محمد عبدالرحمن عريف

     هو ملخص دراسة مقدمة لمشاركة مؤتمر “التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لدول البحر الأحمر”  ودراسات في التنافس الدولي حول البحر الأحمر، ذلك في المملكة الأردنية الهاشمية- العقبة  بين 5- 7 نيسان/ أبريل 2021. وهنا تأتي البدايات مع ما أدركته القوى الاستعمارية من الأهمية الكبرى للبحر الأحمر خلال القرن السادس عشر وما بعده وحتى مطلع القرن العشرين، مما أدى تلك القوى إلى تطوير أساطيلها البحرية والعسكرية والتجارية والاستيلاء على الموانئ والمدن الساحلية لاسيما ذات الأهمية الاستراتيجية ولازالت تلك المنطقة تشهد صراعات وتنافس بغرض السيطرة عليها وعلى مواردها خاصة بعد زيادة الأهمية للبحر الأحمر بعد افتتاح قناة السويس في عام 1861 واكتشاف البترول في منطقة الخليج العربي.

     تتداخل وتتفاوت أهمية البحر الأحمر الاستراتيجية بالنسبة للقوى الإقليمية والدولية ما بين أهميته الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ففي كل لحظة تبرز أي من هذه الأهميات على السطح بحسب تداعيات التفاعل والتداخل الإقليمي والدولي في المنطقة، ولكن تبقى الأهمية الاقتصادية والأهمية العسكرية والأمنية هما أكبر الدوافع للتنافس الإقليمي على البحر الأحمر والتخوم المجاورة له.

    تقع محافظة عدن في الطرف الجنوبي الغربي للجمهورية اليمنية، ويحدها شمالاً وغرباً محافظة لحج، وشرقاً محافظة أبين، وجنوباً خليج عدن، ويضم تقسيمها الإداري ثماني مديريات، هي: المُعلَّا، والتُّواهي، وصِيرة، وخور مَكْسر، والشيخ عثمان، والمنصورة، ودار سَعد، والبُرَيقة. وتبعد عن العاصمة صنعاء نحو 363 كلم، وعن محافظة أرخبيل سقطرى نحو 553 ميلا بحرياً، أما بعدها عن مضيق باب المندب، جنوبي البحر الأحمر، فيبلغ نحو 197 كلم أي حوالي 110 ميالاً بحرياً.

   تُعدُّ عدن ثاني مدينة بعد العاصمة صنعاء؛ لكونها الميناء الرئيس للبلاد، ولأنها كانت لعقدين من الزمان (1968-1990) عاصمة سياسية لما عُرف بجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية – اليمن الجنوبي، ثم قضت إتفاقية الوحدة بين جنوبي البلاد وشماله (عاصمته صنعاء)، بأن تكون عدن العاصمة الإقتصادية والتجارية، وذلك ما زادها تطوراً وتوسعاً في الجغرافيا والسكان؛ حيث بلغ عدد سكانها، وفقاً لإحصاءات متداولة العام 2012، نحو 751.8 ألف نسمة، فيما كان العدد، وفقاً لإحصاءات العام 2004، نحو 589.419 ألف نسمة.

    تتمركز في عدن العديد من المصالح الاستراتيجية للبلاد، مثل: مطار عدن الدولي، والمنطقة الحرة (ميناء الحاويات)، وشركة مصافي عدن، التي يجري من خلالها تصدير النفط المعالج إلى الأسواق المحلية والإقليمية، بطاقة إنتاجية سنوية قدرها حوالي 8 ملايين طن، ويضطلع المرفأ النفطي فيها بإستقبال الناقلات، لتحميل وتفريغ شحنات النفط ومشتقاته، عبر ستة أرصفة، ومجموعة من أذرع التحميل الهيدروليكية. أما ميناء عدن، فيعد المنفذ البحري الأكثر أهمية، وتغطي أبعاد مساحته 8 أميال بحرية طولاً، من الشرق إلى الغرب، ونحو 5 أميال بحرية عرضاً، من الشمال إلى الجنوب.

    بالإضافة لذلك، فإنها تعتبر مركزاً للدعم الإستراتيجي، العسكري والأمني، بنوعيه الطبيعي والصناعي، فضلاً عن وجود المحطة البخارية لتوليد الطاقة الكهربائية – محطة الحسوة. أكسبت الأهمية الجيو – إستراتيجية لعدن تأثيراً جيو – سياسياً متعاقباً ومتنامياً طوال تاريخها السياسي والعسكري، وأنعكس ذلك عليها وعلى اليمن عموماً، إيجاباً، وأحياناً سلباً، علاوة على تأثير ذلك في المستويين الإقليمي والدولي، ومن ذلك إحتلالها من قبل بريطانيا خلال الفترة (1839 – 1967)، وطورت الميناء دعماً لإستراتيجيتها الإقتصادية والسياسية العسكرية، جنوبي الجزيرة العربية، والخليج العربي، وشرق أفريقيا، والبحر الأحمر؛ لتصبح عدن ثالث أكبر قواعد بريطانيا العسكرية في العالم.

