محاضرات جامعة سعيدة،نشرت في 11 مارس 2017 .

تعريف علم اجتماع المخاطر:

علم اجتماع المخاطر هو ذلك العلم الذي يهتم بفهم و تفسير ظاهرة المخاطرة بأسبابها و نتائجها في السياق التاريخي و المجتمعي ككل ، تفسيرا سوسيولوجيا ، كما أنه معنى تحديدا بدراسة المخاطر الأخطار المنبعثة من عصر الحداثة و ما بعدها ، أي أنه يتناول بالدراسة المخاطر التي يعرفها عالمنا اليوم و أثرها على المجتمع الإنساني ، و هو يرتبط بشكل كبير بإسهامات عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك الذي يعزى له الفضل في صياغة مفهوم ” مجتمع المخاطرة ” . كما يبرز في هذا المجال ايضا علماء اجتماع مثل الانجليزي أنتوني جيدنز ، و الألماني نيكلاس لومان ، و الفرنسي دافيد لوبروتون ..

و رغم أن المخاطرة و الخطر وجدا منذ وجود الانسان على وجه البسيطة مع أن ذلك يختلف حتما من حيث الدرجة و النوع و الإدراك و التحكّم.. إلا أن أولريش بيك و أنتوني جيدنز يتفقان في كون أن ( فكرة المخاطرة ) بالمعنى الذي ارتبط بمجتمعات الحداثة قد ظهرت فجر النهضة الأوروبية في القرنين السادس عشر و السابع عشر ، اذ ارتبطت بظهور الاحتمالية في الحساب ، حيث سجل تاريخ العلم ان القرن السابع عشر مولد حساب الاحتمالية 1651 .. اي مولد أول محاولة في التحكم فيما هو غير متوقع و ذلك بحساب إمكانية النجاح و الخسارة مقابل المكان و الزمان ، حيث يقول جيدنز أن المخاطرة ارتبطت أولا بالمكان ( الإبحار ) ثم بالزمان ( الاستثمارات ) .

و إنه من الأهمية بمكان ، أن نوضح أن البحث في موضوع المخاطر في الفترة المعاصرة كان وليد ظروف مجتمعية و مشكلات جمة طفت على السطح على مختلف الاصعدة أهمها الصعيد البيئي ، و كذا الصعيد الأمني و السياسي ، و الاقتصادي ، و الثقافي ، و الاجتماعي .. و كل ذلك كان من مخلفات الحداثة التي وجهت المؤسسة العلمية- التكنولوجية و الاقتصادية نحو خدمة و تحقيق انتصاراتها في الوقت الذي كان المجتمع يدفع ثمن تلك الانتصارات (العلمية خاصة ) فبدأت تظهر في الجهة المقابلة إخفاقات مُقَابِل تلك الانتصارات ، تمثلت اكثر ما تمثلت في الدمار البيئي ( إنسان – حيوان – أرض – هواء – مياه ..) في صورة دراماتيكية رسمت ملامحها سياسة التصنيع و التجارب النووية و الحروب الكيماوية و غيرها ، و هو الأمر الذي أثر بدوره على البعد الاجتماعي و الثقافي من جهة أخرى ، و ذلك من حيث انقطاع الرباط الاجتماعي ، فباتت العلاقات الاجتماعية كما أصفها “علاقات طيارة ” فمن جهة هي تتشكل و تنتهي بسرعة بصورة تنذر بالخطر ، و من جهة أخرى هي غير محدودة و ثابتة و إنما تتمدد و تتطاير متحدية المكان و الزمان بفضل تكنولوجيا الاتصالات الرقمية خاصة تلك العلاقات “الافتراضية ” و التي شكلت أخطارا على العلاقات الاجتماعية “الحقيقية ” إضافة الى أن توسع شبكة العلاقات الاجتماعية عبر الفضاءات الالكترونية قد يحمل في طياته مخاطر توسع شبكة العلاقات ” الإجرامية ” .. و كذا تغذية صراعات و نزاعات إثنية و عرقية ذات بعد ثقافي – ديني مما قد يترتب عنه أيضا مخاطر و أخطار أخرى عالمية على صعيد آخر ، و هكذا ..

و يرى أولريش بيك أن “مجتمع المخاطرة ” قد ظهر مع منتصف القرن العشرين ، و هو مجتمع ساخط على تبعات الحداثة السلبية ، يبحث في كيفية إدارة المخاطر (Risk management) و الأخطار بالوقاية و العلاج معا . و هو ما أوضحه في كتابه ( مجتمع المخاطرة ) الذي كتبه عام 1986 ، مشيرا إلى أن مجتمعات النصف الثاني من القرن العشرين باتت مرغمة على مواجهة سلبيات الحداثة و إيجاد الحلول و البدائل المناسبة لمجابهة تحدياتها و إدارتها، و هو ما أسماه ب ” عقد المخاطرة ” اي مدى القدرة على التحكم في التهديدات و الأخطار الناجمة عن الصناعة و القدرة على تعويضها .. غير أنه في كتابه الآخر الذي كتبه بعد عشرون سنة من ذلك ، و هو كتاب ( مجتمع المخاطر العالمي : بحثا عن الأمان المفقود ) عام 2006 ، قد فرق فيه بين مجتمع المخاطرة و مجتمع المخاطر العالمي ، حيث هنا يظهر جليا أنه يتحدث عن “مجتمع عالمي ” تنتشر فيه المخاطر و الأخطار في مختلف الأقطار أو كما أصفها ( المخاطر الطيارة ، اي التي تطير من مكان الى مكان آخر دون أن نقدر على مسكها و إخضاعها أو التحكم فيها ! ) لعبت فيها العولمة و انسيابية التدفق و تخطي الحدود القومية دورا بالغا في : عولمة المخاطر و الأخطار ، و منه توسيع نطاق عدم الأمان المصطنع.

المخاطر و العولمة:

إذن ، مجتمع المخاطر العالمي هو المجتمع العالمي الذي اشترك في احتضان المخاطر و الاخطار ، بعدما كانت المخاطر و الاخطار لا تتعدى حدود الدولة القومية ها هي اليوم في عصر العولمة قد تخطت الحدود القومية لتتدفق في مختلف الاتجاهات و مثال ذلك الجماعات الإرهابية “المصنعة ” . و هنا يستوقفني عالم الاجتماع البولندي سيجموند بومان أثناء حديثه عن عصرنا الحالي فيصف حالة “ما بعد الحداثة ” بوصف مميز و يسميها ب ” الحداثة السائلة ” بعدما كانت “حداثة صلبة “، ففي سلسلة كتبه عن الحداثة السائلة عَنْوَن واحدا منهم ب ( الخوف السائل ) إشارة منه أن المخاطر و الاخطار التي كانت تدور في حدود الدولة القومية قد سالت اليوم في عصر العولمة ليتعدى سيلانها حدوده فيسيل الى مدى أبعد من ذلك فيصل إلى مناطق و أمكنة أخرى ، و سيلان الاٍرهاب و الأضرار البيئية و غيرهما سيترتب عنه لا محالة سيلان الخوف ! .

و يعرف أولريش بيك مجتمع المخاطر بأنه “حالة من توافق الظروف أصبحت فيها فكرة إمكانية التحكم في الآثار الجانبية و الأخطار التي يفرضها اتخاذ القرارات محل شك ” . و هنا نلاحظ أن المخاطرة مرتبطة باتخاذ القرار بشأن سلوك ما قد يحقق لنا : إما فرصة و إما خطرا . و مع تفاقم المخاطر و الأخطار مقابل الفرص فإن مجتمع المخاطرة بات يعيش حالة من عدم الأمان و أيضا الشك و فقدان اليقين بخصوص إمكانيته و مقدرته على مواجهة تلك المخاطر (risks )و الأخطار ( dangers) و التحكم فيها مكانيا و زمنيا . و لهذا يتفق علماء المخاطرة على أن عالمنا اليوم يعيش حالة من فقدان اليقين العالمي .

و هو أي بيك يفرق بين المخاطرة و الكارثة ، فالمخاطرة حسبه تعني التنبؤ بالكارثة أي هي إمكانية أن تطرأ احداث و تطورات مستقبلية و اذا ما تحققت تصبح إذن كارثة . فالمخاطرة حدث متنبأ بحدوثه أما الكارثة فهي حدث فعلي .

أما نيكلاس لومان فإنه يفرق بين المخاطرة و الخطر في كتابه ( المخاطرة : نظرية سوسيولوجية ) ، إذ يعرف المخاطرةriskعلى أنها : أَذًى محتمل يخيف الفرد و يرتكز على قرار اتخذه بنفسه ، إنها عملية حسابية تأخذ بالاعتبار الخسارة و الفائدة المُحتملة بالاستناد الى الزمن . أما الخطر danger فهو : الأَذى المحتمل الذي يتعرض له الفرد بفعل مؤثرات خارجية ، اي دون أن يتخذ الفرد نفسه قرارا بفعل كذا .

كما يعرف أنتوني جيدنز في كتابه ( عالم منفلت : كيف تعيد العولمة صياغة حياتنا ) المخاطرة على أنها : تلك المجازفات التي يتم تقويمها فعليا في علاقتها بالاحتمالات المستقبلية . كما يقول أنها هي القوة الدافعة للمجتمع الذي يصر على التغير و الذي يريد ان يحدد مستقبله ولا يتركه للدين او التقاليد أو لقوى الطبيعة .

و هو أي جيدنز يرى أن المخاطر نوعان :

-مخاطر خارجية ، و هي ما ارتبط بالتقاليد و الطّبيعة ( الأوبئة و الفياضانات و المجاعة و الجفاف و البيئة وو) ، و التي تحدث خارج إرادة الانسان

– مخاطر مصنعة ( مخلقة ) ، هي التي يتدخل فيها الانسان بارادته ، و التي تنجم عن قصور و قلة خبرة الانسان .

كما و يرى جيدنز أن عصرنا ليس اكثر خطورة من العصور السابقة و لكنه شهد تحولا في توازن المخاطر و الاخطار ما جعل المخاطر المخلقة التي نخلقها بايدينا أشد خطرا و اثرا من المخاطر الخارجية ، هذه المخاطر المخلقة ( المصنعة ) جعلت النظرة للعلم تتغير حيث تراجعت النظرة العلمية و العقلانية .. و هو يسمي مجتمعنا اليوم ب ” عصر ما بَعْد نهاية الطبيعة ” و ” مجتمع ما بعد نهاية التقاليد ” ، و هو لا يعني أن الطبيعة قد انتهت تماما و انما هو يقصد أن ما بقي من الطبيعة و البيئة من الشيء القليل جدا جعل العالم يبدو و كأنه يعيش حالة من مابعد الطبيعة ، و نفس الامر بالنسبة للتقاليد .

أما أولريش بيك فينطلق في نظريته من ثلاث منظورات و هي :

– العولمة : حيث عملت على عولمة المخاطر و الأخطار و تجسيد اللحظة الكوزموبوليتانية( اللاقومية ) مع تراجع الدولة القومية ، فبات ضروريا أن يتم فهم المخاطر في سياق عالمي و هو ما يسميه ب ” الكوزموبوليتانية المنهجية ” ، بعدما كانت تفهم في سياق قومي داخلي ” القومية المنهجية ” .

التصوير و الإخراج : و هو يعني أن المخاطرة و التي هي أمر كارثي متوقع و متنبأ به يتم إخراجه و تصويره بوصفه ” توقعا ذَا مصداقية ” ما يكسبه الصفة ” الحقيقية ” فيشكل صورة نمطية ذهنية في عقول الناس بأن الكارثة حاضرة بينهم ، اي أن مستقبل الكارثة حاضرا ، الأمر الذي يهدف غالبا إلى منعها و تفاديها . و التصوير السينمائي للمخاطرة لا يعني تزوير الحقيقة من خلال تزوير مخاطر غير حقيقية و انما هو عرض سياسي -إعلامي للجمهور و للعالم حتى يدركوا مستقبل المخاطرة و منه يتم تفادي الوقوع في الكارثة من خلال التأثير على القرارات الحالية ، و حسن إدارة الوضع و التحكم فيه .

المقارنة بين المخاطر البيئية و الاقتصادية و الإرهابية : بحيث أن بيك انطلق في تحليله من ثلاث منطقيات للمخاطر الكونية و هي : مخاطر بيئية – مخاطر اقتصادية مالية – مخاطر الإرهاب . فاعتبر أن المخاطر البيئية و الاقتصادية تأتي (صدفة ) اي عن حسن نية ، أما مخاطر الاٍرهاب. فهي ( مقصودة ) أي عن سوء نية

و يربط بيك كل هذه المخاطر بثقافة المجتمع الناشئة فيه وفق ما أسماه ب ” الإدراك الثقافي للمخاطرة ” و هو أن كل مجتمع له تقييمه الخاص لمستوى المخاطرة و درجتها ، و كلما قلت إمكانية تقدير الخطر إكتسب الإدراك الثقافي المتنوع للمخاطرة ثقلا أكبر .

و تتنوع المخاطر و الأخطار التي يعكف علم اجتماع المخاطر على دراستها لتشمل مخاطر الدمار البيئي مثل تلوث الهواء و البحار ، الغازات الدفيئة و الاحتباس الحراري و ثقب الأوزون ، و الأمطار الحمضية و الزراعة الوراثية ، و تناقص الثروات الباطنية و المياه الجوفية ، تقلص المساحات الغابية و الثروة السمكية …الخ ، اظافة الى مخاطر التجارب النووية و تخصيب اليورانيوم و أسلحة الدمار الشامل و الحروب الكيماوية ، و الأوبئة الفتاكة مثل انفلونزا الخنازير و الطيور و جنون البقر و الإيدز و غيرها ، الاستنساخ و الانتقاء الجيني مختلف التكنولوجيا الحيوية ، كما هناك مخاطر متعلقة بالأمن القومي و العالمي مثل التطرّف الايديولوجي و الاٍرهاب الدولي ، النزاعات الاثنية بين الطوائف و الاقليات ،والصراع العرقي و الجندري . اظافة الى تهجين الهويات ، النزعة الفردانية و انقطاع الرباط الاجتماعي ، و المشكلات الاقتصادية مثل الأزمات المالية العالمية ، أزمات البترول ….و غيرها من المخاطر التي شهدها العالم مؤخرا والتي أثرت لا محالة على المجتمع الإنساني أفرادا و جماعات ، حيث تراكمت و اتسعت إلى أن طفت على السطح منذرة بمستقبل كارثي يهدد أمن العالم دون استثناء ، أغنياء العالم و فقراءه

  1. الحياة الهشة

تعاني المجتمعات المتخلفة من انعدام الأمن الدائم بسبب حالة الحرب أو المجاعة أو من العنف المتوطن.بينما تعتبر الظروف المعيشية في مجتمعاتنا الغربية مستقرة نسبيا. ومع ذلك ، إلى درجة أو بأخرى ، الخطر في قلب الكينونة البشرية ، إنها تضحية حقيقة من كل فرد يريد خلق حريته في جميع الأوقات ، مع وضوح غير متكافئ ولكن في بعض الأحيان أيضًا مع مصيبة غير متوقعة يستحيل مراعاتها قبل أن تحدث. لم يتم تعيين أي مسار مسبقًا لأي شخص. أهدأ حياة لن يحدث أبدًا المأوى من ما هو غير متوقع الذي يأخذ شكل للأفضل أو للأسوأ ، من المرض ، من حادث أو الملل أو الترقية أو الاهتمامات المهنية أو الفصل أو الفشل لقاءات أو انفصالات عاطفية ، وحالات فاجعة ، إلخ. الثقة الأساسية في الآخرين أو في العالم تنتفي في بعض الأحيان بطريقة لا تصدق. الغيوم السامة تحمل خطر الموت على بعد آلاف الكيلومترات دون أن يعرفها أحد بعد. وضع جنون البقر في معظم الصفائح العادية لجراثيم المرض. في 1980 ، تفشي الإيدز ليضع الخطر في قلب العلاقات الاجتماعية الأسعد والأقل شبهة. حالة وقد حول الدم الملوث بعض الأطباء والإداريين إلى متسببين في الأمراض و الموت. لقد أثبتت الأدوية الموزعة على نطاق واسع في السوق أنها خطرة على المرضى (Médiator على سبيل المثال). الخطر يأتي أحيانًا من البيئة ويفرض على على الفرد في عالم يتهاوى: زلازل انزلاقات ارضية، فيضانات، تسونامي، عاصفة، انهيار، حريق، حادث محطات للطاقة النووية … في أيضا في الحياة ، تتغير المخاوف ، ويتغير مشهد الخطر. فالمخاوف الخاصة برجل عجوز ،. ليست من مخاوف الشاب يشعر بقدرة أكبر على التحكم في حياته والاستجابة للمخاطر التي يتعرض لها ، وعدم اليقين في سلوك الآخرين ، اللقاءات الجيدة أو السيئة ، إلخ. قد تؤدي ازدواجية المواقف أحيانًا إلى سلوك غير مُوات أو قرارات غير سعيدة. الظروف والاختيارات و الإهمال ، السياق العام الذي يجد فيه الفرد نفسه أو نفسها معرضة لمخاطر ليست كتلك التي ليست متوقعة دوما. إن حالة الإنسان تتطلب نقاشا مستمرا مع الآخرين وحتى الأشياء حتى تحت خطر الاصابة بالصدمات. خلال السنوات الأولى من العمر ، يفهم الطفل الاحتياطات الأساسية تجاه مخاطر بيئته المألوفة. من خلال التعلّم ، والمشورة المقدمة من الكبار ، يتعلم الالتزام بمسافة مناسبة ازاء الصعوبات و المخاطر المحايثة لحياته كانسان. يتعلم المشي وركوب الدراجات والتزلج ، وهذا يعني تطوير المهارات البدنية بالمناسبة ، لتحديد موارده بشكل أفضل ، حتى لو كان خطر المبالغة في تقديرها لا يزال قائماً. هو يتعلم السيطرة على مخاوفه والسيطرة على الأخطار ، لتحمل المخاطر الرمزية التي تؤثر على هويته وخاصة هويته الجنسية. تتطلب الحياة في المجتمع اتخاذ الاحتياطات اللازمة حتى لايضحى الفرد ضحية الأحداث الخارجية. إنه ينطوي على جدلية بين الحصافة والمخاطر ، بين الأمن وانعدام الأمن ، والموازنة بين عواقب القرارات أو الإجراءات.

