أخبار ومعلومات

“فاغنر”..يد موسكو تزاحم قوات ماكرون في مالي

تتحضر منطقة الساحل، وبالخصوص مالي، لاستقبال ضيف عسكري جديد، من شأنه أن يغير أو يساهم في تغيير الكثير من المعطيات على الأرض في هذه الرقعة الإستراتيجية من القارة الإفريقية التي كانت دائما تحت سيطرة النفوذ الفرنسي. الضيف العسكري الجديد ليس إلا قوات “فاغنر” الروسية التي لعبت دوما دور الممهد أو الكاسح، الذي يمهد الطريق أمام موسكو لدخول منطقة صراع جديدة أو فتح منطقة نفوذ.

الحضور الروسي أشعل غضب فرنسا، التي ترى أن حديقة خلفية جديدة أصبحت بمرمى أطماع الدب الروسي الذي يريد أن يأخذ حصته من سوق إفريقيا الواعدة، وتثبيت قدمه في إحدى أكثر المناطق في القارة السمراء التي تسيل لعاب القوى الكبرى، لمواردها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي.

المهمة لن تكون سهلة أمام فرنسا التي تسعى للحفاظ على مناطق نفوذها، وإن كانت التغيرات التي تشهدها المنطقة، شعبيا ورسميا، لا تصب في مصلحة باريس حتى دون التواجد الروسي المحتمل.

“فاغنر”…جيش روسيا الموازي

تعد مجموعة فاغنر أشهر شركة أمنية روسية، يعمل لصالحها مئات المرتزقة لكن لا معلومات رسمية عن عددهم أو مدى تسليحهم. رصد عناصر فاغنر للمرة الأولى في 2014 إلى جانب الانفصاليين الموالين لروسيا في دونباس شرق أوكرانيا، حيث تنفي روسيا أي تواجد عسكري لها هناك، وظهر هؤلاء المقاتلون المحترفون المجهزون بشكل جيد في صفوف المجموعات التي تحارب السلطات الأوكرانية.

وعند التدخل الروسي في سوريا عام 2015 دعما للرئيس بشار الأسد، أفيد عن وجودهم إلى جانب الجيش الروسي، خصوصا في معارك كبرى مثل استعادة مدينة تدمر الأثرية. وخطفت المجموعة الأضواء أكثر بعد مقتل عدد تتفاوت تقديراته خلال غارة أمريكية في سوريا مطلع فيفري 2018، ثم توسعت دائرة تحرك فاغنر لتشمل ليبيا حيث يقاتل رجالها إلى جانب قوات المشير خليفة حفتر، وإفريقيا الوسطى حيث ينشطون بين “مدربي” الجيش، وتفيد تقارير أيضا عن ظهورهم في السودان وموزمبيق وفنزويلا.

وحسب وكالة تاس الرسمية فإن “ديمتري أوتكين”، ضابط الاستخبارات العسكرية الروسية سابقا، هو قائد عمليات مجموعة فاغنر. شارك أوتكين في حربي الشيشان الأولى والثانية، ثم انتقل في عام 2000 إلى بلدة “بيتشوري” بالقرب من الحدود الإستونية، حيث خدم كقائد لفرقة العمليات الخاصة في اللواء الثاني التابع للمخابرات العسكرية الروسية. غادر أوتكين الخدمة في عام 2013 وأسس شركة فاغنر في عام 2014 على اسم الموسيقار الألماني ريتشارد فاغنر الذي يعشق موسيقاه، أما ممول المنظمة فهو رجل الأعمال يفغيني بريغوجين القريب من بوتين والذي جنى ثروته من ورش الترميم، قبل أن يوقع عدة عقود مع الجيش والإدارة الروسيين، وهو مستهدف بعقوبات أمريكية للاشتباه بضلوعه في التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي فاز فيها دونالد ترامب عام 2016، كما أنه ملاحق من قبل مكتب التحقيقات الفدرالي بتهمة الاحتيال رغم نفيه لذلك.

ليس لمجموعة فاغنر أي وجود قانوني في روسيا، حيث الشركات العسكرية الخاصة محظورة، لكن الأزمة بين روسيا وبيلاروس ألقت الضوء بشكل غير متوقع على هذه المنظمة في 2020، حين أعلنت مينسك عن اعتقال 33 مرتزقا من المجموعة. وقال هؤلاء العناصر آنذاك إنهم كانوا يعبرون بيلاروس في طريقهم إلى دول أخرى مثل فنزويلا وليبيا وكوبا وتركيا وسوريا، وتقول تقارير إن هذا الأمر أحرج موسكو التي تتفاوض على عودتهم بعيدا عن الأضواء إلى روسيا.

