في مطار العاصمة الأرمينية يريفان، تسألني الشرطية وهي تقلب صفحات الجواز بتأن وتركيز: هل سبق أن زرت تركيا؟ أجبت: نعم، فتسأل: لماذا؟ فأجبتها: لأني صحفي. تجري اتصالات لا أعرف فحواها، لكن الواضح أنها اتصالات بمسؤوليها، تحمل الجواز وتختفي لبعض الوقت قبل أن تعود وتسمح لي بالدخول.

يبدو الأمر مفهوما، فأثقال الماضي تلقي بظلالها على الحاضر وربما ترهن المستقبل، خاصة أنه على بُعد 250 كيلومترا من العاصمة يريفان في إقليم ناغورني قره باغ، تشتعل حرب ضروس تقف فيها تركيا لاعبا رئيسيا إلى جانب أذربيجان.

كثيرون لم يسمعوا باسم قره باغ إلا قبل شهر ونصف الشهر عندما تفجرت أسوأ المعارك التي تشهدها المنطقة منذ 30 عاما، لذلك ربما يكون مهما أن نبدأ القصة من البداية.

الجغرافيا والتاريخ.. منطقة مفخخة

يقع إقليم قره باغ على منطقة جبلية وعرة لا تتجاوز مساحتها 4 آلاف و800 كيلومتر مربع، يقطنها أقل من 150 ألف نسمة من قومية الأرمن بنسبة 95%.

ولفهم الصراع الذي اندلع قبل شهر ونصف الشهر، لا بد من قراءة تاريخية سريعة تعود بنا 100 عام إلى الوراء.

ففي عام 1921، وفي ظل الحكم البلشفي الذي كانت تخضع له منطقة جنوب القوقاز، ألحق ستالين -ولم يكن لحظتها زعيما للاتحاد السوفيتي- إقليم قره باغ بأذربيجان، في إطار تقسيم سياسي طبّق حرفيا سياسة “فرّقْ تسُدْ”، من خلال إلحاق إقليم ذي أغلبية أرمينية بأذربيجان وإلحاق جيب أذربيجاني بأرمينيا.

بقي الأمر على حاله إلى حين ترهل الاتحاد السوفيتي، وتراجعت قبضته على المنطقة، فعادت النزعات القومية والإثنية للتعبير عن نفسها بقوة السلاح أحيانا.

هكذا أصدر المجلس التشريعي في قره باغ عام 1988 قرارا يقضي بالانضمام إلى أرمينيا رغم أن الإقليم وفقا للقانون الدولي يمثل جزءا لا يتجزأ من أذربيجان.

مع إعلان انهيار الاتحاد السوفيتي واستقلال معظم جمهوريات القوقاز، أعلن الإقليم بدعم أرميني انفصاله عن أذربيجان، لتندلع حرب استمرت حتى عام 1994، مخلفة 30 ألف قتيل، سيطرت أرمينيا في نهايتها على الإقليم واحتلت نحو 20% من الأراضي الأذربيجانية المحيطة به.

انتهت الحرب بوساطة روسية لاتفاق وقف إطلاق النار، وأنشئت مجموعة مينسك التي تشترك في رئاستها فرنسا وروسيا والولايات المتحدة بهدف البحث عن حل جذري للنزاع، لكن المجموعة لم تتمكن من عمل شيء سوى الحفاظ نسبيا على حالة الجمود وضمان استمرار وقف إطلاق النار، أما قضايا الصراع الجوهرية والمتعلقة بالسيادة على الإقليم فقد بقيت مؤجلة غير قابلة للحل رغم محاولات إطلاق حوارات في فترات مختلفة آخرها عام 2017.

بدا هذا الجمود مريحا لأرمينيا ولإقليم قره باغ الذي أعلن نفسه جمهورية مستقلة يسميها الأرمينيون “جمهورية أرتساخ”، لها عَلَمها وتفرض تأشيرة على غير الأرمن للدخول إليها، رغم أنها لا تحظى بأي اعتراف دولي بما فيه الاعتراف الأرميني.