الصمود ، العقلاء للهروب من الأشياء غير الملموسة ، المثابرة على القتال سوء الحظ يستجيب لعدم استقرار الحالة الإنسانية، يتأرجح دائما بين القوة والضعف الهشاشة. حتى لو ، على الأقل في مجتمعاتنا الغربية ، الظروف الشخصية للوجود مستقرة وآمنة نسبيا. في الحياة اليومية ، غالبًا ما يتم اختبار الخطر على أنه بيانات سلبية تهدد توازن سابق. إذا لم يكن نتيجة اختيار ، بل هي مفاجأة سيئة. يُنظر إليه على أنه تهديد يكمن في المجال الخاص ، الآخر يهرب من السيطرة.

  1. المخاطرة و إثبات الهوية

المخاطر لا تختزل إلى فرضية الموت أو التأثر الجسدي، و حسب فهي تعني أيضًا تقدير الذات. إن صور الخطر لا تعد ولا تحصى. على مستوى الحياة اليومية ، المخاطرة فى كثير من الاحيان تعمد الخروج عن الروتين routines الحياة. أنه ينطوي على هدف الاكتشاف والاستكشاف. لا يتم اختراع أي شيء لأولئك الذين يتشبثون بمواقعهم المعتادة دون محاولة كسرها. لاكتشاف مناطق جديدة، موارد جديدة، لإعادة تحديد علاقة المرء بالعالم ، أو لوضع نهاية للشعور بالملل أو الطريق المسدود ، عليك أن تمزق نفسك وتتحرك للحظة بعيدًا عن الممرات المحددة. للقاء الآخرين، عليك أن تتغلب على تحيزاتك وتعرض نفسك لتقلبات العلاقة. بالنسبة للباحث، يجب أن يتجاوز ما يعرفه بالفعل ويواجه مخاطر الفرضيات، وبالتالي الفشل أو العواقب غير المقصودة لتحقيقاتها أو نتائج تجاربها. لا يمكنه الهروب من الجدل. من يخاطر بشيء ليس لديه شيء ومع ذلك ، فإن عدم المخاطرة يمثل خطرًا بحد ذاته ، مثل التقوقع على الذات ، من التقصف من قبل تقدم الوقت ، عالقة في الروتين. إن إدانة النفس لا تتحول أبداً الأشياء حتى لو لم تكن الأفضل. قد يتضمن هذا البقاء في حالة الخضوع أو سوء المعاملة. المجازفة في الحياة اليومية هي محاولة لإعادة التعريف الوجود. من المسلم به أن إمكانية الخسارة باقية ، لكنها قليلة مقارنة مع الرضا عن الجرأة وما يمكن كسبه فقط من حيث احترام الذات.

علاوة على ذلك ، فإن لحظة الخطر ، إذا تم اختيارها ، هي دائمًا التأكد من معرفة شدته ليكون ذلك الذي يتناقض مع الحياة العادية (لو بريتون ، 2003). يعرض عدد من الممارسات الاجتماعية بشكل دائم لخطر فقدان ماء الوجه واحترام الذات (جوفمان ، 1974). أمام الجماعة ،و الممثل المسرحي يواجه خطر نسيان النص على خشية المسرح، أو نوبة من الضحك لا يمكن إخفاؤها في أكثر اللحظات إثارة في المسرحية أو ببساطة لأداء ضعيف. يمكن أن يقدم مقدم البرامج التلفزيونية أو السياسي زلة لسان أو إصدار حكم يشكك في شخصه. كتاب كاتب أو الباحث رهان على حياته المهنية أو ولاء قرائه. لا أحد في مأمن من التعرض لخسارة بسيطة أو جذرية لطاقته الإبداعية. وبالتالي فإن أي فعل من أعمال الخلق يثير الخطر لا لا يكاد يتلقى رديئة أو ببساطة ذات نوعية رديئة وإثارة الحكم غير موات أو السخرية أو اللامبالاة. هذا يعرض للخطر هوية الفرد الذي يشارك بحسن نية في الأعمال التجارية. المجازفة تطرح أيضا مسألةاحترام الذات والسمعة الشخصية. نظرة أو كلمة واحدة قد تبدو غير لائقة تضعك تحت رحمة  حكم لا هوادة فيه على الآخرين أو منهم.

ولكن من الضروري أحيانا أن تغمض عينيك على المخاطر وتتغاضى عنها أو التقليل من شأنها من أجل الاستمرار في الحياة ينطوي الاستمتاع بموقف يُنظر إليه على أنه ضروري في بعض الأحيان على التغلب على المواقف من المحتمل أن يعرض الوجود نفسه للخطر…….

مثال آخر الخوف في منطقة تتميز بالبطالة هو عندما تكون صناعة خطرة أو محطة للطاقة النووية أو محطة إعادة المعالجة النفايات السامة ، التي توفر الوظائف ، تفرض حلا وسطا دقيقا حيث يقلل العاملون و السكان المحيطين من خطرها على حياتهم و ذلك حفاظا على مناصب عملهم. ثم يقلل المقيمون والعمال من خطر الإصابة التلوث ولديهم خطاب مختلف عن أولئك الذين يعيشون في مكان آخر دون قلق اقتصادي. ومع ذلك ، يتم التعبير عن التناقض في نصف الكلمات أو في لغة الجسد التي تعبر عن أشياء معاكسة.

يشعر العمال الأجراء “، بالقلق إزاء تدابير الحماية ومضاعفتها في بعض الأحيان ، البعض ينزع حتى القفازات الواقية ويستهزء بالإشعاع من خلال العمل بأيد عارية مع الادعاء بالسيطرة على الوضع. عندما تقع حادثة ، فإنه ليس خطأ الجهاز الفني ، ولكن الفرد الذي كان يجب أن يكون أكثر حذرا. نكرر أن النشاط الإشعاعي ليس خطيرا في حد ذاته إذا اتخذت الاحتياطات اللازمة ، إلا من خلال الإهمال. و” الانتحاريين»، جاهزين دائمًا لأداء المهام الخطرة ، دون الاهتمام الشديد بالسلامة. ” الانتحاريون “يريدون أن يثبتوا أنهم رجال ولا يخافون الموت.

نوع من طقوس المرور ليتم دمجهم بالكامل في المجموعة. خوفا من البطالة ، يتمسك الموظفون بوظيفة يدركون تأثيرها الضار على صحتهم أو المخاطر حادث لإنجاز ذلك. ولكن يُنظر إلى البطالة على أنها أخطر. أجريت العديد من الدراسات حول المخاطر في العمل: المخاطر الجسدية (التعرض للضوضاء ، الإشعاع ، السقوط ، وما إلى ذلك) ، المخاطر الكيميائية (امتصاص الغبار ، أبخرة سامة ، من مواد خطرة ، وما إلى ذلك) ، مع خطر بيولوجي (فيروس ، بكتيريا، إلخ).

آخرون كانوا مهتمين بالصعوبات الأخلاقية للتعرض للمخاطر ، وطرق التعامل معها للدفاع وفي الآونة الأخيرة عن ظروف الإدارة الجديدة المجهدة ، الاكتئاب والانتحار … (Dejours ، 2000). تجمع بعض المواقع الصناعية بين مخاطر الانفجار ، حريق ، صدمة كهربائية ، التعرض للتهديدات الكيميائية التي تسبب أشكال معينة من السلوك مدعومة بثقافة مشتركة بين العمال الذين عكس فرض الخطر من خلال اتخاذ قرار بمواجهته بنفسك. شروط العمل ثم تتحول إلى تمارين للحرية لتثبت أن هذه الأخطار قليلة في النهاية الشيء الذي يعرف كيف يواجههم. كيف تحافظ على كرامتك بتأكيد قوة الطابع تعبئة موارد الثقافة الفيروسية. Dejours (2000 ، 155 وما يليها) يصف السلوك الشجاع في الصناعات البتروكيماوية. تنظيم المشغلين النكات ، المزح لمس المسائل الأساسية للسلامة. خطب تفضيل الشجاعة أو البطولة أو التحدي أمر شائع لتذكر أن ليس أي شخص في مستوى المهمة. بين الخوف من البحث عن عمل بعيداً عن المنزل في خطر لإضعاف عائلته ، حتى يعرض نفسه للبطالة ، ويخاطر في مهمة صعبة ، يكون هناك في بعض الأحيان خيار قليل. إن التحييد الرمزي للمخاطر هو حتمية البقاء والاستمرار في كسب لقمة العيش دون تعريض عائلتك.

المهنيين الذين يعتبرون عرضة للخطر تطوير ثقافة مشتركة تحييد الخوف وحتى تثمين الشجاعة لتولي عملهم اليومي سخر من الخطر. يتحول المرء إلى الملوك الشخصي وهو الوضع الذي يفرض نفسه على نفسه إذا تم اختيار الوظيفة بهدوء على أنها الأفضل. الذي لا يمنع بأي حال من الأحوال الاكتئاب ونوبات نفسية واستخدام المؤثرات العقلية للسيطرة على الخوف بين مشغلي البتروكيماويات. ومع ذلك ، يتم استنكار بعض المخاطر ، على وجه الخصوص من قبل النقابات ، لأنهم ليس لديهم نفس الوضع ، ويرتبطون بتنظيم مشكوك فيه من العمل (الإيقاعات ، والضوضاء ، وانتهاء صلاحية المواد ، وما إلى ذلك). على العكس ، الخطر الذي يقرره العامل تقدر كعلامة على سيادتها ، بقرارها. يعزز احترام الذات و الاعتراف بالآخرين.

غالبًا ما يلعب الكحول في هذا السياق دورًا حازمًا ودعمًا لتناوله خطر ، فإنه يساهم في طمس تقدير الخطر وتعزيز المشاركة في سلوك محفوف بالمخاطر ، خاصة إذا كانت نظرة الآخرين موجودة. بين خطر الحادث العمل أو احترام الذات ، والخيار هو بدون معضلة. الخطر على الهوية حقيقة عدم القدرة على التكافؤ أو فقدان الوجه ، أثقل من تحمل المخاطر الصحية أو مدى الحياة. فقدان احترام الذات موجود في المظهر الضعيف ، بينما الخطر على الصحة أو الحياة أكثر تجريدًا في ذلك الوقت.

ولكن إذا وقع حادث ، فإن هؤلاء العمال يجدون صعوبة في العودة إلى تجارتهم القديمة. العديد من تظهر الاضطرابات الوظيفية دون اكتشاف الكائن الحي من قبل الطبيب: الصداع ، والدوخة ، انطباعات غريبة ، إلخ. يقترح C. Dejours (2000) ربط هذه الأعراض بـ غير قادر على العودة إلى العمل. العامل المصاب يواجه الآن تقويض هذا النظام الدفاعي ، الذي بني حول إنكار المخاطر ، عاجز عن حمايته. هو يختبر هشاشته واستحالة إعادة التواصل مع هذا الخيال. لا يعرف بالضرورة ، لكنه في وضع لا يمكن الدفاع عنه ، لأن الخوف ليس شيئًا يمكن قوله للآخرين ، ولا يعترف به تنظيم العمل على عكس الآفات العضوية. إن يصبح الجسم ملجأً غير واعٍ لحماية نفسه من العودة إلى العمل ، ولكنه يتحول أيضًا إلى فخ دائم أو طريق مسدود.

من الخوف إلى التخويف:

1- الخوف لازَم الإنسان دائماً. ولو لم يَخَف الإنسانُ لانقرض. الخوف كحالة نفسية فردية أو جماعية ناتجة عن مواجهةِ أو تهديدِ خطرٍ حقيقي أو مُتخيَّل هو من غريزة البقاء. إنه، من هذه الوجهة، ظاهرة كونية قديمة قدم الإنسان. الأدبيات الكلاسيكية تناولته، بهذا المعنى، من الفلسفة إلى التحليل النفسي الحديث، مروراً بالميتولوجيا وبالأديان وبأصناف الإبداع الأدبي والفنّي. وهو له في نصوص التاريخ وفي التراث الشعبي “مِحَنٌ” كثيرة.

ما جدَّ من حديث عن ثقافة الخوف يشير إلى نقلة نوعيّة، غير مسبوقة، يمكن وصفها، إجمالاً، بأنها انتقالٌ من الخوف إلى التخويف. هذا الانتقال وازاه، في العلوم الاجتماعية، انتقال من موضوع المخاطر (risques) إلى ثقافة الخوف (والخوف من الخوف). حدث هذا، تحديداً، مع اتخاذ الإرهاب بعداً عالمياً في الخطاب السياسي وفي المخيال الجماعي.

المخاطر كان منظوراً إليها على أنها من قبيل ما يُحتمل وقوعُه بصورة منتظرة أو غير منتظرة. لذلك كان الخوف منها قابلاً للتخطيط، إن صح التعبير، إذ هي موضوع حمايةٍ مطلوبة. قطاعات كثيرة من الحياة الاجتماعية تم رصد مخاطرها، من زوايا مختلفة: اجتماعية، ثقافية، اقتصادية، بيئية، الخ… لكن أبرز المخاطر التي تم تحليلها بعمق كانت تلك المتأتّية من التحوّلات التكنولوجية. كان ذلك، مثلاً، في كتاب عالم الاجتماع الألماني ألريش باك “مجتمع المخاطر” (1986)[1] الذي رأى فيه أن المجتمعات الغربية، بعد أن بَنت حداثتها وصاغت المفاهيم والقيم المرتبطة بها – ومنها التقدم – أصبحت تعيش خوفاً من مخاطر التقدم. إنها مفارقة التقدم الذي يواجه المخاطر بإنتاج مخاطر أخرى. قبل ذلك، سنة 1968، كان الفيلسوف هابرماس قد نشر كتابه الشهير عن “التكنولوجبا والعلم باعتبارهما أيديولوجيا”[2]. وقد ضمّنه نقداً قوياً للبراغماتيّة وللتكنولوجيا أفضى به إلى اعتبارهما يهددان الديمقراطية في المجتمعات الصناعية المتقدمة. وأخيراً أصبح “مجتمع المخاطر” عنوان مؤلفات[3]. من المفروغ منه أن صور الخطر تتضمن الخوف ولكن الهدف كان التوعية بالمخاطر – كما كان يقال – أكثر مما كان تخويفاً منها. منذ الحرب العالمية الثانية كان مفهوم التوعية هو الغالب، بما في ذلك التمييز بين الوعي والوعي الزائف أو بين الوعي التجريبي والوعي الممكن.

لا شك أن العالم دخل القرن الواحد والعشرين خائفاً، أو هكذا هي صورته كما أُريدَ لها أن تنتشر. الانتقال من التوعية بالمخاطر إلى التخويف منها ومما يُخترع من صورها كانت له نصوص مؤسسة أبرزها ما صاغه هنتنغتون في مقاله (1993) ثم في كتابه عن “صدام الحضارات” (1996)[4]. وهما، في الجوهر، نداء إلى الحرب ضد عدوٍّ مخيفٍ، “رهيب”. ثقافة الخوف فيهما تعني ثقافة العداوة. المقولة الأساسية هي أن السياسة (وهي، أولاً، أمريكية) تقتضي معرفة العدو، أي معرفة من يجب أن نخاف منه. البقية معروفة: العدو هو الإسلام “ذو الحدود الدموية” (ومعه الصين). وبما أن هذا العدو “حضاري”، وبالتالي غامض وشاسع، فإن الخوف منه لا يمكن إلا أن يكون خوفاً بلا حدود!

ظهرت ردود فعل كثيرة على مقولات هنتنغتون، منها الاستنكارية العربية ومنها التحليلية[5]، ولكنّ ثقافة الخوف من العدو – وامتداداً، الخوف من كل شيء، تقريباً، – بدأت تستوقف بعض الباحثين في العلوم الاجتماعية. بعد “مجتمع المخاطر” بدأ الحديث عن “مجتمع الخوف”[6]. هذا إضافة إلى لقاءات علمية بدأت تتكاثر، في أوروبا وأمريكا، عن جوانب مختلفة من ظاهرة الخوف الجديد: تحليلية نفسية، سيميولوجية، سياسية، الخ… تقليدياً، كانت العلوم الاجتماعية تتناول خوف السلط منها، باعتبارها مقاربات تعرّي الواقع، وهي الآن تستوعب الخوفَ موضوعاً، وقد تستبطنه!

