء: وتشمل أجهزة التشويش والليزر والهجمات السيبرانية، ويمكن أن تكون آثارها مؤقتة أو دائمة؛ إذ يعتبر تشويش قدرة القمر الصناعي على الاتصال أمرًا مؤقتًا، بينما قد يسفر الليزر عن تأثيرات مؤقتة (مثل تعمية القمر الصناعي) أو دائمة (مثل إتلاف أجهزة استشعار الأقمار الصناعية). وقد قامت عدة دول باختبار ونشر ذلك النوع من الأسلحة، بما في ذلك الصين وروسيا والولايات المتحدة وإيران وكوريا الشمالية.

 الأسلحة الحركية فضاء-فضاء: وتشمل الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية المدارية المشتركة التي تخلق الحطام والتي قد تصطدم مباشرة بقمر صناعي مستهدف (تتلفه أو تدفعه خارج مداره) أو حتى تنفجر بالقرب منه. ويمكن للصواريخ الاعتراضية للدفاع الصاروخي الفضائية -إن نشرت- أن تستهدف الصواريخ الباليستية أثناء عبورها للفضاء، ولكن سيكون لها أيضًا قدرات متأصلة في الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية.

 الأسلحة غير الحركية فضاء-فضاء: وتشمل أجهزة التشويش المدارية المشتركة وأشعة الليزر ذات التأثيرات المؤقتة أو الدائمة. وهناك المركبات الفضائية التي تُستخدم لتتبع وفحص الأقمار الصناعية المستهدفة من كثب( ).

وبشكل عام، تشير البيانات إلى وجود 3372 قمرًا صناعيًا في الفضاء؛ 77% منها (أي 2612 قمرًا صناعيًا) في المدار الأرضي المنخفض، و16.6% (أي 562 قمرًا صناعيًا) في المدار الثابت للأرض و4% (أي 139 قمرًا صناعيًا) في مدار أرضي متوسط. وعمومًا تبلغ نسبة الأقمار الصناعية العسكرية أو ذات الاستخدام المزدوج 15.5% أي نحو 516 قمرًا صناعيًا( ). وعمومًا، تتفوق الأسلحة الفضائية على أسلحة الأرض والبحر والجو لعدة أسباب منها: القدرة على مواجهة خصم يمتلك أسلحة مماثلة، وإتاحة القدرة على تعقب الأجسام في المدار واستهدافها ومهاجمتها، وتحسين القدرة على استهداف الأهداف المرجوة بفعل أشعة الليزر والموجات الدقيقة، ومهاجمة أهداف في عمق العدو الاستراتيجي دون التعرض للمخاطر عينها التي تتعرض لها الطائرات وصواريخ كروز التي يمكن للخصم إسقاطها، وإبراز القوة على الصعيد العالمي، والاستجابة للأحداث العالمية في غضون ساعات قليلة على عكس السفن أو الطائرات التي قد تستغرق أيامًا، وصعوبة تعقب واستهداف الأقمار الصناعية أو الأسلحة المدارية لتظل الأسلحة الفضائية غير معرضة نسبيًا للهجمات الحركية من قبل الدول الأقل تطورًا. ويجدر القول إن الصواريخ العابرة للقارات هي نظام الأسلحة الوحيد الذي يتمتع بمدى عالمي ووقت استجابة سريع. بالإضافة إلى ذلك، سيصعب الدفاع عن الأسلحة الحركية من فضاء-فضاء وفضاء-أرض لأن سرعاتها العالية جدًا وأوقات طيرانها القصيرة جدًا تضيق المجال أمام خيارات الإنذار والاستجابة المحتملة.

ومع ذلك، فإن الأسلحة الفضائية لها أيضًا مثالب عدة لأنها عرضة للهجمات غير الحركية مثل التشويش أو هجمات الليزر. كما يمكن التنبؤ بحركة المركبات الفضائية في مداراتها وتعقبها، ما يقلل من قدرتها على مفاجأة الخصم. وعلى الرغم من تحسن الجدوى الفنية والاقتصادية لأسلحة الفضاء على مدى العقدين الماضيين، فمن المحتمل تزايد تكلفة تطويرها الشامل في المستقبل المنظور ونشرها ودعمها بالمقارنة بأنظمة الأسلحة الأرضية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن للقدرات الفضائية علاقة وثيقة بالاستقرار النووي وإمكانية التصعيد بين القوى الكبرى لأنها قد تغير من حسابات صانعي القرار، وتقوض فعالية الضربة الأولى. وقد يؤدى استهداف أقمار الإنذار المبكر وأقمار المراقبة الإستراتيجية وأقمار الاتصالات الخاصة بالقيادة والسيطرة النووية إلى ضربة نووية أولى من قبل الخصم، ما قد يؤدي إلى تصعيد نووي( ).

ويستخلص مما سبق أن الغالبية العظمى من تقنيات الفضاء تمتاز باستخداماتها المزدوجة، ما يقوض قدرة الدول على التمييز بين الاستخدامات الدفاعية والهجومية من ناحية، والأسلحة التقليدية والفضائية من ناحية أخرى. ولا شك أن الأسلحة الهجومية القادرة على شن هجمات قوية بسرعة متناهية قد تتلقى هجمات بالسرعة عينها، وقد يتوقف أحد الأقمار الصناعية عن العمل دون معرفة السبب الحقيقي الذي أدى إلى ذلك، ما يخلق المجال لهجمات مجهولة الهوية واتهامات لا أساس لها من الصحة.