    إزدادت أهمية عدن في إستراتيجيات بريطانيا مع إفتتاح قناة السويس العام 1869، ومع ظهور نظرية “قلب الأرض” أو “قلب العالم” Heartland Theory، للعالم البريطاني هالفورد ماكيندر –Halford Mackinder، عام 1904 وتعديلها الأول عام 1919، الذي وضع خليج عدن في حدود ما أسماه “القلب الجنوبي”، فيما كانت عدن وسواحلها ضمن المنطقة العربية الممتدة من الفرات شرقاً إلى النيل غرباً، وإلى خليج عدن جنوباً، التي تربط بين هذا القلب الجنوبي وقلب الأرض. وبعد خروج الإحتلال البريطاني من عدن جاء الإتحاد السوفييتي – روسيا، بوصفه صديقاً لليمن الجنوبي، وإستغل ميناء عدن في خدمة العمليات اللوجستية لأسطوله العسكري، خلال الفترة 1969 – 1989.

    كذلك، أعطى التعرج الكبير لساحل عدن، وإختراق مياه البحر عمق اليابسة التي تربض عليها عدن، شكلاً إستراتيجي القيمة والتأثير؛ حيث شكلها على هيئة شبه جزيرتين، ومنحها خصوصية ملاحية ومناخية، تلعب دوراً إيجابياً في نشاط الميناء، ورفاهية السكان. وإلى جانب ذلك، العمق الكبير للميناء، وإحاطة الجبال المرتفعة به من عدة جوانب؛ الأمر الذي جعله محمياً حماية طبيعية من الأمواج والرياح الموسمية، ومكَنه من العمل طوال العام، وهذا ما جعله أشهر الموانئ اليمنية، وواحداً من أشهر الموانئ العربية.

    تتمتع عدن بخصائص عديدة في الجغرافيا الثابتة أكسبتها طابعاً إستراتيجياً، ما جعلها مطمعاً في الماضي والحاضر لقوى إقليمية تعمل على إستغلالها لتحقيق أهداف جيو – سياسية، ومن خلفها قوى دولية محركة تمثل امتداداً حقيقياً لعهود استعمارية سابقة.

    المتأمل في سطح عدن، يلحظ انحداره جنوباً نحو البحر، من إرتفاع يزيد عن 500 متر، ويبدأ من قمة جبل شَمسان، وفي نواحٍ أخرى منها هنالك مرتفعات جبلية عديدة، تتوزع في محاذاة الساحل، غرباً، وإلى الداخل قليلاً مثل: جبل إحسان، وجبل المزلقم (374 متر) في عدن الصغرى – البُرَيقة. وكلها تمثل قيمة مؤثرة ملاحياً، وسياحياً، وعسكرياً، إستغل الجانب العسكري منها في مراحل مختلفة من تاريخ الصراع على عدن، بما فيها الحرب الراهنة.

   تبقى الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر جلبت الأطماع للمنطقة، كما أن اختلال التوازن في منطقة البحر الأحمر والفقر والتدهور الاقتصادي والحروبات ونزاعات الحدود وعدم الاستقرار السياسي والسعي لإقامة تحالفات مع أطراف خارجية شكّل اختلال في التوازن في المنطقة وتسبب في إحداث صراعات إقليمية وداخلية والتي أصبحت مدخل وباب من أبواب الهيمنة الأجنبية ومبررات للتدخل العسكري الخارجي والتنافس الدولي والإقليمي، وذلك لتحقيق أهداف تتعلق بأجندة عسكرية وسياسية واستراتيجية واقتصادية … إلخ.

   عليه فقد وصل التنافس الإقليمي والدولي في البحر الأحمر إلى درجة عالية من التعقيد والتداخل ما بين العلاقات والمصالح الإقليمية والدولية المتداخلة في البحر الأحمر. وهناك عوامل وتحديات كثيرة تهدد أمن البحر الأحمر ومستقبله خصوصاً إذا أمعنا النظـر بالواقـع الذي تعيشـه المنطقـة ومـا حولـها ، ونجــد أن المشــهد يشـبه إلى حـد كبيـر حالة العسـكرة والتنافـس والصـراع المعلن تـارة والخفي تـارة أخـرى بيـن الدول الكبــــرى والإقليميـــة عــلى أشــــده بهـــدف محـاولات الســـــيطرة والتوســـع والنفــوذ للتحــكم فـي المنطقـــة ورعايـة مصـالحها بحيـث لم يعـد هنـاك مـن دولـة مؤثــرة خاصـــة مــن خارج المنطقة إلا ولها شكل من أشكال التواجد على البحر الأحمر أو على الدول المطلة عليه.

    لقد أتاح وقوع عدن على قطاع جغرافي متميز في الضفة الشمالية لخليج عدن، وقربها من مضيق باب المندب، لكل من يسيطر عليها، التحكم في معادلات التوازن (الجيو – إستراتيجي والجيو – سياسي)، بين القوى الدولية والإقليمية المتنافسة غرب المحيط الهندي، عسكرياً وإقتصادياً وتجارياً وسياسياً، ولا سيما في ظل إشتداد التنافس الدولي والإقليمي في المنطقة الممتدة بين باب المندب حتى الخليج العربي، الذي يمتل امتداداً لتنافس تاريخي ساد القرون الأربعة الماضية، للسيطرة على تجارة الشرق ومصادرها.

    هنا وجب الإشارة إلى ما يمكن أن يضطلع به ميناء عدن، من دور في ما يُعرف بـ “مبادرة الحزام والطريق” الصينية – حزام واحد طريق واحد، فيما لو تهيأت له الظروف اللازمة بعد توقف الحرب الراهنة، ضمن أدوار منافسين إقليميين قطعوا أشواطاً طويلة في مجال صناعة النقل البحري، مثل موانئ جبل علي (الإمارات)، والدُّقم وصلالة (عمان)، وغوادر (باكستان)، وجيبوتي.