الأمر لم يكن كذلك لأذربيجان التي وجدت نفسها قد تجرعت مرارة هزيمة مذلة في معركتها الأولى التي انتهت عام 1994، وفقدت 20% من ترابها ومعه قره باغ الذي نبت في خاصرتها “دولة مستقلة” معادية وعلى خلاف قرارات الشرعية الدولية.

لذلك لم تتوقف المناوشات، ففي عام 2016 عاد الصراع من جديد، لكن الحرب هذه المرة دامت 4 أيام فقط خلفت مئات القتلى، أعلن بعدها الطرفان عن اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، وعاد الملف إلى جموده القديم قبل أن يتفجر من جديد في 27 سبتمبر/أيلول 2020.

الديمغرافيا في مواجهة الجغرافيا

وإذا ضربنا صفحا عن حكاية “الجمهورية” التي تبدو مجرد زعم لا يسنده واقع ولا اعتراف دولي، فإن الإقليم يمثل في المشهد الدولي حالة خاصة في الصراعات الإقليمية يمكن أن نسميها بـ “الديمغرافيا ضد الجغرافيا”، لأن الأرض تنتمي لأذربيجان، وفقا للاعتراف الدولي لكن الأغلبية الساحقة من السكان حاليا هم من قومية الأرمن.

وعليه، فإن أذربيجان في حربها هذه تدفع بمنطق الجغرافيا مستندة في ذلك إلى القرارات الدولية التي تعتبر الإقليم ومعه البلدات الثماني التي سيطرت عليها أرمينيا قبل 30 عاما في الحرب الأولى جزءا لا يتجزأ من الأراضي الأذربيجانية، وهذا ما يجعل أذربيجان لا تجد حرجا قانونيا في إعلان الحرب، ما دامت تطبق في نهاية المطاف قرارات دولية عجز عن تطبيقها الوسطاء في مجموعة مينسك التي أوكلت إليها هذه المهمة.

لذلك يردد الرئيس الأذربيجاني وبقية المسؤولين أن باكو انتظرت 30 عاما لتسترجع أرضها بالمفاوضات ولم يتحقق شيء وهي غير مستعدة لانتظار 3 عقود أخرى.

في المقابل، تدفع أرمينيا بالورقة الديمغرافية، فسكان الإقليم حاليا هم في أغلبيتهم الساحقة (95%) من الأرمن القوميين، لذلك تدافع أرمينيا عن ما تسميه حق شعب قره باغ أو أرتساخ في تقرير مصيره، وتحذر من أن سيطرة أذربيجان على الإقليم تعني إبادة الأرمن هناك، مطالبة بالحماية الدولية لهم.

ترد أذربيجان بأن هذه المعطيات الديمغرافية ليست طبيعية وإنها مصطنعة، وتحيل إلى عمليات التهجير التي حدثت خلال الحرب السابقة للقومية الأذرية التي اضطر أصحابها لمغادرة قره باغ بعدما انتهت الحرب إلى غير ما كانوا يصبون.

لكن بغض النظر عن الأرقام المتعلقة بالتهجير والنزوح، وهي حقائق مؤكدة، فالواضح أن الأرمن كانوا دائما يمثلون أغلبية في إقليم قره باغ، بل ربما لهذا السبب بالذات تم إلحاقها قبل 100 عام بأذربيجان في سياق سياسة الاتحاد السوفيتي الرامية إلى تفخيخ المنطقة بما يضمن السيطرة عليها.

معطيات عسكرية متحركة على الأرض

ما بين حرب 1990 وحرب 2020، تبدو المعطيات الجيوستراتيجية والعسكرية وقد تغيرت. فثمة لاعبون جدد دخلوا إلى الملعب بكل قوة (تركيا)، وثمة آخرون تراجعوا أو اختاروا دكة الاحتياط (إيران)، بينما فضّل آخرون دور الحَكم المتحيز الذي يمس بين الفينة والأخرى الكُرة لصالح فريقه المفضل (روسيا).

وبعد شهر ونصف الشهر تقريبا من اندلاع الحرب، لم يستطع أي طرف أن يحسمها بشكل كامل، لكن المعطيات في الميدان تشير إلى تقدم للقوات الأذرية مستفيدة من الدعم العسكري التركي خاصة في مجال استعمال الطائرات المسيرة، فقد اقتربت من شوشي ثاني أكبر مدينة بالإقليم.