ثالثًا: تصنيف القوى الفضائية:

يمكن تقسيم القوى الفضائية إلى: القوى الفضائية الكبرى، والقوى الفضائية المتوسطة، والقوى الفضائية الناشئة. إذ تملك الأولى القدرات المستقلة اللازمة لتطوير وإطلاق الأقمار الصناعية والتحكم في جميع المدارات الفضائية وبرامج الفضاء المأهولة، فيما تملك الثانية القدرات اللازمة لتطوير وإطلاق الأقمار الصناعية المتقدمة والتحكم فيها بشكل مستقل، لكنها لا تملك برامج فضاء مأهولة، أما الثالثة فهي تلك الدول التي لا تمتلك القدرات التي تملكها القوى المتوسطة، ولا تزال في مراحل تطويرها الأولى. وبشكل عام، يمكن الوقوف على أبرز تلك القوى على النحو التالي:

أ‌- القوى الفضائية الكبرى:

ويندرج تحت تلك الفئة كلًا من الدول التالية:

1- الولايات المتحدة: طورت نظام فضاء تشغيلي للحرب السيبرانية (نظام الاتصالات المضادة) والأسلحة المضادة للأقمار الصناعية وبرامج الدفاع الصاروخي على نحو يسمح لها بتطوير القدرة المدارية المشتركة للأقمار الصناعية في فترة زمنية قصيرة نسبيًا( ). واتصالًا بهذا، خصصت إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ما يقرب من 1.3 مليار دولار لبرامج القوات الفضائية الأمريكية ووكالة تطوير الفضاء بهدف تطوير التكنولوجيا التي تديرها القوة الفضائية لتمويل الفضاء العسكري، وتخصيص مقابل مادي لقمر صناعي إضافي لنظام تحديد المواقع العالمي، وزيادة الإنفاق على خدمات الإطلاق الصغيرة وأقمار اكتشاف الصواريخ، وذلك في عام 2022 فحسب. وفي هذا السياق، قال “بيتر جاريتسون” (مستشار الفضاء والدفاع) “إن التهديدات الأمريكية المتعددة تدفع بالبلاد صوب زيادة الإنفاق”، وأضاف “إن العروض الصينية الأخيرة لتكنولوجيا الفضاء المتقدمة لن تمر مرور الكرام”( ).

وقد أشارت مؤسسة (Secure World Foundation) في تقريرها المعنون “القدرات العالمية المضادة للفضاء: تقييم مفتوح المصدر” الصادر في 2022 إلى أن الولايات المتحدة أجرت اختبارات متعددة لتقنيات التتبع والاستهداف والاعتراض، وتمتلك القدرات التكنولوجية اللازمة لتطوير القدرة المدارية المشتركة للأقمار الصناعية، وتمتلك صواريخ اعتراضية للدفاع الصاروخي في منتصف المسار، وقد سبق لها أن طورت أنظمة مضادة للأقمار الصناعية، وتمتلك نظامًا تشغيليًا هجوميًا إلكترونيًا مضادًا للفضاء، كما بدأت برنامجًا يسمى (Meadowlands) لتحديث القدرات المضادة للاتصالات. ومن خلال برنامج حرب الملاحة (Navigation Warfare Program) تمتلك الولايات المتحدة القدرة على تشويش الإشارات المدنية لخدمات الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية (GNSS) داخل منطقة عمليات محلية للحيلولة دون استخدامها من قبل الخصوم. وقد خلص التقرير إلى غياب الحواجز التكنولوجية التي تحول دون تفعيل الولايات المتحدة لتطبيقات الفضاء المضاد( ).

2- روسيا: حدثت روسيا التقنيات المضادة للأقمار الصناعية وأسلحة الطاقة المباشرة والحرب السيبرانية والمراقبة والتتبع وتقنيات الدفاع الصاروخي. وفي عام 2015، دمجت القوة الفضائية الروسية كفرع جديد لقوة الدفاع الجوي الروسية التي تجمع بين الفضاء والدفاع الجوي والدفاع الصاروخي تحت قيادة واحدة تدمج الحرب السيبرانية وأسلحة الطاقة الموجهة وأنظمة الليزر الأرضية والجوية لمواجهة عقيدة “الضربة العالمية الفورية” (PGS)( ). ومنذ عام 2014، اتُهمت روسيا بشن حرب فضائية سيبرانية والتشويش على أقمار الملاحة والاتصالات في المناطق المجاورة. وفي يوليو 2018، قدمت القوات الجوية الروسية سلاح الليزر (Peresvet) عالي الطاقة، والذي أشاد به الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” كنوع جديد من الأسلحة الاستراتيجية لتدمير أو تعطيل الأقمار الصناعية للعدو. ولطالما اعترفت العقيدة العسكرية الروسية والوثائق الاستراتيجية الأخرى بالفضاء كمجال للحرب( ).

كما اختبرت روسيا منذ عام 2010 تقنيات الالتقاء والقرب (Rendezvous and Proximity Operations- RPO) في كل من المدار الأرضي المنخفض، ما قد يسفر عن قدرة مدارية مشتركة للأقمار الصناعية. ومن المرجح أن روسيا قد بدأت بالفعل برنامجًا مداريًا جديدًا مضادًا للأقمار الصناعية تحت اسم (Burevestnik) بدعم من برنامج مراقبة وتتبع يعرف باسم (Nivelir)، ويرجح استخدام تلك التقنيات لأغراض غير عدوانية، بما في ذلك مراقبة وفحص الأقمار الصناعية الأجنبية، وإن نشرت روسيا قمرين صناعيين فرعيين بسرعات عالية، ما يعكس تسليح بعض أنشطة المدار الأرضي المنخفض. وفي عام 2021، أثبتت روسيا بنجاح قدرة أسلحتها المضادة للأقمار الصناعية، كما تولي دمج الحرب السيبرانية في العمليات العسكرية اهتمامًا بالغًا. كما تمتلك العديد من الأنظمة التي يمكنها تشويش مستقبلات خدمات الملاحة العالمية داخل منطقة محلية، ما قد يتداخل مع أنظمة توجيه المركبات الجوية غير المأهولة والصواريخ الموجهة والذخائر الموجهة بدقة( ).