وفي تقرر نشرته لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة قبل أشهر، يؤكد الباحث سيث جونز، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، أن اللجنة أحصت 26 دولة، معظمها في إفريقيا، يعمل فيها المرتزقة الروس.

تقول وكالة بلومبيرغ الأمريكية، استناد إلى مصادر لم تسمها، إن مرتزقة فاغنر يتمركزون حاليا في عشر دول إفريقية منها السودان، جمهورية إفريقيا الوسطى، ليبيا، زيمبابوي، أنغولا، مدغشقر، غينيا، غينيا بيساو، موزمبيق وربما في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وتُسلط الأضواء الآن على مالي، بعد إعلان باريس عن انتهاء العملية العسكرية الفرنسية “برخان” والاحتجاجات الموالية لروسيا التي اندلعت مؤخرا في باماكو. وتؤكد تقارير إعلامية وجود محادثات بين الحكومة المالية وشركة فاغنر، يرجح محللون أن تنتهي بنشر فاغنر المئات من عناصرها المسلحة في البلاد.

 القطيعة بين باريس وباماكو تفتح الأبواب أمام مرتزقة “فاغنر”

بعد قلبها لموازين القوى في إفريقيا الوسطى وتحييد النفوذ الفرنسي على بانغي، تستعد قوات “فاغنر” الروسية “الخاصة” لدخول مالي عبر عقد يربطها مع الحكام الجدد لباماكو مقابل خدمات أمنية، ستفتح الباب أمام حضور روسي شبه رسمي في هذا البلد الاستراتيجي بمنطقة الساحل. هذه المستجدات قضت مضاجع فرنسا، ومن ورائها الدول الغربية والولايات المتحدة التي تتوجس من تمدد روسي جديد يهدد حلقات الحزام الأطلسي في منطقة كانت تحت المظلة الفرنسية على مر عقود.

خلفت التقارير الإعلامية التي كشفت عن اتفاق شبه محسوم بين المجموعة الأمنية الروسية “فاغنر” والسلطات الانتقالية المالية، يقوم بموجبه حوالي 1000 المرتزقة الروس بضمان حماية الشخصيات المالية وتدريب الجيش المالي، مقابل عقد قدر بـ10.7 مليون دولار شهريا.

الاتفاق جاء في توقيت عرفت فيه العلاقات بين باماكو وباريس أزمة كبيرة، نتيجة الانقلاب الثاني في ظرف أقل من سنة الذي قاده العقيد عاصيمي غويتا التي أثارت غضب باريس ودفعتها لتجميد مؤقت لعملياتها المشتركة مع الجيش المالي، أعقب ذلك إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن إغلاق القواعد العسكرية الفرنسية بشمال مالي، والشروع في سحب قوة برخان في الربع الأول من العام المقبل.

بعد فترة زمنية قصيرة من الخطوة الفرنسية، كشفت تقارير إعلامية عن الاتفاق بين مالي ومجموعة فاغنر الذي اعتبر كرد على المساعي الفرنسي بممارسة ضغوطات على الحكومة المالية عبر ورقة التعاون العسكري، كما سبق ومارسته على كوت ديفوار.

وعبّرت فرنسا عبر لسان أكثر من مسؤول، عن رفضها لفكرة وصول المرتزقة الروس إلى مستعمرتها القديمة، وسافرت وزير الجيوش الفرنسية إلى باماكو وأبلغت المسؤولين الماليين هذا الانزعاج، وأكدت أنهم لن يغادروا مالي.

الغضب الفرنسي قابلته تصريحات رئيس الوزراء المالي تشوغولا مايغا من الأمم المتحدة، اتهم فيها باريس بتركهم في منتصف الطريق، بعد قرار سحب قواتهم من الشمالي المالي وخفض قوة “برخان” مع إعادة انتشارها.

