الملتقى الوطني الثاني حول : الاتصال وجودة الحياة في الأسرة   أيام 09/10 أفريل 2013 جامعة قاصدي مرباح ورقلة *كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية 

أ/رمضــان  عمومن

جامعة عمار ثليجي ـ الأغواط

مقدمة : 

تقوم الأسرة بوظائف كثيرة تخدم بها المجتمع، كوظيفة التكاثر، والحفاظ على الجنس البشري، التربية، الاقتصاد، الترفيه…وغير ذلك من الوظائف. فالنظرية الوظيفية لا تكتفي بتفسير هذه الوظائف وعلاقتها بالبناء الاجتماعي والأنساق الأكبر وإنما تذهب لتحدّد وتفهم الوظائف الأكثر دقة داخل النسق الأسـري نفسه، كالأدوار والمراكز، العلاقات، المعايير، القيم…وغيرها .

إن طبيعة العمل وطريقة أدائه يختلف باختلاف البيئة الإجتماعية التي تعيش فيها المرأة ، خاصة في ظل الظروف الثقافية والإجتماعية والإقتصادية اليوم ، والتي تحدد اختلاف عمل المرأة بين الريف والحضر نظرا لامتلاك هذه الأخيرة فرص اقتحام سوق العمل في مهن مختلفة منها المهن المتخصصة عمليا ، والأعمال الفنية والكتابية والتدريس والإدارة والطب أو التمريض…إلخ

أمــا بالنسبة للمجتمع العربي فإن التغير الذي طرأ على المجتمع أثر على تقسيم العمل داخل الأسرة وعلى تغيير المواقف التربوية والاجتماعية وكيفية التعامل معها. فالأبناء يفسرون سلوك آبائهم مثلا بأنه تقليدي وأن الأدوار التي يقومون بها لا تليق بمجتمع متغير حديث. والمرأة أخذت حرية قانونية لم يسبق لها مثيل جعلتها تكتسب مكانة في المجتمع والأسرة تختلف عن تلك التي كانت عليها في السابق. التعامل مع الظروف الجديدة والمتغيرة أدى إلى تغيير العلاقات والتفاعلات بين أفراد الأسرة وخصوصًا بين الآباء والأبناء.

ولعل المرأة هي الأكثر تأثرا بهذه العوامل حيث ظهرت الحاجة الملحة للتعليم والعمل معا من جهة  ومراعاة واجبات الأسرة من جهة ثانية ، إلا أن القيم والعادات والتقاليد كانت ولازالت في بعض المجتمعات الجزائرية اليوم تنظر إلى خروج المرأة ـ سيدة الأسرة ـ إلى العمل نظرة عدم ارتياح مهما كانت الظروف والدوافع بسبب تقليص حجم مسؤولياتها ودورها تجاه أفراد الأسرة .

وهذا مــا يؤكد تصادم وتعارض الـدور لدى المرأة العاملة خاصة  نظرا لحجم مسؤولياتها  بين العمل والأسـرة وطموحاتها لتحقيق الذات وتغيير نظرة المجتمع لدور المرأة ، وهي من المشكلات المطروحة في الأسر الجزائرية خاصة ، نظرا لطبيعة وثقافة المجتمع الجزائري  ، فهل يؤثر عمل المرأة على دورها في العمل واجباتها ومسؤولياتها الأسرية ؟ وهل يختلف هذا الصراع والطموح  باختلاف مكان العمل ؟

ومن عوامل ضغوط العمل :

أـ الجنس : إن مشاركة المرأة في الحياة العملية إضافة إلى مسؤولياتها الأسرية تكون قد أثبتت قدرتها وإمكانياتها وتحقيق بعض الحاجات والدوافع من جهة ، وتحمّل بعض الضغوط وأعباء العمل والصراعات وصعوبات التوفيق بين دورها كأم وطموحها كمتعلّمة وعاملة حققت ذاتها ورغباتها من جهة أخـرى .