3- الصين: على عكس الولايات المتحدة وروسيا، تتسم الجهود العسكرية الصينية في الفضاء بالحداثة النسبية، وإن كانت مرتبطة ببرنامج فضاء مدني واسع النطاق. وقد أجرت أكبر عدد من عمليات الإطلاق الفضائية، وهي الآن في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة من حيث عدد الأقمار الصناعية العاملة في المدار. ويمكن القول إن الجهود العسكرية الصينية في الفضاء تدور حول تطوير بنيتها العسكرية الخاصة التي من شأنها تمكين الأنشطة العسكرية على الأرض مع تطوير مجموعة واسعة من القدرات المضادة للفضاء. وفي عام 2015، أنشأت الصين قوة فضائية دفاعية كجزء من قوة الدعم الاستراتيجي لجيش التحرير الشعبي التي تضم أيضًا الحرب السيبرانية. ويُعتقد أن الصين طورت وأرسلت قدرات مدارية مشتركة للأقمار الصناعية يمكن توظيفها كسلاح نظرًا لقدرتها على إتلاف أو تغيير مدار قمر صناعي آخر، كما استثمرت أيضًا في تقنيات الفضاء غير الحركية بجانب الليزر عالي الطاقة القادر على إعماء أقمار التصوير التجارية والعسكرية( ).

وفي يناير 2022، نشر المكتب الإعلامي لجمهورية الصين الشعبية كتابًا أبيض بعنوان “برنامج الفضاء الصيني: منظور عام 2021″، أتى في مقدمته تصريح الرئيس الصيني “شي جين بينغ” الذي قال فيه: “إن استكشاف الكون الشاسع وتطوير صناعة الفضاء وتحويل الصين إلى قوة فضائية هو حلمنا الأبدي”. إذ تعد صناعة الفضاء أحد العناصر الحاسمة في الاستراتيجية الصينية الوطنية الشاملة، وتتمسك الصين بمبدأ استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي للأغراض السلمية. ومنذ عام 2016، شهدت البنية التحتية الفضائية تحسنًا مضطردًا، كما أكملت الصين وتشغيل نظام (BeiDou) لملاحة الأقمار الصناعية، واستكملت نظام مراقبة الأرض بدقة متناهية، وتحسنت قدرة الخدمة الاتصالات والبث عبر الأقمار الصناعية، واختتمت الخطوة الأخيرة من برنامج استكشاف القمر المكون من ثلاث خطوات هي: المدار، والأرض، والعودة. وفي السنوات القليلة المقبلة، ستدمج الصين علوم وتكنولوجيا وتطبيقات الفضاء في جهودها التنموية لتبدأ مرحلة جديدة تكفل تحولها إلى قوة فضائية( ).

ب- القوى الفضائية المتوسطة:

وتشير تلك القوى -على سبيل المثال- إلى كل من:

1- أوروبا: تمتلك ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا بنية تحتية فضائية عسكرية واسعة النطاق. وقد عارض الاتحاد الأوروبي مقترحات الصين وروسيا لتقييد تسليح الفضاء بدعوى عدم وضوحها وعدم شمولها. وقد وضعت المفوضية الأوروبية أجندة طموحة لعام 2022 لتتمحور حول أربع أولويات رئيسية هي: تعزيز الأصول الأوروبية لا سيما نظام (Galileo) للملاحة عبر الأقمار الصناعية في العالم، وتوقع التحديات المستقبلية مع توجيه الاهتمام لمتطلبات الغد لا سيما البنية التحتية للاتصال الفضائي والقدرات اللازمة لإدارة حركة المرور الفضائية، وتحفيز الابتكار الأوروبي من خلال الشراكة بين صناعة الفضاء ومؤسسات البحث والأوساط الأكاديمية لتصميم خطة طويلة الأجل من خلال خرائط الطريق التكنولوجية، وتعزيز القدرة الأوروبية على الصمود في الفضاء( ).

وقد سبق أن اقترحت المفوضية الأوروبية برنامج الاتحاد الأوروبي للفضاء في عام 2018 الذي من شأنه تحسين المبادرات الحالية وتخصيص 16 مليار يورو للأنشطة الفضائية الأوروبية بين عامي 2021 و2027. وقد تبنت فرنسا استراتيجية الدفاع الفضائي، وأنشأت قيادة فضائية في عام 2019 بهدف تطوير وإطلاق قدرات دفاعية نشطة مستقبلية في الفضاء الخارجي مع الاعتراف بالفضاء كمجال عسكري تشغيلي، مع الأخذ في الاعتبار أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا يزال يطرح تساؤلات عن حدود مشاركتها المستقبلية في شؤون الفضاء الأوروبية. ومن الناحية التشغيلية، تدير المفوضية الأوروبية برامج وسياسات الفضاء للاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى وكالة الفضاء الأوروبية (ESA)( ).

2- الهند: في مارس 2019، أصبحت الهند رابع دولة تمتلك قدرات عسكرية هجومية (بعد الصين وروسيا والولايات المتحدة) لتختبر بنجاح الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية في المدار المنخفض( )، وتعترض بنجاح قمرها الصناعي الذي أطلقته في وقت سابق في العام نفسه بإشادة كبيرة من رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” لا سيما في ظل مساعيها لتطوير أسلحة الطاقة الموجهة من ناحية، واعتزامها مواصلة تطوير أسلحة الفضاء حتى لا تُستبعد من أي اتفاقية مستقبلية تقيد تسليح الفضاء وإن واصلت دعمها للجهود العالمية والإقليمية لاستخدام الفضاء للأغراض السلمية من ناحية ثانية. ولقد تمثل الهدف من برنامج الفضاء الهندي في تحسين الأوضاع الاقتصادية للبلاد من خلال تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الخارجية، لكنه تأثر بشكل كبير بنمو القوة العسكرية الصينية والصراع مع باكستان (لاستطلاع حركة قوات العدو والتنصت على اتصالاته وتشويش شبكاته وتدميرها)( ). ولقد ركزت الهند جهودها على الأقمار الصناعية المستخدمة لأغراض الاستشعار عن بعد والأرصاد الجوية والاتصالات، فيما تركز مشروعاتها العسكرية/ذات الاستخدام المزدوج على تحسين قدرات الاستطلاع عبر الأقمار الصناعية والدفاع الجوي) (.