تصريحات مايغا رد عليها ماكرون: “لقد صُدمت، هذه التصريحات غير مقبولة، إنّه أمر مخز ويشكّل إهانة”، وشكك في شرعية الحكومة المالية قائلا: “هي ليست حتّى بحكومة، كونها منبثقة من  انقلابيين”. وهو ما دفع السلطات المالية لاستدعاء السفير الفرنسي لديها وإبلاغه احتجاجهم على ما ورد على لسان ماكرون، بل أكثر من ذلك، لم تتوان باماكو عن توجيه اتهامات خطيرة للجيش الفرنسي بتدريب الإرهابيين في شمال مالي، وأنها تملك الأدلة على ذلك، وهي الاتهامات التي لم ترد عليها باريس إلى حين كتابة هذه الأسطر.

الغضب الفرنسي من السلطات الجديدة في مالي يعكس حجم التوجس من وصول المرتزقة الروس إلى مالي، وتكرار سيناريو إفريقيا الوسطى التي أصبح رئيسها تجمعه علاقات وطيدة مع موسكو على حساب باريس، بل تحوّلت الأخيرة إلى هدف هجمات إعلامية منسقة قالت إنها من تدبير موسكو، ودفعتها لفرض عقوبات على بانغي.

ومعلوم أن قوات فاغنر هي من تؤمن رئيس إفريقيا الوسطى والشخصيات المهمة وتدرب جيش البلاد، كما تقدم الدعم لنظام في سيطرته على العاصمة.

وتدرك فرنسا جيّدا أن وصول فاغنر إلى مالي سيفتح الباب واسعا أمام الدب الروسي لمزاحمتهم على منطقة نفوذ جديدة قد يتعداها ليتمدد إلى باقي دول الساحل، ما سيشكل خسارة إستراتيجية واقتصادية كبرى لفرنسا التي تجد نفسها في صراع محتدم مع العملاق الصيني في عقر مناطق نفوذها، بإفريقيا الغربية أو بما يعرف “فرانس أفريك”.

وتستفيد روسيا في منافستها مع الفرنسيين من قبول شعبي ودعم رسمي لهذا التقارب على حساب فرنسا، حيث كانت الأعلام الروسية حاضرة بشدة خلال المظاهرات الشعبية ضد حكم إبراهيم أبو بكر كايتا قبل الإطاحة به من طرف مجموعة عاصيمي غويتا، وكانت هذه الأعلام حاضرة أيضا خلال المظاهرات الداعمة للانقلاب الذي أطاح بباه ندوه في ماي الماضي.

أما من الجانب الرسمي، فكان الناطق باسم وزارة الدفاع قد أكد وجود مفاوضات لجلب مجموعة فاغنر، وقال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا خلال إشرافه، مؤخرا، على عملية استلام المروحيات بمطار “موديبو كيتا” الدولي، إن “روسيا بلد صديق، جمعته دائما بمالي شراكة مثمرة للغاية”. وأعلن الوزير أن السرعة القصوى في تنفيذ هذا العقد تظهر مصداقية وجدية هذا الشريك الذي “لطالما منحنا الرضا في إطار شراكة رابحة”.

تحوّل التواجد الفرنسي الذي كان مبنيا على قاعدة صلبة على مر عقود تلت استقلال هذا البلد عنها، أصبح فوق رمال متحركة، خاصة بعد وصول العلاقات بين باريس وباماكو إلى نقطة اللاعودة في ظل الحكام الجدد لمالي، والذين توحي تصريحاتهم وتحركاتهم أنهم لم يعودوا يعوّلون على الشريك الفرنسي كلاعب أوحد، ويتطلعون إلى شركات جديدة بعيدة عن قصر الإليزي.

 

“الحضور الروسي سيكسر الهيمنة الفرنسية ويعطي لقادة الساحل خيارا ثانيا”

يتحدث أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور مبروك كاهي، عن علاقة شركة فاغنر بالسلطات الروسية، وعن الأهداف القائمة وراء إمكانية نشر أفرادها بدولة مالي، ودور موسكو في إقناع قادة مالي الجدد بالتعاقد مع الشركة الأمنية الروسية. ويقف في حواره مع “الخبر”، عند أوجه الصراع الممكنة بين روسيا وفرنسا بعد نشر هذه القوات، وتأثير التواجد الروسي في مالي على المنطقة وانعكاساته على الجزائر.

