لم أصدم لإعلان هجرة أكثر من 1000 طبيب جزائري للعمل في المستشفيات الفرنسية، بعد نجاحهم في مسابقة معادلة الشهادة، بل صدمت أكثر لردة فعل وزير الصحة الذي اعتبر ذلك بـ”الأمر العادي”.

عندما يحدث مثل هذا النزيف، فعلى الأقل حسب أخلاقيات مهنة الطب، أن يتم وضع “الكمادات” للحيلولة دون أن يتحول النزيف إلى “تعفّن” يهدد المنظومة الصحية الوطنية برمتها.

لم أتفاجأ للهجرة الجماعية للأطباء الجزائريين باتجاه فرنسا، ليس فقط لأن الهجرة ليست خاصية جزائرية، وإنما هي ظاهرة كونية تحدث في كل دول العالم من الشمال نحو الجنوب أو من الجنوب باتجاه الشمال، لأن مثل هذه الهجرة ليست بالأمر الجديد، مثلما قد يتصور البعض، لأنه سبقتها هجرات مماثلة للأطباء وأيضا لتخصصات علمية أخرى عرفت نزيفا في السنوات الماضية، وتمت في صمت دون أن يلتفت إليها أحد، رغم أنها بنفس المرتبة والقيمة والأهمية الاقتصادية والعلمية. وضمن هذا السياق تذكرت حديث دار بين عبد الحميد طمار وزير المساهمة يومها وبين وزير كندي في 2006 بفندق الشيراتون بالجزائر العاصمة، تم خلاله الكشف عن تواجد 18 ألف جزائري هجروا إلى إقليم الكيبك، منهم اسمعوا جيدا 7 آلاف مهندس جزائري في الإعلام الآلي، تخرجوا من الجامعات الجزائرية (جامعة هواري بومدين بباب الزوار) التي لم تعد اليوم تكوّن مهندسين.

والكل سمع وحاول التظاهر بعدم السمع والنظر، بالهجرة الجماعية لإطارات شركة سوناطراك (أحسن المهندسين والتقنيين) الذين رحلوا في السنوات الأخيرة، زرافات ووجدانا باتجاه حقول النفط في الخليج (قطر، الإمارات والسعودية)، حيث نجحت شركات متعددة الجنسيات من “سرقتهم”، لأنها كانت تعرف جيدا “قيمتهم” العلمية وخبرتهم المشهود لها في الميدان، وكان ذلك أحد الأسباب وليس الأجور المغرية فقط. وما جرى لإطارات سوناطراك وقع مع طياري الجوية الجزائرية الذين تم اختطافهم خطفا من قبل شركات طيران دولية وعددهم بالعشرات، هكذا تم خطفهم بسهولة وأمام لامبالاة تامة، بالرغم من أن تكوين طيار واحد يكلّف خزينة الدولة “دم القلب”.

كتبت ذات مرة وقلت إن الجزائر “تصدّر الذكاء والمعرفة” أو ما يسمى اليوم بـ”الذهب الرمادي” وتستورد “النخالة”، ورأى البعض في ذلك نوعا من التجني المجاني، لكن عندما يصبح هجرة أكثر من 1000 طبيب يوصف بالأمر العادي ولا يقلب الدنيا ولا يتم مساءلة الوزير عليها، في وقت يتحرك البرلمان للتحقيق في ندرة الزيت، وتعيش وزارة الفلاحة نوع من الطوارئ بسبب احتجاج الموالين لندرة “النخالة” التي تستورد قمحها من الخارج، فذلك مؤشر على أننا لم نعد نحسن فقه الأولويات، وهي حالة متقدمة من التيه السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

إذ قبل الحديث عن إغراء الأدمغة الموجودة في الخارج لعودتها إلى الجزائر، وهو خطاب ردده أكثر من وزير في السنوات الأخيرة، يجب فقط معالجة أسباب هجرة المتبقين في الجزائر وسيكون ذلك أكبر إنجاز.

لا يمكن وصف الأمر بـ”العادي”، لأنه من أضعف الإيمان التنديد بمثل هذه “السرقة” التي تقوم بها الدول المتقدمة والغنية، في حرمان الدول الضعيفة اقتصاديا من أسباب النهضة والتطور، من خلال استنزاف مواردها البشرية التي صرفت عنها “دم قلبها” من أجل تكوينها لغرض احتياجاتها التنموية الداخلية، قبل أن يتم خطفها خطفا بواسطة ما تسميه “الهجرة الانتقائية”، وذلك من أجل الإبقاء على “الفجوة” المعرفية والعلمية والتكنولوجية قائمة دوما بين مجموعة الـ7 الأكثر غناء وبين العالم الثالث المتخلف، هي تسهل عملية الهيمنة ضمن عولمة قاتلة. الغريب في الأمر، أن فرق كرة القدم المحترفة في العالم، تعترف بحق ونصيب الفريق المكوّنة للاعب في أي صفقة عقد بيع وشراء للاعب، واسألوا إسلام سليماني الذي استفاد فريقه اتحاد شراڤة بنصيبه في صفقة انتقاله إلى فريق سبورتينغ لشبونة البرتغالي أو ليستر الانجليزي، بينما يتم خطف أطباء جاهزين للخدمة من يومهم بالمجان، بالرغم من صرف خزينة الدولة ملايير الدينارات من أجل تكوينهم، وهو ما يعني أن الكرة في مرمى السلطات العمومية التي تتحمل جزء كبير من المسؤولية، لأنها وقعت في حكم المثل الشعبي القائل “في آخر سبولة (سنبلة) قطّع صباعو”، حيث لم تحسن التعامل مع مرحلة تسمى من قبل صانعي السيارات بـ”خدمة ما بعد البيع”.

ومن الخطأ الاعتقاد بأن الأطباء أو غيرهم من الإطارات المهاجرة أنها كانت تطالب بأجور تعجيزية، بقدر ما كانت تطالب بالاحترام والتقدير ووقف البيروقراطية القاتلة، أكثر من أي شيء آخر، وهو الحد الأدنى الذي يقتضي من الذكاء توفيره، خصوصا وأنه من الخطأ الجسيم مجرد الشك في وطنية هؤلاء النخب. هذه هي الحلقة المفقودة التي يستثمر فيها الغرب لضمان دوما موارده البشرية للنهضة والتطور ويجعلنا نحلب نحن “خارج الطاس”.

سمعت منذ أيام قليلة فقط، وزيرة المواطنة الفرنسية، مارلين شيابا، تعترف أمام برلمان بلادها، وهي ترد على سؤال حول تساهل الحكومة مع عمليات ترحيل المهاجرين، بأنه “لولا المهاجرين لما استطاعت فرنسا الخروج من فترة الحجر الصحي بسلام، وكان ذلك بفضل المهاجرين الذين كانوا في الواجهة الأمامية”، هكذا هي هجرة الأدمغة، هي الحلب في إناء الآخرين.