بقلم الدكتور علي لكحل، استاذ بكلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية جامعة الجزائر 3

الأسماء المدعوة للعدالة في إطار مكافحة الفساد أكدت الارتباط بين الفساد المالي والفساد السياسي، ولكن النسب المئوية التي تزودنا بها ارقام الأعمال ونسب مساهمة المعنيين بها تجعلنا نكتشف ان كثير ممن كنا نسميهم رجال أعمال لم يكونوا سوى خماسة عند المافيا السياسية. نظام تم توريثه من العقلية الاستعمارية ولكنه أكثر تطورا، فوراء كل رجل عظيم امرأة، ووراء كل رجل اعمال فاسد سياسي افسد منه.

ولعل هذا ما أدى إلى التغول السياسي للمال على حساب القوى الفاعلة في المجتمع وهي:

1_ المؤسسة العسكرية التي كانت القوة الوحيدة المنظمة بعد الاستقلال واتاح لها ذلك ان تكون العنصر الأساسي في بناء الدولة بعد الاستقلال. لكن تم استنزاف قدراتها وجهودها. في مكافحة الارهاب في التسعينيات، وفي نفس المهمة على الحدود منذ 2011.

2_ الطبقة السياسية وتم استنزاف قدراتها في عمليات التفتيت والتقسيم، مع جعلها مجرد لجان مساندة بالرغم من كونها المظهر الضروري للتعددية.

في عملية الاستنزاف للعسكري والسياسي، كان قوم من بني جلدتنا، يؤسسون لدولة الشركات المساهمة.

الحراك الشعبي حرك الجميع، لكن الملاحظ هنا أننا اكتشفنا ان المجتمع أكثر تطورا من الطبقة السياسية وان الجيش يتجاوزها بالف سنة ضوئية.

الجيش فهم مطالب الحراك الرئيسية وهو ماض

في سبيل تحقيقها، وقد كان واضحا في ذلك من خلال :

اولا:مواجهة واضحة مع عصابات المال والسياسة.

والثاني من خلال تعهده بالعودة لسيادة الشعب. ولكن في الوقت المناسب حيث يعمل اولا على ايجاد البيئة الحاضنة للانتخابات الشفافة بعيدا عن تأثير المال السياسي.

ولكن لاحظنا ان تخلفا كبيرا في الطبقة السياسية في التكيف مع مطالب الحراك وفهمها والتفاعل مع المؤسسة العسكرية في تنفيذها.

بالعكس من ذلك لاحظنا حملة شرسة ضد رموز الجيش من بعض الاطراف التي أكدت أننا نعيش أيضا مانسميه بالخماسة السياسية.

لقد اصبحنا لانعير اي اهتمام لمن يقول وماذا يقول ومتى يقول وكيف يقول وانما اصبحنا نركز فقط على تساؤل واحد وهو لصالح من يقول هذا السياسي او الاعلامي. لأن الحابل اختلط بالنابل.

النتيجة ان لدينا البعض يعمل خماسا ماليا، ويعمل الآخر خماسا سياسيا، مع ملاحظة التطور الذي لحق بخدمة الخماسة حيث كان الاستعمار يضمن الحد الأدنى من العيش للخماس، بينما يجعله ارباب المال اليوم واجهة ويمنحونه أسهما، ترتقي بمستواه الاجتماعي.

اليوم تأكد لنا أن الفساد السياسي مقدمة لكل فساد يليه.

ولذلك نحن بحاجة أيضا لعملية تطهير سياسي واسعة، توازي ماتقوم به العدالة في مواجهة الفساد المالي والإداري، حتى لانعيد انتاج نفس الظواهر إذا استمرت نفس العوامل.

الفساد السياسي رداء يغطي عورات الفساد المالي، ويشوه صورة العدالة حيث يجعلها عدالة تحت الطلب، والعدل أساس الملك. وإذا غاب العدل فذلك مؤذن بخراب العمران.

لقد حرر الحراك وبدعم الجيش العدالة الجزائرية التي شكلت قاعدة لشرعنة الفساد، وبالتالي فنحن نعيش مرحلة تاريخية، لابد أن تبدأ ولكن ليس لها أن تنتهي، لأن الفساد عم في البر وفي البحر بما كسبت أيدي الناس، وهو فعل مستمر و الردع القانوني هو جزء من العلاج يستوجب توفير بيئة حاضنة لمواجهته على مستوي التربية والتعليم والاعلام والشؤون الدينية والمجتمع المدني.

ولكن الأمر الملح اليوم هو ضرورة العمل على ايجاد البيئة السياسية النظيفة والشريفة، ووضع حد بين الثروة والثورة، لتصبح الأفكار والبرامج ونضالات الأفراد هي أدوات المنافسة الحقيقية في الساحة السياسية.

إن امتداد المال للسياسي يفسده وامتداد السياسي للمال يفسده أيضا، وهذه العلاقة الجدلية تدفع لضرورة الاستمرار في متابعة ملفات الفساد ولكن تحتاج أيضا لتطهير المحيط السياسي، فالأحزاب مدعوة لتطهير نفسها من المنخنقة والنطيحة والمتردية وما أكل السبع،

والمنظومة القانونية أيضا تحتاج لبعض التعديلات التي تعمل علي حماية الفاسدين، ونحتاج أيضا لمنظومة قانونية تسمح بأن يكون الشعب سيدا في خياراته السياسية من خلال قانون جديد للانتخابات وآخر للاحزاب وحتى الجمعيات.

واحد ميزيد يقولي انا من قطاع الاعمال حتى يقولي لي خماس عند من. حاشا الشرفاء الذين يضربون في الأرض سعيا للمال الحلال.

Print Friendly, PDF & Email