رتبطت شركة فاغنر بأماكن النزاعات والمناطق التي تريد روسيا أن تعزز بها نفوذها أو لتحقيق أهداف جيوسياسية. في تقديرك، ما مدى ارتباط الشركة بصانع القرار الروسي رغم نفي موسكو أي علاقة تجمعها بالشركة الأمنية؟

علاقة الشركة الأمنية الخاصة فاغنر بالحكومية الروسية علاقة يكتنفها العديد من اللبس والغموض، والأمر لا يقتصر على فاغنر فقط وإنما على باقي الشركات الأمنية الخاصة المنتشرة في روسيا، والتي تحمل عديد المسمّيات. ويتجلى هذا الغموض من خلال غياب تقنين واضح يضبط عمل هذه الشركات الأمنية الخاصة، وإن كان نشاطها يرتكز بالأساس خارج الأراضي الروسية، إلا أن مقرها الأم يتواجد داخل أراضيها، وهذا بالرغم من محاولة بعض النواب الروس سن تشريع سنة 2009 بوضع قانون يضبط عمل هذه الشركات الأمنية الخاصة، إلا أن هذا المشروع جوبه بالرفض ولم يلق أي استجابة.

ومن خلال ما سبق ذكره واستنادا إلى دراسة منشورة في المعهد المصري للدراسات، فإن مجلس الوزراء الروسي في سنة 2018 رفض مشروع قانون يضفي الشرعية على أعمال شركة فاغنر الأمنية الخاصة، ويتضح هذا ظاهريا بعدم وجود أي علاقة رسمية بين شركة فاغنر والحكومة الروسية. لكن ذات الدراسة أشارت إلى العلاقة المتشابكة بين مؤسس الشركة “ديمتري أوتكين” ضابط استخبارات سابق في القوات الروسية، وعلاقته الوطيدة بالرئيس “بوتين” وحضوره عديد الفعاليات الرسمية. كما أن هذه الشركة تتلقى دعما ماليا كبيرا من أحد رجال الأعمال الروس، المتعاقد مع الجيش ومع عدة هيئات حكومية، كما أن السفارة الروسية كانت تتدخل دوما لإطلاق سراح منتسبي فاغنر في حال إلقاء القبض عليهم في الدول التي يعملون بها. وهنا، تتضح العلاقة غير الرسمية بين فاغنر والحكومة الروسية، والأمر بطبيعة الحال من أجل التهرب من المسؤولية الأخلاقية والقانونية وحتى الدولية من الأعمال والانتهاكات التي قد يرتكبها المنتسبون لهذه الشركة الأمنية.

في تقديرك، لماذا اختارت مالي أن تكون فاغنر هي القوة  المنافسة لفرنسا؟ وما علاقة روسيا بالصفقة؟

**قبل الإجابة على السؤال الأمور مترابطة مع بعضها البعض، روسيا من دافعت عن الانقلابيين في مجلس الأمن، وحالت دون إنزال عقوبات عليهم، والاكتفاء فقط بالإدانة، وعليه فلا يستبعد دور المخابرات الروسية وإقناع السلطة الحاكمة في باماكو بضرورة التعاقد مع فاغنر الأمنية، كضمان لحمايتها من أي انقلاب مضاد أو تهديد من قبل القوات الفرنسية المتواجدة على الأرض. ونظرا للعلاقة غير الرسمية التي تربط فاغنر بالحكومة الروسية، وتعاقد الأولى مع السلطة في باماكو، فإن هذا الأمر يعفي روسيا من أي مسؤولية عمّا يحدث في مالي. كما أن فاغنر أثبتت فعاليتها في شبه جزيرة القرم، كما كان تواجدها في سوريا وليبيا أيضا، وتواجدها في إفريقيا الوسطى شجع الماليين على التعاقد معها ومنحها الثقة رغم معارضة فرنسا ومعها الاتحاد الأوروبي.

هل يمكن أن تكون قوات فاغنر بديلا للقوات الفرنسية والأوروبية في مالي؟

**لا يمكن أن تكون فاغنر بديلا للقوات الفرنسية والأوروبية في مالي، فالمقارنة غير صحيحة، فاغنر هي عبارة عن شركة أمنية خاصة، تضم خليطا من المرتزقة لا يزال إلى حد اليوم يجهل جنسيات أعضائها، وإن كان أغلبهم من الروس وما يحيط بها، لكن هوياتهم تبقى سرية. ومن جهة ثانية انعدام القانون التشريعي المنظم لهذه الشركة والمسؤولية المترتبة عن الانتهاكات والأخطاء التي قد ترتكبها، كما لا يمكنها أن تقوم بتدريب الجيش المالي فهو مساس بسمعته، فالجيوش تتعاقد مع جيوش نظامية مثلها وفق الأعراف العسكرية، أما فاغنر فهي شركة أمنية خاصة مهمتها الحماية وليس القيام بأعمال هجومية أو قتالية، لكن ومع ذلك فهي لا تلتزم بهذا البند لغياب التشريع القانوني المنظم لها.

