دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة
الكلمات المفتاحيّة: إستراتيجية الاحتواء، جورج كينان، الحرب الباردة والتنافس الراهن بين القوى العظمى
إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)
في الفترة المُمتدّة ما بين 1947-1989، تبنّت الولايات المتحدّة استراتيجيةً سُميّت بالاحتواء، صاغها الدبلوماسي جورج كينان وتمّ اعتبارها من أنجح الاستراتيجيات المُتبّناة في تاريخ البلد، تمكّنت عبرها واشنطن من منع توسّع القوة والنفوذ السوفياتي، إضعافه وإسقاطه في النهاية.
تتساءل الكاتبة هنا عمّا إذا كان تبنّي هذه الاستراتيجية مُجدّداً (أو شكلٌ من أشكالها) أمراً منطقياً على ضوء الحرب الباردة الثانية القائمة اليوم بين الولايات المتحدّة، الصين وروسيا؟
إجابةً عن هذا السؤال تُقسّم لارسون المقال إلى ثلاثة أقسام. تشرح الكاتبة أولاً طبيعة هذه الاستراتيجية وسياقاتها التاريخية، بعدها تُحدّد أوجه الاختلاف بين خصائص التنافس مع الاتّحاد السوفياتي خلال حقبة الحرب الباردة وخصائص التنافس مع كلٍّ من الصين وروسيا خلال الفترة الحاليّة والقادمة، مُوضّحةً صعوبة التطبيق الحرفي للاحتواء مُجدّدا. أخيراً توضّحُ كيفية استفادة واشنطن من سياسة الاحتواء رغم هذا الاختلاف وهذه الصعوبات.
في سنة 1946، أوصى كينان واشنطن “باحتواءٍ صبورٍ، طويل الأمدِ، لكنّه حازمٌ ويقظٌ للميول التوسعيّة السوفياتية”، سيُمكّن ذلك في نظره من “إضعاف” موسكو ودفعها إلى تسويةٍ تفاوضيةٍ مع واشنطن. تبنّى الرئيس ترومان هذه السياسية تحت اسم “عقيدة ترومان” وقد ساعدته الظروف الصعبة التّي مرّت بها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية في تجسيد هذه السياسة، من خلال كسب الحلفاء الأوروبيين عبر تفعيل جانبيْها الأساسيين، أيْ تقديم مساعداتٍ اقتصاديةٍ (مشروع مارشال)، وغطاءٍ عسكريٍ (حلف الناتو) والحيلولة دون تَحوّل هؤلاء الأوروبيين -بسبب الاحباط- إلى الاتّحاد السوفياتي، فملئ الفراغ الحيوي كان أمراً ضرورياً للقيادة العالمية.
كان لتلك المساعدات أبعادٌ ليبرالية أيضا، فعبرها تمكّنت واشنطن من دعم الشعوب الحرّة، تحرير السوق وتقليل الحواجز التجارية وبالتالي إرساء نظامٍ دوليٍ ليبراليٍ بقيادتها، كما كان للاحتواء نتائجٌ إيجابيةٌ كالانتعاش الاقتصادي السريع لأوروبا الغربية (زيادةٌ بنسبة 60% في الانتاج الصناعي ما بين 1947-1952)، تهميش الأحزاب الشيوعية في إيطاليا وفرنسا، تحقيق التكامل الاقتصادي لألمانيا الغربية وأخيراً انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991.
اليوم، ومع عودة تنافس القوى العظمى، ترى الكاتبة بأنّ الاحتواء يبدو فكرةً جذّابة، إلاّ أنّ هناك العديد من الاختلافات بين اليوم والأمس تُقعّد من تجسيده، أبرزها: 1. ترابط الاقتصاديْن الأمريكي والصيني بشكلٍ كبيرٍ على نحوٍ يُصعّب على واشنطن تطبيق فكرة قطع التجارة، الاستثمار والتبادل الطلاّبي مع الصين مثلما فعلت في الماضي مع السوفيات.
2. ستُكافح الولايات المتّحدة أيضاً لمنع دولٍ ثالثةٍ من التجارة والاستثمار في الصين، كما يصعب عليها منع التعامل الواسع لحلفائها الأوروبين مع روسيا في مجال الغاز الطبيعي مثلاً.