يعد عامل الجنس من ذكور وإناث من الخصائص الشخصية المؤثرة في دراسة ضغوط العمل، لاسيما مع زيادة معدلات دخول الإناث سوق العمل، والتي يختلف موقعها الاجتماعي والوظيفي عن الرجل من تداخل مسؤولياتها بين العمل والمنزل، والعزلة الاجتماعية التي يفرضها عليها مجتمعها، ومحدودية الدور الوظيفي الذي يسمح لها به، ناهيك عن التفرقة في التعامل كونها امرأة عند الترقية أو اختيارها لمناصب عليا .                   (سلطان، 2004 ، ص 112)

ب ـ صراع الدور

ويرى هيجان  أن صراع الدور يحدث عندما تتعارض مطالب العمل التي يجب على الفرد القيام بها وفقا لتعليمات وتوجيهات المنظمة، وبعض المواقف أو المطالب الأخرى داخل المنظمة والتي تختلف عن عمله الأساس أو تتعارض مع قناعاته الشخصية.

يعنى به التعارض بين الواجبات والممارسات والمسؤوليات التي تصدر في وقت واحد من الرئيس المباشر للموظف، أو من تعدد التوجيهات عندما يكون الرؤساء المشرفون أكثر من شخص مما يشعره بعدم الاستقرار ويجعله يقع تحت ضغوط مستمرة تستلزم إعادة توفيقها للتخلص من الضغط، وهناك عدة صور من صراع الدور في المنظمات تتكون من العناصر الآتية : (هيجان، 1998 ، ص 177)

1ـ أسباب صراع الدور : من أسباب صراع الدور :

ـ ضغـــوط مهنية :

-1 تعارض أولويات مطالب العمل

-2 تعارض حاجات الفرد مع متطلبات المنظمة

-3 تعارض مطالب الزملاء مع تعليمات المنظمة

-4 تعارض قيم الفرد مع قيم المنظمة التي يعمل بها.

-4 الحاجة إلى النمو والتقدم المهني .

إن كثيرًا من المهن والوظائف تحتاج من العاملين بها إلى الاستمرار لفترة طويلة حتى يمكنهم تأمين مهنة أو وظيفة مستقرة، لذلك نجد أن كثيرًا من العاملين وخصوصًا الفنيين والحرفيين يبدلون أماكن عملهم ونوعية العمل بغية إيجاد عمل مناسب مستقر يتطورون وينمون فيه، غير أن هذا التغيير يترتب عليه ضغوط نفسية بسبب الطموح و الرغبة في التطور والتقدم والنمو في المهنة

. فكثير من الأفراد الذين يغيرون أعمالهم تصاحبهم الضغوط حتى يستقروا، كما أن بعض المنظمات لا تمنح العامل أو الموظف أو الفني وظيفة أو مهنة مستقرة وجيدة حتى يمضي في العمل بها فترة طويلة، وهذا يسبب لبعضهم ضغوطًا وعدم ارتياح، خصوصًا في المنظمات الكبيرة، حيث التنافس يكون على أشده .                                   (العديلي، 1995 ، ص 250)

ـ ضغوط شخصية وأسرية :

− الصراع بين دور الشخص فى المنزل ودوره فى العمل.

− التعرض للمخاطر الطبيعية والبشرية.

− المشكلات مع أفراد الأسرة.

− المشكلات مع توقعات أعضاء الأسرة.

− المشكلات مع الأصدقاء والأقارب.

− الزواج من شريك حياة متعدد الأدوار.

− مشكلات خاصة بالتسلسل الهرمى فى الأسرة.

− المسئولية عن الأطفال.

− مشكلات الأبناء.

− أسلوب الحياة الفردى.

− الضواغط فى السفر والعطل.

− محاولة القيام بأدوار متعددة فى الوقت نفسه.

ـ الضغوط الداخلية :

− التوقعات والآمال.

− الطموح والأهداف المستقبلية .

− الخوف من فقدان الوظيفة.

