Print Friendly, PDF & Email

الدكتورة رباحي أمينة

نشير بداية أن القيم مفهوم مطاطي يتعلق بتضارب المصالح، وبالتالي يحاول كل طرف أن يعمم قيمه على الآخر، وينظر إليه نظرة فوقية وعدائية، وهنا ينشأ التصادم. وقد ركزت النظرية الاجتماعية النقدية* على ذلك، حيث ترى أن النظرية هي دائما لشخص ما ومن أجل هدف معين.(Theory is always for someone and for some purpose.)

وقد أشار برتران بادي في كتابه “انقلاب العالم”(1) إلى عودة المقدس إلى مسرح العلاقات الدولية، إذ يرى أنه: “ينبغي أن ينظر بعين الاعتبار إلى الأثر الناجم عن المفهوم المسيحي الذي تعتنقه النخبة عن سلوكها الخاص والذي تستمده من المأثور ومن الأساطير المؤسسسة للولايات المتحدة على السياسة الخارجية الأمريكية.”(2) وهو ما تجلى في خطابات سياسية تحمل مفردات ذات طابع ديني وأخلاقي، ومع وصول قوى اليمين الديني المتطرف في أمريكا إلى الحكم، تم تقسيم العالم إلى الشر والخير وهي دلالات أخلاقية قيمية.

لكن هل فعلا استبعد الدين عن العلاقات الدولية؟

ذهب الكاتب الفرنسي أندري فروسارAndré Frossard  إلى إن “القرن الواحد والعشرين سيكون قرنا دينيا بإمتياز”(2).  والعودة القوية للظاهرة الدينية لا يمكن النظر إليها كبعد ظرفي شاذ قابل للتراجع في كل لحظة، بل هذه الصحوة الدينية نابعة من صميم الواقع التاريخي الإنساني، ذلك أن الدين ظاهرة ملازمة للوجود الإنساني ووجوده حاسم في الثقافات والحضارات والانعطافات التاريخية الكبرى.

وحسب ألفين وهايدي توفلر فإن التأثير المتزايد للأديان العالمية من الإسلام وحتى الأرثوذكسية الروسية، مرورا بطوائف العصر الجديدة المتكاثرة بسرعة ليست بحاجة إلى توثيق، فالكل سيكون لاعبا أساسيا في النظام العالمي للقرن الحادي والعشرين.(3)

فالشخص يمكن أن يكون نصف فرنسي ونصف جزائري، ولكن من الصعب جدا أن يكون نصف مسلم ونصف مسيحي. وعليه في الصراعات الثقافية يطرح السؤال: “من أنت؟” بدلا من “مع أي طرف أنت؟”. فكما يرى تيموثي جارتون آش أن: “الهوية بالأساس، تحديد للذات، لكن يجب أن يؤخذ في الاعتبار كذلك ما يراه الآخر.”(1) فتركيا ترى نفسها أوروبية، إلا أن أغلب دول الاتحاد الأوروبي لا يراها كذلك، فهي دولة من الشرق الأوسط أو من آسيا، بينما الجميع يرى أن بريطانيا أوروبية، إلا إنها ترى نفسها أطلسية.

وقد بدأ الحديث لدى أوساط العلاقات الدولية، والعدد من الإستراتيجيين عن العامل الديني بوصفه أحد أقوى التأثيرات المحركة للشعوب وللصراعات، خاصة في المناطق الجيو إستراتيجية الحساسة (الشرق الأوسط، البلقان، وآسيا الوسطى، وشمال وجنوب البحر المتوسط).

ويجادل المفكرون الغربيون حول الأفكار، التي ترى أن العالم قد يتوحد يوما ويلتقي على مجموعة مشتركة من القيم، في حين كشفت أحداث 11 سبتمبر التناقضات الكثيرة، ولكن هناك اتفاق واسع النطاق بين أناس ينتمون إلى ديانات مختلفة، وآخرين لا يدينون بأي ديانة حول رفض الإرهاب باعتباره أداة سياسية. ومن الخطأ أيضا تسمية “الغرب” وما يسمى “البقية”.