3. سيكون العنصر العسكري للاحتواء مُعقّداً للغاية أيضا، فخلال الحرب الباردة نجح الاحتواء نظراً لوجود خطوطٍ واضحةٍ بين الشرق والغرب، بين الحرب والسلام. أمّا اليوم فليست الخطوط الفاصلة واضحةً تماما، ففي بحر الصين الجنوبي وغرب الهادي مثلاً، كثيراً ما تختلط السفن الأمريكية والصينية. في شرق أوروبا أثارت مسألة ما إذا كانت أوكرانيا تنتمي إلى الغرب أم إلى روسيا سبع سنواتٍ من التوتّر وسفك الدماء دون حلّ في الأفق، تستخدم كلٌّ من روسيا والصين اليوم الحروب الهجينة، كما تستخدمان “تكتيكات سلامي” (Salami Tactics) التّي تعتمد على اتخّاذ خطواتٍ تدريجيةٍ صغيرةٍ لا تُثير معارضةً قويّةً ولا تتعدّ عتبة الحرب، لكنّها تؤدّي مع مرور الوقت إلى إحداث تحوّلٍ ميدانيٍ كبيرٍ لصالحها، كما يحدث في بحر الصين الجنوبي، شرق أوروبا، أو الشرق الأوسط، فالنزاعات في مثل هذه المناطق لم تعد تنتمي لجيل الحروب التقليدية التّي يصلح معها الاحتواء العسكري التقليدي، فضلاً أنّ تطبيق الاحتواء في شكله التقليدي قد يؤدّي إلى ردود فعلٍ عنيفةٍ خطيرةٍ من طرف الصين وروسيا تنتهي بتقسيم العالم إلى كتلِ نفوذٍ جيوستراتيجيةٍ واقتصاديةٍ متنافسة.
بالرغم من هذه الصعوبات إلاّ أنّ الكاتبة تُوضّح في الأخير بأنّ هناك إمكانيةً لتكييف بعض عناصر سياسة الاحتواء لمنافسة القوى العظمى اليوم، فلم يكن الهدف من الاحتواء تشجيع تغيير النظام بقدر ما كان يهدف إلى منع البلدان من الوقوع في مدار العدو، لذا على الولايات المتحدّة اليوم التعامل مع روسيا والصين كما هما، دون محاولة تغيير أنظمتهما من الداخل.
على واشنطن الاستفادة من الجانب الاقتصادي للاحتواء أيضا عبر تجديد إلتزامها بالمؤسّسات متعدّدة الأطراف، التجارة الحرّة والقيم الليبرالية لدفع المنافسيْن إلى تغيير تكتيكاتهم الاقتصادية غير العادلة والمتوحشّة. يُمكنها أيضاً إحياء المساعدات الاقتصادية (على غرار خطّة مارشال) لتوفير بديلٍ عن مبادرة الحزام والطريق الصينية يُجنّب دول العالم الارتباط العميق بالصين. سيكون الهدف من الاحتواء تجنّب الحرب مع القوى العظمى المنافسة مع تثبيط تحدّيها للولايات المتحدّة حتّى يصبح التوصّل إلى تسويةٍ تفاوضيةٍ معها أمراً ممكناً.
تدعو الكاتبة أيضاً إلى إطلاق تسميةٍ أخرى على سياسة الاحتواء اليوم، نظراً للحساسية التّي يعكسها المصطلح لدى كلّ من الصين وروسيا، قد يكون “إعادة التوازن” مصطلحاً مناسباً لذلك في نظرها.
هكذا، سيُحقّق التطبيق الصحيح للاحتواء بهذه الطريقة نتائجاً جيّدةً كما فعل في الماضي، أيْ: “بناءُ شبكةٍ من الشركاء الأصحّاء القادرين على مواجهة الاكراه والتخويف بمفردهم”.
إعداد وترجمة: جلال خشِّيب، البوصلة الجيوبوليتكية، مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية، المجلّد الثاني، العدد الثالث الستّون، 13 فبراير 2021، إسطنبول-تركيا (حقوق النشر: مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية 2020، جميع الحقوق محفوظة)
يُمكنكم تحميل العدد كاملا باللغتين العربية والإنجليزية على شكل ملف بي دي أف من الرابطين التاليين:
Arabic PDF:
English PDF:
بعد إنتهاء المراجعة التقنية لموقع المركز، ستتمكّنون من تحميل هذا العدد وجميع الأعداد السابقة باللغات الثلاث العربية، الإنجليزية والتركية.