بقلم العميد: أحمد عيسى

المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

على الرغم من التطورات المهمة التي أعقبت نشر وكالة معاً الإخبارية يوم الإثنين الموافق 4/2/2021 مقالاً للسيد رفيق الحسيني المدير العام الأول لديوان الرئاسة في عهد الرئيس محمود عباس (2005-2010) حمل عنوان “نحن وأمريكا في عهد بايدن”، كقرار محكمة الجنايات الدولية الذي أكد على الولاية القضائية للمحكمة على المناطق التي إحتلتها إسرائيل العام 1967 بما في ذلك القدس الشرقية، وإتفاق القاهرة حول الإنتخابات كأول خطوة من خطوات إنهاء الإنقسام في الساحة الفلسطينية، إلا أن عدم الشروع في التطبيق الفوري لما اثاره الحسيني في مقالته، وإستمرار إدارة العمل السياسي الفلسطيني بالإعتماد على أفكار غير مدروسة وموجودة فقط في راس شخص أو إثنين في دائرة صنع القرار بدل الإعتماد في إتخاذ القرارات ورسم السياسات على التفكير والتحليل والتخطيط الإستراتيجي، يضع كثير من الشكوك حول قدرة الفلسطينيين على توظيف هذه التطورات لصالح خدمة أهدافهم العليا، والأهم أن إستمرار هذا الأسلوب في العمل يضيف قرينة أخرى على عدم أهلية من يتصدون لمهمة تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في هذه اللحظة من الزمن.

وكان السيد الحسيني قد تناول في مقالته جملة التوصيات المتضمنة في ورقة دافيد ماكوفسكي الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى التي قُدمت لإدارة الرئيس بايدن بواسطة مبعوث البيت الأبيض الأسبق للسلام في الشرق الأوسط دنيس روس في دراسة حملت عنوان “بناء جسور السلام: السياسة الأمريكية نحو الدول العربية وإسرائيل والفلسطينيين” والتي نشرها المعهد بتاريخ 26/1/2021، إذ تضمن هذه التوصيات إذا ما اخذتها إدارة بايدن بعين الإعتبار عدم المساس بالإنجازات التي حققتها إسرائيل في عهد إدارة الرئيس ترامب.

تجدر الإشارة هنا إلى قدرة معهد واشنطن على التأثير في السياسة الخارجية للإدارات الأمريكية المتعاقبة، الأمر الذي يتجلى في كثرة ظهور طاقم المعهد خاصة مديره روبرت ساتلوف أمام لجان الإستماع التي يعقدها الكونجرس دوريا حول قضايا عدة في الشرق الأوسط كمكانة الإخوان المسلمين في النظام السياسي في منطقة الشرق الأوسط والإستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية وغيرها من القضايا التي تتعلق بأمن إسرائيل.

كما تجدر الإشارة إلى أهمية الباحث ماكوفسكي نفسه في التأثير على تطوير محددات السياسة الخارجية الأمريكية التي تتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث ضمه مبعوث الرئيس أوباما للسلام في الشرق الأوسط جورج ميتشل لفريقه في العام 2011، وذلك لخبرته في موضوعة الإستيطان وتبادل الأراضي بين إسرائيل والفلسطينيين، هذه الخبرة التي أظهرها في دراسته، تخيل الحدود: تصورات لحل الخلافات الحدودية بين إسرائيل والفلسطينيين، التي أعدها ماكوفسكي بالتعاون مع باحثين آخرين في يناير العام 2011 ونشرها معهد واشنطن في نفس الشهر.

في الواقع تظهر مقارنة توصيات ماكوفسكي التي تناولها الحسيني في مقالته مشكوراً بمساهمات غيره من الباحثين اليهود سواء داخل إسرائيل أم خارجها، أن هناك تقاطع وتكامل بين مساهمة ماكوفسكي ودينيس روس وغيرهما من الباحثين العاملين في مؤسسات بحثية أخرى كمعهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي، ومعهد القدس للإستراتيجية والأمن، ومركز بيجن السادات للدراسات الإستراتيجية، ومعهد بروكنجز، ومركز الأمن الأمريكي الجديد، ومركز الإمارات للسياسات، الأمر الذي يشير الى أن مساهمة معهد واشنطن (ماكوفسكي) هي حلقة من مخطط أكبر يسعى لتطويع مقاربة إدارة بايدن للشرق الأوسط بما بضمن عدم المساس بالإنجازات التي حققتها إسرائيل والدول الخليجية التي وقعت على معاهدة إبراهيم في عهد الإدارة السابقة.