ثقافة الخوف مرتبطة بالتخويف. إنها محصلةُ عمليةِ التخويف الذي تعتمده السلطة (وهي سلط متنوعة) في تعميم المخاوف الحقيقية أو الوهمية بين الناس وفي تضخيمها إلى الحد الذي لا يرون معه من يحميهم منها غيرَ السلطةِ ذاتها. هذه الثقافة لها محطاتها القديمة والحديثة: الأنظمة والسلط التي زرعت الرعب وتلك التي لا تزال تزرعه في فضاء سلطتها كثيرةٌ ولها أوصاف مصنّفة: استبدادية أو تسلطيّة، شمولية أو دكتاتورية، الخ… وهي كلها أوصاف تعني القدرةَ على توزيع الخوف والكفاءةَ في توزيع العقاب.

2- ما الجديد إذاً؟ تنوعت، عبر التاريخ، مصادر الخوف حسب المجتمعات والثقافات، ومن الممكن، نظرياً، تحديد أنماط الخوف المرتبطة بالمراحل التاريخية الاجتماعية، سواء كان ذلك على صعيد التطور العام للتاريخ أو على صعيد تطور المجتمعات. نمط المرحلة الراهنة من ثقافة الخوف هو نمط جديد لتلازم أربع خصائص تلازماً غيرَ مسبوق:

الخاصية الأولى تحويلُ الخوف من السلطة الحاكمة إلى مخاطر خارجية أو خارجة عنها، بحيث يصبح التخويف من واجبات الدولة، حمايةً لمواطنيها. إنها تريد أن تخيف بدون أن تكون مصدر خوف. وهي لذلك تعتبر نفسها، في نهاية الأمر، في خندق واحد مع المواطنين في مواجهة خطر قريب أو بعيد، حقيقي أو متخيّل.

الخاصية الثانية أنّ تبادل التخويف أو “توازن الرعب” لم يعد، في المقام الأول، بين الدول وإنما بينها، منفردة أو مجتمعة، وبين حركات غير حكوميّة متنوعة بعضها يُعتبر “إرهابياً”. وهكذا فإن الدول التي قد تختلف أو تتعارض سياساتها ومصالحها تتّجه – طوعاً أو كرهاً – إلى الاشتراك في خوفٍ واحد وإلى تقاسم العمل في مواجهته.

الخاصية الثالثة – وهي نتيجة لما سبق – هي اندراج التخويف في نظام عالمي للخوف. ليكن هذا الأمر واضحاً: لقد طفا مفهوم ثقافة الخوف، بمضمونه الحالي، وطفت المفاهيم والصور المرتبطة به في سياق “مكافحة الإرهاب” التي أرادت الولايات المتحدة أن تكون مكافحتُه عالمية. هذه هي بداية عولمة الخوف. وقد اكتشفت الشعوب معها، فجأةً، أنها خائفة أو أنه يجب أن تخاف. في الوقت نفسه، اكتشفت الأنظمة المخيفة أنه بإمكانها تحويل مصادر خوف الشعوب إلى الخارج أو إلى ما هو خارج عن إرادتها، وبالتالي عن سلطتها. وهكذا لم يعد تسلطها قمعاً وإنما أصبح حماية!

الخاصية الرابعة هي وصول الإرهاب – وله أشكاله التاريخية – إلى مرحلة تهديدِ قوىً كبرى كانت تحتكر التهديد. لم يُسمَّ التهديد إرهاباً، ولم تُعتمد هذه التسمية دولياً، إلاّ عندما وصل إلى هذه المرحلة. “القاعدة” نفسها لم تكن تحمل هذا الاسم في وقت سابق عندما كانت معبّأة ضد الشيوعية. كانت “مجاهدة”. الإرهاب، إذاً، كان “المنشّط” الذي ربط بين مقوّماتِ ثقافةِ الخوف. تبادل الخوف معه هو المعادلة الأكثر استعصاءً في اتجاه تفكيك هذه الثقافة، محلياً وعالمياً.

الحديث عن ثقافة الخوف ليس، إذاً، حديثاً عن خوف في المطلق ولا حديثاً عن أشكال تقليدية لتخويف السلطة الناسَ منها وإنما هو حديث عن نقلةٍ نوعية وعن ظاهرةٍ غير مسبوقة على الصعيد العالمي. وإذا كان من البديهي القول بأن العولمة لها مخاطرها ومخاوفها – وهذا ما يتردد قوله كثيراً – فإن الأهم هو افتراض أن يكون التخويف، أي صناعة الخوف وتعميمه، من آليات العولمة أو من حواملها: إن ما قد يعتبره البعض من مخاطرها تهون استساغته ويهون تبريره في أوضاع الخوف وتحت سلطته.

3- التخويف هو من آليات الصراع، إجمالاً، ومن آليات الصراع على السلطة، بوجه خاص. وهو، بهذه الصفة، ذو طابع استراتيجي. استراتيجيةُ التخويفِ السياسي تقوم، أساساً، على تحويل مصادر الخوف، وبالتالي على تحويل العدوانيّة. في ثقافة الخوف، كما بدأت تسود، يتم هذا، بالتوازي، على مستويات مختلفة قد تكفي الإشارة إلى ثلاثة منها:

المستوى الأول هو لتبرئة الدولة من افتعال التخويف، وذلك بإبراز عدو مشترك بينها وبين المواطنين، مع التستر على المخاوف الحقيقية التي هي من صلب مسؤولياتها (كالخوف من البطالة أو من تفشي الأمراض، مثلاً). هذا النوع من التحويل الكلاسيكي هو من الثوابت في تاريخ السلطة، مهما كان نوعها: ضرورة وجود عدو حقيقي أو اختراعه، إن لم يكن موجوداً، بهدف تأمين التماسك أو الشرعية للسلطة. وهو تحويل له مصادره القديمة في الميتولوجيا وفي الأديان: لقد استطاعت تحويل خوف الإنسان من الموت، أي خوفه الأكبر من نهايته، إلى وضعٍ بالإمكان أن يكون مريحاً، مطمِئناً. ذلك أن الموت لم يعد إلاّ معبراً إلى حياة أخرى قد تكون سعيدة. الفرق بين النموذج الكلاسيكي وبين النموذج السائد، اليوم، أنّ تحويل الخوف يتم، الآن، في اتجاه معاكس: كان من المعلوم إلى المجهول أو إلى ما هو من الغيب وأصبح من المجهول (أو مما لا تعلمه إلا السلطة) إلى المعلوم الذي يمكن معاينته، بما في ذلك “مباشرةً”، أي أن يشاهَد “المخيفُ” وأن يُسمع في اللحظة نفسها، وفي جميع أنحاء العالم.

المستوى الثاني لتحويل الخوف هو مستوى الانتقال من الحَيّز الخاص إلى الحيّز العام. للخوف مصادر وأشكال وتعبيرات مختلفة، منها الفردي والجماعي. ثقافة الخوف تعني استبطانَ الفرد للخوف، لا كحالة نفسية فردية، وإنما عبر تَمثُّلٍ جماعي لمصدر مشترك للخوف تسعى السلطة إلى تحديده وإلى تحديد أشكال تجلياته وتسعى كذلك إلى تنميط الموقف منه والتعبير عنه. هذا يعني أن الخوف يتحول إلى “حالة عامة” تجد سنداً لها يبررها في مجال القيم كالمصلحة العليا والوطنية وحب الخير والمنزع الإنساني، الخ… وهي قيم تدّعي، فعلاً، ثقافةُ الخوف أنها تحملها. ولقد استطاعت السياسة الأمريكية أن تبرزها في رؤيةٍ مانويّة للعالم: مصدر الخوف هو “محور الشر” يقابله الخيّرون الحاملون للقيم الإنسانية الكبرى[7].

اكتساح الخوف للحيّز العام ييسّره تعدد المخاوف وتفرعها بصورة متزايدة. قطعاً، لم يعرف التاريخ هذا التعدد والتفرع، محلياً وعالمياً، مثلما يعرفه اليوم. لقد أصبح الخوف الحقيقي أو المحتمل من كل شيء تقريباً، بما في ذلك من أقرب الأشياء إلى الممارسة اليومية: الكحول والتدخين والسمنة والسرعة والجنس والهاتف المحمول والمزروعات المعدلة جينياً ولحم البقر ثم الدجاج والبيئة، إضافة إلى الكوارث الطبيعية ووصولاً إلى الدمار الشامل. وسائل الاتصال حاملٌ مثالي لذلك: التلفزة والسينما والفيديو والإنترنت كلها مزروعةٌ بهذه المخاوف. متابعة الأخبار فقط، في العالم العربي مثلاً، تكفي لمعرفة نسبة الخوف إلى الاطمئنان في ما يرى ويسمع الناسُ، صباحَ مساء.

المستوى الثالث يتم فيه تحويل الخوف الاجتماعي إلى خوفٍ أمني. ولعل هذا التحويل هو أقوى ما يعبّر عن قدرة الدولة على التلاعب بالخوف وعلى استثماره لصالحها، كسلطة. مقايضة الاجتماعي بالأمني، وخاصة في العالم العربي، كثيرة: المطالب الاجتماعية الكبرى وكذلك الديمقراطية وحقوق الإنسان كلها أصبحت موضوعَ مقايضةٍ بالأمن الأمني. هوبز كان يقول ما معناه أن المجتمع يقلّص العنفَ بخلق عنفٍ أقوى ولكنه شرعي هو عنف نظام الدولة. ينطبق هذا على التخويف، مع إضافة أن اتخاذ المجتمع إجراءاتِ دفاعٍ ضدّ الخوف يزيد من خوفه ويجسّمه ويجعله مباشراً، أي يحول الخوف والخوف من الخوف أو فانتازماته، إلى واقع معيش. هكذا يكتسب الأمن أولوية تبدو مطلقةً في الحياة اليومية للفرد والمجتمع. وبما أن الأمن الذي توفره الدولة هو، أولاً، أمنُها فهو، بالضرورة، يواجه الاحتجاج وما يتصل به من مطالب اجتماعية. وهو، في ذلك، يعوّل على مبدأ أو فرضيّة أن الخائف يؤجل مطالبه!

في كل مكان تقريباً، تراجعت المطالب الاجتماعية، بدءاً بمطلب العدالة وتوزيع الثروة، أمام مطلب الأمن. هذا المطلب يبدو، في الظاهر، “مطلب الجميع” نتيجةَ التنميط والتعميم. أما في الولقع المعيش فهو متنوع، في الطبيعة والدرجة، حسب التراتب الاجتماعي. المخاوف الكبرى ذات المضمون الاجتماعي ليست قابلة للتعميم إلاّ في حالات استثنائية نادرة، ذلك أن الفئات المختلفة مختلفةٌ في خوفها، أيضاً، وقد تكون مصادرَ خوفٍ، بعضها لبعض. في تنميط الخوف وتعميمه على “المجتمع” سعيٌ إلى تغطية التفاوت، مؤقتاً. وهكذا تبدو أوضاع الخوف وكأنها أوضاعُ هدنةٍ اجتماعية تجد بعضُ الفئات، دائماً، فائدة في تمديدها، في حين تسعى فئات أخرى إلى تقصيرها، لكي تعود إلى مطالبها.

4- لم يسبق أن عرف التاريخ نشر مخاوف معولَمة لها اتساع وسرعة اليوم. المبدأ والآليات هي نفسها التي تنتشر بها ظواهر أخرى في سياق العولمة. الاختلاف هو في الدلالة والتوظيف: دلالة اللجوء إلى العامل النفسي وإلى استغلال غريزة البقاء في الإنسان، وتوظيف ذلك في مجتمعات متباعدة ومختلفة، لأهدافٍ مركّبة تتجاوز مواجهةَ المخاوف المعلنة إلى أهدافٍ أبعد، جيوسياسيةٍ في معظمها.

ما سبقت الإشارة إليه من أبعاد وتجليات الخوف على صعيد المجتمع الواحد يمكن سحبه على الصعيد العالمي. يكون ذلك، طبعاً، مع اعتبار الاختلاف في وحدة التحليل وفي حجم الظواهر وانعكاساتها. ما يضاف هنا هو، فقط، لتوضيح بعض ملامح التخويف الساعية إلى التعولم:

  • لكلّ مجتمع مخاوفُه التي يفرزها واقعه. وسواء كانت هذه المخاوف نتيجة ميكانيزمات محلية أو خارجية فإن ما يحدد “واقعيتها” أنها مُتمثَّلة، جماعياً، كمخاوف حقيقية تجب مواجهتُها. عولمة ثقافة الخوف تعني نمذجةَ أنماطٍ من المخاوف الحقيقية أو الوهمية التي قد ترتبط بمجتمعٍ أو بحدثٍ فيه، وذلك بهدف التخويف منها في مجتمعات وثقافات مختلفة، منها ما يتمثل مخاطرَها ومنها ما قد لا يرى له علاقةً بها.

إذا استثنينا المخاوف الاجتماعية الكبرى – وهي دائماً حقيقية – وما يتصل بها من مطالب المواجهة التي تحملها الحركات الاجتماعية والسياسية، بدرجات مختلفة حسب اللحظات التاريخية، والتي تبدو الآن مُلجمةً أو مؤجلة، فإن المخاوف التي تتصدّر الخطاب السياسي والإعلامي الراهن في أوروبا هي الخوف الديموغرافي، مع التركيز على الهجرة، والخوف الأمني، مع التركيز على العامل الخارجي، والخوف الاقتصادي، مع التركيز على المصدر “الأصفر”، إضافةً إلى الخوف “الحضاري” من الإسلام السياسي. المجموعة الأوروبية تبدو أقرب إلى التفاوض حول هذه المخاوف مع البلدان “المصدِّرة” لها. أما الولايات المتحدة، باعتبارها القوة الأكثر تحديداً لتوجهات العولمة، بما في ذلك عَسْكرتها، فهي تعتبر “الإرهاب” الإسلامي، تحديداً، المصدر الأول والأكبر للخوف، على صعيد العالم. وقد نجحت في تعميم الخوف منه وفي نشر لغته ومصطلحاته حتى أصبح بإمكان السلط، في كل مكان، أن تصنّف من خرج عنها على أنه “إرهابي”. بعض حركات التحرير والمقاومة لم تَنْجُ من ذلك، حتى في أوطانها.

  • تنوع المخاوف، وبالتالي تنوع أصناف الخوف، لم يمنع العالم من “توحيد” مخاوفه، أي من توحُّده في الخوف. هذا يعني، أولاً، أن هذه المخاوف قائمة في الواقع أو في المخيال الجماعي. لكن العامل الأكثر حسماً في صنع ثقافة الخوف ونشرها يبقى العامل السياسي، بمستوياته وصيغه وآلياته المختلفة. الدوافع كثيرة، متداخلة، بدءاً بحماية السلطة لذاتها ولمصالحها ولفضاء شرعيتها. وكل هذا لم تعد فيه الحدود بين الداخلي والخارجي حدوداً واضحة إلى حد الفصل بين مخاوف داخلية وأخرى خارجية.

ما يستحق التوقف عنده، بصورة خاصة من هذه الوجهة، هو ظاهرة تراجع الصراعات المسلحة بين الدول كمصدر تقليدي للخوف الجماعي. هذا التراجع في تبادل الخوف بين الدول، كدول، يتناسب، زمنياً وبوضوح، مع توسع ظاهرة “الإرهاب الدولي”، مروراً بمحطته الأساسية: 11 سبتمبر 2001. مواجهة هذا الإرهاب حققت أوسع تعاون عملي معاصر بين دول العالم. لم تتفق على شيء مثلما اتفقت عليه. هذا يبرر ما ذهبنا إليه من أن المرحلة الجديدة لثقافة الخوف القائمة على التخويف تندرج في نظام عالمي للخوف: لقد جعلت الخوف المشترك فوق التصادم التقليدي بين الدول.

لم يحدث صراعٌ مسلّح بين دول العالم خلال سنتي 2004 و2005، إذا تم اعتبار العراق وفلسطين حالة خاصة داخلية/ خارجية، كما قد يرد في بعض التقارير الدولية. طبعاً، هذا لم ينفِ تدخّل قوات نظامية خارجية في ثلاثة صراعات داخليّة: بوروندي لصالح الحكومة الروندية، وتحالف متعدد الجنسيات ضد القاعدة لصالح الحكومة الأمريكية، والقوات الأمريكية ومن معها لصالح الحكومة العراقية المؤقتة. هذا التراجع ملاحَظ منذ مدة أطول: من 1990 إلى 2004 حدث 57 صراعاً مسلحاً لم يكن منها غير أربعة بين دول: إريتريا/ إثيوبيا والهند/ الباكستان والعراق/ الكويت والعراق/ الولايات المتحدة وحلفاؤها. بقية الصراعات – وهي 53 صراعاً – كانت ضمن الدولة الواحدة، إما للسيطرة على الحكم (29 صراعاً) وإما للسيطرة على الأرض (24 صراعاً)[8]. وهكذا بعدما كان تعزيز الأمن في دولة أو في دول هو على حساب دولة أو دول أخرى – مع اعتبار ذلك أمراً ضرورياً وجائزاً – أصبح يُنظر إليه، بصراحةٍ أكبر، من منظور تكامل “الأمن الدولي” وتماسك “الأسرة الدوليّة”.