وفي حال السيطرة على المدينة، سيسهل فيما بعد السيطرة على الإقليم كاملا بسبب وجود شوشي على مرتفع يطل على كل الإقليم خاصة على العاصمة ستيباناكيرت، أي أن السيطرة على المدينة يعني بالضرورة سقوط العاصمة وبعدها بقية البلدات تباعا.

لكن هذا التقدم غير كاف لحسم الحرب لأن أذربيجان تواجه معطى ديمغرافيا وإثنيا ليس في صالحها، فحتى لو سيطرت على الأرض فلن تتمكن مطلقا من السيطرة على الشعب، لذلك تقول أرمينيا إن أذربيجان تقصف المناطق المأهولة بهدف طرد السكان لتسهل بعد ذلك السيطرة على الأرض.

الحسابات الجيوستراتيجية.. إحباط أرميني

يمثل جنوب القوقاز منطقة عازلة بين 3 قوى جيوستراتيجية مهمة (تركيا في الغرب، وروسيا في الشمال، وإيران في الجنوب)، وكل واحدة من هذه القوى لها حساباتها الخاصة الإثنية والاقتصادية والسياسية التي تحدد تحالفاتها وصراعاتها.

أكثر هذه المواقف وضوحا هو الموقف التركي، حيث أعلنت أنقرة وقوفها إلى جانب أذربيجان عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا، وقد كان ذلك متوقعا بالنظر إلى القرب الثقافي والإثني والتاريخي التركي الأذربيجاني، وأيضا بسبب الصراع التاريخي التركي الأرميني الذي يمتد إلى زمن الدولة العثمانية المتهمة بارتكاب مجازر في حق الأرمن عام 1915، لذلك دخلت تركيا بوجه مكشوف في هذه الحرب، وهو ما شكّل نقطة تحول أساسية في المعركة وفي موقف أذربيجان.

في المقابل، تُركت أرمينيا لحربها دون أن تتلقى من أصدقائها دعما كافيا قادرا على وقف تقدم الجيش الأذربيجاني. فأرمينيا ترتبط باتفاقية صداقة ودفاع مشترك مع روسيا، وعلاقة ودية مع إيران، وقرب تاريخي مع دول الغرب خاصة مع فرنسا، لكن أحدا لم يهب لنجدتها بشكل معلن أو كاف لتغيير مسار الحرب.

وإذا بدأنا بالحليف الأقوى والأكبر والأقرب إلى يريفان، نجد أن موسكو لم تتدخل عسكريا رغم اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين لأن لديها حسابات أخرى مرتبطة أساسا بترتيب العلاقات مع تركيا في سوريا وليبيا وأيضا بصفقة صواريخ “إس-400” (S-400) الموقعة مع أنقرة.

لذلك حتى عندما ساء الوضع العسكري وطلب رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان تفعيل هذه الاتفاقية واتفاقية الصداقة في رسالة رسمية وجهها إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، جاء الرد من روسيا مخيبا: “سنتدخل إذا استهدفت الأراضي الأرمينية”، أي أن روسيا لن تتدخل للحيلولة دون سيطرة أذربيجان على إقليم قره باغ، وبدا الأمر أشبه برسالة موجهة إلى أذربيجان وتركيا أن امضيا فيما أنتما فيه، ولن نتعرض له.

لذلك لا تفتأ أرمينيا تكرر أن أراضيها تتعرض لهجمات من قبل الجيش الأذربيجاني، لكن ذلك لا يبدو كافيا لإقناع الروس -الذين يعرفون بدقة جغرافية الصراع- بالتدخل.

أما فرنسا، فرغم أنها تعتبر حليفا غربيا لأرمينيا بسبب الالتقاء الموضوعي في مواجهة تركيا (الجمعية الوطنية الفرنسية اعترفت بإبادة الأرمن، ناهيك عن وجود ما بين 600 إلى 700 ألف أرميني يعيشون في فرنسا يشكلون مجموعة ضغط قوية)، فقد رفضت الاصطفاف السياسي المعلن إلى جانب أرمينيا ناهيك عن العسكري، كي لا تفقد “شرعية” وجودها وسيطا ضمن مجموعة مينسك كما برر ذلك وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أمام جمع من النواب المتحمسين لدعم أرمينيا في الجمعية الوطنية بباريس.