2 ـ دوافع خروج المرأة للعمل :

شهد المجتمع الجزائري تغيرات اجتماعية واقتصادية انعكست بصورة واضحة على الأسرة ، لأن هذه الأخيرة عبارة عن انتاج اجتماعي يعكس صورة المجتمع الذي تظهر وتتطور فيه فإذا تغيـّر المجتمع اقتصاديا تحتم على الأسرة مسايرة هذا التغير أو التطور ولم لا محاولة التكيف معه وإيجاد أساليب مناسبة للتكفل بمتطلبات وحاجيات أفراد الأسرة.

ومن بين التغيرات الإجتماعية ظاهرة تعلم المرأة وخروجها للعمل بشكل ملحوظ، ففي بداية التسعينات ومع انخفاض القدرة الشرائية للأسر الجزائرية ودخول أغلب أفراد الأسرة إلى التعليم بمختلف أطواره ، حتى الأم أرادت تحقيق طموحها في التعلم وتحقيق ذاتها اجتماعيا ومهنيا مما دفعها للخروج إلى ميدان العمل وبنسب متفاوتة ، فالمرأة الجزائرية تسعى اليوم إلى بلوغ غايتين أساسيتين هما : تحسين مستوى معيشة أسرتها ومساعدة الزوج في تحمل الأعباء والواجبات ، ومن أجل التحرر من القيود الإجتماعية سعيا لتحقيق طموحاتها ورغباتها

ومن أهم الدوافع لذلك :

1/ دوافع اقتصادية :

في دراستنا لهذه الدوافع بينت بعض الدراسات أن من أهم دوافع خروج المرأة للعمل هو الحاجة الإقتصادية وضرورة ألزمتها الحاجات المتزايدة للمجتمع الحديث ، إذ أن أعباء المعيشة وغلاءها من جهة والتطلع إلى مستوى أفضل من جهة أخرى دفع المرأة إلى الخروج في البحث عن عمل ، ففي دراسة لــ هاير (hayer ) أكد فيها دوافع خروج المرأة إلى ميدان العمل المهني وعملها من أجل جمع المادة .

     (بوتفنوشات ، 1980، ص19)

     ( كاميليا عبد الفتاح ، 1984، ص85)     

إن أساسيات الأسر تفرض على المرأة الخروج إلى ميدان العمل أو امتهان بعض الحرف حتى المنزلية منها إحساسا بأهمية المال كوسيلة لرفع مستوى معيشة الأسرة (علياء شكري ، 1988، ص238)

2/ دوافع ذاتية :

منها تأكيد الذات والمكانة الإجتماعية ، وكذلك حب الظهور وتحقيق المنفعة الشخصية ، أي طموحات المرأة لا حدود لها بإبراز شخصيتها كفرد فعّال في المجتمع ، له حقوق وواجبات باعتبار أن العمل الخارجي وسيلة لاكتساب المكانة الهامة في المجتمع عامة والأسرة  خاصة . ففي دراسة لفيشر على 100 عائلة بها أمهات تخرجن من الكليات بنيويورك (و م أ) تبين أن نصف مجموعة اللائي يعملن يشعرن بالملل أثناء وجودهن بالمنازل ، وأن خدمة الأطفال والقيام بالأعمال المنزلية أصبح من الأعمال الروتينية . ( كاميليا عبد الفتاح ، 1984، ص88)

3/ دوافع تعليمية :

في مجتمعنا الحديث نجد أن الأسرة أولت اهتمامـا بالغا لضرورة تعلم المرأة خاصة وتكوينها ، حيث أصبح تعليمها ضرورة لابد منها للقضاء على الأمية .

كما تجدر الإشارة إلى القول بأن فرص عمل المرأة ترتبط بمستواها التعليمي ، وتندفع للبحث عن عمل مهني مناسب لشهادتها الدراسية حتى لو كانت ولازالت في إطار التمدرس في التدرج كما هو المثال اليوم .