وفي نظر فرنسيس فوكاياما أن الديمقراطية واجهت تحديين: الفاشية بمختلف أشكالها والشيوعية. وكان الانتصار الأخير لصالح الديمقراطية الليبرالية. أما التحدي الذي بقي أمامها فهو الإسلام. لذا تم الاتفاق الضمني لمواجهته من خلال:

  • اختراق مقومات الهوية العربية – الإسلامية وطمسها.
  • تطويق المنطقة العربية – الإسلامية واحتوائها.
  • دمج إسرائيل لتحقيق أمنه.

 فقد جاء في كتاب باسكال بونيفاس “الحرب العالمية الرابعة” إن: “تجسيد الخطر الإسلامي مر بمراحل، فمن (خطر الجنوب)، ثم وصف العالم الإسلامي، قبل أن يتم تصحيح التسمية والاتجاه نحو تجريم “الحركة الإسلامية المتطرفة”، ثم أخيرا “الإرهاب الإسلامي”، وعليه يجب على الغرب التوحد تحت القيادة الأمريكية.”(2)

ويعتقد هنتغتون أن للحضارة طبيعة جوهرية موضوعية بوصفها أرقى أشكال التعبير عن الهوية، ولكل كيان حضاري خصائصه الجوهرية الثابتة التي تجعله متميزا عن الكيانات الثقافية الأخرى. والدين يشكل قوة مركزية تحرك الناس وتحشدهم، لذلك يمكن تعريفها إلى حد كبير من خلال الدين الذي هو العلامة الفارقة للتمييز بين الحضارات.

وهنا نلاحظ أنه لا يضيف الجديد، فقد أشار ابن خلدون إلى الوازع الديني في إنشاء الدولة، أو ما يسميه المفكر الجزائري مالك بن نبي المركب الحضاري الذي هو الدين في إنشاء الحضارة.

وعليه   يقسم العالم إلى ثماني مجموعات حضارية: الحضارة الغربية، الأمريكية اللاتينية، الإسلامية، الصينية الكونفوشيوسية، اليابانية، الهندية، السلافية الأرثوذوكسية، وربما الإفريقية. ويميز داخل الحضارة الإسلامية بين مجموعة من الحضارات الفرعية هي: العربية، التركية، الفارسية، والماليزية.

ولعل اتهام الإسلام بالإرهاب تعبير واضح عن الهجمة العدوانية للغرب. فإصدار هنتغتون أحكاما قيمية متسرعة حول الإسلام، ماهو إلا فهم سطحي لهذا الدين، وتعبير عن حقد دفين يهودي، حيث روج لفكرة خطيرة مفادها أن للإسلام “حدود دموية”، وهنا كان استغراب عبد الله العروي* منطقي، حيث يقول: “كيف يمكن الانطلاق من مفهوم غامض لبناء تحليلات سياسية يقول أنها وصفية مطابقة للواقع.”(1) وجاء كتابه عبارة عن أحكام مسبقة مستهلكة من طرف وسائل الإعلام، من خلال مايلي:

  • يدعي هنتغتون بأن الحرب الباردة الجديدة هي بين الإسلام والغرب، حيث يرى أن: “الإسلام هو أكثر الأديان صرامة خارج العالم المسيحي، كذلك هناك شعور عام لدى المسلمين بأن الغرب قد قهرهم واستغلهم لفترة طويلة. وهنا نبدي ملاحظة أن الإسلام دلالة دينية وحضارية، والغرب دلالة جغرافية، وعليه ما يجري حاليا هو توحيد الغرب الجغرافي في إطار تحالف ديني مسيحي- يهودي. ويقع في خلط كبير بين الحركات التحررية ضد الاستعمار وبين الحروب المقدسة، والأحداث الدموية التي جرت في يوغسلافيا لم يقم بها المسلمون، وإنما انتهكت ضدهم، أما بالنسبة للشرق الأوسط، فهم في موقع دفاعي وليس هجومي كما يروج له.
  • يدعي أن الثقافة الإسلامية كانت عاملا أساسيا في فشل الأنظمة الديمقراطية في معظم دول العالم الإسلامي. وهذا فهم سطحي للإسلام الذي أساسه الديمقراطية والمساواة والعدل، كما أنه لا يوجد أية دولة في الوقت الحالي تطبق الإسلام في الحكم، وإنما هي أنظمة تقلد الغرب.
  • في نظره أن لدى المسلمين صعوبة في التعايش مع جيرانهم، وهم ينزعون إلى عدم الاندماج بسهولة في المجتمعات المختلفة عنهم. وهذا لا يطابق الحقيقة، فالغرب لم يحاول الاندماج مع الآخرين، بل حاول فرض قيمه ومعتقداته على الآخرين، وغالبا ما يتم الاعتداء على المسلمين من الدول الغربية.
  • يذهب أن الإسلام دين دموي عنيف، متناسيا اليهودية التي تقوم على مذهب يوشع بن نون* للعنف والتوسع. ومع تفحص للأسفار الخمسة للتوراة، نجد الأكثر دعوة للدموية والعنف سفر التثنية، وسفر العدد، وسفر يوشع بن نون أول من أرسى التقاليد العسكرية الإسرائيلية المرتكزة على العنف والتوسع، وعليه يذهب دفيد بن غوريون ** David Ben Gourion بالقول إنه يعتبر يوشع بطل التوراة، فإنه لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان المرشد، لأنه توصل إلى توحيد قبائل الصحراء.(1)