3- اليابان: في عام 2008، سمحت اليابان بالاستخدام العسكري للفضاء كجزء من برنامج فضائي طموح، وتبنت نهجًا أكثر نشاطًا للدفاع عن الفضاء، وأعادت تنظيم بنيتها التحتية الفضائية العسكرية لزيادة استقلالها في هذا المجال، وأطلقت أقمارًا للاتصالات والمراقبة، وأنشأت مقرًا جديدًا لرصد التهديدات الفضائية، فخرقت بذلك حظرًا دام عقودًا على استخدام الأصول الفضائية للأغراض العسكرية جراء الضغوط المتزايدة من قبل الولايات المتحدة والقلق المتزايد من الدول المجاورة. والجدير بالذكر أن اليابان وإن لم يكن لها برنامجًا لتسليح الفضاء، فإن لديها القدرة على تدمير الأقمار الصناعية من خلال نظام صاروخ إيجيس” الأمريكي المنتشر في أراضيها وقدرات أنظمة الالتقاء والقرب التي تطورها حاليًّا. كما أن التقدم العسكري الياباني في الفضاء في السنوات الأخيرة يشير إلى أنها تتخلى عن معاييرها الدفاعية التقليدية، وتتحول إلى استراتيجية ذات خصائص هجومية( ).

ج‌- القوى الفضائية الناشئة:

وتشمل تلك القوى -على سبيل المثال- كلًا من:

1- باكستان: تمتلك قدرات فضائية هي الأكثر تقدمًا بين القوى الفضائية الناشئة، وقد أعربت عن دعمها لمختلف المبادرات الدولية في مجال الفضاء، لكنها أكدت عدم استعدادها لتحمل عواقب معاهدات أو عقوبات منع انتشار الأسلحة التي قد تحد من جهودها فيه. وتلعب الصين دورًا بارزًا في بناء وتطوير مركز الفضاء الباكستاني (الذي أعلنت عنه باكستان في عام 2018 كي يقود الجهود المحلية لتصنيع الأقمار الصناعية)، بجانب أقمار باكستان الصناعية المخصصة لأغراض الاتصال حتى عام 2025 لا سيما في ظل الاتفاقية الموقعة بين الدولتين في عام 2019 لاستكشاف الفضاء والتي تضمنت تعزيز أنشطتها وأصولها الفضائية ودراسة خطط لبناء نظام مخصص لمراقبة الأجسام القريبة من الأرض) (.

2- إسرائيل: تمتلك إسرائيل قدرات فضائية متقدمة، وهي قادرة على تطوير وإطلاق وتشغيل أقمار صناعية متقدمة بشكل مستقل (كما يتضح من سلسلة الأقمار الصناعية “أفق”). وفي مايو 2022، وضعت إسرائيل خطة إستراتيجية جديدة قدمتها وكالة الفضاء الإسرائيلية (التي تتبع وزارة الابتكار والعلوم والتكنولوجيا) بهدف تطوير صناعة الفضاء المدنية الإسرائيلية ومضاعفة عدد شركات الفضاء الإسرائيلية خلال العقد القادم، ايمانًا بالتطور المضطرد الذي شهدته صناعة الفضاء في السنوات القليلة الماضية لا سيما مع تعدد المساحات المفتوحة أمام رواد الأعمال والمستثمرين من القطاع الخاص من ناحية، وأهمية صناعة الفضاء كقوة مضاعفة ورافعة للنمو الاقتصادي من ناحية ثانية. وقد تمثلت أهداف الخطة في: تطوير صناعة الفضاء المدنية في إسرائيل كمحرك للنمو المستدام، ودعم البحث العلمي في الفضاء، وتطوير رأس المال البشري، وتعزيز مكانة إسرائيل الدولية في مجال الفضاء) (. وفي مجال أسلحة الفضاء، تملك إسرائيل القدرة التقنية على تدمير الأقمار الصناعية باستخدام نظام اعتراض الصواريخ (Arrow 3). وعلى الساحة الدبلوماسية، تصوت إلى جانب الولايات المتحدة ضد المبادرات الصينية والروسية للحد من تسليح الفضاء.

3- إيران: على الصعيد الفني، تسعى إيران إلى وضع قمر صناعي في مدار ثابت (على ارتفاع 36 ألف كيلومتر تقريبًا من الأرض) بحلول عام 2026، كما تسعى إلى إرسال أحد روادها إلى الفضاء بحلول عام 2032. وقد تمكن الحرس الثوري الإيراني (الذي يملك برنامجًا فضائيًا موازيًا لبرنامج الدولة الإيرانية) في إبريل 2020 من إطلاق أول قمر صناعي عسكري (نور -1)، لكنه لم يكن أول قمر صناعي إيراني في المدار؛ فقد سبق إطلاق القمر الصناعي الإيراني (سينا -1) في عام 2005 على متن صاروخ روسي، وإن وضع أول قمر صناعي إيراني محلي الصنع (أوميد) في المدار بواسطة قاذفة محلية في عام 2009. وعلى عكس برنامج الفضاء الذي تديره الدولة ذي الأهداف المدنية والعسكرية، فإن برنامج الحرس الثوري الإيراني لا يعدو كونه غطاءً لتطوير تكنولوجيا الصواريخ بعيدة المدى على الرغم من أن وجودها ظل سرًا طيلة عدة سنوات. وعقب الإطلاق الناجح للقمر الصناعي العسكري الثاني (نور -2) في مارس 2022، قال قائد الفضاء في الحرس الثوري الإيراني: “إن المعلومات التي حصلنا عليها من هذا القمر الصناعي تستخدم في مجالات الدفاع والمجالات العامة بما في ذلك مراقبة البيئة والكوارث الطبيعية”، ما يعني أن برنامج الحرس الثوري الإيراني بات مزدوج الاستخدام( ).