4/ دوافع اجتماعية :

أخذت المرأة تشارك في معترك الحياة الاجتماعي، الاقتصادي والسياسي. يظهر ذلك جليا وبشكل كبير في المجال التعليمي والمجال الاقتصادي حيث تخرج المرأة إلى مؤسسات التعليم وأماكن العمل الأخرى تاركة البيت لساعات طويلة. خروج المرأة إلى العمل دون تنسيق جيد مع البيت بكل ما يحتاجه من رعاية، تربية وحياة زوجية قد يؤدي إلى زعزعة الأسس التربوية والأخلاقية عند الأبناء وكذلك ازدياد المشاكل الزوجية حتى تصل الأمور أحيانا إلى التفكك الأسري .

السبب هو أن المرأة هي عمود البيت والركيزة التربوية الأولى والمهمة في الأسرة. النشاط الذي من أجله تخرج المرأة من البيت يحدد طبيعة الحياة الأسرية. لا يكفي أن تخرج المرأة من أجل إثبات نفسها في الحلبة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية على حساب الحياة الأسرية، لأن الأسرة تبقى هي المجال الأساسي الذي يحتاج للمرأة قبل أي مجال آخر .

فالسعي وراء المادة والشهرة على حساب الصحة الأسرية  يمكن أن يؤدي إلى تدهور العلاقات الأسرية إلى جانب ســوء تربية الأطفال ،  وإذا خرجت المرأة إلى العمل من منطلق حضاري وقيمي وهو المشاركة الفعّالة في المجتمع من أجل التقدم والتحضر والرقي بالأبناء لمستقبل حضاري أفضل، وإذا كانت تعمل من أجل تحقيق ذاتها كامرأة فعالة في المجتمع .

إن علم الاجتماع وعلم النفس يعتقدان بأن الأطفال بحاجة ماسّة إلى عناية، واهتمام، ومحبة وحنان الأم في السنوات الأولى من حياتهم. عندما تنتقل التربية في هذه السنوات الأولى المهمة في حياة الأطفال إلى عائلات بديلة كالحضانات، الأقرباء وغيرهم، فان الحلقة في التكوين النفسي للأطفال ربما لا تكتمل. مهما كانت هذه البدائل مهنية وقريبة إلى عالم ونفسية الأطفال فإنها  في النهاية لا تسد مكان الأم بأي حال من الأحوال    .                                     ( الخشاب، 1993 ،ص 112   )

خطورة هذا الوضع متعلقة بمدى وعي الأم والأب لذلك، فالواجب هو التنسيق الجيد بين البيت والعمل وعدم الاتكال على الآخرين والمس بعملية التكوين النفسي والاجتماعي لشخصية الأبناء ظنا بأن الآخرين قادرون على إكمال ما لا يستطيع الآباء إنجازه.

3ـ دراســات حــول دوافع وأسباب خروج المرأة الجزائرية للعمل :

1ـ قامت أسبوعية ” الجزائر الأحداث ” سنة 1980 بتحقيق حول النساء العاملات بمصنع الإلكترونيك بمدينة سيدي بلعباس، اشتمل التحقيق على ثلاث محاور:

– المرأة العاملة والعائلة تخطي العقبة الأولى

– المرأة العاملة والمجتمع الثورة الصامتة

– المرأة العاملة والمدينة تحدي الحقيقة

أثار خروج 1320 امرأة للعمل بمصنع الإلكترونيك وضعية اجتماعية ونفسية لا مثيل لها في حياة سكان مدينة سيدي بلعباس، وخلق وضعيات جديدة وجدت العائلة التقليدية نفسها في مواجهة متطلبات التصنيع والمدينة، هذه الوضعية التي تتطلب إعادة النظر في سلم القيم السائدة، وظهر ذلك جليا من خلال ردود الفعل الساخطة سواء من طرف العائلة أو الرأي العام أو حتى العمال داخل المصنع.

في البداية عرض المحقق الظروف التي صاحبت خروج المرأة للعمل وموقف العائلة من ذلك من خلال استجوابات أجريت مع بعض العاملات وعائلاتهن وبعض العمال وبعض سكان مدينة سيدي بلعباس.

