وليد عبد الحي

ثمة معادلة واضحة في الأزمة المتفاقمة بين ايران والولايات المتحدة، فالخيارات الإيرانية ” للرد” تمثل قدرا واسعا من البدائل المتاحة من ناحية لكن هذه البدائل تستوجب مسألتين: الاولى ان تكون الضربة الإيرانية موازية ومقنعة للمجتمع الإيراني ولحلفاء ايران الاقليميين ان هناك قدرا من التوازن بين الضربة التي تلقتها ايران وبين رد فعلها على الولايات المتحدة ، والبعد الثاني هو أن لا يكون ذلك الرد بالقدر الذي تعتبره الولايات المتحدة متجاوزا للحدود ولهيبتها كدولة عظمي، أي ان المأزق الايراني الآن هو رد يقنع المجتمع الإيراني ولكنه لا يستفز الولايات المتحدة لتذهب لجولة جديدة…واعتقد ان التوفيق بين هذين المطلبين يحتاج لوزن الامور ” ببيض النمل” كما قال لينين ذات مرة.
أولا : البدائل الإيرانية : وتتمثل هذه البدائل في خمسة بدائل استراتيجية:
أ‌- البديل العسكري:
وهنا هل قتل سليماني يستوجب قتل شخصية أمريكية مساوية له ( لنقل على سبيل المثال مندوبة الولايات المتحدة في حلف الناتو ” كاي بيلي هتشيسون”(Kay Bailey Hutchison) او من يوازيها. والبديل الآخر هو ضرب مقر أمريكي عسكري قد يكون في مكان مفاجئ للأمريكيين في امريكا اللاتينية او افريقيا او آسيا حيث تكون الاحتياطات الامنية اقل ، او هدف قريب في الشرق الاوسط ، لكن هذا الهدف يجب ان يكون له اما قيمة عسكرية ذات أهمية او يؤدي لقتل عدد ” يشفي غليل الإيرانيين”، وقد تعمل إيران على أن لا يكون الهدف ملتبسا ، أي غير واضح من حيث المسئولية : هل هي من نفذه ام حلفاؤها؟
ب‌- البديل العسكري السياسي:
ويأتي على رأس هذا البديل خروج القوات الأمريكية من العراق –وربما سوريا-
وهو امر يحق لإيران حينها تقديم النتيجة على أنها نتيجة استراتيجية تفوق الانتقام ” الغرائزي” بالمعنى المتداول، وهذا الاجراء قد يأخذ مساومات ومماطلات ، لكن الاقرار الأولى أو التلويح الامريكي به قد يمتص تدريجيا شحنات الغضب الإيرانية، وتقوم آلة الدعاية الإيرانية بتقديم هذه النتيجة خلال مراحل تنفيذها على أنها انتصار أكبر من قتل فرد-مهما كان وزنه ، او ضرب هدف قد يودي ببعض العساكر الأمريكيين. وقد يقبل ألأمريكيون هذا البديل بخاصة إذا وعدتهم دول الخليج بأن تتحمل نفقات القوات الأمريكية المنسحبة من العراق الى اراضي دول الخليج المجاورة.
وهكذا يبقى التهديد لإيران قائما فالقوات الامريكية قامت بمجرد اعادة انتشار لا أكثر، ويستمر إطمئنان دول الخليج بأن المظلة الأمريكية تقيهم وهج اية مواجهات لاحقة مع ايران. كما أن هذا الحل سيرضي ايران والقوى العراقية المسلحة وقد يكون هو الأقل عبئا للولايات المتحدة وإيران من الذهاب لحرب شاملة.
ت- البديل الاقتصادي :
ماذا لو تم عرض (من خلال الوسيط القطري او العُماني او الأوروبي أو ممن لا نراهم على المسرح) اقتراح أمريكي ان يتم رفع الحصار الأمريكي بقدر مُغرٍ عن إيران ، وهنا قد تكون الجزرة أفضل من عصا بعصا، وقد يبدو هذا الحل بالمنظور الضيق بأنه ” أقرب للرشوة” لإيران، لكنه بمعايير الربح والخسارة الاستراتيجية قد يكون مقنعا لإيران رغم أنه أقل وهجا.
ث- البديل النووي السياسي: أي أن تبدأ ايران بالتحلل التدريجي من التزاماتها طبقا للاتفاق النووي، وقد يجعل ايران في هذه الحالة أقل عرضة للوم، لأن ترامب بانسحابه واستفزازه قدم لها مبررات تحرج حلفاءه بخاصة في ظل أنهم يتذرعون بأعذار كثيرة لتبرير قصورهم بوفائهم بما عليهم من التزامات اقتصادية ومالية تجاه ايران بعد خروج ترامب من الاتفاق.
ج- البديل الآخر ان تبلع ايران ما حصل او تستعيض عنه بعمل رمزي يستسيغه الامريكيون وتنفخ ايران فيه لتعظيمه، ورغم أن هذا البديل هو الاحتمال المغري لأنه الايسر للتحقيق، فقد يراهن الايرانيون على وقوع احداث دولية تصرف النظر عن موضوع استمرار المواجهة الايرانية الأمريكية، ولا يعود الامر إلا ضمن صفحات التاريخ.
ثانيا: التداعيات
لقد ذكرت بأن قدرة إيران على التوفيق بين ضمان أن تبقى الأزمة في حدودها من ناحية وبين القيام برد يتوازى مع الطعنة التي مستها في الصميم… هي مشكلة ايران الحالية.

وماذا عن البيئة الدولية؟ فمن المؤكد أن اسرائيل هي الاكثر تلهفا على وقوع الصدام، فهي لن تخسر شيئا، ويساندها في ذلك بعض الدول الخليجية رغم أنها أكثر هشاشة وبشكل كبير من اسرائيل، فسقوط بضعة صواريخ على المدن الخليجية ، قد يجعل الشرق الاوسط يتعايش مع موجة لاجئين جديدة، ناهيك عن الشلل في مضيق هرمز وما حوله وكل ما سيتداعى عنه من توترات اقتصادية في منطقة تختنق بالأزمات…وهو أمر لا تريده اوروبا ولا الصين ولن تراه روسيا مفيدا بخاصة إذا خرجت الامور عن السيطرة.