وليد عبد الحي

كيف لسلطة سياسية أن تدير شؤون منطقة لا تتجاوز مساحتها 365 كم مربع وبمعدل كثافة سكانية مأهولة هي من الأعلى في العالم بواقع ستة وعشرون الف واربعمائة شخص في الكيلومتر المربع الواحد ، وببطالة تصل الى 53.5% من القوى العاملة، وبمعدل انجاب هو من بين الاعلى في العالم، وكل ذلك في ظل حصار اسرائيلي ( بري يمنع دخول الامدادات وبحري يمنع حتى صيد السمك) ومصري (يوظف الحصار لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية خارج دائرة الصراع العربي الصهيوني) وسلطة تنسيق أمني (مشحونة بثقافة ثأرية تقطع الرواتب عن اسر الشهداء وعن أغلب إدارات ومرافق غزة الحيوية )
كل ما سيق يجعل انفجار التظاهرات في غزة أمرا طبيعيا وإفرازا يجب تفهمه ، وشعار ” بدنا نعيش ” المرفوع من المتظاهرين يلخص المضمون وراء هذه المظاهرات ، ومن الضروري إدراك ان طاقة الاحتمال عند البشر لها حد يجب تفهم تجاوزه عند نقطة معينة، لكن هذا الوضع لا يجوز ان يخفي أنه يوفر فرصة ” لروم الداخل وروم الخارج” للتصيد في الماء العكر، فسلطة التنسيق الامني تتحرق لهفة لنزع سلاح غزة وتحويلها لضفة غربية خائرة من ناحية ومشغولة ببناء اقتصاديات ” الكازينو” على غرار جيبوتي من ناحية أخرى…واسرائيل التي لن تهدأ حتى تجتث كل رفض لوجودها في كل المنطقة العربية بدءا من غزة…

نتيجة لهذه الملابسات تفجرت مظاهرات لا تزال في حدود السيطرة في غزة، وهو ما اوصل الوضع لحد المواجهة بين الامن الفلسطيني –حماس تحديدا- وبين المتظاهرين ورجال الاعلام وممثلي جمعيات حقوق الانسان، وهو ما استدعى اجتماعا للتنظيمات الفلسطينية بدعوة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين طالب باخلاء سبيل المعتقلين ورفض “الطريقة” التي عالجت بها حماس الوضع، لكن من الضروري التوقف عند بعض الملاحظات والتساؤلات:

أ‌- لماذا غابت حركة الجهاد الاسلامي عن الاجتماع؟ هل هو لعدم دعوتها وهو امر مستبعد ؟ ام لعدم قناعتها بهذا الاسلوب لمواجهة المشكلة ؟ ام لشكها في طبيعة المظاهرات وما تخفيه؟ أم انها لا تريد الظهور بموقف ” التباعد ” عن حماس؟ يبدو لي ان الجهاد الاسلامي ترى في التظاهرات ” حق يُراد به باطل”..
ب‌- هل إطلاق الصاروخين باتجاه تل أبيب( وقد نفت كل من حماس والجهاد مسؤوليتهما عن الاطلاق) بالتزامن تقريبا مع اندلاع المظاهرات له علاقة بالرغبة في مزيد من ” التأزيم”؟، وهو ما وفر فرصة لاسرائيل لشن غارات على اكثر من مائة هدف فلسطيني في إطار مزيد من الضغط المربك لحماس.
ت‌- استثمار سلطة التنسيق الامني للمظاهرات لزيادة الضغط على حماس لدوافع لم تعد سرا.
وبالمقابل، فإن الصور والمشاهد التي تناقلتها وسائل الاعلام للطريقة التي عالجت بها حماس الموقف تعكس ” نزقا” سياسيا وقدرا كافيا من الهَوج ، وكان من الضروري ان تتصرف حماس بقدر أكبر من التوازن وبضرورة المشاركة في لقاءات التنظيمات وبالتنسيق مع الجهاد الاسلامي والاستماع لمقترحاتهم ..والأهم هو “إشراك ” هذه التنظيمات في المعالجة من خلال ” خلية ازمة” تضع الحلول وتتابع اجراءات تطبيق الحلول وتتحمل المسؤولية الجماعية عن إدارة الأزمة رغم اقراري بكل التعقيدات القائمة في غزة، على ان يسبق ذلك اطلاق سراح كل المعتقلين الا من تثبت وبشكل قاطع إدانته وبأدلة كافية بأنه يعمل بالتنسيق مع ” اسرائيل” ….
من جانب آخر، لا بد من وفد ” حماسي” يتوجه الى حلفاء حماس بخاصة في قطر التي يتوقع لها فائض في موازنتها لهذا العام يتجاوز الف مائتا مليون دولار، والى تركيا التي يمكن ان تخصص 0.5% من حجم تجارتها مع اسرائيل والتي قاربت على 4.5 مليار دولار العام الماضي، وبهذا تتأكد حماس من موقف ” سيف الدولة” لتواجه ” روم الداخل وروم الخارج” كما وصفه المتنبي…ربما.