بالنسبة للولايات المتحدة التي كانت غارقة في ترتيب انتخاباتها عندما انطلقت الحرب، وهي الآن منشغلة بتدبير ما بعد الانتخابات ونتائجها، فلا تبدو معنية في هذه المرحلة بحل الأزمة في مستواها الحالي، لأن توترا محدودا في المنطقة بين تركيا وروسيا ليس أمرا سيئا بالنسبة لواشنطن ما دام لا يؤثر على إمدادات الغاز ولا يهدد الاستقرار الجيوستراتيجي جنوب القوقاز الذي ما زال يمثل في النهاية حديقة خلفية لروسيا.

لكن الموقف الأعقد هو الموقف الإيراني، فطهران رغم قربها التاريخي من أرمينيا، وجدت نفسها في هذه الحرب بالضبط في وضع صعب يحول دون تقديم أي دعم أو مساعدة.. وتفصيل ذلك كالتالي:

فمن جهة، إيران ليست في أفضل حالاتها الاقتصادية والعسكرية بسبب توالي الأزمات المتكررة مع كثرة الجبهات التي تورطت فيها خلال العقد الأخير، بالإضافة إلى الحصار الاقتصادي الذي له أثره البين على اقتصاد البلد وحياة الناس.

ومن جهة ثانية، فإن تكلفة التدخل المباشر والانتصار لأرمينيا ستكون كبيرة جدا، والأفضل منه سياسيا التراجع والاكتفاء بالبحث عن دور وساطة وتهدئة، وترك المعركة يخوضها من ليس لهم مثل حسابات إيران.

ولفهم تعقيد الموقف الإيراني، لا بد من قراءة متأنية للمعطيات الديمغرافية والإستراتيجية، فإيران تحتضن ضمن سكانها إثنية أذرية قوامها 15 مليون نسمة تقريبا (هناك من يتحدث عن 20 مليونا، وآخر يشير إلى وجود 12 مليونا)، لذلك فإن أي تدخل إيراني لصالح أرمينيا لن يقبله أذريو إيران، وقد يتحول إلى أزمة داخلية حقيقية.

في المقابل، لا ترى إيران مصلحة مباشرة في دعم أذربيجان لأن انتصار باكو الحاسم في هذه المعركة بدعم تركي سيعزز النفوذ التركي في جنوب القوقاز ويغذي امتداد أنقرة الدولي من ليبيا إلى سوريا إلى القوقاز، وهذا التمدد ليس من دواعي سرور إيران بالنظر إلى أن مواقف تركيا لا تتلاقى دائما مع المواقف الايرانية.

إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل الانعكاسات الاقتصادية التي قد يخلفها التقارب التركي الأذربيجاني خاصة في مجال الطاقة، فعين تركيا على استثمارات كبيرة في أذربيجان، وهو ما قد يؤثر على إمدادات الطاقة التي تحصل عليها تركيا من إيران وحتى من روسيا.

وثمة تخوف في إيران من صعود نزعة قومية أذرية بين الأذريين الإيرانيين (هناك دعوة خافتة في أذربيجان لدى بعض المجموعات لإنشاء وطن أذري كبير)، وانتصار أذربيجان الحاسم يعني تمددا للحدود التي تجمع إيران وأذربيجان بأكثر من 100 كيلومتر، مما قد يساهم في إذكاء النزعات الانفصالية الأذرية من هذا الجانب أو ذاك، علما بأن الحرب في شروطها الحالية لا تبدو مهددة للمصالح الإيرانية.

لذلك كان الحل بالنسبة لإيران أن تلعب دور الوسيط، مستفيدة من علاقتها الجيدة مع الطرفين وهذا ما تفعله، حيث زار وزير خارجيتها العاصمتين باكو ويريفان.

تقول طهران إن لديها خطة لحل الأزمة لم تعلن بعد عن تفاصيلها، لكنها تحاول أن تلعب دورا محدودا يخفف من عبء مطالب سكانها من الأذريين الذين يضغطون من أجل التدخل دون أن تتورط بشكل كامل في حرب ليست مستعدة لها.

