د. عبد التواب بركات – المعهد المصري للدراسات

بمقولته “مصر هبة النيل”، لخص المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوت مدى أهمية نهر النيل بالنسبة للمصريين. حيث يرجع الفضل في بقاء البلاد إلى الفيضان السنوي لنهر النيل. وعندما يتأخر الفيضان وتنضب مياه النيل، تحدث المجاعة ويحل الموت. حيث يعيش حوالي 110 مليون مصري ويأكلون ويشربون على مياه النيل، الذي يُعتبر شريان الحياة الوحيد في البلاد. 

وكانت إثيوبيا قد أعلنت في إبريل 2011 أنها تعتزم بناء أربعة سدود كبيرة على النيل الأزرق، الذي يُعَدُّ المصدر الرئيسي لـ 85% من مياه النهر، ومن بينها، سد النهضة الإثيوبي الكبير، أحد أكبر السدود في العالم (والذي كان يُعرف في السابق باسم مشروع إكس أو سد الألفية الكبرى).

وسيغمر هذا السد الضخم 1,680 كيلومتر مربع من الغابات في شمال غرب إثيوبيا، بالقرب من الحدود السودانية، وينشئ خزاناً يبلغ حجمه ضعف مساحة بحيرة تانا، أكبر بحيرة طبيعية في إثيوبيا.

ويعد مخطط السد الذي تبلغ تكلفته 5 مليار دولار أمريكي خارج نطاق الاحتمال بالنسبة لهذا البلد الفقير؛ حيث تعادل تقديرات التكلفة الحالية للميزانية السنوية الكاملة للبلاد. وتمت المبالغة بشدة في حجم المشروع وقدرته الكهربائية البالغة 6000 ميجاوات، بحيث سيؤثر بكل تأكيد ملء مثل هذا الخزان الضخم (الذي سيحتجز 74 مليار متر مكعب من المياه، وهو ما يعادل تماماً نفس إجمالي حصص مصر والسودان من مياه النيل) على مصر، التي تعتمد بالكامل تقريباً على نهر النيل لتزويدها بالمياه.

وقد تكون احتمالات نشوب صراع حول السد هو السبب الرئيسي وراء عدم إبداء الممولين الدوليين اهتماماً كبيراً بدعم المشروع. حيث كان من المقرر بدء تشغيل السد في عام 2017، لكنه تأخر بسبب عوامل ترجع إلى الفساد في التنفيذ، حيث قال رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، إن حكومته أوكلت بناء السد لأناس لم يسبق لهم أن رأوا سداً طوال حياتهم من خلال شركة هندسية تابعة للجيش الإثيوبي.

وعلى الرغم من أنه أكبر مشروع لبناء سد على مستوى أفريقيا وسيكون له آثار مستدامة على أطول أنهارها على الإطلاق، فقد تم تطوير خطط إنشاء سد النهضة تحت غطاء من السرية. حيث سيؤثر السد على الإثيوبيين وعلى جيرانهم من دول المصب، ومع ذلك فإن عملية التخطيط لبنائه كانت تتم من أعلى إلى أسفل ومن جانب واحد فقط، وهو إثيوبيا. ولم يتم منح عموم الناس، ولا حتى أولئك المتضررين من بناء السد فرصة حقيقية لنقد المشروع أو العملية. فقد صرحت الحكومة الإثيوبية بأنها لن تجري تغييرات على المشروع.

وحتى حكومات الدول المانحة، فقد فوجئت عندما بدأ المشروع بغتة. وكانت النرويج، التي كانت تقوم بتصميم سدين اثنين للحكومة الإثيوبية على نهر النيل، قد صُدمت من مشروع سد النهضة، الذي أدى بدوره إلى إلغاء ما تم إنجازه بالفعل من عمل في مشروعي السدين الأُخريين.

ويتعارض بناء سد على نهر مشترك بطريقة سرية وأحادية، يتعارض مع أفضل الممارسات المفترضة لإدارة الأنهار المشتركة. حيث تخضع الأنهار الدولية لقوانين اتفاقية قانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية لعام 1997، والتي بموجبها يتطلب أي إجراء قد يؤثر على حصص المياه وجود إشعار مسبق بهذا الإجراء وتوفير ضمانات لعدم حدوث أي ضرر محتمل “.