وتجادل هذه المقالة أن أبرز هذه المساهمات قد تجلت في الدراسة التي وُسمت بعنوان إعادة الإندماج في الشرق الأوسط: رؤية جديدة لسياسة الولايات المتحدة، (Re-Engaging the Middle East A New Vision for U.S. Policy) الصادرة عن معهد بروكنجز في نهاية العام الماضي 2020 لمجموعة من المؤلفين الذين بعتبرون من أكثر الشخصيات خبرة في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، حيث عملوا في إدارات أمريكية مختلفة بدءً من كلنتون حتى ترامب، كما حرر الدراسة كل من دافنا راند وروبرت ميلر الذين عملا في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي خلال الفترة 2009-2017.

وتكونت الدراسة من مقدمة وخاتمة وثلاثة أجزاء ضمت ثلاثة عشر فصلاً، حيث ناقشت المقدمة المصالح والمبادئ التي يجب أن تقوم عليها السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ومعيقات تنفيذ هذه السياسة، ثم تناول مؤلفي الدراسة العلاقات الأمريكية في بلدان المنطقة المتعددة كمصر والسعودية وإيران وليبيا واليمن وإسرائيل وجماعة الإخوان المسلمين وغيرها من القضايا العابرة للبلدان.

وقد تناولت الدراسة حلبة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في الجزء الثاني الذي حمل عنوان: إعادة تصور الشراكات الأمنية الأمريكية الأساسية (Re-Imagining Key U.S. Security Partnershipحيث خصص الفصل الخامس الذي إنفرد في تأليفه السفير الأسبق لواشنطن في تل أبيب داني شابيرو والذي يعمل حالياً كباحث زائر في معهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي، وحمل هذا الفصل عنوان: العلاقة الأمريكية الإسرائيلية والساحة الفلسطينية الإسرائيلية (The U.S. Relationship and the Israeli-Palestinian Arena).

وللوقوف على ما ذهب اليه السفير شابيرو هناك حاجة لفهم المصالح والمبادئ التي يجب أن تقوم عليها السياسة الخارجية كما تناولتها مقدمة الدراسة، وكذلك فهم العوائق أمام تنفيذ هذه السياسة، حيث حددت الدراسة المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط بخمس مصالح كما يلي:

  • مكافحة الإرهاب وإنتشار الأسلحة النووية.
  • حماية أمن إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية ودفع السلام الفلسطيني الإسرائيلي.
  • وقف تصعيد النزاعات الإقليمية في المنطقة.
  • تحقيق تحسن ملموس في مجالات الحوكمة وإحترام حقوق الإنسان والمشاركة السياسية.
  • الحفاظ على التدفق الحر للنفط والغاز الطبيعي.

ولكي تضمن الولايات المتحدة الأمريكية النجاح في تحقيق الأهداف الخمسة المحددة أعلاه عليها أن تبني إستراتيجيتها على المبادئ التالية:

  • أن تقاد السياسة الأمريكية في المنطقة وفقاً لمصالح أمريكا وليس وفقاً لمصالح دول أو جهات أخرى مثل إسرائيل أو السعودية أو الإمارات، أو وفقاً للمصالح التجارية الخاصة بأسرة الرئيس وشركائه السياسيين.
  • تجنب الفصل الخاطئ بين المصالح والقيم الأمريكية.
  • تبني مقاربة جديدة للشراكات الأمنية مع الفاعلين الإقليميين.
  • إستبدال القوة العسكرية الأمريكية في المنطقة بالقوة الديبلوماسية المدنية.

وحددت المقدمة المعيقات أمام تحقيق تحديد الأهداف وفق المبادئ بالمعيقات التالية:

  • معالجة القرارات الخاطئة التي إتخذتها إدارة ترامب مثل تعليق تمويل الفلسطينيين، وإحتضان خليفة حفتر في ليبيا، ومنح السعوديين والإماراتيين شيكاً مفتوحاً على بياض.
  • عدم إستقرار المنطقة وإستمرار الإضطرابات.
  • إزدياد رغبة الرأي العام الأمريكي بعدم خوض مغامرات عسكرية في المنطقة.
  • عودة المنافسة الدولية لاسيما مع روسيا والصين.
  • تقلب موقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة وتضاؤل ثقة شعوب المنطقة بالسياسة الأمريكية.