رابعًا: إشكاليات مُثارة:

لا شك في صعوبة نزع الأسلحة الفضائية عندما تكون الاستخدامات العسكرية غير قابلة للفصل عن الاستخدامات غير العسكرية، وبالتالي قد تصبح الاستراتيجية الأفضل هي تقليل المخاطر من خلال مشاركة المعلومات والنظر في إمكانية نزع الأسلحة الكلي لا الجزئي، واعتماد استراتيجية دولية جديدة للتحكم التدريجي في تسليح الفضاء مع الأخذ في الاعتبار أنه لكي تتمكن الدول من الحد من عسكرة/تسليح الفضاء، يجب على الدول التغلب على إشكالية التوزيع غير المتكافئ لمكاسب التعاون، مع ضرورة التمييز بين الأقمار الصناعية مزدوجة الاستخدام بالنظر إلى ذيوع انتشارها وتعدد استخداماتها ما يعني بالضرورة صعوبة حظرها وإن أمكن تنظيم استخداماتها من ناحية، والأسلحة الفضائية التي تتمحور الجهود الدولية حول حظرها والسيطرة عليها من ناحية ثانية. لذلك، ينبغي أن تستند استراتيجية الحد من تسلح الفضاء المستقبلية على التفرقة بين الاستخدامين مع إمكانية إخطار الأمين العام للأمم المتحدة عند إطلاق أي قمر صناعي مع استحداث نظام وطني للتحقق للحيلولة دون إجراءات انتقامية أحادية الجانب.

وبعبارة ثانية، يصعب ضبط سباق التسلح في الفضاء الخارجي في أعقاب احتدامه لا سيما أنه يتطلب رأيًا عامًا عالميًا، وإرادة سياسية قوية للدول المعنية، وثقة متبادلة بين المفاوضين، وضوابط وضمانات قابلة للتحقق كي تساهم بدورها في بناء تلك الإرادة والثقة. ولا يمكن السماح بطول أمد التفاوض على أي اتفاقية للحد من الأسلحة (مثل اتفاقيات نزع السلاح الأخرى) خشية تقادمها في مواجهة تكنولوجيا الفضاء دائمة التطور. كما يجب أن تكون تدابير الحد من التسلح متعددة الأبعاد ومستقبلية. كما لا يمكن تجاهل مخاوف الدول النامية التي على الرغم من عدم امتلاكها للقدرات العسكرية الفضائية الحالية، فإنها تشعر بقلق عميق إزاء ضبط التسلح في الفضاء؛ إذ لا يمكن لتلك الدول تلبية احتياجاتها التنموية حال توجيه الجزء الأكبر من مواردها المالية إلى الاستخدامات العسكرية للفضاء( ).

كما أن معاهدة الفضاء الخارجي لا تحظر جميع أنظمة الفضاء العسكرية؛ إذ تحظر المادة الرابعة منها وجود أي أسلحة دمار شامل في الفضاء( )، وتنص على أن “الدول الأطراف في المعاهدة تتعهد بعدم وضع أي أجسام تحمل أسلحة نووية أو أي نوع آخر من أسلحة الدمار الشامل في مدار حول الأرض، أو تثبيت مثل هذه الأسلحة على الأجرام السماوية، أو وضع مثل هذه الأسلحة في الفضاء الخارجي بأي طريقة أخرى”. كما تحظر المعاهدة إقامة المنشآت العسكرية واختبار الأسلحة والتدريبات العسكرية على الأجرام السماوية مع حظر إنشاء القواعد والمنشآت والتحصينات العسكرية واختبار أي نوع من الأسلحة وإجراء المناورات العسكرية على الأجرام السماوية. ومع ذلك، لا تحظر المعاهدة أي أسلحة أخرى بخلاف أسلحة الدمار الشامل مثل الصواريخ التقليدية والأسلحة الجديدة التي يمكن تطويرها ونشرها في الفضاء. إذ تنص المعاهدة على أحكام محددة تتعلق بعسكرة الفضاء لا تحول دون جميع أشكال الوجود العسكري فيه بالضرورة. وعلاوة على ذلك، في الوقت الذي تم فيه التوقيع على معاهدة الفضاء الخارجي، كان لدى الولايات المتحدة بالفعل عدة أقمار صناعية للاستخبارات العسكرية في الفضاء( ).

وبجانب تلك الإشكالية القانونية، يتضح الخلاف المفاهيمي بين الدول في مؤتمرات الأمم المتحدة حول نزع السلاح في جنيف على سبيل المثال؛ فقد حاولت روسيا والصين في عام 2008 وضع تعريف محدد للسلاح الفضائي، واقترحتا مشروع معاهدة تنص على: “منع نشر أسلحة في الفضاء الخارجي أو التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد الأجسام الموجودة في الفضاء الخارجي لمنع حدوث سباق تسلح في الفضاء الخارجي”. وهو النص الذي لا يمنع تطوير أو اختبار أو نشر الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية الأرضية التي تمتلكها الصين حاليًّا في ترسانتها الفضائية المضادة. ولقد جادلت الولايات المتحدة بأن النص المقترح غير كافٍ لمواجهة التحديات، ووصفته بأنه “حيلة دبلوماسية من قبل البلدين لكسب ميزة عسكرية”( ).