وكانت إثيوبيا قد وافقت، بعد شروعها في بناء سد النهضة، على تشكيل لجنة خبراء دوليين، تضم أعضاء من مصر والسودان، للقيام بمراجعة الآثار الاجتماعية والبيئية للسد على دول المصب.

وقدمت اللجنة التي تكونت من عشرة أعضاء تقريرها إلى الحكومات المعنية في يونيو 2013. حيث اكتشفت اللجنة العديد من الثغرات المهمة في وثائق المشروع، وسجّلت الآتي:

جودة وثائق المشروع:

معايير التصميم الحالية “تتصف بالعمومية التامة ولا تتضمن الظروف الخاصة بالمشروع والموقع، … ويجب تجميع بيانات التصميم الجيوتقنية والزلزالية والجيولوجية والمائية والهيدرولوجية والهيدرولوجية والهيكلية الأساسية في تقرير موحد، وليس بشكل مبعثر في العديد من تقارير التصميم”. ويُعتبر تقرير التصميم الرئيسي للمشروع قديم، ولا يعكس العديد من التغييرات المهمّة في التصميم على المشروع.

سلامة السد:

يجب التحقق من استقرار السد الرئيسي والهياكل الرئيسية الأخرى مع مراعاة النتائج الجيولوجية والجيوتقنية الإضافية”. وتعتقد اللجنة أنه من الضروري إجراء المزيد من الدراسة والتحليل بهذا الشأن؛ ولكن بدون إمكانية الوصول إلى جميع المعلومات المتعلقة بهذا الجانب من المشروع، لا يمكن التأكد من ذلك البتة. ومع ذلك، فإن اللجنة متشككة في بعض الافتراضات حول “مقاومة القص” للمشروع، وتثير المخاوف حول أمور مثل الانزلاق والتسرب وقضايا السلامة الأخرى. وتقترح اللجنة أيضاً تعديلات على تصميم السد وعمل دراسات إضافية حول أبعاد مجرى تصريف المياه. ويوصي الفريق بزيادة تصريف “الحد الأقصى المحتمل للفيضان” المفعّل في تصميم السد.

التغيرات في تدفق المياه لدول المصب:

 أولاً وقبل كل شيء، “تعد الدراسة الهيدرولوجية أساسية للغاية في هذا الشأن، وهي ليست بعد على مستوى من التفاصيل والتطور والموثوقية التي تلائم تطوراً بهذا الحجم والأهمية وبهذا التأثير الإقليمي مثل سد النهضة.”

“إذ لا يتم أخذ أي تطورات تطرأ في المنبع في الاعتبار، ولا يتم تقديم أي سجلات لتدفقات المياه في المصب … كما هو مطلوب لتقييم الآثار النهائية للسد”، مما يؤكد الأهمية الكبيرة لسجلات التدفق في ظل التطورات المتتالية في المنبع لمشروع بحجم سد النهضة.

وقد تم تقديم معلومات قليلة حول كيفية تشغيل السد. ولذلك، يطلب التقرير التحقق من القدرة بسعة 6000 ميجاوات التي تم تنصيبها بالسد. حيث ليس من الواضح ما إذا كان التصميم الحالي (السعة والوظيفة) يأخذ في الاعتبار الحد الأدنى لمتوسط ​​تدفقات المياه خلال أشهر الجفاف إلى دول المصب، السودان ومصر “.

ويوصي التقرير بشدة بإجراء دراسات إضافية حول سد النهضة “في سياق نظام النيل الشرقي” من أجل “التحديد الكمي للآثار الواقعة على دول المصب بالتفصيل وموثوقية”.

يعتقد عدد من الخبراء أن سد النهضة لن ينتج نفس القدر من الطاقة التي يزعمها البعض، وأن السد يجب أن يكون أصغر حجماً لتحقيق الكفاءة والتكلفة المعقولة في نفس الوقت.

يقول أسفاو بييني، أستاذ الهندسة الميكانيكية الإثيوبي في جامعة ولاية سان دييغو (كاليفورنيا)، إن حجم السد أكبر عن الحجم الطبيعي بنسبة 300%. “ناتج الطاقة المتاح لسد النهضة، استناداً إلى متوسط ​​تدفق النهر على مدار العام وارتفاع السد، يبلغ حوالي 2000 ميغاواط، وليس 6000 كما تم الإعلان عنه. ويشير بيني إلى أن السد جرى تسييسه بشكل كبير لدرجة أنه “يبدو بأنه يقمع جميع المداخلات الهندسية المشروعة والمناقشات البيئية”.