وعلى ضوء ذلك جادل شابيرو في ورقته أن الإدارة الأمريكية الجديدة لن تبدأ من الصفر فيما يخص الساحة الفلسطينية الإسرائيلية، إذ لا يمكنها تجاوز موضوعة القدس ونقل السفارة، وأضاف أن هدف الإدارة الجديدة في المنطقة يجب أن يبتعد عن تحديد ماذا سيحدت؟ أو ماذا لن يحدث؟ أو ما الذي يجب أن يحدث؟ بل يجب أن يقوم هدفها على تحديد المصالح الأمريكية في المنطقة التي يقع في القلب منها حماية أمن إسرائيل والمحافظة على دوام الشراكة الأمريكية الإسرائيلية سواء نجح حل الدولتين أو فشل، إذ أن لإسرائيل مكانة خاصة في ذهن دافع الضرائب الأمريكي لا يمكن أن ينافسهم عليها الفلسطينيون.

وحول حل الدولتين يرى شابيرو أن على الإدارة الأمريكية الجديدة عدم التخلي مطلقاُ عن هذا الحل كونه الحل الأقل ضرراً للمصالح الإسرائيلية بعيدة المدى والأكثر نفعاً للمصالح الأمريكية في المنطقة، الأمر الذي يفرض على إدارة بايدن عدم إغماض أعينها عن البدائل المحتملة لفشل حل الدولتين.

وفي هذا الشأن أوصى شابيرو أن تجري الإدارة الجديدة دراسة معمقة حول البدائل المحتملة لعدم نجاح حل الدولتين سواء نشرتها للعلن أم أبقت نتائجها كموجه ومحرك لصناعة السياسة الأمريكية نحو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، على أن تجيب هذه الدراسة على جملة الأسئلة التالية:

  • كيف ستؤثر البدائل المحتملة لحل الدولتين على قدرة إسرائيل على حماية نفسها والدفاع عن أمنها؟
  • ماهي تداعيات إقدام إسرائيل على ضم مناطق من الصفة الغربية على العلاقة الأمريكية الإسرائيلية؟
  • هل سيؤدي الضم إذا ما تم إلى إنهيار السلطة الفلسطينية وعودة إسرائيل إلى المناطق A,B؟
  • كيف سيتم تلبية الإحتياجات الإنسانية الفلسطينية إذا ما إستمر الإحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين؟
  • هل ستتواصل حالة الإستقرار التي تشهدها المنطقة إذا ما مات خيار حل الدولتين؟
  • هل ستحافظ إسرائيل على شخصيتها كدولة يهودية وديمقراطية إذا ما أقدمت على الضم، سواء منحت الدولة جنسيتها للفلسطينيين، أم لم تفعل ذلك؟
  • كيف ستشكل البدائل المحتملة لحل الدولتين التفكير السياسي للقيادة الفلسطينية التي سترث قيادة الفلسطينيين بعد الرئيس عباس، وأي البدائل التي ستعزز من قوة حماس وتؤدي الى إندلاع موجات عنف في الضفة الغربية؟
  • كيف ستتأثر الشراكة الأمنية الأمريكية العميقة مع إسرائيل إذا ما تحولت المبادئ والقيم التي تقوم عليها هذه الشراكة؟

وفي الختام ترى هذه المقالة أن توفير إجابات للأسئلة التي إثارها شابيرو في دراسته وما قد يتفرع عنها من أسئلة يجب أن تكون أولوية المكونات السياسية الفلسطينية وما حولها من مؤسسات بحثية متخصصة، ربما بقدر يفوق القدر الذي يرى شابيرو أنها من أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة، لا سيما وقد توافقوا أخيراً على التوجه لصناديق الإقتراع كخطوة أولى من خطوات إنهاء الإنقسام، وإلا ستبقى السياسة الفلسطينية تقاد بعقلية زورو الهزلية كما وصفها الدكتور رفيق الحسيني في مقالته.