على مدار 20 عامًا، لم تتمكن الولايات المتحدة وحلفاؤها من حسم الحرب على الإرهاب بانتصار نهائي وفقًا لرؤية العديد من الخبراء والمتابعين، حيث أعاد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان الانتقادات للتدخل العسكري الأمريكي في عدد من دول العالم تحت راية محاربة الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. وفي هذا الإطار، رصدت مجلة “الإيكونوميست” في عددٍ من تقاريرها الاتجاهات الرئيسية المتوقعة للأنشطة الإرهابية في العالم عقب سيطرة “طالبان” على أفغانستان، وذلك ضمن سلسلة حول مستقبل التنظيمات الإرهابية في العالم عقب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان. وتمثلت أبرز هذه الاتجاهات فيما يلي:

1- مساعي الإسلام السياسي لتصدير “الزخم الأفغاني”: تسعى معظم تيارات الإسلام السياسي على اختلاف توجهاتها إلى “استعارة” الزخم الناجم عن هيمنة طالبان على أفغانستان لتدعيم تماسك صفوفها بعد الضربات القاصمة التي تعرضوا لها في الآونة الأخيرة والتي أطاحت بتطلعاتهم للوصول للسلطة، ولذلك تصاعدت موجات الترحيب بالأحداث في أفغانستان باليمن وسوريا والصومال وشمال إفريقيا وقطاع غزة؛ حيث تعتبر أفغانستان مصدر إلهام لقواعد مؤيدي هذه الحركات. ووفقًا لرؤيتهم فإن الحركة قد انتصرت على الولايات المتحدة، وعادت للحكم مرة أخرى بعد 20 عامًا، وهو ما يتم استغلاله في خطاب دفع الكوادر للتشبث بأمل العودة للصدارة والهيمنة من جديد.

2- التركيز على توسيع الحواضن الاجتماعية للإرهاب: تتوقّع “الإيكونوميست” أن تُركز التنظيمات الإرهابية على تعزيز الحواضن الاجتماعية الخاصة بها باعتباره مفتاح “الانتصار” وفقًا لها، ويتم ذلك من خلال استغلال أي توجهات استياء أو غضب من النظم الحاكمة في الدول التي تتمركز بها هذه التنظيمات. ويُرجع تقرير “الإيكونوميست” تقدم طالبان وسيطرتها السريعة على العاصمة الأفغانية كابول، لوجود تعاطف شعبي معها إثر تصاعد الاستياء العام جراء استمرار الحكومات غير العادلة، وانتشار الانقسام العرقي والطائفي بالولايات الأفغانية. وقد عبّر عن هذا التعاطف دعم الأفغان “الريفيين” لطالبان، وعدم مواجهتها أي مقاومة وهي تسيطر على الولايات الواحدة تلو الأخرى، كذلك فإن الشعب الأفغاني أدرك أن موازين القوى تصب في صالح طالبان، وبالتالي رفض المجتمع الأفغاني الدخول في “معركة خاسرة”، بحسب التقرير.

لكن على الرغم من ذلك يشير التقرير إلى أن هنالك مخاوف مجتمعية متعلقة بحقوق المرأة، وحرية الرأي والتعبير في ظل حكم طالبان، هذا بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار وتوقف العديد من الشركات عن العمل، فضلًا عن أزمة النقص في سيولة البلاد، نتيجة تجميد الاحتياطات المالية في الخارج.

3- استمرار التباين الفكري بين التنظيمات الإرهابية: يشير تقرير “الإيكونوميست” إلى أن حسم الخلافات الفكرية والعقائدية داخل الحركة كان مفتاح تفوق طالبان وتعزيز صفوفها في مواجهة التنظيمات المناوئة، مثل تنظيم داعش. ويُشير التقرير إلى أن “سيد قطب” يُعد المؤسس لفكر الحركات الدينية المتطرفة، ففي ثمانينيات القرن العشرين تحولت أفكاره من العمل الفردي إلى تبني الحراك المسلح العنيف، وهو ما أنتج ما عُرف بـ”السلفية الجهادية”. وينوه التقرير إلى أن هذه التطورات المرتبطة بالجهادية العالمية حظيت في البداية بدعم الولايات المتحدة، لأنها كانت موجّهة ضد غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان عام 1979.

وعلى إثر هذا الحراك تم نقل مئات المقاتلين من العالم الإسلامي إلى أفغانستان للانضمام للمجاهدين، بينهم “أسامة بن لادن” الشاب السعودي الثري الذي تزعم فيما بعد تنظيم “القاعدة” الإرهابي، واستهدف المصالح الأمريكية في عدة دول، ثم تم اغتياله بغارة أمريكية عام 2011، فضلًا عن العديد القيادات الجهادية التي أسست فيما بعد تنظيمات إرهابية في المنطقة مثل: “أبو مصعب الزرقاوي”، و”أبو بكر البغدادي”.