وبالنظر إلى السلوك الأمريكي، من خلال إستراتيجية محاربة الطغيان لسنة 2005م، التي ترتبط على المستوى التطبيقي بالعالم الإسلامي والشرق الأوسط، ومتابعة المسؤولين الأمريكيين تشير إلى تركز حالة الطغيان بالدول العربية والإسلامية بالأساس. وغالبية أنظمة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ينطبق عليها أحد الأوصاف الثلاثة: إرهابية، أو راعية الإرهاب، أو طاغية.

وعليه سيخضع العالم الإسلامي لرؤيتين هما: مواجهة الإرهاب ومواجهة الطغيان، وستكون العلاقة بينهما في حالة ديناميكية دائمة، حيث سيتم استغلال حالة الضعف في دول الطغيان من أجل إحكام الخناق على دول الإرهاب واستخدام الحلفاء من أجل تطويق الأعداء.

* – الاجتماعية النقدية نظرية تعد تطويرا للفكر الماركسي، ترتكز على انتقادات اجتماعية وثقافية ذات توجه ماركسي. وهي نتاج لفريق مدرسة فرانكفورت Frankfurt School، يمثلها Jûrgen Hebermas, Theodore Adorno، ومن بريطانيا Robert Cox, Mark Hoffmann.

(1) –  بارترن بادي، “انقلاب العالم“، المرجع السابق.

(2) – نفس المرجع، ص.22

(2)– André Frossard, «le XXIéme siècle sera-t-il relgieux ?», Le Nouvel Observateur, N°2, Coll., dossiers, 1990, P.P. 54 – 55.

(3)– ألفين وهايدي توفلر، “النظام العالمي في القرن 21″، ترجمة: عصام الشيخ، الثقافة العالمية، السنة 12، العدد 70، ماي 1995، ص. 21.

(1) –  تيموثي جارتون آش، “هل بريطانيا أوروبية”، المرجع السابق، ص. 22.

(2) – باسكال بونيفاس، “الحرب العالمية الرابعة“، ترجمة: أحمد الشيخ، مكتبة الشروق الدولية، المركز العربي للدراسات الغربية، الطبعة الأولى، القاهرة 2006، ص. 17.

* – عبد الله العروي مفكر مغربي.

(1) –  محمد سعدي، “مستقبل العلاقات الدولية من صراع الحضارات إلى أنسنة الحضارة وثقافة السلام“، المرجع السابق، ص.224.

* – يوشع بن نون صاحب النبي موسى عليه السلام، مذكور في التوراة، في سفر يوشع بن نون.

** – دفيد بن غوريون (1886  1973م) أحد أبرز القادة الإسرائيليين، مؤسس إسرائيل ورئيس الوزراء من 1948م إلى 1953م ومن 1955م إلى 1963م.

(1) – عبد القادر محمد فهمي، “واقع ومستقبل الإستراتجية الإسرائيلية“، دار وائل للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، عمان، 1999، ص. 24.