ونتيجة لما سبق، يشهد الفضاء الخارجي سباق تسلح محتدم؛ فإن أجرت الصين بنجاح تجارب عسكرية لقصف أقمارها الصناعية في عام 2007 كما ذكرت الدراسة آنفة، قد تشهد السنوات القليلة المقبلة محاولات لاستهداف الأقمار الصناعية للدول الأخرى مع استمرار تطوير أنظمة الصواريخ بعيدة المدى والأنظمة المضادة للأقمار الصناعية، وبخاصة مع سهولة تتبعها بسبب مساراتها الثابتة التي يسهل التنبؤ بها واستهدافها بواسطة الأسلحة التقليدية والنووية، وهو ما يعني بالضرورة صعوبة تأمينها والدفاع عنها، وقد لا تميز الدول بالضرورة بين الصواريخ الباليستية التي تستهدف أقمارها الصناعية وتلك التي تستهدف أراضيها.

وتشمل أبرز التدابير الدفاعية في نقل القمر الصناعي من مداره القريب من الأرض إلى مدار أعلى ما يتيح مزيدًا من الوقت لتحليل التهديد والنظر في تدابير أخرى مضادة. ويمكن تحذير الأقمار الصناعية الموجودة في الفضاء من التهديد باستخدام الرادار وأجهزة استشعار الإنارة بالليزر. وتشمل أجهزة الحماية الذاتية السلبية: الأشعة تحت الحمراء، والتشويش على أنظمة توجيه الأسلحة، وامتصاص طاقة الرادار، والحرارة الشديدة والتشويش السيبراني. فيما تشير الحماية الذاتية الإيجابية إلى قدرة القمر الصناعي على الرد، وتتضمن أجهزة مثل الصواريخ المضادة للإشعاع، بيد أن الأسلحة الفضائية تتطلب ابتداءً قدرات تحمل متناهية كي تتحمل سنوات من الخمول في بيئة الفضاء المعادية) (.

وبجانب صعوبة الدفاع عن الأقمار الصناعية، تزداد بالمثل صعوبة ردع الهجمات المحتملة عليها لعدة أسباب منها صعوبة معرفة المهاجم عند استخدام أجهزة الكمبيوتر لاختراق إشارات الأقمار الصناعية والتشويش عليها وصولًا لانفجارها بسبب أحمالها الزائدة على سبيل المثال( )، وهو ما يخلق بيئة من عدم اليقين والشك وسوء التقدير والتنافس، وبخاصة أن الدولة التي تنشر قمرًا صناعيًا عسكريًا تحجم عن الكشف عن تردداته المدارية واللاسلكية خوفًا من احتمالات تتبعه.

ويتجلى عدم اليقين والشك هذا في التفاعلات الروسية-الصينية-الأمريكية بصفة خاصة مع اطلاق الولايات المتحدة في 23 أبريل 2010 مركبة فضائية غير مأهولة (X-37B) يمكنها أن تبقى في المدار لمدة تسعة أشهر تقريبًا، وقد تصبح منصة محتملة لإطلاق الصواريخ، ما أثار مخاوف الصين من احتمالات سباق التسلح في الفضاء من ناحية، واتجاه وزارة الدفاع الأمريكية إلى تطوير أسلحة فضائية مضادة للأقمار الصناعية تجعل من تسليح الفضاء خيارًا ممكنًا من ناحية ثانية، وهو ما يدفع الصين وروسيا إلى مجابهة هذا التحدي الاستراتيجي من خلال اتخاذ تدابير تثني الولايات المتحدة عن تطوير أسلحة الفضاء والدفاعات الصاروخية أو من خلال مهاجمة نظام الفضاء الأمريكي تخوفًا من صعوبة هزيمة الجيش الأمريكي في صراع مستقبلي( ).

وفي اتجاه مضاد للواقعية الجديدة، فإن حظر الأسلحة الفضائية لن يتحقق بسبب الاستخدامات المزدوجة للأقمار الصناعية، ولن يقدم الحد من التسلح في الفضاء توزيعًا متساويًا للمكاسب بين الدول الكبرى في الفضاء، فهو لا يكمن بالضرورة في التوزيع المتساوي للقوة الإجمالية بين الدول، بل في مستويات التطور التكنولوجي ذات الصلة. فلا يمكن جني مكاسب متساوية من حظر الأسلحة الفضائية بين دولتين إذا كانت إحداهما قادرة على تطوير تلك الأسلحة دون الأخرى. وإذا امتلكت الدولتان التكنولوجيا عينها، سينصرف الأمر إلى المراقبة الوقائية للأسلحة لا الحظر الكامل لها.

ويظل الأمر رهنًا بعدد من المؤشرات الفرعية منها: الانفاق المخصص للأسلحة الفضائية، ودرجة اعتماد الدول على أصولها الفضائية من بين مؤشرات أخرى. إذ تشير التقديرات إلى وجود 958 قمرًا صناعيًا عاملًا في المدار (منها 441 قمرًا صناعيًا أمريكيًا منها 113 عسكريًا- 99 قمرًا صناعيًا روسيًا منها 65 عسكريًا – 67 قمرًا صناعيًا صينيًا منها 14 عسكريًا). وهو ما يعكس اختلال التوازن بين الدول الثلاث لصالح الولايات المتحدة التي يعتمد فيها الجيش بشكل أكبر على البنية التحتية للأقمار الصناعية، الأمر الذي نتج عن تحولات استراتيجية في العقدين الماضيين باتت على إثرها الاتصالات والملاحة والاستطلاع عبر الأقمار الصناعية جزءًا لا يتجزأ من الحروب الحديثة. ولن تجني الولايات المتحدة أي مكاسب من الحظر المفروض على تقنيات تحتل فيها الصدارة، وإن كان متوقعًا أن تسعى روسيا والصين إلى مثل هذا الحظر، لأنه سيكون أداة للحفاظ على التوازن الاستراتيجي بدلًا من التطوير غير المقيد لتكنولوجيا أسلحة الفضاء) (.