وتوصل هذا التحقيق الميداني إلى النتائج التالية:

-1 تعتبر العائلة عمل المرأة ظاهرة جديدة من شأنها أن تحدث اضطرابات في التوازن العائلي، وتفرض إعادة النظر في دور المرأة ووظيفتها في العائلة كما أنها تهدد بنية العائلة التقليدية المستوحاة من التعاليم الدينية، ومن أجل هذا تقوم العائلة بإجراءات كالتحقق من الجو السائد في المؤسسة مصاحبة الفتاة إلى مقر عملها، وقد تقوم بزيارة المصنع لتختار بنفسها المكان الذي تراه

مناسبا أخلاقيا لعمل ابنتها.

-2 إن سماح العائلة للمرأة بالخروج للعمل لا يعني بالضرورة موقف نهائي للعائلة بل معظم الفتيات اللواتي استجوبن صرحن أن العائلة لها أن تضع حدا لحياتهن المهنية متى رأت ذلك ضروريا.

-3 تنتمي معظم النساء العاملات في هذه المؤسسة إلى طبقة فقيرة مما يعني أن العائلة في حاجة ماسة إلى عملهن، لكن بالرغم من ذلك يقابل عملهن بالرفض ويظهر ذلك من خلال المشاكل التي يتعرضن لها داخل البيت.        ( بن زيان مليكة 2004 ،ص16)

-4 أما الرأي العام فإنه ينظر إلى المؤسسة وكأنها تمثل بؤرة انحلال أخلاقي ويرى المحقق أن هذا الإدراك جاء نتيجة الاختلاط داخل المؤسسة خاصة إذا علمنا أنها تضم 2704 عامل من الرجال، ويقول المحقق في هذا الصدد أنه أصبح ” ليس من المشرف أن يصرح الرجل بأنه يعمل في السونيلاك ” بالإضافة إلى أنه من بين 1320 امرأة عاملة 742 منهن لا تتجاوز أعمارهن 20 سنة، هذا العدد الهائل الذي ينتقل يوميا وفي ساعات غير مألوفة مع الرجال بين المدينة

والمؤسسة يغذي الشائعات ويزيد بالتالي من تدمر العائلة وتأثرها بما يقال عن عاملات هذه المؤسسة.

-5 تتعرض المرأة العاملة أثناء تنقلها (موقف الحافلات) إلى التهجم اللفظي ويصف المحقق ذلك بأنه نوع من الإرهاب النفسي.

-6 وبخصوص حياتها المهنية في المصنع، فالعاملة تقضي 8 ساعات في المؤسسة، وتتميز طبيعة العمل بالرتابة مما يجعله مملا خاصة إذا علمنا أن معظمهن لا يمتلكن تكوينا في هذا المجال.

في النهاية أكد المحقق على العوامل التي تدفع المرأة للعمل وهي:

– حالة الفقر التي تعيشها عائلات العاملات.

– وفاة الوالد أو الزوج أي الكفيل المادي.

– الحاجة لتحقيق الذات.

2ـ دراسة عبروس ذهبية  1989 : اعتبرت الباحثة أن ظاهرة عمل المرأة خارج بيتها جاء بالخصوص نتيجة للتغيرات التي تحصل في التنظيم الأبوي للعائلة الجزائرية، ذلك من خلال تحليل الظروف التي أدت إلى بروز هذا الواقع الجديد والنتائج الاجتماعية التي أحدثت تصدعا في البناء العائلي، وبتعبير أدق هل يمكن أن يحدث عمل المرأة خارج بيتها تغيير في العلاقة غير المتوازنة التي تحكم المرأة والرجل. وانطلاقا من هذا التساؤل طرحت الباحثة ثلاث فروض تمثلت فيما يلي:

-1 إن التصدع الذي أحدثته ظاهرة عمل المرأة خارج البيت بالنسبة إلى تقسيم الفضاء الداخلي الخاص عادة بالمرأة والفضاء الخارجي الخاص بالرجل لا يعني بالضرورة أن المرأة أصبحت لها كامل الحرية في التنقل خارج فضائها، بل ترتب عن هذا الخروج تقوية وتشديد المراقبة على تحركاتها من طرف الرجل.