5- “ثقافة” الخوف لها، إذاً، أبعاد ومستويات ومجالات تتجاوز ما هو ثقافي، بالمعنى الحصري للوصف. وهو ما يتطلب، نظرياً ومنهجياً، مقارباتٍ مركبة تتحاشى تفسير الثقافي بالثقافي، وتتحاشى بوجه خاص، اختزالَ رهانات الخوف، محلياً وعالمياً، في المستوى الثقافي، مثلما يحدث، غالباً، عند التصدي للمخاطر على الدين والهوية وغيرها من القيم. إن الاختزال العربي الإسلامي للخوف في ما هو ثقافي أو حضاري تضيع معه مصادرُ هذا الخوف وأهدافُه الكبرى من ناحية، ويدفع إلى مواقف وجدانية متشنجة غير متناسبة، بالضرورة، مع طبيعة الخوف الذي تجب مواجهته.

لقد سبق التأكيدُ، بما يكفي، على تعدّد أبعاد ظاهرة الخوف، ولذلك يمكن الآن، في المستوى الثقافي الرمزي، ذكرُ مثالٍ واحد، له دلالة قويّة على لاأخلاقية التخويف السياسي في توظيفه لقيمة إنسانية كبرى هي قيمة الموت الذي يبقى الخوفَ الأكبر في حياة أي إنسان. لا معنى للحياة ولا تعريف لها بدون الموت، ولذلك فالموت مسألة وجودية حملتها الرؤى البشرية وأحدثت لها نواميسَ وطقوساً كثيرة. التفلسف نفسه، عند البعض، هو تدرّب على الموت. وعندما واجه الإنسان خوفَه من الحروب الكبرى، كتلك التي عرفها القرن العشرون، بدا له أن الموت تغيّر معناه.

في مقالاتٍ كتبها بين 1915 و1938، رأى فرويد أن الحرب أزالت وهمَ التعويل على قيم الدول العظمى، إذّاك، في اكتشاف طريق أخرى لتسوية صراعاتها، وهي، في الوقت نفسه، غيّرت رؤية الإنسان للموت وموقفَه منها. وأهم ما في ذلك هو تحويل الموت من العرضي إلى الضروري. لقد سعى الإنسان منذ بدائيته إلى ربط دلالة الموت بالعرضي – كحادثٍ أو مرضٍ أو تقدمٍّ في السن – وذلك هروباً من تصوّر موته كنتيجة نهائية لحياته، خلافاً لـ”مشاهدة” موت الآخرين. الحرب عدّلت من هذا لأن الناس يموتون آلافاً مؤلفة ولم تعد الصدفةُ في هذا الموت الجماعي حاسمةً. هذا قوّى الوعي بأن الموت حقيقة وضرورة. وقد رأى فرويد، في زمن حروبه، أنه من الصعب المحافظة على الموقف القديم من الموت، وإن لم يرَ بأي موقف يعوّضه. وفي رسالة شهيرة إلى اينشتاين سنة 1932، “صعَّد” فرويد خوفَه من الحرب ورأى أنه لا حلَّ، لمواجهتها، غيرُ مواجهة الغريزة التدميرية بغريزة الحب (أو الايروس) التي هي نقيضها. إن تعمّد الرجوع إلى فرويد، تحديداً، هو للقول بأنه إذا كان التحليل النفسي اتسع، في زمن الحرب، إلى تعديل دلالات غريزة الموت فمن الأولى والضرورة أن تتسع له المقاربةُ الاجتماعية.

لثقافة الخوف، بالمعنى الذي حددناه، نصوصُها المؤسسة ولها حَدثُها المؤسس أيضاً. حدث 11 سبتمبر بدا وكأنه استثنائيّ في التاريخ (إلى حد أنه لا يحتاج إلى ذكر سنته) لأنه مسّ سقف العالم في نيويورك. كان حيث لا يُنتظر أن يكون، وكان – وهذا أهم – بأيادٍ خارجية لم يكن من الوارد أن تُرهب الأمريكي في عقر داره. لقد كان المشهد مرعباً، ولا لبس في إدانته بكل المعايير والقيم الإنسانيّة. السؤال ليس هنا وإنما عن مأتى هذه “الاستثنائية” التي بدا معها الموت استثنائياً، هو أيضاً. أليس هناك في بقايا العالم موتٌ يتناسل، بلا انقطاع، فتملأ أحداثُه وأشلاؤه رتابةَ حياتنا اليومية، وتجعل منه، في شاشات الموت، موضوعَ سبقٍ وإخراج؟

ما يهم، هنا، في ردّ الفعل الأمريكي، أمران: الأول أن الخوف من الإرهاب ثم التعبير عنه بلغةٍ حربيّة، إجرائية، مختزلة، كوّنت حقلَ دلالةٍ تَحوّلَ بسرعة كبيرة إلى نواة اصطلاحية عالمية. شومسكي بيّن كيف اعتمدت الدعاية الأمريكية مصطلحات وتعابير مختارة بدقة للاستحواذ على معنى الإرهاب الذي يستثني أمريكا منه ولإيهام العالم كلّه بشرعيةِ حَمْلتها عليه. لقد تطابق هذا المعنى مع “الحقيقة”: لم يعد، إذاً، مجالٌ للنسبية في المقابلة بين الخير والشر، بين الحضارة والبربرية، بين “هم” و”نحن”. الأمر الثاني هو إعطاء ملامح قوية للاّمساواة بين الأموات، كوجه آخر للاّمساواة بين الأحياء. لقد تحرّج الفكر البشري طويلاً في إعلان هذا النوع من اللاّمساواة ولكن الحدث الأمريكي (الذي تعولمت دلالاته) أوجد، نهاية الأمر، من يتقوّى على ذلك، جامعاً فيه بين القساوة والعلنية، في آن واحد: كل أمريكي يموت قتلاً، خارج بلاده، هو، كفرد، ضحيةٌ استثنائية تستوجب الاستنكار الدولي. وهو، ولو كان جندياً غازياً قاتلاً، فالسياسة تخاف عرضَ جثته، تحاشياً لصدمة الرأي العام. كل من مات وراءه محسوبٌ ضمن ضحايا يتم تصنيفها وترتيبها. هذا في حين أن بقايا العالم تموت بالجملة ولا تموت أفراداً، وتُعرض أشلاء مبعثرةً، ثم تُردَم في مقابر جماعية، بلا أعلام ولا صلوات.

هناك إصرار على إفراغ موت الآخرين من معناه وعلى تعديل المواقف منه. وهو إصرار على إفراغ القضايا التي يموتون من أجلها من دلالتها. هكذا، مثلاً، أصرَّ النظام الأمريكي – الصهيوني، عبر آلياتٍ مختلفة، على إبراز “عبثية” الموت الفلسطيني. كان يعلم أن الصعوبة الكبرى ليست في ساحة المعارك بقدر ما هي في محاربة الدلالة التي يعطيها الفلسطينيون لموتهم. هذا الموقف التمييزي أمام الموت والذي له، على الأقل، جغرافيا عنصرية يبعث، من دون شك، على التأمل الفلسفي والأخلاقي السياسي، لا لمعرفة دوافعه فحسب، وإنما أيضاً لمعرفة دوافع وأشكال استبطانه، عالمياً. إنه موقف من الموت أصبح للسياسي دورُ تحديده من منظورٍ جيوسياسي لا علاقة له برصيد الفكر الإنساني في تعاريف الموت وبما يلتقي فيها من أبعاد وأحوال.

ليست ثقافة الخوف، كما هي اليوم، معزولةً عن هذا التحول في معنى الموت وفي الموقف منه. لقد نسجتها السّلط بخيوط المراتب والمصالح وبما استغلّت من أرصدة الغرائز والقيم (وهذا لا تختص به المرحلة الحالية) ولكن في سياق جعل من ثقافة الخوف ثقافةَ تخويفٍ من الموت، تحديداً وبالدرجة الأولى. لقد نقلت هذه الثقافة مشهد الموت من موقع الفصل الأخير إلى موقع الفصل الأول: بعد أن كان الموت يُرى من خلال مخاطره أصبحت كلُّ المخاطر تُرى من خلال الموت، كخوف أوّل، منذ صورته يوم 11 سبتمبر وما تراكم بعدها من صوره. لهذا أصبح العالم مهموماً بتصنيف موتاه بعد أن كان مهموماً بتصنيف الأحياء فيه.

6- تقديم ثقافة الخوف في مرحلتها الراهنة، أي مرحلة التخويف على صعيد دولي، على أنها من صنع السّلط التي تنشرها يعكس حقيقةً موضوعية، ولكنها لن تكون كلَّ الحقيقة إذا لم تُدرج ضمن هذه السّلط سلطةُ الحركات التي تواجه السّلط الحاكمةَ أو تواجه واقعاً ما باستعمال العنف الذي يُعتبر إرهاباً. هذه الحركات هي الطرف الثاني في معادلة التخويف، بدونه تتفكك الصيغة الحالية لثقافة الخوف. وهي معادلة لها طابع “جدلي”، باعتبار أن كلَّ طرف هو صنيعةُ الآخر، يستمد قوته التدميرية من الآخر، كما هو الحال في أقصى وأقسى تجلياتها: بن لادن وبوش.

لثقافة الخوف التي تنشرها الحركات الإرهابية لها مفارقاتُها: الأولى أن الإرهاب يزرع خوفاً واسع النطاق، في موطنه، أولاً. قد يكون باسم العقيدة، كما يراها، ولكنه يقتل من أهل عقيدته أكثر مما يقتل ممّن يعتبرهم “كفّاراً” أو “صليبيين”، وقد يكون باسم إخراج العدو ولكنه يقتل من أبرياء الوطن أكثر مما يقتل من محتلّيه. في المقابل، يُصدِّر إرهابُ الدولة خوفَه وتدميرَه: باسم حماية أمريكا خُرّب العراق.

المفارقة الثانية أن الإرهاب الذي قد يعلن مناهضته لسلطة حاكمة في العالم العربي والإسلامي لا يضعف من سلطتها، بل يقوّيها في أغلب الحالات. إنه يساند تبريرَ تحوّلها إلى سلطةٍ أمنية، فيبرِّر، بالتالي، تحويلَ وجهتها عن قضايا اجتماعية وسياسية كان مطلوباً منها حلّها. هذا في حين أنّ إرهاب الدولة (القوية، بالضرورة) يستثمر تدميره اقتصادياً وسياسياً، محلياً ودولياً: يكفي النظر في القائمة الطويلة للأعمال الإرهابية التي قامت بها الولايات المتحدة، “الدولة المارقة”، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في مناطق مختلفة من العالم، لتبيُّن مردود هذا الاستثمار الطويل[9].

المفارقة الكبرى – وفيها لغزٌ محيّر – تبقى “شعبية” الإرهاب. كيف أمكن له، رغم فضاعته، أن يجد سنداً عقائدياً أو عاطفياً، على الأقل، لدى شرائح قد تكون واسعة في بعض مواطنه؟ وليس هذا التساؤل من قبيل الحدس أو التخمين: في استطلاع للرأي، خلال سنوات 2002 و2003 “وضع المستجوبون في اندونيسيا والأردن والمغرب وباكستان أسامة بن لادن بين أبرز ثلاث شخصيات يثقون بأنها تفعل الشيء الصحيح في ما يتعلق بالشؤون العالمية[10]. هذه المفارقة قد تفسَّرُ بالتطرّف أو بالتّشفي العقائدي أو باللبس القائم بين الإرهاب والمقاومة في أذهان الناس أو بغير ذلك، ولكنّ ما يهمّ فيها، هنا، هو غرابة أن تكون الفئات المساندة للإرهاب هي ضحيته الأولى، كفئات لا كأفراد. لا يكفي، في هذه الحالة، وصفُ ثقافة الخوف بالتراجيديا إلا إذا كان في التراجيديا معنى العبثيّة…

7- عوداً على بدء: لو لم يَخَف الإنسانُ لانقرض. نعم، ولكن على أن يكون الخوف مناسباً للخطر. إن لم يكن ذلك فهو مرّضيٌّ، بدرجةٍ أو بأخرى. المشكلة، إذاً، ليست في الخوف وإنما في تمثّله. هذا يعني أن المسألة، نهايةَ الأمر، هي في مستوى الوعي: إنها في وعي الخوف وخوفِ الوعي. مهما كان “الإحساس” بالخوف فإن “موضوعيّة” تمثُّلِه هي في الإدراك الدقيق لطبيعته، مصدراً وأبعاداً، وفي بناء الموقف المناسب منه. هكذا يكون الخوف واعياً لذاته ويكون الوعيُ ذاتُه حاملَ خوفٍ مستجيبٍ، بوضوح، إلى مخاطر محدّدة.

قيل الكثير عن “إبداعيّة” الخوف في الفكر البشري، خصوصاً في الأدب والفنّ وفي الطقوس التي تنشأ عنه. ليس هذا ما يستدعي التوقّفَ عنده وإنما الديناميكية الاجتماعية التي ينتجها الخوف الواعي والوعي الخائف:

سياسياً، معلومٌ أن السلطة أخافت دائماً، إذ لا سلطة بلا تخويفٍ إلا طوباوياً، وأنها، في المقابل، سعت دائماً إلى تجاوز خوفها. في الحالتين، تختلف الآليات حسب النظام السياسي، خصوصاً في مواجهة المطالب وقوى الاحتجاج والمعارضة. في النظام الديمقراطي لا تجازف دولة المؤسسات والقانون باعتماد آلياتٍ لا يقبلها الرأي العام. وإذا كان منها ذلك فهي تعرّض أجهزتَها للمغامرة. في الأنظمة غير الديمقراطية لا يكون تجاوز الخوف السياسي إلاّ بالقمع المادّي. لذلك هناك رعبٌ، له ما يبرّره في التجربة، من أجهزة الدولة الخائفة. وقد ذهب هذا بالحركات والأحزاب، في الكثير من هذه الأنظمة، إلى مهادنتها، بل وإلى طمأنتها، لا اقتناعاً بسياساتها وإنما خوفاً من خوفها.

خارجياً، إذا استثنينا الاشتراك في مواجهة الإرهاب، فإن الأنظمة العربية تبدو، إجمالاً، فاقدةً للوعي بما هو مصدر خوفٍ حقيقي، على المدى البعيد. وهي، في ذلك، أكثر فقداً لخوف الوعي. هذا، على الأقل، مقارنةً بتحذيرات النّخب الفكرية والحسّ الشعبي التي لا تنتهي في العالم العربي. من المخاطر ما أصبح بديهياً ويمسّ الأنظمةَ السياسية نفسها كالتعويل، في استمرار الحكم، على المساندة الخارجية التي تبيّن أنّ آخرَ همِّها أن تستمرّ مع من غيّرت الظروفُ أحوالَ مصلحتها معه. وإذا كان الوعي بهذه المخاطر مفقوداً فلأن الدولة لا ترى حياتها إلاّ من خلال عُمر أجهزتها، ولربما قياساً على عمر رؤسائها. هذا في حين أن الدولة، كدولة، لها قياساتٌ تاريخيّة أخرى.

داخليّاً، هناك مخاوف سياسيّة تقليديّة ممّا يهدّد السلطة في شرعيتها وهيبتها وفي مصالح المرتبطين بها. الخوف الجديد في العالم العربي هو من المساءلة. وهو خوف يتنوع ويزداد حسب طبيعة الفساد وقنوات تفشّيه. ولقد أصبح الفساد من أهم عراقيل المشروع الديمقراطي في العالم العربي لأن الديمقراطية تستوجب المساءلة، والفساد لا يقبل المساءلة. هذا مبدأ عام.

هذا الخوف من المساءلة خوفٌ مطلوب، بل هو مشروع لثقافةٍ تطمع الفئات العريضة إلى أن تتعمق وأن تنتشر في صلب السلطة السياسيّة، أولاً. ومعلوم أن هذا الخوف لا يولد فيها تلقائياً ولا طوعاً وإنما بروافد ضاغطة من خارجها، في المجتمع المدني.

8- المجتمع المدني الفاعل، حقاً، هو القادر على تفكيك ثقافة الخوف: إنه قادرٌ، في آن واحد، على تفكيك ما يتعولَم منها وما يرتبط به من إرهاب، وعلى تعديل معادلة الخوف بين الحاكم والمحكوم، وعلى ردّ المخاوف إلى مصادرها الاجتماعية الأولى: إن ما يتيحه المجتمع المدني الفاعل من حرية التعبير ومن تنوّعه يُكسب الخوف طابعَ النسبيّة ويحدّ من إطلاقيته كما يُعقلنه ويُعرّي المزعومَ منه. وهو، أيضاً، يخلق فضاءاتٍ تتصدى للإرهاب الفكري والمادي الذي هو نقيضُه. أما أن يحدّ المجتمع المدني من خوف المواطن في علاقته بدولة المؤسسات والقانون فهذا من عناصر تعريفه البديهيّة. وأخيراً، إذا كانت ثقافة الخوف قد استطاعت تحويل الأنظار عن المسألة الاجتماعية فإن فاعلية المجتمع المدني تُعيد الأنظار إليها وتجعل منها مصدراً وحلاً، في آنٍ واحد، للمخاوف الحقيقية الكبرى. إن تفكيك ثقافة الخوف الناتجة عن تنميطه وتعميمه عبر الشعوب والثقافات وعبر فئات المجتمع الواحد، على اختلافها، يجد سنده الأول في التعدّدية، إذْ بها تكتسب المخاوف مضامينها الاجتماعية المتنوّعة وتميل صورها في الخطاب الفكري والسياسي إلى التقابل في اتجاه التكافؤ والتوازن

المخاطر على الروابط الاجتماعية

التدابير الاجتماعية والثقافية لاحتواء التهديدات بجميع أنواعها التي يمكن أن تكسر الحياة الجماعية أو مهاجمة الوجود الفردي هي الترتيبات اللازمة لعلاقة غير مستقرة ، متأصلة في حالة الإنسان. تقوم جميع المجتمعات بتطوير أنظمة رمزية لصد الخطر مهما كان أصله. يزيلون الخوف طقوسًيا مع التعويذات ، الصلاة لله، التضرع اللأولياء الصالحين ، طرد الأرواح الشريرة ، التقنيات وأنماط التنظيم التي تعزز الروابط الاجتماعية وتسعى لاحتواء الشدائد (Delumeau، 1978، 1989). طوال الحياة اليومية ، شبكة غير منقطعة من تذكر الاحتياطات بالوضع غير المستقر للإنسان ، وضعفه أمام الأحداث ، في نفس الوقت أن قدرته على منع الخطر ، لضمان وجود مستقر وسعيد آمن من التهديدات.

