وليد عبد الحي

لا أحد يستطيع انكار دور الفكر الغربي (الامريكي والأوروبي) في التنظير للعلاقات الدولية، وإذا استثنينا نظرية التبعية( التي ساهم فيها مفكرون عرب وأمريكيون لاتينيون)، فإن اطلاع الجامعات والباحثين العرب على النظريات في العلاقات الدولية بشكل خاص والعلوم السياسية بشكل عام خارج نطاق الأدبيات الغربية محدود للغاية ، فاقسام العلوم السياسية العربية مشدودة للفكر الغربي ” بأمراسِ كتانٍ الى صُمِ جَندلِ ” كما يقول إمرؤ القيس،
فعلم السياسة الآسيوي غائب تماما عن اقسام العلوم السياسية العربية، رغم مجموعة من المعطيات التي تستحق التأمل:
أ‌- الصعود الآسيوي الحالي حيث ان اجمالي الناتج المحلي لثلاث دول آسيوية من بين العشر الاوائل هو 25% من اجمالي الناتج العالمي وهو رقم يفوق الدول الاوروبية الاعلى في اجمالي الناتج المحلي ويفوق الناتج المحلي الامريكي
ب‌- ان اجمالي الفائض التجاري للدول الآسيوية يجعلها تحتل المرتبة الاولى في العالم بينما اغلب الدول الغربية هي في حالة عجز
ت‌- ان في آسيا اربع دول نووية
ث‌- ان آسيا هي الاكبر في عدد السكان وبفارق كبير عن القارات الاخرى.
ج‌- ان البنيات الثقافية والمجتمعية في هذه المجتمعات هي اقرب نسبيا للمجتمعات العربية
ح- ان الصين هي صاحبة أعلى حجم تجاري مع العالم العربي قياسا لأي دولة غربية أخرى
كل ذلك يستدعي ايلاء الاهتمام لهذه الدول بخاصة الصين واليابان والهند من ناحيتين :
أ‌- في تأصيل النظريات في العلاقات الدولية بخاصة ان الباحثين الغربيين يشيرون لهذه النظريات في اغلب بحوثهم. وهو ما يتضح في نظريات:

1- كوتيليا الهندي(Kautilya) آرثاشاسترا : يربط أغلب الغربيين بين كوتيليا (300 قبل الميلاد) وميكافيلي الذي جاء بعده بحوالي 1800 سنة،فقد تناول كوتيليا قواعد الحكم السياسي، اسس التنظيم السياسي، الجوانب المالية في السلوك الحكومي،السياسة الخارجية، إدارة الدفاع الوطني والحرب.كما انه يعد من ابرز الواقعيين البراغماتيين، وتناول موضوعات التحالف والعلاقة بين الدول وجوارها القريب والبعيد (. )
2- كونفوشيوس(Confucius) ((551–479 BCE بخاصة التركيز على البعد الاخلاقي في إدارة العمل السياسي، ويمكن القول بأن كونفوشيوس هو الفيلسوف الاول لحقوق الانسان
3- صن تسو Sun Tzu) ) القرن السادس قبل الميلاد حول استراتيجات التخطيط للحرب
ب‌- في الفترتين الحديثة والمعاصرة: وتتضح الجهود الآسيوية في الآتي:
1- النظريات الحديثة:
أ‌- نيشيدا كيتارو(Nishida Kitarō) (1870-1945)
الأكثر تأثيرا في التنظير الحديث للعلاقات الدولية في المدرسة اليابانية من زوايا دور الدين والثقافة والتطرف والاخلاق والقومية في العلاقات الدولية وفي سلوك نظم الحكم. ويمكن اعتباره الفيلسوف السياسي الأكثر اهمية في اليابان في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، ويضعه الباحثون الغربيون ضمن مؤسسي المنظور البنائي (constructivism) في نظريات العلاقات الدولية المعاصرة.
ب‌- أكاماتسو كانيم (Akamatsu Kaname ) ( اليابان) (1896-1974)
دوره في تقسيم العمل في النظم الاقليمية من خلال نظريته ( Flying Geese Paradigm)(نموذج الأوز الطائر) التي نشرها في عام 1960 واخذت صدى واسعا ، ويركز فيها على دور القائد في اعادة هيكلة الانتاج نظرا للتباين بين الاقتصاديات العالمية ويرتب مراحل التطور الاقليمي السياسي والاقتصادي استنادا لمؤشرات التحول في قواعد الانتاج الاقتصادي ، وهو معتمد في جانب من نظريته على كوندراتيف.
2- النظريات المعاصرة:
يساهم الآسيويون بشكل خاص في هذا المجال ، بل ولهم طروحات هامة وفي كثير من الاحيان تتناقض مع المضمون الجوهري للنظريات الغربية :
1- Qin Yaqing: A Relational Theory in World Politics ”
وهو استاذ بجامعة الشؤون الخارجية الصينية، وهو ابرز نقاد النظريات الغربية في العلاقات الدولية المعاصرة ويركز في نظريته على دور الابعاد الثقافية بخاصة الصور التي يختزنها المتفاعلون عن بعضهم البعض في تشكيل طبيعة العلاقات الدولية.
2- Zheng Bijian:
نظرية peaceful rise والتي دعمها بنظرية The Global Convergence of Interests (تم تصنيفه في المرتبة 44 بين اهم مائة مفكر في العالم في الوقت الحالي)
نظرية الصعود السلمي والتي طورها الزعيم الصيني جينتاو في مرحلة لاحقة الى نظرية التنمية السلمية على المستوى الدولي، تقوم على تحليل العلاقة بين “القوة الناعمة والسلام الدولي” من خلال التقارب في المصالح العالمية وليس من خلال النظريات التقليدية كتوازن القوى او الردع ..الخ.
3- Aleksandr Dugin: الكسندر دوغين) ويصفه الغربيون بأنه المفكر الاكثر تأثيرا على بوتين، له نظريتان:
أ‌- النظرية السياسية الرابعة(2009)
The Fourth Political Theory
وهي نظرية يحاول فيها دمج وتجاوز النظريات الماركسية(وحدة التحليل الطبقة) والليبرالية( الفرد) والفاشية (الدولة) وهو يركز هنا على بديل المجتمع المدني الذي يتجاوز الانتماء الطبقي والقومي وفرديته بسبب العولمة ويقترح تصورات بهذا الخصوص .
ب‌- النظرية الأوراسية( 1997) اسس الجيوبوليتكس: المستقبل الجيوسياسي لروسيا
: The Foundations of Geopolitics: The Geopolitical Future of Russia
وتركيزه فيها على الدور الروسي في بناء تحالفات حول روسيا مثل ايران والدول الاسلامية والعمل على توظيف البترول والغاز في تكييف السياسات الأوروبية وصولا الى جنوب ووسط امريكا اللاتينية.
4- Kenichi Ohmae:كينيش أوهمي
نظرية نهاية الدولة القومية (العولمة), The End of the Nation-State: the Rise of Regional Economies. New York: Simon and Schuster Inc., 1995. وهي النظرية التي اثرت كثيرا في اغلب منظري العولمة بدءا من أنتوني جيدنز وروبيرتسون وصولا الى توماس فريدمان. ونظريته هذه عن تآكل مفهوم السيادة هو امتداد لنظريته عن عالم بلا حدود عام 1990(Borderless World (1990)).
5- Akio Morita and Shintaro Ishihara اليابانيان (ايشيهارا كان وزيرا للنقل)
– THE JAPAN THAT CAN SAY NO(1989)- والدراسة تقوم على النقد الشديد للسياسة الامريكية، لكن الاهم فيها هو :
توظيف القوة الناعمة اليابانية مثل التفوق التكنولوجي- المستوى التعليمي- المستوى الاخلاقي في العلاقات الدولية- في التفاوض السياسي مع القوة المركزية وهي الولايات المتحدة. وتتناغم هذه الدراسة مع دراسة صينية لاحقة بعنوان The China That Can Say No: Political and Emotional Choices in the post Cold-War era.
لعدد من الباحثين الصينيين ابرزهم تشانغ هيسابو(Zhang Xiaobo) .
6- Hung Jen Wang’s في دراسته الصادرة عام 2013
و الموسومة :
international relations theory Being Uniquely Universal: building Chinese
يحاول فيها تقديم نظرية للتوفيق بين القيم العالمية والقيم المحلية في التنظير للعلاقات الدولية،ويطبق ذلك على الصين.
7- Navnita Chadha Behera وهي مفكرة هندية قدمت نظرية حول العلاقة بين العنف والهوية في العلاقات الدولية .دراستها ( International Relations in South Asia: Search for an Alternative Paradigm
ويبدو من العرض السابق ان نظريات العلاقات الدولية الآسيوية تتسم بما يلي:
أ‌- التركيز بنسبة أكبر كثيرا على الأبعاد الثقافية(الدين،القومية، الاخلاق،الفنون) في تفسير العلاقات الدولية
ب‌- محاولة توظيف القوة الناعمة خلافا للمنظور الغربي الذي يغلب عليه منظور القوة الخشنة، والملاحظ ان فكرة القوة الناعمة تم تداولها في الأدبيات الآسيوية التقليدية قبل طرح نظرية جوزيف ناي(1990-Bound to Lead) ، وتبين ان اكثر مصطلح في 4 آلاف مجلة علمية صينية تردد فيها هو مصطلح “القوة الناعمة ” وبشكل متصاعد من عام 2006
8-(Hongying Wang- The Conception of Soft Power and its Policy Implications: a comparative study of China and Taiwan، ويركز الصينيون على “دور التراث الفكري” لهم كقوة ناعمة بخاصة الشرعية والاخلاق الدولية..الخ.

ولما كان أحد اتجاهات العلاقات الدولية المعاصرة ذلك الذي يتبنى فكرة ان القرن الحادي والعشرين هو ” القرن الآسيوي” فإن من الضروري تنبه الباحثين العرب لجانبين هما : البعد النظري لمفكري آسيا بخاصة الصين واليابان والهند وروسيا، والبعد التطبيقي أي دراسة سلوك هذه الدول بخاصة تجاه المنطقة العربية.