-2 إن الحصول على راتب لا يمكن اعتباره وسيلة تحرر اقتصادي للمرأة العاملة باستثناء النساء الأرامل والمطلقات واللواتي يتصرفن في رواتبهن باستقلالية أما عدا ذلك من النساء العاملات فهن لا يملكن حق التصرف في رواتبهن.

-3 إن القيام بالأعمال المنزلية حتى في حالة خروج المرأة للعمل يبقى من مسؤولية المرأة وحدها مما يحافظ على نفس توزيع الأدوار التقليدية بين المرأة والرجل في البيت.

وللتحقق من هذه الفرضيات اختارت الباحثة عينة تتكون من 100 امرأة عاملة في مختلف المهن تتوزع كما يلي:       ( بن زيان مليكة 2004 ،ص18ـ19)

%54 موظفات في القطاع الإداري والخدمات، 35 % في المجال الصناعي، و 11 % في مجالات مختلفة، كما أضافت الباحثة إلى عينة البحث 24 رجل لمعرفة نظرتهم لظاهرة خروج المرأة خارج البيت للعمل.

وترى من خلال هذا المنطق الأبوي يمكن تفسير ظاهرة حجب المرأة وسيطرة الرجل عليها لضمان حاجتها المادية أو حاجة أبناءها وضمان الدفاع عن شرفها، هذا الذي نتج عنه إقصاء المرأة من الحياة العامة تحت وصاية الرجل.

أمــا نتائج البحث: بينت المقابلات الشبه الموجهة بوضوح الحافز الذي يكمن وراء خروج المرأة

للعمل وهي:

– حوافز ذات طابع اقتصادي وهي خاصة بالمطلقات والأرامل وفتيات ينتمين إلى عائلات ممتدة.

– العمل كنتيجة طبيعية لفتيات بلغن مراحل دراسية ثانوية وجامعية حالة الفتيات العازبات التي تتراوح أعمارهن بين 20 و 30 سنة) أو متزوجات يمارسن عموما مهنة التدريس وأحيانا إطارات في الإدارة يبحثن من خلال ما أسمته الباحثة: ” التحرر الاقتصادي كوسيلة لتحقيق دوافعهن “.

– كما توصلت الباحثة أيضا إلى أنه من خلال اجتياز المرأة لعتبة المنزل العائلي أحدث هزة في النظام الاجتماعي، ولمواجهة هذه الوضعية الجديدة لقد أوجدت العائلة استراتيجيات دفاعية جديدة، إما عن طريق زيادة مراقبة الرجل لتصرفات المرأة العاملة وذلك بواسطة فرض لبس الحجاب حسب الباحثة لأنها تعتبر لبس الحجاب حاجز نفسي ، كما أن العائلة تأخذ أجرة العاملة باستثناء النساء الأرامل والمطلقات، وأغلب النساء صرحن بأنهن لا يرغمن على منح ما يكسبن إلى العائلة بل تمنحه بمحض إرادتهن، وترى الباحثة أن هذا السلوك تعويض للعائلة التي سمحت بخروج المرأة للعمل .

4 ـ إنعكاسات صراع الدور على المرأة العامــلة والأسرة : 

إن خروج المرأة للعمل ولد لديها صراعا دائما حول كيفية التوفيق بين العمل المنزلي و العمل الخارجي، التوفيق بين رعاية الأطفال و الأعمال المنزلية و عملية الإنتاج التي تمارسها من خلال نشاطها المهني فتضطر الأم العاملة إلى التردد على البيت و المدرسة لمتابعة أطفالها و يتعقد الأمر عندما يزداد عدد الأبناء، لذلك تلجأ الكثير من الأمهات إلى التوقف عن العمل تضحية منهن لأجل أطفالهن، فهي بذلك تثبت عجزها في أداء مهمتها الأساسية-تنشئة أطفالها المحضونين_ بل و حتى في