طقوس التفاعل على أساس الحضارة والاجتماعات التنقيطية طوال الحياة اليومية محاولة لثني عن ممارسة العنف ، ويسعى قانون السير لمواءمة العلاقات بين سائقي السيارات ، وسائقي الدراجات النارية ، وراكبي الدراجات أو المشاة من خلال جعل السلوكيات يمكن التنبؤ بها تحذيرات المسافرين أو المستخدمين من الأخطار المعنية لعبور حدود معينة ، برامج الوقاية (التطعيمات ، الفحوصات الإجبارية ، حملات إعلامية …) لصالح الصحة العامة والأطباء أو المستشفيات ترحب بالمرضى أو المصابين أو الأطباء النفسيين أو الأطباء النفسيين الخدمات إذا دخل الفرد مرحلة من الهشاشة العقلية ، تحمي الشرطة ورجال الإطفاء مواطنين في سجلات مختلفة من الحياة الجماعية ، يحرس رجال الانقاذ على سلامة المستخدمين في البحر ، في الجبال أو على الشواطئ ، يجب أن تلبي المنتجات المعروضة في السوق معايير أمان محددة ، ولا تزال تتبع آثارها التي قد تكون يؤدي ، إذا لزم الأمر ، إلى الانسحاب من السوق في حالة وقوع حوادث أو مشاكل صحية تحميله ، إلخ.

ينمو التأمين من خلال تولي سلسلة من حالات الطوارئ. يقدمون موكب المساعدة المالية للسرقات والتقلبات الاقتصادية والحوادث وما إلى ذلك ، أو عرض مساعدتهم القانونية في حالة التقاضي. يدفعون معاشًا إذا كان الفرد غير قادر على العمل بعد وقوع حادث أو إذا أُرغم على البطالة. يعوضون عن جزء من الضرر بعد السرقة أو الحريق. أنها تغطي التكاليف الطبية أو تغطي التكلفة المالية لخطأ منسوب للمؤمن عليه. يخصص الحد الأدنى من الإنفاق السنوي الذي يحمي من الكارثة المحتملة للخسائر الفادحة أو حتى العوز في حالة سوء الحظ. فالتأمينات بالتأكيد ليست مؤسسة خيرية. فكل نزاع يتضمن التحقيق في شروط و تفاصيل الضرر. الغش ممكن دائما. وبالمثل ، فإن الامتياز يضمن للمؤمن أن موكله لا يستبدل مكونات سيارته بثمن بخس أو منزله بحجة الحوادث. بالإضافة إلى ذلك ، إذا حصل العميل على استرداد ، فإن له زيادة المساهمة تبعاً لذلك. التأمين فهو نظام جُعل للتضامن و حماية الفرد وممتلكاته.

ولكن في الوقت نفسه ، كما يتذكر ف. إيوالد (1986) ، يخلق التأمين مخاطر. إن زيادة التحكيم في مجتمعاتنا ، على النموذج الأمريكي ، يؤدي إلى تنمية احتياطات و أشكال الحذر لا حصر لها من جانب المهنيين في ممارسة المسؤولية. وبالتالي ، لم يعد المرضى في النظام الطبي مستسلمين

للشدائد. في حالة التقاضي أو فشل العلاج أو عواقب مؤسفة لعملية جراحية ، تجرّ الأطباء إلى المحاكم  للمحاسبة. بالإضافة إلى ذلك ، منذ صدور حكم من مجلس الدولة يناير 2000 ، يُطلب من الأطباء إبلاغ المخاطر التي ينطوي عليها مثل هذا التدخل بحيث يكون المرضى على علم بها. نعود حتى اليوم الحقائق القديمة عندما يكون خطأ مثلا أثناء فحص ما قبل الولادة نتائج في ولادة طفل معاق أو مرض خطير حرمت الأم منه إمكانية إنهاء حملها. أما الطفل المعاق فيمكنه أن يستدير ضد الأطباء الذين لم يبلغوا والدته بحالته البدنية والمعنوية عند الولادة أو ضد والديه الذين قرروا مع ذلك ولادته.

التأمين هو علم اجتماع تطبيقي للمخاطر ، فهو يعترف بأن الأفراد لا يتحملون نفس المخاطر حسب ظروفهم الاجتماعية أو الجغرافية أو سنهم أو جنسهم. ” فإن التأمين حسب F. Ewald ، يعرف الجميع على أنهم خطر ، ولكن مع الفردانية التي لم تعد تشير إلى معيار تجريدي ، الفردانية بالنسبة للآخرين أفراد السكان المؤمن عليهم ، من الأفراد العاديين أو الاجتماعيين “(إيوالد ، 1986 ،177) التأمين ، وحتى الدولة في كثير من الأحيان ، تضمن الفرد جزئياً ضد خطر تقهقر حالته الاجتماعية أو المادية. الالتزام القانوني بسلسلة من التأمين وخاصة أصبح أولئك الذين يتعاملون مع المسؤولية “واجبًا اجتماعيًا” (Ewald، 1986، 391) ، ذلك أولئك الذين يعفون أنفسهم يواجهون عقوبات. لا يوجد ذريعة ممكنة ، مثل تلك التي من الخير يؤدي أو يتمتع بصحة جيدة التي من شأنها أن تحرر، على سبيل المثال، لتأمين نفسه و الآخرين. “إن المسؤولية اليوم لم تعد مجرد ممارسة الحيطة والحذر الاجتهاد الأكثر استدامة هو إدراك الانسان لحدود امكانياته ، مع العلم أنه يمكننا دائمًا ارتكاب اخطاء ونكون قادرين دائمًا على إصلاحها “(391). يمتد التأمين على نطاق أوسع حماية الأفراد وأشياء أخرى.

وجود الإنسان دائما يعني التناقض ، ونادرا ما العقلانية أو حتى معقوله. هناك العديد من الأسباب التي تجعلنا ننسى الحذر أو جعله عقيما: التعب، اللامبالاة أو اللامبالاة أو الخطأ أو الجهل بالخطر أو إهمال الآخرين. معرفة المخاطر البيئية ، واليقظة المخففة في أعمال يوما بعد يوم أو مساحة مهنية تسمح لك لحماية نفسك. ولكن هذا النسيج من الاحتياطات يرتبط دمجها في أنماط الحياة باستمرار مع المخاطر المحتملة.
وعلى نحو مماثل فإن المخاطر التي تهدد الحياة اليومية الصحة والعمل واللقاءات والرحلة وما إلى ذلك “إن الخطر يكمن في أنفسنا. نحن أيا كانت صحتنا أو أخلاقنا المطلقة في سلوكنا فإن كل منا يواجه. “(Ewald، 1986، 20). الخطر

تنتشر المخاطر لوجودنا و لكننا نتلقى المخاطر لوجود ولكننا نتلقاها لوجود من أجل الآخرين أيضا. فكل منا يشكل خطرا محتمل للآخر إن إحتمالات المجازفة تكمن أننا نتخذ أي قرار. لا وقد لا يكون التهديد واضحا دائما في الوقت الراهن ولكنه محدد المدة ويمكن أن يكون كذلك في يوم اخر. داخل تسلسل البيانات التي تدخل في العملية

يجمع الفاعل بيانات معينة تدعم قراره. ويتوقع أنه لم يكن مخطئا في تقييمه للأحداث، ولكن يتم تأطير الوجود في جزء أكبر أو أقل من عدم اليقين. أي قرار هو الرهان على المستقبل ، أمامه ، ويمتد ضخامة الوقت الذي يأتي مع العديد من البيانات في التفاعل. العالم دائما ً لا يمكن التنبؤ به أكثر من المحتمل بمجرد اتخاذ القرار المستقبل المحتمل الآخر يتلاشى أو يصبح أكثر صعوبة في الوصول إليه في حالة التوبة. ولا تتمتع عواقب الفعل دائما بشفافية القرار الذي بدأ به.

احتمال المخاطرة يكمن في رغباتنا الأقل شدة ، إنه يطارد كل قرار، كل خيار. و التهديد ليس دائما لا يتجلى على الدى المنظور ، بل على المدى الطويل ويمكن أن يكون تنشأ في مرحلة ما. داخل تشابك البيانات التي هي جزء من العملية

الاجتماعية أو الثقافية أو العلائقية أو الفردية ، والممثل يختار البيانات المحددة التي تدعم قرار. ويتوقع أنه لم يكن مخطئا في تقييمه للأحداث، ولكن

المخاطرفي ظل التحولات الاقتصادیة والاجتماعیة

من جسد محمد البوعزيزي، وهو يحترق في سيدي بوزيد، وكانت مشاعر الغضب بدأت تلتهب في نفوس ومشاعر العرب في كل مكان، تحت تأثير مشاعر يختلط فيها الغضب والإحباط والأمل والمعاناة المعيشية بسبب الغلاء والبطالة والإقصاء والتهميش. فاقترحت أن يكون عنوان إسهامي في أعمال الندوة “مجتمع المخاطر  في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية ” علني أوفق مع غيري من الباحثين والمفكرين العرب، ليس فقط في تحليل ما حدث وأسبابه، بل وفتح الطريق أمام حوار جدي للخروج المشرف من الحالة التي وصلت إليها “مجتمعات المخاطر” في الوطن العربي. وعندما وافق مجلس الإدارة على إدراج هذا الموضوع ضمن برنامج ندوة الثلاثاء، كانت حركة الاحتجاجات في تونس قد انتقلت إلى مصر ثم اتسعت بعد ذلك لتملأ الشوارع العربية بالجماهير المحتجة التي خرجت من قلب مجتمعات المخاطر. ليتحول بعضها إلى ثورة، ولتتسع حركات الاحتجاجات العربية في كل مكان، ولتتخذ أشكالاً مختلفة، حسب ظروف كل بلد. وإذ أتوجه بالشكر لمجلس إدارة الجمعية على دعوتي للمساهمة في أعمال هذه الندوة، ولموافقتها على طرح هذا الموضوع بالذات، في هذا الوقت الحرج والدقيق، أرجو أن أتمكن من فتح باب حوار جدي، يضعنا جميعاً في مواجهة أسئلة صعبة، ولكنني على ثقة من قدرة الجماهير على إيجاد الأجوبة التي تمكنها من الخروج من “مجتمعات المخاطر” إلى “مجتمعات البناء والسلم الاجتماعي والازدهار”.

علم اجتماع الأمن:

لقد أصبحت الهموم والتحديات المرتبطة بالأمن جزءاً أساسياً من الحياة الفردية والجماعية للإنسان، والتي

تلقي بتداعياتها القوية على تشكيل طبيعة العلاقات الاجتماعية، سواء من خلال الخطاب أو الممارسة.

وتشير الممارسة إلى أن الأمن يؤسس اجتماعياً وثقافياً في عقول الأفراد، ويصبح من العوامل المؤسسة والمسيطرة على حياتهم الاجتماعية، وهذه العوامل كأطر حاكمة لرؤيتنا للأمن هي بمثابة عملية يقوم الآخرون من خلالها بتقييم طرق معيشتنا الاجتماعية ورؤيتنا للأمن، وتساعدنا على فهم القوى المتفاعلة، التي من خلالها يؤثر الأمن على أسلوب تعامل الفاعلين الاجتماعيين مع بعضهم البعض، كما أن هذه العوامل تعكس الصراع الدائر بين القيم الديمقراطية والسلطوية البيروقراطية المنظمة، والتي من خلالها يؤسس

النظام الاجتماعي الديمقراطي الحديث (35).

في مطلع الشهر الثالث من هذا العام، دعاني “المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق في بيروت” إلى إعداد ورقة بحثية خلفية لحلقة حوارية يقيمها تحت عنوان “ثورة الشارع العربي  بداية نقاش ..؟” فقدمت ورقة بعنوان: (من “مجتمع المخاطر” و”الدولة الرخوة” إلى “الغضب” و”الثورة”… ثم إلى أين؟). وقد دار نقاش جدي وهام بين مجموعة من المثقفين والمفكرين والسياسيين، مما عزز لدي القناعة بأهمية طرح الموضوع في دمشق وفي هذا الوقت بالذات، وأمام هذا الجمع الكريم، ومع استمرار حركة الاحتجاجات في تونس ومصر وتحولها إلى ثورة، ازداد لدي الشعور بأهمية هذا البحث، الذي سوف أعرضه عليكم، بعد أن أخذت بالاعتبار ما دار من نقاشات في الحلقة الحوارية في بيروت وما تناولته التعليقات في بعض الصحف العربية، ومع التطور الحاصل في حركة الاحتجاجات في العديد من الدول العربية. وسوف أتناول الموضوع، الذي سيشكل مدخلاً، أراه مناسباً للطرح من خلال المحاور التالية: أولاً: ماذا نعني ب “مجتمع المخاطر؟”، وما هي التحولات والتغيرات التي قادت إليه؟ ثانياً: أمن الإنسان العربي، ودور “الدولة الرخوة” في خلق “مجتمع المخاطر” ثالثاً: حركات الاحتجاجات العربية وما آلت إليها.. رابعاً: الدروس المستفادة، وماذا عن اليوم التالي؟ أولاً: ماذا نعني ب “مجتمع المخاطر؟”، وما هي التحولات والتغيرات التي قادت إليه؟ لست أول من استخدم هذا المصطلح “مجتمع المخاطر ” في الأوساط الاقتصادية والسياسية العربية، وعلى حد علمي واطلاعي، اقتبس الأستاذ السيد ياسين هذا المصطلح من عالم الاجتماع الألماني “ايرليشن بيك” في معرض حديثه عن الخريطة المعرفية للمجتمع العالمي، التي طالما دعا إليها منذ التحولات الكبرى التي لحقت بالنظام الدولي، حين انهار الاتحاد السوفيتي، وسقط معه النظام ثنائي القطبية الذي كان يتصارع في سباقه مع الولايات المتحدة الأميركية، ايدلوجياً وسياسياً واقتصادياً. ومنذ ذلك الوقت برز العالم الأحادي القطبية الذي انفردت فيه الولايات المتحدة بالهيمنة على النظام الدولي، وسقطت الحرب الباردة، وسقطت معها النماذج المعرفية المتعددة في العلاقات الدولية وعلوم السياسة والاقتصاد والاجتماع. التي كانت سائدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثاني.

ولعل أهم التحولات الجديدة التي فرضت نفسها على النظام الدولي والعلاقات الدولية، كما فرضت تحولات جوهرية داخل البلد الواحد، في مجال الاتصالات والمعلوماتية، مع بروز ظاهرة “العولمة” وظهور “مجتمع المعرفة” وتداعيات ذلك كله، التي تمثلت في تجديد الأطر النظرية التي سادت قبل الحرب الباردة وبعدها، وبروز النظام الأحادي القطبية الذي بدأت أركانه تهتز، بعد الأزمة الاقتصادية والمالية التي نشبت في مركز الرأسمالية العالمية، أي الولايات المتحدة (خريف 2008 ) والتي لا تزال تداعياتها تتفاعل داخل البلدان الصناعية المتقدمة، وظهور البلدان الصاعدة، فضلاً عما أصاب البلدان النامية والفقيرة من منعكسات سلبية. في هذا الإطار سعى الأستاذ السيد ياسين إلى وضع معالم لخريطة معرفية للمجتمع العالمي( 1)، مستفيداً من آراء “كارل بولانيي” التي نشرها في كتاب رائد بعنوان “التحول الكبير” قرر بوضوح أن السوق ذاتية التنظيم لا ينبغي لها أبداً أن تهيمن لا على الدولة ولا على المجتمع. وقد أصبح هذا الكتاب الذي صدر عام 2)، مرجعاً لكل من يريد فهم آليات الرأسمالية التي قادت إلى العولمة وإلى )1942 ما أدت إليه قوى السوق العاتية.