4- توقعات باستمرار الارتباط بين “طالبان” و”القاعدة”: يؤكد التقرير أن الصفقة التي تم التفاوض عليها بين واشنطن و”طالبان” لضمان الانسحاب العسكري الأمريكي الآمن من أفغانستان، تقضي بتنصل “طالبان” من تنظيم “القاعدة”؛ لكن التقرير يشير إلى أنه على العكس من ذلك فقد بايعت “القاعدة” طالبان بعد سيطرتها على كابول. ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، هناك (400 – 600) عنصر تابعين للقاعدة منضوين في حركة طالبان يتزعمهم “سراج الدين حقاني”، وهو مدير “شبكة حقاني” داخل الحركة، ويشارك عناصره في دوريات الأمن بكابول منذ سيطرة طالبان عليها. ولذا من المتوقع أن يعيد تنظيم “القاعدة” تمركزه في أفغانستان بعد ترتيب أوراقه مرة أخرى.

5- توسع انتقال العناصر الإرهابية عبر جنوب آسيا: يشير التقرير إلى أن صعود طالبان ربما يفاقم من أزمات جنوب آسيا ودول الجوار؛ إذ تشير تقديرات إلى إمكانية انتقال عناصر جهادية لإقليم كشمير المتنازع عليه بين باكستان والهند، وهو الأمر الذي عكسته تصريحات رئيس الوزراء الباكستاني “عمران خان”، في 23 أغسطس، عندما قال: “عناصر طالبان سوف يأتون ويحررون كشمير”، وهو رهان مستمد من علاقة باكستان القوية بطالبان وترحيبها بعودتها للحكم. كما يُتوقع أن تنتقل بعض العناصر الإرهابية إلى دول وسط وجنوب آسيا، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة، وسيؤثر بالسلب على معدلات النمو الاقتصادي. وتشير توقعات أخرى إلى تزايد حدة التهديدات لأقاليم مثل إقليم “شينجيانج” في الصين الذي تقطنه أقلية مسلمة بسبب ما يتردد حول الممارسات القمعية بحقهم، خاصةً في ظل الحدود المشتركة بين الصين وأفغانستان.

6- ارتدادات متوقّعة لتقليص القوات الفرنسية في غرب إفريقيا: قد تتجه فرنسا إلى تقليص قواتها المنتشرة في غرب إفريقيا ضمن عملية برخان لمحاربة الإرهاب، وهو ما سيؤدي إلى تصاعد أنشطة التنظيمات الإرهابية سعيًا منها لتكرار نموذج أفغانستان والتمدد في الأقاليم المجاورة؛ إلا أن الولايات المتحدة لا تزال منخرطة في عمليات محاربة الإرهاب من خلال قاعدة عسكرية ضخمة في أغاديز في النيجر تنطلق منها هجمات الطائرات بدون طيار ضد التنظيمات الإرهابية. ووفقًا لتصريحات الرئيس الفرنسي، في يونيو 2021، فإن القوات الفرنسية المنتشرة في منطقة الساحل “لن تبقى هناك إلى الأبد”، وهو ما قد يحفز التنظيمات الإرهابية على تصعيد هجماتها في دول الإقليم، وخاصةً في مالي التي تشهد صعودًا في أنشطة التنظيمات الإرهابية مع استمرار الحركة عبر الحدود مع ليبيا. وتشير بعض المصادر إلى أن فرنسا قد بدأت عملية يتم من خلالها تقليص حجم برخان إلى النصف، والتركيز على قتل الإرهابيين أكثر من التركيز على حماية البلدات والمدن.

7- التحسّب لعودة حركة الشباب الصومالية للحكم: يمثل الخروج الأمريكي من أفغانستان دفعة معنوية هائلة لحركة الشباب الصومالية التي باتت ترى أن القوات الأجنبية حتى لو استمرت في التواجد لعقود فإنها تستسلم في النهاية وتغادر إلى دولها. ففي ديسمبر 2020، أعلن الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” انسحاب معظم القوات الأمريكية من الصومال ووقف ضربات الطائرات بدون طيار قبل أن يتم استئنافها مرة أخرى في يوليو 2021. وتقوم إثيوبيا كذلك بسحب قواتها من الصومال لتعزيز صفوفها في مواجهة المتمردين في تيجراي، وهو ما يدفع حركة الشباب إلى تبني تكتيكات شبيهة بطالبان من خلال تكثيف الهجمات والسيطرة على الحكم في الأقاليم المختلفة لحصار العاصمة وتقويض سيطرة الحكومة المركزية على السلطة.

