وليد عبد الحي

أثارت مقالات وتصريحات صادرة عن بعض الكتاب الخليجيين تجاه الموضوع الفلسطيني ردات فعل حادة – بل ومتجاوزة أحيانا في مفرداتها او مضامينها من قبل بعض الكتاب والشخصيات العربية ، وفي تقديري ان المقالات الخليجية -بعضها طبعا- والردود عليها -بعضها ايضا- تؤكد مرة أخرى ما سبق وأن كتبته لمرات عدة عن غرائزية التفكير العربي..بل يبدو لي ان عجز طرفي الحوار في الميدان الفعلي لممارسة العمل السياسي يتم تجاوزه بإحياء ثقافة الهجاء التي شكلت جزءا مركزيا من منظومتنا الشعرية قديما وحديثا.
ان يقول كاتب خليجي أن مسجدا اوغنديا اكثر قداسة من المسجد الاقصى او ان يقول وزير بحريني ان نتائج ورشة البحرين ستفرض على الفلسطينيين بالقوة أو يقول ثالث ان الفلسطينيين لعبة بيد الايرانيين أو…الخ.. فهذه كلها ليست نظريات علمية او اكتشافات منهجية ، وليت دول هؤلاء تسمح باستطلاعات الرأي الحرة لنرى حجم الشريحة المجتمعية التي يمثلها مثل هؤلاء..فلماذا نترك الجمهور الاوسع لصالح الشرائح الاقل وزنا؟
من ناحية ثانية، ارى ان الاهتمام بما يكتبه خليجيون آخرون ( مثل عبد الله النفيسي وكثيرون مثله ) أولى بالاهتمام لان فيما يقولونه فكرة(تختلف معها او تتفق، لكنها تستحق النقاش)، كما ان مناقشتها وطرحها يجذر وعي القارئ ويساعد على فك بعض طلاسم الواقع العربي والتباساته.
فرق كبير بين الكتابة الغرائزية والتي يوحى بها من ” سلطة عليا” ، وتعكس بلغة فرويد تنفيسا عن “الهو” المتأجج في العقل الباطن، بل وتمنحها القدرة الاستهلاكية الريعية فضاء تحلق فيه كما تشاء، وبين كتابة “الأنا” مرة اخرى بلغة فرويد التي تتحرق شوقا لمعرفة الحقيقة متحررة من سطوة الجاه والمال والسلطة، بل وتتوجع من واقع مقيت واسود ومحبط..
أتمنى ان لا يؤدي هذا السجال الساذج الى نبش إرث الهجاء في منظوماتنا المعرفية، وتكريس رسم الصور السلبية لبعضنا البعض، وليس لدي شك كبير في ان كثير من المقالات “الهجائية” قد تروي بعض “الهو” ولكنها ستغلق الأبواب على “الانا” وعلى الأنا العليا.
لنتجاوز المقالات والتصريحات الغرائزية ، ودعونا نتساجل فيما هو ” اجدى”..