ويرى الأستاذ السيد ياسين أن هناك ملامحاً خمسة رئيسة لخريطة التحولات العالمية أعرضها وفقاً للمفهوم الذي أراه، محتفظاً بعناوين السيد ياسين:

1 التغير الأول: الانتقال من النموذج المعرفي للمجتمع الصناعي إلى النموذج المعرفي للمجتمع الصناعي، ثم إلى النموذج المعرفي لمجتمع الم علومات العالمي. وقد أنشأ مجتمع المعلومات العالمي مجالاً عاماً جديداً غير مسبوق في تاريخ الإنسانية هو الفضاء الافتراضي الذي تتدفق فيه المعلومات من خلال شبكة الانترنت، وتتم فيه التفاعلات الاقتصادية والسياسية والثقافية بين أطراف عالمية شتى.

2 التغير الثاني: هو الانتقال من الحداثة إلى العولمة، التي لها تجليات متعددة:

 العولمة السياسية: وشعاراتها الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان واحترام التعددية.

 العولمة الاقتصادية: التي تسعى إلى خلق سوق عالمية واحدة، تُعبر عنها وتدعو لها منظمة التجارة العالمية، وجوهر العولمة الاقتصادية هي برنامج (وفاق واشنطن) الذي يضم كل من حكومة الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ويهدف إلى تحويل الاقتصادات الاشتراكية والموجهة والتدخلية إلى اقتصاد السوق.

 العولمة الثقافية: وتعني بروز ثقافة كونية، أساسها إحداث تغيير في معتقدات الناس وعاداتهم وقيمهم، وتعميم ثقافة السوق والاستهلاك والعولمة المتأمركة، والتي ستتصادم حتماً مع خصوصيات الثقافات الوطنية والمحلية.

3 التغير الثالث: وهذا التغير، يأتي كمحصلة للتحولات العالمية في الاقتصاد والسياسة والثقافة والمعرفة والتكنولوجيا. وهو ما يعنينا في هذا البحث، وأعني به بروز ظاهرة “مجتمع المخاطر”.

4 التغير الرابع: هو سقوط النموذج القديم للأمن القومي وبروز نموذج جديد هو الأمن القومي المعلوماتي.

5 التغير الخامس والأخير: هو بروز قيم حضارية جديدة في أنحاء العالم، أبرزها “المسح العالمي للقيم” الذي أشرف عليه عالم الاجتماع الأميركي (إنجلهارت) مما يكشف عن بروز وعي كوني جديد، من علامات هذا التغير ظواهر القرصنة الإلكترونية وتخريب قواعد البيانات واستخدام الجماعات الإرهابية لشبكة الانترنت في التواصل.

ما يهمنا هنا هو ظاهرة “مجتمع المخاطر”. مع اعتقادي أن التغيرات الخمسة مترابطة فيما بينها وأساسها التحولات الجارية نتيجة لضغوط النظام الرأسمالي العالمي، وسياساته الليبرالية الاقتصادية الجديدة، وسعيه إلى فرض جدول أعمال على دول وشعوب العالم تحت شعار العولمة والالتحاق بالاقتصاد العالمي، وما يحدثه ذلك من فرض قيم وسلوك إنساني نمطي جديد، وتحولات اقتصادية وثقافية وسياسية واسعة المدى من شأنها أن تغير تغييراً جوهرياً، من المشهد الاقتصادي العالمي، كما أنها ستترك آثاراً عميقة على المستويات الإقليمية والمحلية.

هناك أسباباً أخرى لبروز ظاهرة “مجتمع المخاطر” ولكنني سوف أركز في هذا المحور على السياسات الاقتصادية ونتائجها، لإظهار أهميتها ودورها في تهديد السلم الاجتماعي وأمن المجتمع، كما سأتحدث عن مظاهر

مجتمع المخاطر وسماته بعد ذلك.

إن أغلب الدول العربية، سارت تاريخياً، وبحكم ارتباطاتها الخارجية، وخاصة الدول المنتجة للنفط على هدى سياسات الاقتصاد الحر. إلا أن دولاً عربية أخرى، برز فيها دوراً أكبر للدولة في الشأن الاقتصادي، تفاوت في صرامته بين دولة وأخرى وتمثل في الدول ذات التوجه التدخلي في إقامة المشر وعات الاستثمارية وتأميم ما هو قائم منها وانتهاج سياسة تجارية حمائية صارمة وغير ذلك، مما كان يأتي تحت شعارات الاشتراكية أو التحويل الاشتراكي، أو إحداث التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلا أن بعض هذه الدول، وإن حقق بعض الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية الهامة، فإن إخفاقه في تحقيق الأهداف التنمويةومع انهيار الاتحاد السوفياتي وفشل تجربته الاشتراكية (لأسباب لسنا بصددها الآن)، وما تحقق على الصعيد العالمي من هيمنة أميركية وحيدة القطب رافقها ممارسات اقتصادية لقيم العولمة الاقتصادية وثقافة السوق والاقتصاد الحر، وتنامي

دور الشركات متعدية الجنسية، والجهود التي كانت ولا تزال تقوم بها مؤسسات العولمة التي تقودها الدول الصناعية المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة وهي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العربية، فضلاً عن جهود الاتحاد الأوروبي وفرض جدول أعماله من خلال مشروع الشراكة الأوروبية المتوسطية الذي يلتقي مع مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير الأميركي الصهيوني، حيث يتضمن هذان المشروعان التحول نحو اقتصاد السوق، جميع هذه الجهود والظروف قادت الدول التدخلية، أو التي كانت سياساتها الاقتصادية تندرج تحت شعار التحويل الاشتراكي أو التنمية المستقلة المعتمدة على الذات، إلى

التحول نحو اقتصاد السوق، في درجات متفاوتة، إنما أدت جميعها إلى انتهاج سياسات الليبرالية الاقتصادية الجديدة، التي آلت بدورها، إلى جانب عوامل أخرى، إلى بروز ظاهرة “مجتمع المخاطر” في الدول العربية.

مظاهرمجتمع المخاطروسماته الرئيسية:

إذا كانت بعض المجتمعات العربية وصلت إلى حالة الانفجار والثورة، فإن باقي المجتمعات العربية لا تزال تعيش في دائرة الخطر، وتنتظر لحظة الانفجار.

فما هي السمات التي تتميز بها مجتمعات المخاطر في البلاد العربية؟ يمكن لحظ هذه السمات في:

الفقر وتزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء وسيادة روح عدم العدالة في توزيع الدخل والثروة. وسلوك الطبقة الجديدة الاستفزازي، وعادات الاستهلاك التفاخري التي بدأت تجتاح المجتمعات العربية.  تزايد البطالة، وانتشارها خاصة بين الشباب والنساء.

 اتساع دائرة الفساد والإفساد في المجتمع.

وجاء ذلك نتيجة وحصيلة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية المتمثلة في التحول نحو اقتصاد السوق والإمعان في (لبرلة ) الاقتصاد والانقياد لبرامج الإصلاح الاقتصادي التي تندرج تحت جدول أعمال “وفاق واشنطن ” وجوهرها السياسة الاقتصادية الليبرالية الجديدة. وسيطرة التحالف (غير المقدس) بين المال والسلطة، وتهميش الفئات الواسعة من الشعب وإبعادها عن ممارسة حقوقها السياسية والاقتصادية.

مؤشرات الفقر:

يناقش تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009 ، موضوع الفقر في البلاد العربية، من منظورين:

الأول: فقر الدخل (الذي يعرف بمقياس ما يتوفر للإنسان من سلع وخدمات متمثلاً بالإنفاق الاستهلاكي الحقيقي للفرد).

والثاني: هو الفقر الإنساني (الذي يعرف بمقياس الدخل وبأبعاد أخرى ذات قيمة حياتية مثل التعليم والصحة والحرية السياسية).وفي تحليل فقر الدخل يأخذ التقرير بالحسبان مستويات الفقر الدولية التي تعتمد على دخل يعادل دولارين (خط الفقر المدقع) للفرد يومياً، وخطوط الفقر الوطنية.

في البلدان العربية كان نحو 20,3 % من السكان العرب يعيشون تحت خط الفقر الدولي المحدد بدولارين يومياً( 3)، مما يعني أن نحو 34,6 مليون عربي .( يعيشون في فقر مدقع ( 2005 % وبتطبيق خط الفقر الوطني، يتبين أن معدل الفقر العام يراوح بين 28,6 إلى 30 % في لبنان وسورية في حدها الأدنى، ونحو 59,9 % في حدها الأعلى في اليمن، ونحو 41 % في مصر. ويقدر التقرير من خلال عينة تمثل 65 % من إجمالي عدد السكان العرب، أن النسبة الكلية لمعدلات الفقر هي في حدود 39,9 %. وبالتالي فإن 65 مليون عربي يعيشون في حالة فقر.

مشكلة البطالة:

حسب بيانات منظمة العمل العربية ( 2008 ) فإن معدل نسبة البطالة في

البلدان العربية هي 14,5 % من القوى العاملة، مقارنة ب 6,3 % على الصعيد

العالمي وتتوقع منظمة العمل أن يرتفع معدل البطالة إلى 16 % وأن يصل عدد

4). وتتفاوت معدلات البطالة ) العاطلين عن العمل إلى 20 مليون بنهاية عام 2011

المحلية بدرجة ملموسة بين بلد وآخر، فهي تتراوح بين 2% في قطر والكويت

و 22 % في موريتانيا. إلا أن البطالة في أوساط الشباب تمثل في جميع الأحوال

% تحدياً جدياً مشتركاً في العديد من الدول العربية. فهي تصل في الجزائر إلى 46

في حدها الأعلى وفي الإمارات إلى 6,3 % في حدها الأدنى.

وتشير البيانات إلى أنه بحلول عام 2020 ستحتاج الدول العربية إلى تأمين

51 مليون فرصة عمل جديدة.

ومعدلات البطالة بين النساء أعلى منها بين الرجال، وهي على أي حال من

المعدلات الأعلى في العالم أجمع، وهي تشير إلى منظومة من التحيزات

الاجتماعية المتأصلة ضد عمالة النساء.

وتفسر اتجاهات العمالة والبطالة في البلدان العربية بثلاثة عوامل:

1 تراجع القطاع العام في ظل ما يدعى (الإصلاحات الاقتصادية) الهادفة إلى

الخصخصة والانفتاح وانسحاب الدولة من الاستثمار العام والتدخل في الشأن

الاقتصادي.

2 عدم قدرة القطاع الخاص على خلق فرص عمل جديدة كافية، مما يؤكد أن

توجهات الأنظمة نحو الاعتماد على القطاع الخاص هي مجرد أوهام تبددها

الحقائق على أرض الواقع.

3 مستوى التعليم ونوعيته وعدم قدرته على تخريج ما يحتاجه سوق العمل.

ولعل من المفارقات الحاصلة في موضوع العمالة والبطالة، أنه في الوقت

الذي تتزايد فيه طوابير العاطلين عن العمل في الدول العربية، تستخدم دول الخليج

النفطية حوالي 17 مليون عامل أجنبي.

إن البطالة والفقر، هي البؤرة التي تتوالد فيها مشاعر الغضب والإحباط،

وتضع المجتمع أمام مختلف الاحتمالات الضارة والمعيقة لتقدمه. خاصة وأن ذلك

يترافق مع:

 تدهور الحالة الصحية والتعليمية.

 تدهور وضع الخدمات الاجتماعية.

 تدهور حالة البيئة، وإجهاد مصادر المياه، وانتشار الجفاف والتصحر.

 الضغوط الديمغرافية.

انكشاف حالات النهب المنظم للثروات الوطنية. واتساع حجم الاقتصاد الأسود

والعشوائيات، في مقابل البذخ والاستهلاك المفرط وإقامة القصور والأحياء

المترفة بتحد واضح لمشاعر الناس وآلامهم.

توزيع الدخل:

يرتبط تطور الفقر بمعدلات النمو المحققة من جهة، وبتطور هيكل توزيع

الدخل من جهة ثانية، ذلك أن ارتفاع معدلات النمو لا يؤدي إلى تحسن أوضاع

الفئات الفقيرة في المجتمع، إلا إذا صاحبه إعادة توزيع الدخل والثروة لصالح تلك

الفئات أن سوء توزيع الدخل من شأنه أن يؤثر سلباً على معدلات الفقر، وهو

أيضاً يؤدي إلى فقدان زيادة معدلات النمو التي من أهم أهدافها الارتقاء بالأوضاع

المعيشية وتحسين أداء الاقتصاد ومؤشراته الكلية.

39,5 % بينما ( وقد وصل متوسط (معامل جيني) في الدول العربية إلى ( 5

يبلغ أكثر من 40 % في العديد من الدول النامية، خاصة في إفريقيا وأمريكا

الجنوبية.

وبالطبع فإن هذا المتوسط، يخفي حقيقة التفاوت بين الدول العربية، فقد

وصل هذا المعامل في تونس إلى 41,3 % (عام 2005 ) وفي جزر القمر إلى

%64,3 (عام 2004 ) وإلى 40,63 % في المغرب ( 2001 ) وإلى 32,14 % في

مصر (عام 2005 ) وإلى 36 % في لبنان ( 2005 ) وإلى 33,8 % في سورية

.% 2006 ). وفي الإمارات إلى 38,3 )

ونظراً لعدم توفر مؤشرات دقيقة عن توزيع الدخل في كل بلد من البلدان

العربية، يلجأ إلى قياس عدالة التوزيع أو الرفاه من خلال توزيع الإنفاق

الاستهلاكي في مسوحات ميزانية الأسرة (رغم الثغرات العلمية والموضوعية في

هذه المسوحات) التي تبين( 6) أن خمس السكان الأفقر في الدول العربية يحصل

على 6,7 % من الإنفاق، بينما تبلغ حصة الخمس الأكثر ثراء 47,2 %، ويبلغ

متوسط نسبة حصة أفقر 20 % إلى أغنى 20 % من السكان في مجموعة الدول

العربية، حوالي 8,3 % في حين تتجاوز هذه النسبة 10 % في الدول الإفريقية

جنوب الصحراء وفي مجموعة دول أمريكا اللاتينية.

ثانياً: أمن الإنسان العربي، ودور (الدولة الرخوة) في (مجتمع المخاطر):

إن تعبير “الدولة الرخوة” هو لعالم الاقتصاد السويدي الشهير “ميردال” وقد

استعار الدكتور جلال أمين هذا التعبير في وصفه لما آلت إليه الدولة في مصر في

عهد مبارك، وهذا النوع من الدول( 7)، “هو سر البلاء الأعظم، وسبباً رئيسياً من

أسباب الفقر والتخلف، فالدولة الرخوة تصدر القوانين ولا تطبقها، ليس فقط لما

فيها من ثغرات، بل لأنها تفتقد من يحترم القانون. الكبار لا يبالون فيه لأن لديهم

من المال والسلطة ما يحميهم منه، والصغار يتلقون الرشى لغض البصر عنه،

ويعم الفساد، فرخاوة الدولة تشجع على الفساد، وانتشار الفساد يزيدها رخاوة”.

ومع تنامي تيار العولمة، أصبح يترتب على الدول النامية، ومنها العربية

طبعاً، أن تُرخي قبضتها شيئاً فشيئاً على الاقتصاد والمجتمع، تحقيقاً لأهداف

عمالقة العولمة، والمؤسسات الدولية والشركات متعدية الجنسية، وأصبح على

الدولة أن تقوم بتفكيك نفسها بنفسها، وعليها أن تسلم مهامها ووظائفها الواحدة تلو

الأخرى للقطاع الخاص، أي سحب يدها من الاقتصاد ومؤسساته، وتسليمها للقطاع

الخاص الذي يزعم مروجو العولمة أنه أقدر على إدارتها. كما تسحب الدعم المقدم

إلى المستهلك والمنتج، بحجة التنافسية، وتسمى ذلك تثبيتاً للاقتصاد. ثم تفتح الباب

على مصراعيه أمام السلع المستوردة لتحل محل المنتجات المحلية، وتسمي ذلك

انفتاحاً وتكيفاً هيكلياً.

والدولة الرخوة، ضعيفة تجاه ما يطلب إليها من الخارج، لكنها قوية شرسة

في مواجهة الداخل. مما يهدد أمن الدولة بإضعافها تجاه متطلبات الخارج، وأمن

المواطن بتعريضه لشتى أنواع، القهر والاضطهاد والعزل والإقصاء.

وفي معرض الحديث عن أمن الإنسان العربي، يطرح تقرير التنمية الإنسانية

العربية لعام 2009 سؤالاً حول ما إذا كانت (الدولة العربية) داعمة لأمن الإنسان

( العربي أم لا؟( 8

وللإجابة على هذا السؤال يناقش التقرير أداء الدول العربية وفقاً لمعايير

تمتع الدول بمقومات الحكم الرشيد، ويحلل ما إذا كانت تلك الدول تحوز على

رضاء مواطنيها. وتساند حقهم في الحياة والحرية، وتضمن ل هم هذا الحق،

وتحميهم من العدوان. ويعتمد التحليل على أربعة معايير هي:

1 مدى قبول المواطنين لدولتهم.

2 التزام الدولة بالعهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

3 كيفية إدارة الدولة لاحتكارها حق استخدام القوة والإكراه.

4 مدى قدرة الرقابة المتبادلة بين المؤسسات على الحد من إساءة استخدام

السلطة.

ويخلص التقرير إلى أن حالات من التقصير الكبير والمتمادى في تطبيق هذه

المعايير، كثيراً ما تجتمع لتجعل الدولة مصدراً يهدد امن الإنسان، بدلاً من أن

تكون سنداً له.