 وقام ميهاري بيني، وهو خبير إثيوبي آخر عمل في قطاع الطاقة في أوروبا، بتحليل مدى كفاءة المشروع، وطرح عدة  أسئلة حول ما إذا كان هذا المشروع استثماراً مناسباً لدولة تعاني اقتصادياً مثل إثيوبيا.

وكان يمكن تخفيض إجمالي الاستثمار للمشروع الحالي بنسبة 40-45% على الأقل إذا تم بناء سد أصغر حجماً ولكن يتمتع بكفاءة أعلى. كشف السيد هايلي مريام ديسالين، رئيس الوزراء الإثيوبي السابق، في مقابلة أُجريت معه أن سد النهضة الإثيوبي الكبير اعتمد على دراسة كان مكتب الاستصلاح الأمريكي قد أجراها عام 1964.

ومع ذلك، فإن تلك الدراسة كانت قد اقترحت سداً أصغر بكثير، بسعة 1400 ميجاوات. كان المشروع، المعروف باسم  “بوردر دام” (سد الحدود)، كان ينطوي على بناء سد بارتفاع 85 متراً، وخزاناً يبلغ خُمس حجم سد النهضة الإثيوبي الكبير، وبسعة 14 وليس 74 مليار متر مكعب، وتكلفة تُقدّر بـ 1.5 مليار دولار أمريكي.

في الختام، فإن انخفاض ارتفاع السد وسعته كان سيصبح أكثر كفاءة وفعالية من حيث التكلفة، وكان سيترتب عليه تأثيرات اجتماعية وبيئية أقل.

وهناك العديد من الأسئلة المفتوحة حول هذا السد. فقد اختارت الحكومة الإثيوبية بدء المشروع على الرغم من العديد من الانتقادات والأسئلة المفتوحة. ويتم تسييس الإثيوبيين ودفعهم لشراء سندات السدود التي من المفترض أن تغطي تكاليف بناء المشروع. وفي نفس الوقت يتم تصنيف المنتقدين الذين يطرحون أسئلة حول المشروع على الفور بارتباطهم بأحزاب المعارضة و جماعات السكان الأصليين التي تصفها بـ “الإرهابية“.

التأثيرات البيئية:

من المدهش أنه لا يتوفر إلا القليل من المعلومات حول تأثيرات السد على السكان المحليين أو النظم الإيكولوجية أو مصايد الأسماك أو التنوع البيولوجي. ولم يتم مراعاة التأثيرات البيئية الكبيرة على دول المصبّ في السودان ومصر، وبالتالي لم تتم معالجة العديد من الآثار الاجتماعية والاقتصادية ذات الصلة. وتم اختيار ارتفاع السد دون النظر أيضاً إلى التأثيرات البيئية والاجتماعية والاقتصادية على دول المصب. يوصي الفريق بإجراء تقييم كامل للأثر العابر للحدود.

مخاطر المناخ:

يلاحظ الفريق أن المشروع لم يقيم حساسية المشروع بالنسبة لآثار تغير المناخ. إذ يتطلب مشروع بهذا الحجم يعتمد بشكل كبير على أنماط هطول الأمطار إلى فهم أفضل للظروف الهيدرولوجية المتوقعة في المستقبل لضمان أعلى درجات المرونة وقوة الاحتمال في تصميمه وتشغيله. ولذا، توصي اللجنة بدراسة للبحث في التأثير المحتمل لتغير المناخ على نظام التدفق في سد النهضة وما بعده في المصب.

وكانت مصر قد دعت إلى تشكيل لجنة “محايدة” جديدة للفصل في الاختلافات حول تأثيرات المشروع النهائية. لكن بعد الانقلاب الذي قاده الجنرال عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو 2013، تراجعت مصر عن مطالبها، ووقع السيسي مع الرئيس السوداني ورئيس وزراء إثيوبيا اتفاق المبادئ في 23 مارس 2015، وتنازل عن توصيات لجنة الخبراء الدولية، من أجل عودة مصر إلى مقعدها في الاتحاد الأفريقي الذي كان قد تم تجميده بسبب الانقلاب، واستمرار البناء بمعدل متسارع.