الخاتمة:

أضحى الفضاء الخارجي مسرحًا لمنافسة القوى الفضائية الكبرى، وأضحت عسكرته أمرًا واقعًا يؤجج احتمالات الصراع في المستقبل على حساب البشرية جمعاء، لا سيما في ظل تنامي المشاعر العدائية، وتبني السيناريو الأسوأ لا التعايش السلمي بين الدول في اتجاه مضاد لما تنص عليه معاهدة الفضاء الخارجي.

وبشكل عام، يمكن الوقوف على أبرز النتائج التي توصلت لها الدراسة من خلال النقاط التالية:

1. من المتوقع أن تدور الجهود الدولية الرامية إلى ضبط سباق التسلح الفضائي حول: تحديد طبيعة الأسلحة الواجب حظرها لكبح الطبيعة الفوضوية للتفاعلات الدولية في الفضاء أو الدعوة إلى منع الأعمال العسكرية الفضائية الهجومية لتحسين إدارة الأزمات والمخاطر المحتملة أو تعزيز الأمن من خلال القضاء على نقاط الضعف المتعلقة بالبنية التحتية الفضائية الحيوية أو الحفاظ على الاستقلال التكنولوجي أو الدعوة لإنشاء نظام دولي لتحديد الأسلحة في الفضاء أو طرح فكرة “قواعد الطريق” أو المطالبة بمدونة سلوك لأنشطة الفضاء الخارجي كي تحدد السلوك المسؤول وغير المسؤول في الفضاء. ومع ذلك، فإن مثل هذه القواعد لن تحظر تطوير تقنيات معينة، وبالتالي فهي ليست كافية لتجنب سباق التسلح في الفضاء. وقد تلعب الشركات الخاصة التي تجني ارباحًا طائلة من وراء الاستخدامات التجارية للتطبيقات الفضائية دورًا خاصًا في دفع التعاون الفضائي لحماية نفوذها وقدرتها على التأثير.

2. هناك العديد من التقنيات التي يمكن استخدامها لتطوير الأسلحة الفضائية، وعلى الرغم من عدم تطوير تلك التقنيات بشكل كامل، فإن جميع الدول الفضائية الكبرى التي ترتاد الفضاء لديها القدرة على تطوير التكنولوجيا المضادة للأقمار الصناعية على الأقل مع الفارق مع الولايات المتحدة الأمريكية. إذ تحول الاستخدامات المزدوجة دون الوقوف على تعريف دقيق للأسلحة الفضائية ولن تجدي جهود التحكم في سباق التسلح التي لا بد لها أن تقف أولًا على ماهية تلك الأسلحة.

3. ما أن تتمكن دولة ما من تطوير أسلحتها الفضائية، فمن المرجح أن تتبعها دول أخرى ليدور سباق التسلح في الفضاء في حلقات مفرغة وبخاصة مع صعوبة تطوير أسلحة فضائية تردع الدول الأخرى عن مهاجمة الأنظمة الفضائية لدولة بعينها، كما أن تطوير التكنولوجيا المضادة للأقمار الصناعية يعني أن الأصول الفضائية للدول الأخرى معرضة للخطر، وقد يفتح هذا الباب أمام سوء التقدير وحرب الفضاء في أسوأ تقدير.

4. جعلت تطورات الحرب الحديثة من الهيمنة على الفضاء قضية قوة حاسمة، وقد تجلت بصفة خاصة عند إنشاء الولايات المتحدة الأمريكية لقيادة الفضاء في ديسمبر 2019، حين أذن الكونجرس الأمريكي بإنشاء فرع عسكري سادس على نحو أكد اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية وبقوة إلى عسكرة وتسليح الفضاء لحماية مصالحها. وقد أتيحت الفرص لدول أخرى كي تنخرط بدورها في عسكرة الفضاء حتى أضحت روسيا والصين والهند والاتحاد الأوروبي لاعبين مهمين في الفضاء، ما يعني أن سباق التسلح الفضائي الجديد يدور بين أقطاب عدة مدفوعًا بتصاعد الأهمية الاستراتيجية للأقمار الصناعية التي أصبحت جزءًا من البنية التحتية الحيوية للعديد من البلدان دون معوقات تقوض عسكرة المدار أو تكبح جماح سباق التسلح.

5. احتلت حكومة الولايات المتحدة المرتبة الأولى في التطورات العسكرية، وتفوقت الصين على روسيا على الرغم من قدم الخبرات السوفيتية في هذا الصدد؛ فتعددت التطبيقات المدنية والعسكرية والتجارية السلمية للفضاء، فيما تحول المبدأ الحاكم للاستخدامات العسكرية له مع تغير البيئة الدولية من السياج الحامي إلى الملاذ الحقيقي إلى مجال للحرب. إذ يُنظر إلى الهيمنة على الفضاء على أنها التطور الطبيعي للحرب؛ بيد أن سباق التسلح في الفضاء هو سباق لا يمكن لأي من أطرافه ضمان الفوز فيه، ما قد يؤثر سلبًا في الاستقرار العالمي. ففي الوقت الحالي، لا توجد أسلحة معروفة في الفضاء، لكن الولايات المتحدة أظهرت استعدادها لنشر أسلحة في الفضاء، وهو ما يواجه صعوبات تقنية وعقبات سياسية عدة. كما أن تسليح الفضاء لن يؤدي إلا إلى تطوير أنظمة الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية التي يمكن أن تؤدي إلى صراع واسع النطاق في الفضاء على نحو يؤثر بشكل كبير في استخدام الفضاء للأغراض التجارية والعلمية لسنوات عدة ممتدة.