ما هي الأهداف التي ترمي إليها روسيا في منطقة الساحل بشكل خاص وإفريقيا بشكل عام؟ وهل سنشهد صراعا مفتوحا بين فرنسا وروسيا على منطقة الساحل؟ وما هي أوجه هذا  الصراع إن حدث؟

**فيما يخص الأهداف التي ترمي إليها روسيا من تواجدها في منطقة الساحل الإفريقي فهي مرتبطة بتوسعة نفوذها وإيجاد حلفاء جدد خارج الدائرة التقليدية، ومن جهة أخرى، فإن التجربة المريرة لروسيا في أفغانستان يجعلها تمتنع عن إرسال قوات نظامية قتالية للتواجد على الأرض، كما أن الشعب الروسي يتحسس من إرسال قوات نظامية وفقدان جنود في أعمال قتالية خارج الحدود الروسية، وتجلى هذا في حادثة الغواصة التي فقد فيها الروس عديد الجنود، وشاهد العالم حالة الألم والحسرة التي انتابت الشعب الروسي ولم يتعاف منها إلا بعد مدة من الزمن. وعليه، فقد كان إرسال مرتزقة فاغنر البديل الأمثل. من ناحية الحكومة الروسية، لا تتولى تكاليف الإنفاق عليها، فهي تتدبر أمرها مع الجهة التي تعاقدت معها ومع رجال الأعمال الروس الذين تدفعهم وتشجعهم الحكومة الروسية مقابل عديد المزايا، كما أن فقدان عناصر فاغنر لا يمس بعاطفة الشعب الروسي على اعتبار أنهم مرتزقة ويتلقون رواتب عالية، ولا تتحمل الحكومة الروسية مسؤولية إرسالهم لمناطق النزاع. ومن جهة أخرى، يبقى سيناريو وقوع احتكاك بين فاغنر الروسية والقوات الفرنسية المتواجدة في المنطقة، الأمر الذي سوف يحرج الدولة الفرنسية لكونها تتقاتل مع طرف لا يحمل التعريف القانوني، وهو ما تريده روسيا، ويضع فرنسا أمام عدة مسؤوليات أمام الهيئات الدولية، وأمام هيئاتها المحلية في فرنسا، وحتى أمام الاتحاد الإفريقي.

وفي حال وقوع صراع بين روسيا وفرنسا فسيكون على عدة مستويات، مستوى مجلس الأمن الدولي، حيث سوف تعمد روسيا إلى إبطال أي مشروع قرار يمس بالسلطة الحاكمة في باماكو، أو بمسؤولية الشركة الأمنية فاغنر. وأمام كل الخيارات، ستكون فرنسا هي الخاسر، لأن روسيا لا تملك أي قوات نظامية في الساحل، كما أن شركة فاغنر لا يوجد أي تقنين قانوني يحدد علاقتها بالحكومة الروسية، مقارنة بالقوات الفرنسية التي يرتبط وجودها بجملة من القرارات الدولية المترتبة عنها مسؤوليات قانونية وأخلاقية. أما الوجه الآخر من الصراع فسيكون على أرض الميدان في منطقة الساحل، حيث ستعمد روسيا إلى استنزاف القوات الفرنسية من خلال تشجيع مظاهر العداء للقوات الفرنسية وجعلها بمنظر المعطل لأمن واستقرار المنطقة، وجعل القوات الفرنسية تعمل على تفادي التواجد في الأماكن التي تنتشر فيها فاغنر تجنبا لأي احتكاك قد يعقد الأمر ويؤزمه. أما الوجه الآخر فسيكون أمام الرأي العام الفرنسي بإظهار القوات الفرنسية بمظهر الفاشلة، وتشكيك الرأي العام بجدية الدولة الفرنسية أمام التهديدات الحقيقية.

ما هي انعكاسات الحضور الروسي على منطقة الساحل وعلى الجزائر؟

**انعكاسات الحضور الروسي في منطقة الساحل وعلى الجزائر سوف يأخذ عدة أوجه، لعل أبرزها كسر الهيمنة الفرنسية المتفردة على المنطقة، صحيح لا ينهيها، ولكن يعطي لقادة الساحل خيارا ثانيا والعمل على المفاضلة بين من يقدم أحسن، وجعل فرنسا تقدم تنازلات. كما أن هدف تواجد فاغنر الأساسي هو حماية القيادة السياسية في باماكو، الأمر الذي يجعل الجيش المالي يتولى مهام مكافحة الجماعات الإرهابية ويتفرغ لها وضبط حدوده، وهو ما يخدم الجزائر.