وعلقت منظمة الأنهار الدولية على الاتفاقية قائلة: إن الطبيعة السرية لمثل هذه المساعي الدبلوماسية تجعل من الصعب – وربما من غير الحكمة – التكهن بخصوص التنازلات التي تم تقديمها، وعن ماذا؟ وعن طريق من؟، بما في ذلك مصر – التي كانت تنتقد بشرسة سد النهضة – لتوافق فجأة على المشروع. ومهما كان الأمر، فنحن نأمل أن يؤدي تصاعد الضغط والنقد الجماهيري، خاصة في مصر، إلى تشجيع حكومات المنطقة على إعادة النظر في الآثار السلبية للمشروع على دول المصب، ومساعدة دول حوض النيل على إدارة النهر بشكل أفضل لصالح كل شعوبها.

قال خبراء المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية: إن الصراع بين مصر وإثيوبيا حول توزيع واستخدام مياه النيل دخل مرحلة جديدة. حيث وصلت المفاوضات بشأن ملء الخزان إلى طريق مسدود – لكن مع مزايا واضحة لإثيوبيا. وفي حال حدوث تأخيرات جديدة، فبإمكان حكومة أديس أبابا الشروع في ملء سريع للسد، مما قد يتسبب في نقص حاد في المياه في مصر. حيث من شأن سد النهضة أن يهدد الاستقرار في تلك المنطقة التي تعج بالصراعات والمجاورة لأوروبا، وبالتالي تزيد من ضغوط الهجرة عليها.

ويمكن أن تنخفض حصة مصر من مياه النيل بنسبة 50% لتصل إلى 31 مليار متر مكعب، دون الالتزام بالحصة المقررة لها، وذلك في فترة الجفاف الشديد المطوّلة. والتي قد تمتد إلى سبع سنوات في دورة تتكرر كل سبع سنوات أيضاً. حيث يخشى كثيرون من أن يؤدي السد إلى نشوب حرب مياه في المنطقة في ظل تزايد عدد السكان والحاجة إلى الغذاء والضروريات الأخرى في السودان ومصر؛ وستزداد التوترات على طول النيل الأزرق.

نصت الرسالة التي بعثت بها مصر إلى مجلس الأمن في 1 مايو 2020، على أن آثار نقص المياه في مصر والناتج عن سد النهضة الذي تقوم على بنائه إثيوبيا ستكون كارثية. حيث سيفقد الملايين من المصريين وظائفهم، وستختفي آلاف الهكتارات من الأراضي الصالحة للزراعة، وستزداد نسبة الملوحة في الأراضي المزروعة، وسترتفع تكلفة الواردات الغذائية بشكل كبير، وستزداد الهجرة إلى المدن الحضرية وسيقل عدد سكان الريف، مما سيؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة والجريمة والهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

في الواقع، سيؤدي انخفاض مليار متر مكعب فقط من المياه في القطاع الزراعي وحده إلى فقدان 290 ألف شخص لدخلهم، و 130 ألف هكتار من الأراضي المزروعة، وزيادة بمقدار 150 مليون دولار في الواردات الغذائية، وخسارة 430 مليون دولار في مجال الإنتاج الزراعي. ومع تزايد النقص في المياه واستمراره على مدى فترة طويلة، لا يمكن أبداً تقدير الآثار المتتالية على كل قطاع من قطاعات الاقتصاد المصري واستقراره الاجتماعي والسياسي. ورغم هذه المخاطر، فقد وافق السيسي على بناء سد النهضة بتوقيعه على إعلان المبادئ في مارس 2015!

والحقيقة أن أمن إمدادات الغذاء  لمصر وتحقيق التنمية لإثيوبيا هما أمران أساسيان لاستقرار المنطقة بأكملها، التي تضم أكثر من 250 مليون شخص. فقد يؤدي نقص فرص التنمية ونقص المياه إلى عواقب وخيمة لأوروبا، بما في ذلك زيادة ضغوط الهجرة عليها.

وبسبب سياسات الديكتاتور، أصبحت مصر مستوردة للأرز بعد أن كانت قد حققت الاكتفاء الذاتي فيه. وعندما حكم الديكتاتور، أصبحت مصر أكبر مستورد للقمح والذرة وزيت الطعام في العالم. وبسبب سياسة الديكتاتور، يقتل المزارعون الكتاكيت لعدم وجود أعلاف.

وبعد أن منع جيش الديكتاتور الصيادين من صيد الأسماك في بركة غليون، هاجروا إلى ليبيا ثم إلى أوروبا. توقفوا عن دعم الديكتاتور حتى يستطيع المناخ في مصر أن يتنفس، وبالتالي يتنفس المصريون.