6. إن سياسات الولايات المتحدة تدور حول البحث المضطرد عن حجج تسمح لها بنشر أنظمة هجومية ودفاعية نشطة بحيث تستغل مزاياها في الفضاء لأطول فترة ممكنة على أن تستخدم المعاهدات فقط لمنع المزيد من التسلح إذا ظهر منافس قريب. أما القوى الفضائية المتوسطة، فتملك بنى تحتية فضائية مدنية واسعة النطاق، بما في ذلك العديد من الأقمار الصناعية ذات الاستخدام المزدوج المصممة لدعم العمليات العسكرية، بيد أن ضبط النفس هو السمة الغالبة على برامجها الفضائية بجانب دعم المبادرات الدولية لمنع تسليح الفضاء. ومع ذلك، وبالنظر إلى التقدم التكنولوجي الكبير الذي حققته تلك البلدان في السنوات الأخيرة واستثماراتها الكبيرة في الميزانية في هذا المجال، يمكن استنتاج أنها ستكون قادرة على تطوير أسلحة فضائية عملياتية في غضون فترة زمنية قصيرة، وإن سعت للحد من انتشار أسلحة الفضاء من خلال مبادرات دولية وبنى تحتية فضائية دفاعية مثل أنظمة المراقبة والاعتراض دون أن تلتزم تمامًا بتلك المبادرات الدولية كافّةً لتواصل تطوير قدراتها الفضائية القتالية بل وتستخدمها إن دعت الحاجة لذلك.

7. إن الهند وهي لا تملك تاريخًا من الأنشطة الفضائية الهجومية تعاني من معضلة شائعة تواجه كثيرًا من الدول في الفضاء، ويمكن صياغة تلك المعضلة في سؤال مفاده: هل يجب أن تتصرف الدول بشكل مستقل وبقوة في هذا المجال لحماية مصالحها؟ أم تضع ثقتها في المحافل الدولية لمحاولة كبح جماح سباق التسلح الفضائي الحالي؟ ويمكن الدفع بأن الهند ليست منخرطة بشكل كامل في عسكرة الفضاء، بيد أنها ليست معزولة تمامًا عنها أيضًا؛ فحفاظًا على أمنها في مواجهة خصوم أخرى، حاولت تطوير قاعدة عسكرية في الفضاء الخارجي، لكنها لم تحقق مستويات عالية من عسكرة الفضاء، وإن كانت في طور بناء نظام دفاعي وليس هجومي.

8. لا تتمتع القوى الفضائية الناشئة بالقدرات اللازمة لتطوير وإطلاق ومراقبة الأقمار الصناعية منفردة، وتشمل على الصعيد العملي جميع البلدان غير المدرجة في المجموعتين السابقتين، وهي تنقسم بدورها إلى مجموعتين فرعيتين: إحداهما تمتلك البنية التحتية الأساسية ووكالات الفضاء مثل باكستان والبرازيل وأستراليا، والأخرى لا تمتلك البنية التحتية اللازمة مثل معظم الدول الإفريقية. ومن منظور عسكري، تمتلك بعض القوى الفضائية الناشئة أنظمة فضائية للاستخدامات الأمنية أو المزدوجة، ولكن نظرًا لافتقارها للقدرات التكنولوجية اللازمة، تطلب مساعدة لاعبي الفضاء الأكثر تقدمًا لإطلاق أنظمتها وأحيانًا لتطويرها وتشغيلها. لذلك، لا تملك تلك الدول قدرات عسكرية متقدمة في الفضاء، لذا تنخرط وبقوة في الجهود الدبلوماسية المناهضة لتسليحه إما من خلال التعبير عن دعم شبه كامل لمبادرات الصين وروسيا لتقييد تسليح الفضاء وإما من خلال المشاركة بنشاط في المبادرات الدولية.

9. لا ينطبق الردع الكلاسيكي على الفضاء؛ فهناك قوة مهيمنة واحدة تحاول تطوير الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية في مقابل عشرات الدول ذات القدرات الأرضية القادرة على مهاجمة تلك الأقمار. وفي هذه البيئة، لن يكون الردع على غرار الحرب الباردة كافيًا. ومع ذلك، فإن تطوير أسلحة لنشرها أو استخدامها في الفضاء ليس من المرجح أن يقلل من التهديد، بل على العكس من ذلك تتعدد المخاوف من دفع الولايات المتحدة المساعي العالمية لامتلاك أسلحة فضائية بدلًا من ردعه. وحتى لو أدى تسليح الفضاء إلى زيادة قدرة الولايات المتحدة على إظهار القوة، فإن البلدان الأخرى ستسعى إلى تطوير تدابير مضادة.

10. تنقسم الأدبيات المتعلقة بتسليح الفضاء إلى معسكرين رئيسيين (مع وضد تسليح الفضاء)، لكن في السنوات الأخيرة، ظهر خطاب أكثر تعقيدًا، يقدم مجموعة واسعة من وجهات النظر لتشمل المثاليين والدوليين والقوميين من جهة، ومتسابقي الفضاء ومراقبيه والمهيمنين عليه من جهة ثانية. إذ يمثل كل منها مرحلة مختلفة من تسليح الفضاء، حيث يوجد المثاليون في أحد طرفيه والمهيمنون على الفضاء في الطرف الآخر.

ختامًا، بينما تنشد القوى الفضائية الكبرى على قمة التسلسل الهرمي التكنولوجي أكثر الأساليب عدوانية لتسليح الفضاء سعيًا وراء السيادة (الولايات المتحدة والصين) أو التكافؤ الاستراتيجي (روسيا)، تتباين مصالح القوى المتوسطة بين الرغبة في قيادة خطاب معياري وأمني جديد (الاتحاد الأوروبي) والتحول إلى قوة إقليمية (الهند) والحفاظ على الأمن القومي من خلال تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة (اليابان).

تحميل البحث كاملا + الهوامش