“فاغنر تضمن الوجود العسكري حين لا يمكن لروسيا أن تتواجد بشكل رسمي”

يرى المحلل السياسي الروسي دينيس كوركودينوف أن الهدف الأساسي لشركة فاغنر الأمنية هو ضمان الوجود العسكري، حيث لا يمكن لروسيا أن تتواجد بشكل رسمي وعلني، موضحا في حوار مع “الخبر” أنه بالرغم من أن الشركة تملك هامشا من الحرية في اختيار عملائها، إلا أن عقودها تستوجب الحصول على موافقة الكرملين عندما يكون العميل دولة أجنبية، لضمان ألا تتعارض أفعال المجموعة مع مصالح الدولة الروسية.

بداية ما هو الوضع القانوني لشركة فاغنر في روسيا؟

مجموعة فاغنر الأمنية ليست مسجلة بشكل رسمي وقانوني في روسيا، ووفقا للمعلومات المقدمة على موقعها على الأنترنت، فإنها تقدم نفسها على أنها اتحاد تطوعي لجنود يقومون بمهام عسكرية مختلفة للعملاء، بما في ذلك ممثلو الدول الأجنبية وذلك لمصالح تجارية. ويسمح مثل هذا الوضع القانوني غير الرسمي للمنظمة بالاضطلاع بحرية تامة وبالتزامات محددة في إطار العقود المبرمة لحماية المنشآت ومرافقة البضائع القيمة وإجراء العمليات الاستخباراتية، والأهم من ذلك ضمان الوجود العسكري لروسيا، حيث لا يمكن للكرملين أن يكون متواجدا رسميا أو لا يملك سلطة التصرف. والهدف الأساسي لمجموعة فاغنر تعزيز الصورة الدولية للدولة الروسية مع البقاء دائما في الظل، وهذا التنظيم مشابه لأي وحدة عسكرية، له هيكل واضح وخاضع لقيادة واحدة.

وما علاقتها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟

 المعلومات التي تفيد بأن مجموعة فاغنر قد تكون تابعة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين صحيحة في جزئية، أن فلاديمير بوتين هو القائد الأعلى لروسيا، على أساس هذا المنصب تخضع له جميع أفرع القوات المسلحة، بما في ذلك الجيش غير الرسمي والشركات الأمنية التي تشمل “مجموعة فاغنر”. مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن المنظمة تتمتع بحرية استثنائية، من خلالها تختار بشكل مستقل المهام التي يمكن أن تنفذها، لكن إذا كان العميل دولة أجنبية، مثل سوريا أو جمهورية إفريقيا الوسطى أو مالي، فإن إبرام عقد مع مجموعة فاغنر يتطلب اتفاقا إلزاميا ومبدئيا مع الكرملين، وهذا ضروري لضمان ألا تتعارض أفعال المجموعة مع مصالح الدولة الروسية.

لهذا السبب، غالبا ما يكون هناك انطباع بأن جميع العقود تقريبا، المتعلقة بمجموعة فاغنر بطريقة أو بأخرى، يتم تقييمها من قبل الكرملين وفلاديمير بوتين شخصيا، ومع ذلك هذا مجرد انطباع خاطئ.