تدبير شؤونها البيتية نتيجة الإرهاق الجسماني و النفساني الذي تتعرض له، فتعارض الدورين معا يجعلها لا تتقن أي منهما، ومن جهة أخرى يكثر الصراع بين الاستجابة لدوافع الطموح للنجاح و تحقيق المكانة المرموقة في صف المنتجين و النساء في نمائهن الجسماني و طبائعهن « بين نداء الأمومة لأن و عقلياتهن متخصصات تخصصا رامقا في وظائف الأمومة و رعاية المنزل و الأسرة، فإذا توظفت المرأة بأية طريقة أخرى فهذا لا يهدد صفاتها الأنثوية الضرورية فحسب، بل يهدد

أيضا سلامة فكرها و صحتها وحتى حياتها .( لري أن مازون ، تر رمضان هدارة،نادية جبري1994 ، ص 202-201)

و في دراسة سوسيولوجية أجراها فريق شامبا ديلوف chambat عن عمل المرأة في جميع الطبقات الاجتماعية لتوضيح الظاهرة إن المرأة نادرا ما ترى التفرغ كليا لمهمتها خصوصا « : الآتية أثناء الفترة التي يكون أطفالها الصغار بحاجة إلى رعايتها، و لئن فعلت فإنما تفعل ذلك تحت ضغط الحاجة

(روبرت شمتس ـ تر عمر حسين، 1959 ، ص 182)

و من الخطأ الاعتقاد بأن هناك تخلي كلي من المرأة عن دورها العائلي فالمرأة في محاولاتها للتوفيق بين حياتها المهنية والتعليمية والبيت تسلك طريقا صعبا وجادا أكثر من أي وقت مضى.

حيث نجد الكثير من الطالبات في الجامعة متزوجات ، أو عاملات في الأجهزة الإدارية بالجامعة ولهن أولاد ، عند ســؤالهن عن أسباب الغياب في بعض الحصص أو أوقات الدوام تجد لهن إجابة واحدة هي تفكيرها في ابنها أو ابنتها خاصة الفترات المسائية ، لأن هناك امكانية وضع الأبناء في دور الحضانة أو الأقسام التحضيرية في الصباح ، فهذا التفكير والغياب هو شكل من أشكال الصراع يظهر عند هذه الفئة خاصة الأســر الحديثة منها  .

ـ إن خروج المرأة للعمل يسبب لها اضطرابا كما يعمل على تشتيت جهدها و عدم ضبط النفس وفقدان لقدرة على التركيز  و القلق المستمر الذي تعيشه معظم العاملات، إضافة على الحالة الفيزيولوجية و ما تواجهه من مشاكل خاصة بها وبتركيبها العضوي، فمثلا فترة الحمل و الولادة حيث في هذه الفترة بالذات تلاقي أصعب المراحل في حياتها خاصة و هي بمثابة زوجة و أم وعاملة مسؤولة داخل البيت و خارجه، مع أن الغالبية العظمى من النساء العاملات يشتكين من الإرهاق الجسماني و الذهني الذي يتعرضن له أثناء العمل، خاصة في مجال الصناعات الخطرة و المرهقة، و التي تؤثر على أداء المرأة لوظيفتها التربوية في الأسرة على أكمل وجه لذلك ظهرت تيارات تنادي بفكرة أن المرأة مملكتها البيت و الرجل له المجال الخارجي، إذ ينظر إلى توظيف النساء كخطر يهدد المستويات الأخلاقية و الأسس الاقتصادية للأسرة و الاحترام الذاتي للرجال، ورغم الظروف التي تعاني منها المرأة العاملة إلا أنها استطاعت أن تحقق لنفسها الكثير من خلال دخولها ميدان العمل الإنتاجي ومواجهتها للعالم الخارجي بعيدا عن أسرتها، فقد ساعد اشتغال المرأة على دفع المخاوف و السيطرة عليها.