إن احتكار العمل السياسي لفئة معينة في بعض الدول العربية، إلى ج انب

المعاناة الاجتماعية وانعدام الأمن الاقتصادي والأمن الغذائي والصحي، وضعف

الخدمات العامة وخاصة التعليم، واتساع دائرة الفقر، وانتشار البطالة، واتساع

العشوائيات حول المدن، جميع هذه العوامل تُضعف من الشعور بالمواطنية

والانتماء وتهدد الهوية الوطنية والقومية. وهذه جميعها من عوامل تشكيل المناخ

المناسب، والظروف المواتية لبلورة تيارات من الغضب الشعبي الذي يشكل الدافع

الثوري للنقمة والاحتجاج على الأنظمة العربية.

وإذا كانت الدول النفطية، قادرة على امتصاص الآثار السلبية لسياساتها

الاقتصادية (مؤقتاً) باستخدام عائدات تصدير النفط، فإن ذلك غير ممكن في البلدان

العربية غير النفطية، التي تهدد الأوضاع الاقتصادية والمخاطر الاجتماعية

مجتمعاتها، وتشكل الأرضية الخصبة لانتشار الأمراض الاجتماعية وتصاعد

العنف الجنائي والسياسي، في الوقت الذي يزداد فيه الشعور بالمرارة والغبن .

الذي تغذيه الممارسات اليومية للفئات الحاكمة في تحالفها مع طبقة ما يدعى رجال

الأعمال وممارساتهم الاستفزازية، والذين ارتبطت مصالحهم بدورة رأس المال

العالمي ومصالح الخارج.

وقد كان الفساد من أهم العوامل التي أدت إلى إضعاف دولة القانون، فضلاً

عن نتائجه الاجتماعية الخطرة، ودوره في إفساد الحياة السياسية، والدفع باتجاه

انفلات السوق، ودعمه “إن لم نقل قيادته” عملية التحول نحو اقتصاد السوق

المنفلت من أية ضوابط تُعيق عملياته. وهنا يظهر دور “تلاحم قوى الفساد مع

الفئات الفاسدة من البيروقراطية الحكومية، ويبرز هنا بوضوح دور المؤسسات

الدولية والاتحاد الأوروبي في تصنيع وإفساد فئة من نُخب العولمة، من المثقفين

والأكاديميين والباحثين إلى جانب فئة من البيروقراطية، بواسطة ما يكلفون به من

إعداد دراسات وبحوث، مستغلين في ذلك ضعف مستويات الدخول، وضغوط

الحياة المعيشية لهذه الفئات، والفساد يحتاج إلى “دولة رخوة ” وهو يزيد من

رخاوتها، مما يفاقم احتمالات بروز “مجتمع مخاطر” الذي يغذيه الفساد، بذات

الوقت الذي تغذيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية الليبرالية الجديدة.

ثالثاً: حركات الاحتجاجات الاجتماعية في البلدان العربية وأحداث تونس

ومصر:

حركات الاحتجاج في العالم أجمع، تتصاعد، مع تصاعد ممارسات السياسات

الاقتصادية والاجتماعية الموالية للفئات الغنية، في إطار التحولات المجتمعية

وسيطرة الرأسمالية العالمية وممثليها في مراكز السلطة من جهة، ومع الممارسات

السياسية والأمنية المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية من جهة ثانية، وكذلك في

) 1( مفهوم الأمن: نزاع جديد على مفهوم قديم

يعد مفهوم الأمن من المفاهيم المحورية التي لا خلاف على أهميّتها، ولقد اهتمّ كثير من العلماء بإعطاء العديد من التّعريفات لهذا المفهوم، الأمر الذي أضاف إليه عديدًا من الأبعاد السياسيّة والعسكريّة والاجتماعيّة والثقافيّة، على المستويات القوميّة والعالميّة.

وعلى الرغم من تعدّد محاولات تعاريف الأمن، إ أنّه ظلّ واحدًا من المفاهيم الصّعبة والغامضة، ولعلّ ذلك ما جعل معظم علماء الاجتماع يتجاهلون هذا المفهوم، مقابل أنّهم فضّلوا الاهتمام والتركيز على مفاهيم؛ القوّة، السّلطة، النّظام، الضّبط الاجتماعيّ، ..إلخ؛ لذلك يمكن القول: إنّه ليس هناك علم اجتماع للأمن يمكن الحديث عنه أو تمييزه) 4(.ولا بدّ – هنا – من الإشارة إلى ضرورة إعادة النّظر في النّظرة العلميّة التقليديّة لمفهوم الأمن، التي تذهب إلى أنّ الأمن متغيّر، أو عمليّة ترتبط بوجود الدّولة ذات القوّة العسكريّة فحسب، وأنّ الأمن يتركّز في مؤسّسات الدّولة وقوانينها فحسب، ولعلّ مثل هذه الرّؤية جعلت العلوم العسكريّة والأمنيّة تسيطر على دراسات الأمن منفردة فمما لا شكّ فيه؛ أنّ معظم مكوّنات الأمن وأصوله العميقة تقبع في قلب المجتمع والاجتماع، وعلى هذا؛ تعدّ القيم الثقافيّة، وعمليّات التنشئة الاجتماعيّة، والعمليات الاجتماعيّة عامّة؛ كالتعاون، والاندماج الاجتماعيّ، والتّنافس، والصّراع، تمثّل محدّدات ومتغيّرات مؤثّرة في عمليّة الأمن، ولا تقلّ بأيّ حال من الأحوال، من حيث أهميّتها، عن فكرة الأمن بالمعنى التّقليدي، الذي يؤسّس على القوّة العسكرية للدّول.

الأحوال، من حيث أهميّتها، عن فكرة الأمن بالمعنى التّقليدي، الذي يؤسّس على القوّة العسكرية للدّول. ووجهة النظر التي تتعامل مع الأمن كمتغيّر مرتبط بنظريّة الدّولة القويّة )بحسب وجهة نظر علماء الواقعيّة والواقعيّة الجديدة(، ترتبط بفكرة محوريّة تدور حول العلاقة الحتميّة بين الأمن وقوّة الشّرطة والجيش، وأنّ توافر القوّة العسكرية والشّرطية، يضمن مستويات عالية من الأمن داخل الدّولة. وتعدّ وجهة النّظر هذه – خاصّة في عالمنا المعاصر – نظرة ضيّقة جدًّا للأمن، وتدفع الدّول نحو ثقافة حيازة الأدوات الماديّة للأمن «الأسلحة »، والحفاظ عليها )سواء بالنّسبة إلى الأفراد أو الدّول(، ومثل هذه الثّقافة، من ناحية أخرى، تنتج الإحساس بعدم الأمن ذاته، نتيجة التّركيز على حيازة الأسلحة، والاهتمام

بثقافة استعراض القوّة بصورتها المادية) 7(.ويدافع أصحاب النظرية الواقعيّة عن وجهة نظرهم، من خلال الإشارة إلى أنّ الاستخدام الرشيد والمناسب للقوّة والسّيطرة، هو الذي يضمن الحفاظ على القوّة الوطنية، وهذا عكس ما تحاول هذه الدراسة تأكيده؛ حيث إنّ مثل هذه الرّؤية للأمن القوميّ تؤكّد انعدام الأمن أكثر من توافره، ممّا أدّى إلى أن الأفراد والمواطنين أصبحوا ينفروا من مفهوم الأمن، على الرّغم من أنّه عمليّة أساسيّة ومحوريّة لبقائهم على قيد الحياة، ولاستمرار النّظم الاجتماعيّة التي يعيشون في سياقها، كما أنّه من الممكن تفسير عمليّة الحفاظ على النّظم الاجتماعيّة واستمراريتها، وتأسيس البيئة الاجتماعية الآمنة بشكل أفضل، من خلال التخلّي عن فكرة القسريّة، واستخدام القوّة باختلاف صورها، والاعتماد على فكرة السلميّة، بد من القسر والإجبار والعنف، وذلك لأنّ التّبادلات السلميّة غير العنيفة مازالت هي السائدة، والأكثر انتشاراً في معظم بلدان العالم، وهي العامل المشترك بين الأفراد والدّول، بينما العمليّات العنيفة المشتركة هي الاستثناء، لتأسيس الأنظمة الأمنية الوطنيّة، ويعدّ هذا تقلي من أهميّة العمليّات الأخرى وفاعليّتها، التي تضمن حقّ البقاء على قيد الحياة عبر الزّمن؛ سواء للبشر أو للنظم الاجتماعيّة) 8(.لقد ركّز علماء السياسة – في تصوّراتهم حول مفهوم الأمن – على فرضيّة أنّ الأمن بالأساس يرتبط بمسألة بقاء الدّولة، دون الذهاب إلى تفاصيل أبعد من ذلك، فهم يفترضون أنّ الأمن يكمن في الحفاظ على سلامة الدّولة، وحماية القيم والأهداف الوطنيّة من الأعداء والخصوم – الحقيقيّين أو الافتراضيّين، ووفق هذا التصوّر؛ أصبح الأمن – من الناحية العمليّة – يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأنشطة الدبلوماسيّين ورجال السّياسة، ونخبة الحكم، والخبراء الأمنيّين والعسكريّين، بمعنى أنّ الأمن هو ما تتحدّث عنه نخبة الأمن القوميّ باعتباره أمنًا، ولم يكن هناك اهتمام بمدى اتّساق آراء هؤلاء عن الأمن مع باقي مكوّنات الدّولة، أو مع وجهات نظر المواطنين العاديّين أو المجتمع.

وعلى هذا؛ أصبح مفهوم الأمن واحدًا من المفاهيم التي تخصّ المؤسّسات السياسيّة وعلماء السّياسة، لاسيّما محلّلي العلاقات الدّولية والإستراتيجيّة، وبعض العسكريّين، وباتت هذه الفكرة أمرًا مفروغًا منه، وغير هؤلاء من البيروقراطيين يستخدم المفهوم دون التّساؤل أو التّفكير فيما يعنيه بالنّسبة إليهم.

ولذلك؛ نطرح فكرة ضرورة تأسيس علم اجتماع للأمن، لا يتخلّى عن التّراث العلميّ الكبير الذي أنتجته لنا مختلف فروع المعرفة التي اهتمّت بدراسات الأمن؛ بل يبدأ منه بهدف إنتاج نظريّات ورؤى مفاهيميّة للأمن، تتضمّن بحث الأساليب التي يستطيع من خلالها كلّ الأفراد – على حدّ السواء – تحقيق الشّعور بالأمن للأمن، تتضمّن بحث الأساليب التي يستطيع من خلالها كلّ الأفراد – على حدّ السواء – تحقيق الشّعور بالأمن

والأمان الحقيقيّ، وتوفير الأساليب المبدعة للتّعامل السوسيولوجيّ مع صور الوحشيّة وال إّالنسانيّة والبربريّة التي بدأت تنتشر في هذا العالم، وكذلك التهديدات وأشكال الخوف والقلق والعنف والإرهاب والقتل، سواء

على المستويات الماديّة أو المعنويّة. كما أنّ محاولة الفهم السوسيولوجيّ للأمن، يمكن أن تساعد في مزاحمة الآراء السياسيّة التي سيطرت على النّظريات التي اهتمت بتفسير الأمن ومنافستها، وأن تمكّن الأفراد من تحديد ما إذا كانت المؤسسات التي أُنشئت من أجل خلق الأمن والمحافظة عليه قد نجحت في ذلك أم لا؟ (2) الفهم السوسيولوجي للأمن:

يعدّ مفهوم الأمن من أصعب المفاهيم التي يتناولها التحليل العلميّ؛ لأنّه مفهوم نسبيّ ومتغيّر ومركّب، وذو أبعاد عدّة ومستويات متنوّعة، يتعرّض لتحديات وتهديدات – مباشرة وغير مباشرة – من مصادر مختلفة، تختلف درجتها وأنواعها وأبعادها وتوقيتها، سواء تعلّق ذلك بأمن الفرد أو الدّولة، أو النظام الإقليمي أو الدولي، ويعدّه كثير من الباحثين أحد المفاهيم المركزية في حقل العلاقات الدولية، الذي اتّسم بالغموض الشديد منذ ظهور العلاقات الدوليّة كحقل علميّ مستقلّ عقب الحرب العالمية الأولى، ولقد احتلّت القضيّة الأمنيّة وضعًا مركزيًّا في السّياسات الخارجيّة لبعض الدّول التي عادة ما تتّخذ الأمن هدفًا من أهدافها، يتحقّق باتّباع إجراءات وقائيّة وأخرى علاجيّة، تهدف من ورائه إلى تغيير البيئة المحيطة. ولم يعد الأمن يقتصر على الفهم التقليديّ الذي يركّز على حماية الحدود الإقليمية، أو بمعناه العسكريّ؛ إنّما اتّخذ أبعادًا أشمل من ذلك، تنطوي على تطوّر المجتمع باتّجاه تحقيق أهدافه التي تضمن مصالحه) 10 (.

تتّفق معظم القواميس في أنّ فعل «أَمَّنَ Secure( » (، والاسم منه: الأمن ) Security (، هو: التحرّر من الخطر والمخاطرة، أو الابتعاد عن الخسارة والإحساس بالأمان، أو التّحرر من الخوف والشكّ والقلق والرّيبة، وهو – أيضًا – كلّ الأشياء التي تمنحك السّلامة والوصول إلى الأمان. والأصل ال تّاليني لمصطلح Security( ( هو: ) Securus (، أي؛ آمن) 11 (.

وللإجابة عن سؤال: ماذا نقصد بالأمن؟ يجب علينا التّمييز بين معنيين) 12 (:

الأوّل: المعنى المحدّد والواضح في الخطاب والممارسة )مثال: عندما يبرّر السياسيّون تقليص الحريّات المدنية باسم «الأمن القوميّ »، أو عندما تقوم المدارس بتركيب أجهزة الكشف عن المعادن، أو كاميرات

مراقبة عبر طرقات المدرسة باسم «أمن الطلاب .)

الثّاني: الأمن فئة تحليل أوسع نطاقًا، تشمل مجموعة متنوّعة من الظواهر المتعلّقة بالتفهّمات الثّقافية للسّلامة، والأمان، والفوضى، وانعدام الأمن )ودمج هذه الظّواهر مع مشكلات اجتماعيّة؛ كالبطالة، والجريمة، والمرض، والتي تكون مؤثّرة – بشكل مباشر أو غير مباشر – في الأمن، من خلال رؤية الفاعلين المحليّين(.والأمن، وفق الرّؤية السوسيولوجيّة، يعبّر عن إدراك الأفراد والجماعات الاجتماعية والمؤسّسات للواقع الاجتماعيّ والوعي به، والذي يتمّ تأسيسه داخليًّا، كشعور أو عاطفة، ويترجم سياسيًّا كأيديولوجيّة، أو سياسة عمل، سواء كان ذلك يرتبط بوجهة نظر مستشاري الأمن القومي، أو يرتبط برؤية أحد أفراد المجتمع.

الأمن هو – بالأساس – تصوّر للعالم الاجتماعيّ، ويلقي بتأثيراته على الطّريقة التي نمارس بها تفاصيل حياتنا اليومية، ويشمل مفهوم الأمن مجموعات من الفهم الأمنيّ للكيفيّة التي يعمل بها العالم، والفهم الثقافيّ

للمخاطر وعدم اليقين. الأمن هو رصيد الخبرة الذي نمتلكه، الذي هو جزء لا يتجزّأ من الأطر الثّقافية التي تحدّد ما نراه آمنًا ومنتظمًا، وما نراه فوضويًّا، ويحدّد مشاعرنا نحو الأمن والسّلامة، ويحدّد لنا المستويات

التي نشعر معها بالأمن(13).

ثالثاً: ضرورات الفهم السوسيولوجيّ للأمن:

من الواضح والمؤكّد أنّنا نعيش في عالم مختلف، عالم يشهد عديدًا من التطوّرات العميقة والمتدفقة، التي تهدّد الاجتماع والعمران الإنسانيّ طوال الوقت، وتهدّد فكرة العيش المشترك الآمن، سواء على المستويات

المحليّة أو العالميّة، ولعلّ من أبرز هذه التحدّيات أو المهدّدات؛ التغيّر البيئيّ، والتحوّلات المناخيّة، وإشكاليّات التفاوت والفقر، والأزمات الاقتصاديّة، وكذلك الميول التي تهدّد المجتمعات البشريّة، مثال: الشيخوخة،

والتهميش، وظهور الأمراض والأوبئة، وأزمات الأمن الصحيّ، ومشكلات الهجرات المشروعة وغير المشروعة، كلّ هذا وغيره دفع العديد من العلماء إلى توصيف هذا المجتمع بأنّه مجتمع المخاطر، أو عالم

منفلت، أو عالم البحث عن الأمان المفقود.

ولقد ارتبط الفهم السوسيولوجيّ لمجتمع المخاطر «بأولريش بيك »؛ الذي أصدر كتاب بعنوان «مجتمع المخاطر العالمي: بحثًا عن الأمان المفقود »، ولقد أشار «أولريش » أنّ ما كان مبالغًا فيه قبل عشرين عامًا

أصبح أمرًا واقعًا ومحسوسًا، وأضاف – أيضًا – أنّ المجتمع الصناعيّ بدأ بالاندثار، مفسحًا المجال لمجتمع جديد تسوده الفوضى، وتغيب فيه أنماط الحياة المستقرّة، ومعايير السلوك الإرشاديّة، وأصبحت دلالات

المخاطرة اليوم شديدة الآنية والأهمية في لغات التقنيّة والاقتصاد والعلوم الطبيعية، وكذلك في لغة السّياسة (14).