8- تأسيس التنظيمات الإرهابية دورات “الاقتصاد الموازي”: أصبحت التنظيمات الإرهابية تركز على كيفية جمع الضرائب والرسوم من المناطق الخاضعة لسيطرتها، بالإضافة لمصادر التمويل المنتظمة والقابلة للاعتماد عليها، في مقابل بعض الخدمات للمناطق الخاضعة لسيطرتها، مثل: الأمن، والنظافة، والكهرباء، والطاقة. ويتم جمع الرسوم على حركة المرور عبر الطرق والتهريب عبر الأنفاق والأنشطة غير المشروعة، مثل زراعة النباتات المخدرة، وتتوسع الأنشطة لتشمل الاختطاف مقابل فدية، ونهب البنوك، وابتزاز الشركات، وتجارة العملات الأجنبية، بهدف دفع رواتب المقاتلين وشراء الأسلحة.

9- تزايد احتمالات إخفاق طالبان في حكم أفغانستان: توقعت “الإيكونوميست” إخفاق طالبان في الحكم مثلما حدث مع تنظيم داعش بعد استيلائه على مدينة الموصل عام 2014، حيث بدأت القصة بترحيب السكان المحليين بداعش لأنه كان بديلًا بالنسبة لهم عن “حكومة شيعية فاسدة” وفقًا لتعبير التقرير، ثم بدأ “داعش” في تطبيق حكم فاشل من جهة أخرى عبر فرض ضرائب باهظة والاتجار بالبشر والنفط وعمليات التهريب لتوفير الأموال للمقاتلين، كما قاموا بفرض أحكام اجتماعية متشددة، فضلًا عن اضطهاد الأقليات الدينية؛ فتحول الترحيب بهم إلى استياء شعبي كبير.

10- تنامي الاهتمام العالمي بتهديدات “الدول الفاشلة”: تشير “الإيكونوميست” إلى أن أحد الدروس المستفادة من تطورات الأوضاع في أفغانستان، هو أن ما يحدث في الدول الفاشلة يهم بقية العالم. فسيطرة “طالبان” سينتج عنها أزمات عدة منها: تدفقات اللاجئين، وتنفيذ الهجمات الإرهابية. كذلك فقد أثبت صعود طالبان فشل المقاربة التي تقوم على معالجة الظاهرة الإرهابية عبر الخيار الأمني فقط.

ويرى التقرير أن واشنطن يجب عليها وضع خطط لتنمية الدولة الأفغانية وتقوية الحكومة ومد النفوذ مع القبائل لتثبيت الحكم. ويعول التقرير على الاستفادة من هذه الدروس في التعامل مع الحركات الإرهابية المتواجدة بشمال موزمبيق وجنوب تايلاند وتنظيم “بوكو حرام” بشمال نيجيريا، هذا فضلًا عن أن تنظيمات جهادية سوف تحاول توظيف الأزمات المناخية من أجل التمركز والاستقرار في بعض الدول.

11- صدارة الآليات السياسية والاقتصادية في الحرب على الإرهاب: ينتقد التقرير تركيز واشنطن ومعظم الدول الغربية على مكافحة الإرهاب من خلال الحلول الأمنية والعسكرية وتدريب قوات الأمن لتكتسب الخبرة القتالية اللازمة لمواجهة الجماعات الإرهابية، بيد أنه سيكون من الأفضل توفير حلول سياسية واقتصادية لاحتواء الأزمات المجتمعية، ومنع وجود بيئة خصبة لنشأة الجماعات الإرهابية. ويستشهد التقرير بحالة الصومال، التي تقوم بريطانيا وتركيا بتدريب قواتها الأمنية، في الوقت الذي تحتاج فيه المؤسسات المحلية إلى تطوير كبير في شتى المجالات.

وفي المُجمل، يتوقع أن تتوسع ارتدادات سيطرة طالبان على أفغانستان لتشمل أقاليم بعيدة، مثل غرب إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، بسبب سعي التنظيمات الإرهابية لـ”محاكاة النموذج” الذي تمثله حركة طالبان، والذي سيؤدي لتهديد الاستقرار والأمن في هذه الأقاليم مع سعي هذه التنظيمات لتكرار تجربة الاستيلاء على السلطة بالقوة، وهو ما تستتبعه ضرورة تطوير آليات مختلفة لمواجهة تهديدات التنظيمات الإرهابية تعتمد على التكامل بين الأمن والسياسة والاقتصاد لدعم الدول الهشة وتعزيز مناعة المجتمعات في مواجهة التطرف العنيف.

المصادر:

– Good news for global jihad: America’s flight from Afghanistan will embolden jihadists around the world, The Economist , August 28 , 2021 , accessible at: https://bit.ly/3yvGMGG

– Following the Taliban: After Afghanistan, where next for global jihad??, The Economist , August 28 , 2021 , accessible at: https://bit.ly/3yqtLhF