الخلاصة  :

غــالبا ما تشعر الأم العاملة بالصراع الناتج عن توقعات المجتمع وبين قدراتها وطموحاتها الشخصية ، فالمرأة مدفوعة أو مجبرة للمحافظة على الجانب الأنثوي دون التركيز على الإنجاز والتقدم الوظيفي ، بل أكثر من ذلك فإن تميزها وتحقيق طموحاتها في مجال عملها بتحقيق مناصب إدارية أو مسؤوليات معينة يبعدها نهائيا عن المجتمع ويعزلها اجتماعيا وعدم قدرتها على الإندماج مرة أخرى .

وبصفة عامة يمكن القول أنه مهما تعددت الأسباب والمواقف الضاغطة لإحداث الصراع لدى المرأة العاملة ، ومهما كانت الدوافع لخروجها للعمل ، ومهما اختلف نوع العمل ومكانه ، إلا أن الصراع النفسي من جهة مع طموحاتها ورغباتها وصراع الدور من جهة ثانية سيتمكنان منها لا محالة ، خاصة في ضوء نظرة المجتمع لها من جهة  وثقافته نحو دورها الأساسي في الأسرة ، فكيف لها أن ترقى إلى تحقيق حياة أفضل وتوفيق بينها وبين عملها  إذا لم تتمكن من تخفيف حدة الصراع والتنازل عن بعض الطموحات ، والتخطيط مع الزوج لإدارة شــؤون الأسرة والإهتمام بها في ظل مستجدات العصر ومواقفه الحياتية .

ولهذا هناك حاجة ماسة إلى إجراء دراسات يتم فيها التعرف على رأي الزوج في خروج زوجته للعمل

ورأي الأطفال أيضا في هذه الظاهرة على اعتبار أنهم أكثر الأشخاص تعاملا معها، وهذا للتمكن من معرفة أبعاد الصراع  و دراسته دراسة  معمقة.

قائمة المراجع :

ـ عبدالرحمن أحمد هيجان  1998 ضغوط العمل: منهج شامل لدراسة مصادرها ونتائجها وكيفية إدارتها، الرياض: معهد الإدارة العامة.

ـ جمعة سيد يوسف  2004 إدارة ضغوط العمل: نموذج للتدريب والممارسة، القاهرة: دار إيتراك للطباعة والنشر والتوزيع.

ـ القبلان، نجاح،مصادر الضغوط المهنية في المكتبات الأكاديمية في المملكة العربية السعودية”، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ( 2004

ـ العديلي، ناصر،إدارة السلوك التنظيمي“، الرياض:معهد الإدارة العامة، 1993

ـ  العديلي، ناصر، “السلوك الإنساني والتنظيمي:منظور كلي مقارن”، الرياض:معهد الإدارة العامة، ( 1995

ـ الخشاب ، النظرية الاجتماعية ودراسة الأسرة. القاهرة: دار المعارف، 1993

ـ سلطان، محمد، “السلوك التنظيمي“، الإسكندرية:دار الجامعة الجديدة، ( 2004

ـ كاميليا إبراهيم عبد الفتاح، سيكولوجية المرأة العاملة ، دار النهضة العربية،بيروت، 1984 ، ـ بن زيان مليكة :  عمل الزوجة وانعكاساته على العلاقات الأسرية ،  دراسة ميدانية بجامعة منتوري – قسنطينة مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في علم النفس تخصص : علوم التربية  فرع: علم النفس الاجتماعي والاتصال السنة الجامعية – 2004/ 2003 .

– لري أن مازون، ما وراء الأرقام  )قراءات في السكان و الاستهلاك والبيئة(،تر)رمضان هدارة،نادية جبري(،الجمعية المصرية للنشر والمعرفة العالمية،القاهرة،ط ع، 1994  –

ـ روبرت شمتس، المرأة و العمل في أمريكا، ترجمة: عمر حسين، القاهرة مكتبة النهضة العربية، 1959 .

ـ بوتفنوشت مصطفى: ” العائلة الجزائرية : التطور و الخصائص الحديثة، ترجمة. دمري أحمد، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر، 1984