أمّا «أنتوني جيدنز »؛ فقد ذهب إلى أنّ العولمة تشكّل السّمة الأساسيّة للّحظة الراهنة في عالم اليوم، وأنّ الانفلات هو أحد سمات العولمة، إن لم يكن سمتها الأبرز؛ لهذا أطلق على هذا العالم بأنّه: «عالم منفلت ،» والحركة والتغيّرات فيه لا تخضع لسيطرة البشر بشكل كامل) 15 (. يمكن لنا – من خلال مراجعة الرؤى السابقة وغيرها – التي ركّزت على تحليل العالم الراهن ووصفه، التّأكيد على أنّنا بصدد مجتمع تتميّز ملامحه وسماته بأنّها تبدو مشوّشة، وتهزّ الأساليب القائمة للعيش الإنسانيّ المشترك، وهو – على الأقل حاليًّا – ليس مجتمعًا أو نظامًا عالميًّا تدفعه الإرادة الإنسانية الجماعية؛ بل إنّه يظهر كلّ يوم إلى حيّز الوجود بطريقة فوضويّة واعتباطية، تؤثّر فيه العديد من العوامل الظاهرة والخفية، إنّه مجتمع ليس مستقرًّا أو آمنًا، إنّه مجتمع محكوم بال يّالقين، ومكتظّ بالقلق، ومقسَّم بشكل عميق وغير عادل.

(1) مخاطر العالم الرّاهن وانعدام الأمن:

عادة يكون في عقول هؤلاء الذين يستخدمون مفهوم الأمن، أنواع محدّدة من التّهديدات والمخاطر، على الرّغم من أنّ المخاطر والتّهديدات التي تواجه الأمن تنشأ من خلال مصادر عديدة ومتنوّعة، إ أنّه من الثّابت أنّ العالم المعاصر يتضمّن صورًا عديدة من التّهديدات والمخاطر، التي لا ترتبط فحسب بتهديد أمن دولة بعينها، ولكن تتضمن تهديداً لحياة البشر على اختلاف الدول، وكأنها تهديدات ومخاطر معولمة تتجاوز

حدود الدول والقارات(16).

وسوف نحاول هنا تقديم عرضاً عاماً لأهم التّحولات والتّهديدات التي تواجه عالمنا المعاصر، وتهدّد جوانب عديدة للاجتماع البشريّ، وتلقي بالمخاطر التي تعدّ معضلات أمام العمران الإنسانيّ، خاصّة، أنّ مثل هذه التهديدات ألقت بالعديد من صور الشكّ وعدم اليقين والشعور بانعدام الأمن لدى العديد من الأفراد والجماعات والدول، وذلك على النّحو الآتي:

(أ) صراع الأيديولوجيات: تباينات الأفكار والعقائد:

من السّمات المهمّة للمجتمع الإنسانيّ؛ تباين الأفراد والجماعات والدّول فيما تتبنّاه من أفكار وعقائد، فهذا المجتمع يقوم على هذا التفرّد، ومن حقّ كلّ إنسان أن يعتنق الأفكار والمعتقدات التي يطمئن لها قلبه وعقله، وهذا الحقّ لا خلاف عليه؛ فهو حقّ راسخ ومتّفق عليه في معظم المواثيق الدولية لحقوق الإنسان،ويتطلّب هذا الحقّ قبول الآخرين وتسامحهم مع الأفكار التي تختلف عن أفكارهم ومعتقداتهم، وذلك حتّى

يستقيم العيش المشترك بين الأفراد ويستقر.

 أنّ الواقع، ومنذ بداية الاجتماع البشريّ، يؤشّر إلى أنّ تباين الأفكار والمعتقدات بين البشر، كان يستخدم دومًا كذريعة لتبرير الصّراع، وتهديد أمن وسلامة الآخرين، ويمتلئ التّاريخ الإنسانيّ بالعديد من الممارسات المؤسَّسة على الصّراع الأيديولوجيّ، فالكثير من دول العالم كانت تردّد «التّهديد الشيوعيّ » ومخاطره على الأمن القوميّ، على الرّغم من أنّ هذه الدّول لم تحدّد أبدًا أيّ نوع من التهديد )الأيديولوجي، أو الاقتصادي، العسكري، أو كلّها معًا(، ولقد كان هذا الصّراع مصدرًا من مصادر انعدام الأمن في العديد من المجتمعات عبر فترات طويلة) 17 (، وفي الوقت الرّاهن يتمّ تداول مصطلح «الإرهاب » وما يمثّله من تهديدات، وعلى الرّغم من غموض هذا المفهوم من خلال الاستخدام المتباين له، تمّ تدمير أمن العديد منالمجتمعات والدّول.

ونؤكّد – هنا – على أنّ الصّراع الأيديولوجيّ، على مدار تاريخ البشريّة، كان واحدًا من مصادر تهديد الأمن في المجتمع الإنسانيّ، وارتبط هذا الصّراع – وما زال – بعديد من الحروب وموجات العنف والإرهاب، الذي كان من نتائجه تحطيم الأمن الحياتيّ برمّته للعديد من الأفراد والجماعات والمجتمعات، ولعلّ خير مؤشّر ما نتابعه اليوم من مشاهد الهجرات القسريّة، وحركة ال جّالئين هربًا من انعدام الأمن في أوطانهم(18).

 الأزمات الاقتصاديّة، والاستهلاك، والفقر وانعدام المساواة:

شهد العالم خلال السّنوات القليلة الماضية العديد من الأزمات الاقتصاديّة، التي أدّت إلى الاضطرابات الماليّة، وخلقت العديد من المشاكل الاقتصاديّة، وأدّت إلى اختلال الاقتصاد العالميّ، وما ترتّب على ذلك من

فقدان الدّخل، واضطرابات مجالات العمل والتّوظيف، وكلّ هذا وغيره خلق حالة من انعدام الأمان وزعزعة الاستقرار الاجتماعيّ، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو المجتمعات.

ولقد أكّدت تقارير البنك الدوليّ – على سبيل المثال – أنّ الأزمة الماليّة العالميّة، بداية من عام 2008 م،أدّت إلى أن تشهد عديد من بلدان العالم انخفاضًا حادًّا في معدلات التّنمية، وتفاقم المشكلات المرتبطة بندرة

الوظائف وفقدان الدّخل، وانتكاس الجهود الرّامية إلى الحدّ من الفقر، ومع ارتفاع أسعار السّلع، خاصّة الغذاء، عام 2008 م، تفجّرت عديد من أعمال الشّغب والاحتجاجات في أكثر من 12 بلدًا في إفريقيا وآسيا، وهو ما جسّد السّخط الشعبيّ، والشّعور بالافتقار إلى الأمن، وخلق هذا كلّه حالة من الاضطرابات السياسيّة واسعة النّطاق( 19).

يضاف إلى ذلك؛ أنّ تنامي مستويات الفقر وغياب العدالة، وانعدام المساواة في الاجتماع الإنسانيّ، تمثّل – جميعها – تهديدات شاملة لأمن الإنسان ولحياته ولقدرته على الفعل، كما أنّ الفجوات الكبيرة بين الأمم

الغنيّة والفقيرة، تحمل إمكانيّة الانفجار الاجتماعيّ، كما أنّ ترك الفقراء بلا أمل، من أكثر مصادر انعدام الأمن؛ لأنّ ذلك يمكن أن يؤدّي إلى تقويض أسس الاجتماع الإنسانيّ برمّته(20).

 التغييرات المناخيّة والبيئيّة العالميّة:

لا شكّ في خطورة ما يحدث في العالم من تغييرات مناخيّة، وتحوّلات في البيئة الطبيعيّة من حولنا، وتهدّد هذه التّغييرات كلّ ظروف الوجود البشريّ على نطاق كبير، كما في حالة الدّول التي يمكن أن تتعرّض

للغرق من خلال زيادات مستوى مياه البحار، والفيضانات التي حدثت في بنغلاديش خلال الأعوام القليلة الماضية، تعطي إشارة بسيطة إلى ما يمكن أن يصبح كارثة تنهي حياة الكثير من البشر مع هذا المدّ المتزايد.

يضاف إلى ذلك مجمل الأنشطة التي تسبّب تغيّرات جوهريّة في المناخ، وذلك مثل؛ الإنتاج الضخم للغازات، وزيادة معدلات التلوّث العالميّ، وتنامي نسبة الغازات التي تؤدّي إلى تآكل طبقة الأزون، والأنشطة التي تعمل على تهديد الأرض بنقص نسبة الأوكسجين، والتّأثيرات البيئية الواسعة لتآكل المساحات الخضراء، والقضاء على الغابات. ولعلّ خطورة هذه القضايا وتداعياتها، يجعل من الضّروري عدّها من أهم قضايا الأمن العالميّ؛ لأنّها لا تهدّد دولة أو مجتمع بعينه، لكنّها تهدد وجود البشر على هذا الكوكب وأمنهم) 21 (.

كلّ ما سبق لا يشمل كافّة التحوّلات والتّغييرات والتّهديدات التي تواجه فكرة أمن الاجتماع الإنسانيّ، وتحدّي العمران والحضارة في المجتمع البشريّ، لكن هناك – أيضًا – تهديدات أخرى لا يتّسع المجال

لعرضها وتحليلها، لكن نُشرت عديد من الدّراسات والبحوث في العالم كلّه.وبعد هذا العرض لعدد من التّهديدات؛ ينبغي الإشارة إلى أنّ تحليل أخطار مثل هذه التّحولات، ودمجها في الخطابات والممارسات المرتبطة بالأمن، هو منهج ضروريّ، يجب الأخذ به، ويكون علماء الاجتماع، من خلال علم اجتماع الأمن، مستعدّين للعمل والإعلان عن أنّ علم الاجتماع قادر على دراسة جميع الظواهر المتعلّقة بالأمن وسلامة المجتمع وفهمها، وأنّه يستطيع، من خلال أطرِه النّظرية والمنهجيّة، تقديم تفسير مختلف، واقتراح خطط عمل تتناسب مع خطورة مهدِّدات الأمن البشريّ، وتتعامل معها بفاعلية وقوة.

وجعل علم اجتماع الأمن فرعًا جديدًا، يساهم في رصد وفحص وتحليل وتفسير مجمل الأخطار التي تهدّد أمن العيش المشترك في المجتمع الإنسانيّ، من خلال الأدوات النظريّة والمنهجيّة لعلم الاجتماع، مع

الاعتماد على التّراث البحثيّ السّابق للدّراسات الأمنيّة، التي أنجزتها عدد من العلوم الاجتماعيّة، مثل:

العلوم العسكريّة والإستراتيجيّة، والعلوم السياسيّة، وعلم النّفس، وعلم الاقتصاد، وغيرها، يعدّ مطلبًا مهمًّا،وضرورة ملحّة، في ظل التداعيات الخطيرة لمجمل الأخطار والمخاطر والأزمات التي تهدّد الأمن على أرض هذا الكوكب، وهو – بالأساس – وصل إلى الأمن الوجوديّ؛ أي وجود أو عدم وجود البشر أو الحياة البشرية برمتها.

رابعاً: علم اجتماع الأمن: التعريف والموضوع:

أشارت الدّراسة، فيما سبق، إلى أنّ أهمّ توصيفات لطبيعة العالم المعاصر؛ هو «مجتمع المخاطر ،» وهي توصيفات جاءت من علم الاجتماع، ومن المهمّ، أيضًا، الإشارة إلى ذلك الارتباط الوثيق بين مفهوم الأمن ومفهوم المخاطر، فكلّما زادت المخاطر التي يواجهها عالمنا المعاصر، تتدهور مستويات الشّعور بالأمن والأمان. وتكشف تفاصيل الحياة اليوميّة في معظم المجتمعات المعاصرة، عن أنّه من الممكن أن نجد المخاطر وما يمكن أن يترتّب عليها من مخاطرة) 22 *( في مجالات عديدة؛ داخل المنزل، وفي أماكن العمل، وفي الشّارع، وفي مناطق الكوارث الطبيعيّة والبيئيّة، ..إلخ، ويمكن تصنيف المخاطر بأساليب عديدة، أهمها؛ التّفرقة بين المخاطر النّاتجة عن ظروف ماديّة أو بيئيّة أو ظروف خارجة عن إرادة البشر، والمخاطر الاجتماعيّة التي ترتبط بما يكمن في البنية الاجتماعيّة من مصادر لإحداث ضرر للأفراد والجماعات الذين يعيشون في كنف هذه البنية. ومن خلال استخدام مفهوم التعرّض للخطر، يمكن التّمييز بين التعرّض للخطر الفيزيقيّ، وهو الخطر المرتبط – غالبًا – بالمخاطر الطبيعيّة والبيئيّة، وبين التعرّض للخطر الاجتماعيّ الذي يتخلّق داخل البناء الاجتماعيّ، ويكون الخطر الاجتماعيّ ناتجًا عن عوامل داخليّة عديدة، مثل: الفقر والبطالة وعدم المساواة والتّهميش، وسوء التّغذية ونقص الطعام، وسوء السّكن، وانخفاض – أو تردّي – مستويات نوعيّة الحياة التي يعيشها الفاعل الاجتماعيّ(23).

لعلّ الطّرح السّابق، يؤشر إلى أهميّة تأسيس علم اجتماع الأمن؛ حيث إنّ الفهم السوسيولوجي للأمن سوف يأخذنا إلى مساحات أخرى جديدة، ويقدّم لنا تفسيرات تبدو على درجة كبيرة من الأهميّة لكلّ صور المخاطر والأخطار التي تواجه أمن الاجتماع الإنسانيّ، وسوف يضيف أبعاداً جديدة لفهم الأمن، تلعب دورًا مهمًّا وحاسمًا في تأسيس فكرة الأمن ليكون واقعًا معاشًا في المجتمع.

ويمكن تأكيد الفكرة السابقة، من خلال الإشارة إلى أن البحث المعتاد للمخاطر التي تحملها التغييرات المناخيّة، لم يعد كافيًا لمساعدة الأفراد والجماعات والمجتمعات في فهم طبيعة وتداعيات هذه التغييرات، وما تحمله من تهديدات مباشرة لاجتماع البشر على هذه الأرض، ويمكن، هنا، لعلم اجتماع الأمن أن يلعب دورًا جديدًا وأساسيًّا في توفير القاعدة العلميّة والرؤى الجديدة الملهمة للسياسات الجديدة التي تدعم الرّقابة، وتعبئة الأفراد نحو التغيّر الاجتماعيّ، والتعامل بشكل مختلف ورشيد مع البيئة التي يعيشون فيها، خاصّة وأنّ التغييرات البيئية والمناخية ومشكلات المياه، والتنوع البيولوجيّ، ومشكلات الغلاف الجويّ، ..إلخ،

كلّها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأنشطة والممارسات البشرية، بالتّالي، لا يمكن فهم هذه التغيّرات أو تناولها دون الانتباه الشديد إلى التفاعلات بين الإنسان والنظم الطبيعية) 24 (.

[1] Wlrich Beck, La société du risque, trad. Laure Bernardi, Paris, 2001.

[2] Jürgen Habermas, La technique et la science comme idéologie; traduit de l’allemand et préfacé par Jean-René Ladmiral, Paris, Gallimard, 1978.

أنظر أيضاً:

Denis Duclos, La peur et le savoir: la société face à la science, la technique et leurs dangers, Paris, La Découverte, 1989.

[3]   منها، مثلاً: David Le Brelon, La sociologie du risque, Paris, PUF, 1995.

[4]  Samuel Huntington, The clash of civilizations?, Foreign Affairs, 1993; “Le choc des civilizations?”, Commentaire, n. 66, 1994. The clash of civilizations and the remaking of world order, New York, Simon and Schuster, 1996; le choc des civilizations, Paris, Odile Jacob, 1997.

[5]   من ذلك مثلاً: Mare Crépon, l’imposture du choc des civilisations, Paris, éd. Plein-feu, 2002.

[6]  كأمثلة عما ظهر بالفرنسية، هناك كتاب قديم، نسبيّاً، يتناول الخوف في الغرب من القرن الرابع عشر إلى القرن الثامن عشر:

Jean Delumeau, La peur en Occident, XIVème – XVIIIème siècles, Paris, Fayard, 1978.

وهناك مؤلفات ظهرت في المرحلة الراهنة من “ثقافة الخوف” منها، مثلاً:

Christophe Lambert, La société de la peur, Paris, Plan, 2005 – Valérie de Courville Nicol, le soupçon gothique : l’infériorisation de la peur en Occident, PU Laval, 2004.

[7]  أغلب الظن أن بوش ما كان يفوز، رئيساً، لولا نجاحه في تخويف المنتخبين من خلال هذه الرؤية المانويّة للعالم.

[8]  معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي، الكتاب السنوي 2005، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005، ص 222.

[9]  أنظر: وِليم بلوم، الدولة المارقة: دليل إلى القوة العظمى الوحيدة في العالم، ترجمة عصام قلاوون، الشركة العالمية للكتاب، بيروت، 2003.

[10]  معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، التسلّح ونزع السلاح والأمن الدّولي، مرجع سابق، ص 85.