إذا، هل يمكن اعتبار الحكومة الروسية أيضا من بين عملاء شركة فاغنر؟

خدمات مجموعة فاغنر باهظة الثمن، ما يجعل من الصعب جدا على المستثمرين من القطاع الخاص الذين لا يمتلكون أصولا مالية وإدارية ضخمة أن يكونوا من بين عملاء الشركة، لهذا السبب غالبا يتم دفع تكاليف أنشطة المنظمة، كقاعدة عامة، من قبل الوكالات الحكومية وفي بعض الأحيان تكون الإدارة الروسية أيضا أحد عملاء المجموعة وتستفيد من خدماتها عندما يكون من المهم بالنسبة للكرملين التحرك دون لفت الانتباه أو تحديد وجوده العسكري في نقطة جغرافية معينة أو تقديم المساعدة العسكرية سرا إلى حلفائه الدوليين، فيكون المنفذ بدل الجيش الرسمي هو مجموعة فاغنر التي أكدت بالفعل مرارا وتكرارا فعاليتها في مختلف تدخلاتها في دول العالم. ما تفعله مجموعة فاغنر هو ممارسة عادية تماما يستخدمها جميع أعضاء المجتمع الدولي تقريبا، ومن الواضح أن كل دولة ملزمة بأواصر معينة من الالتزامات الدولية واتفاقيات الدفاع واتفاقيات عدم التدخل، ومع ذلك في حال وقوع أحداث جيوسياسية استثنائية، غالبا ما تحتاج هذه الدول أو تلك الدول إلى استخدام أدوات الضغط العسكري بشكل عاجل. قد يكون استخدام الجيش النظامي في هذه الظروف مرهقًا للغاية وتحتاج الدولة إلى تنسيق مواقفها مع الحلفاء ومع الأمم المتحدة والقيام بالتعبئة الرسمية واستخدام الاحتياطيات العسكرية، وهذا يستغرق وقتا طويلا وينطوي على العديد من الصعوبات الدبلوماسية وغيرها، بالمقابل مجموعة فاغنر والمنظمات المشابهة لها تجعل من التدخل ممكنا دون عوائق تحقيق مصالح الدولة في مواقف حساسة للغاية ومثيرة للقلق تتطلب رد فعل فوريا وسريا.

وردت تقارير عن مفاوضات بين حكومة مالي ومجموعة فاغنر الروسية، ما مدى صحتها في اعتقادك؟ 

ظهرت رسائل حول نية الحكومة العسكرية لمالي إبرام اتفاق مع الشركة العسكرية الروسية الخاصة فاغنر في أوت 2021 بعد زيارة وزير دفاع الدولة الإفريقية إلى موسكو. بالإضافة إلى ذلك، اتهم رئيس الحكومة المالية، متحدثًا في اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فرنسا بالتخلي عن البلد الذي مزقته النزاعات وقررت خفض عدد قواتها، وأضاف في الوقت نفسه أنه يمكن استبدال الجيش الفرنسي بجنود من مجموعة فاغنر.

وحسب مصادر مستقلة، بدأت المفاوضات منذ زمن بعيد وعلى وجه الخصوص ظهرت المحادثات الأولى حول احتمالية ظهور “مجموعة فاغنر” في مالي خلال القمة الروسية الإفريقية والمنتدى الاقتصادي الذي عقد في سوتشي يومي 23 و24 أكتوبر 2019، ومع ذلك لا يوجد حتى الآن تأكيد على أن “مجموعة فاغنر” قد وقعت عقدا مع القيادة المالية. تجدر الإشارة إلى أنه في حال إبرام مثل هذا العقد، فقد تم ذلك لصالح روسيا وإفريقيا.

وكيف تنظر إلى الصراع بين فرنسا وروسيا في مالي؟ 

رفضت فرنسا بشكل مستقل دعم القيادة المالية في محاربة المنظمات الإرهابية، في ظل هذه الظروف لم يكن أمام مالي سوى القليل من الخيارات: إما البحث عن حلفاء جدد لنفسها أو أن تفقد كيانها تماما، فاتخذت القيادة المالية خيارا لصالح روسيا، لقد كان اختيارا طوعيا دون أي ضغوطات من أي جهة ومع ذلك شعرت فرنسا بـ”الغيرة” وربما الخوف على نفوذها في المنطقة، وهذه مشكلة حقيقية لفرنسا، فعندما تلجأ الدولة إلى اختيار حليف جديد هذا يعني أن حليفها السابق كان ضعيفا للغاية وفشل في مهامه.

وفيما يتعلق بنوايا روسيا في المنطقة، يمكن القول إنه في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية التي خلفها الوباء، أصبحت روسيا في حاجة ماسة إلى موارد إضافية يمكن أن توفرها مالي، هذه حقيقة لا جدال فيها على الإطلاق، ومع ذلك فإن مالي مهتمة بنفس القدر بالتعاون مع روسيا، فهذه مصلحة مشتركة.