هكذا وجدت أرمينيا نفسها في حرب دون سند حقيقي كما كانت تتوقع، لذلك فهي لا تفتأ تشدد على استعدادها للعودة إلى اتفاقات وقف إطلاق النار الموقعة في 10 و17 و25 أكتوبر/تشرين الماضي، متى قبلت أذربيجان ومتى توفرت ما تسميها بآليات التحقق الدولي من احترام الهدنة.

أذربيجان من جهتها، ترى في ما يحدث فرصة استثنائية لأنها -خلافا لحلفاء أرمينيا الذين يكتفون بالتصريحات الداعية إلى التهدئة ومراقبة الوضع (للتدخل ربما إذا تدهور الوضع أكثر أو مست مصالحهم بشكل مباشر)- تتمتع هي بحليف معلن منخرط في الدعم بالسلاح وبالخبرة وربما بالمشاركة المباشرة وهو تركيا.

وترى أذربيجان فيما يحدث فرصة تاريخية لاسترجاع أراضيها والانتقام للهزيمة المذلة التي تجرعتها عام 1994.

هل هي حرب دينية؟

كثيرا ما يتم استدعاء الخطاب الديني في هذه الحرب عند هذا الطرف أو ذاك. وخلال إقامتي في إقليم قره باغ أثناء المعارك، شاهدت متطوعين أرمنيين يرسمون صلبانا على أسلحتهم وعلى ملابسهم العسكرية.

لكن قراءة متأنية للمعطيات الجيوستراتيجية المتعلقة بهذه الحرب، تجعل من التبسيط والتسطيح القول إن الأمر يتعلق بحرب دينية بين بلدين أحدهما مسلم والآخر مسيحي، بل يبدو أن استدعاء العامل الديني، وإن كان حاضرا لدى البعض، مجرد محاولة لإذكاء حماسة المقاتلين والسكان على حد سواء.

فأذربيجان المسلمة تحظى بدعم كبير من إسرائيل، وأرمينيا المسيحية تربطها علاقة جيدة مع إيران المسلمة.

إسرائيل كانت من أوائل البلدان التي اعترفت بأذربيجان عقب استقلالها عام 1991، ومن ثم وضعتها في قلب علاقاتها الإستراتيجية في المنطقة بسبب قربها من إيران بما يضمن للأولى قاعدة خلفية للتجسس ولمحاصرة إيران عند الحاجة، وفقا لتسريبات وثيقة في ويكيليكس.

وقد بدت تجليات عمق هذه العلاقة من خلال المبادلات التجارية، فإسرائيل تحصل على جزء مهم من نفطها وغازها من أذربيجان، بينما تقدم هي لباكو السلاح وتكنولوجيا الزراعة وغيرهما.

أما إيران التي تتعايش مع هذا الوضع منذ عقود، فتجد صعوبة في الوقوف ضد أذربيجان للأسباب التي سبق تفصيلها، وهذا ما يجعل من مسألة الصراع الديني مجرد عامل ضمن عوامل أخرى إن لم يكن مجرد شماعة تعلق عليها حسابات الأطراف المتصارعة.

في الختام، من المؤكد أن من ينتصر عسكريا سيفرض شروطه، لكن السيطرة على الأرض لا تكفي وحدها دون اعتراف دولي (متوفر لأذربيجان) ودون قبول للسكان الذين يعيشون فوق هذه الأرض (وهنا المشكلة).

وبغض النظر عن الحل العسكري، يبدو أنه من الضروري فتح الباب لتفاوض جدي يتنازل فيه الطرفان (كل حسب حجم ما أخذ) لإنهاء حقيقي للصراع وإلا فإن المعركة يمكن أن تستمر 100 عام أخرى دون أن تهدأ المنطقة.

وفي النهاية وبعيدا عن الحسابات السياسية والعسكرية، يبدو واضحا أن أكثر من يكتوي بنار الحروب ويدفع ثمنها من هذا الجانب أو ذاك هم أولئك الذين لم يشعلوها.

المصدر : الجزيرة