فاغنر أداة موسكو لتعزز النفوذ في الشرق الأوسط وإفريقيا

باتت “فاغنر” اسما يتردد في ساحات التوتر الأمني المرتبط بمصالح روسيا من أوكرانيا إلى سوريا وليبيا وغيرها وصولا إلى مالي، وأصبح واضحا أن مرتزقة الشركة الأمنية الخاصة ينشطون في بلدان مختلفة غالبا ما تكون غير مستقرة. ولم تكن المجموعة تظهر في السنوات الأخيرة سوى في صورة مرتزقة يقاتلون في خدمة روسيا التي تتبرأ منهم وتنفي أي صلة بهم، لكن الصورة تغيرت بعدما تبين أن الدور الأمني والعسكري المحدود ليس سوى واجهة تغطي على إمبراطورية اقتصادية آخذة في التوسع.

في سوريا شارك عناصر فاغنر في تدريب قوات الجيش السوري النظامي وفي أعمال قتالية ضد الفصائل المناهضة لنظام بشار الأسد. ورغم أن المجموعة منيت بخسائر كبيرة، حيث فقدت بعض الوحدات ما يصل إلى 30 بالمائة من رجالها خلال فترة تعاقد واحدة، إلا أن المجموعة وضعت يدها على نفط وغاز البلاد، حيث كشف تقرير شهر ماي الماضي أن شركة “كابتال” التابعة لمجموعة فاغنر قد حصلت على صفقة وقّع عليها الرئيس السوري بشار الأسد في مارس الماضي، مكّن فيها الروس من التنقيب عن الغاز والنفط على سواحل سوريا. وتقول تقارير إن مرتزقة فاغنر كان لهم دور على الأرض في هزيمة قوات المعارضة السورية خلال السنوات التي تلت التدخل الروسي في 2015.

وعقب زيارة الرئيس السوداني السابق عمر البشير إلى موسكو في نوفمبر من عام 2017، طلب علنا من بوتين المساعدة ضد التدخلات الأمريكية في الشؤون السودانية. وعقب الزيارة بأقل من شهر وصلت أول بعثة روسية من شركة فاغنر إلى السودان، وتوثقت علاقة قوات الدعم السريع بفاغنر وتم الاتفاق على الشراكة بينهما في تجارة الذهب والسلاح وجرى إنشاء معسكر بمنطقة أم دافوق على حدود السودان مع إفريقيا الوسطى مخصص لهذا الغرض، كما منح البشير فاغنر حقوق التنقيب عن الذهب في عدة مواقع في جبال النوبة ودارفور وولاية نهر النيل.

خلال عام 2018 بدأ الحديث عن تواجد لفاغنر في ليبيا، وهو العام الذي شهد حضور ممول المنظمة، رجل الأعمال يفغيني بريغوجين، اجتماعا في موسكو بين قيادة الجيش الروسي وخليفة حفتر، ثم أخذ ظهورهم يتزايد مع هجوم حفتر على طرابلس، حيث شاركوا في القتال فضلا عن قيامهم بأعمال الحراسة لحقول النفط الواقعة ضمن مناطق سيطرة حفتر.

وتزايد اهتمام روسيا بمد نفوذها في القارة الإفريقية، حيث أبرمت 19 اتفاقية تعاون عسكري مع دول إفريقية خلال الفترة من 2014 إلى 2019. وفي ظل تلك المعطيات رُصد انتشار عناصر فاغنر في عمق القارة الإفريقية. وقال المتحدث باسم القوات الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، كريستوفر كارنس، إن روسيا توظف مقاولين عسكريين خاصين في ما لا يقل عن 16 دولة إفريقية لإخفاء دور موسكو المباشر في تلك الدول.

كما رُصد انتشار قوات تابعة لفاغنر في سبتمبر 2019 في موزمبيق لمحاربة عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في مقاطعة كابو ديلجادو الشمالية، لكنها انسحبت لاحقا في ظل عقبات واجهتها في التنسيق ميدانيا مع الجيش الموزمبيقي، فضلا عن تعرضها لهجومين منفصلين أسفرا عن مقتل سبعة مرتزقة روس و20 جنديا موزمبيقيا.

وفي شهر جوان الماضي قُدم تقرير إلى مجلس الأمن الدولي وثق جرائم ارتكبها المرتزقة الروس في جمهورية إفريقيا الوسطى، الدولة الفقيرة والغنية بالمعادن. وكشف التقرير أن المرتزقة الروس الذين تم تقديمهم على أنهم مستشارون غير مسلحين للحكومة قادوا عمليات عسكرية كبيرة وأنشأوا مراكز تنقيب عن الماس الذي تحتوي عليه البلاد وبكثرة.

واستعانت حكومة جمهورية إفريقيا الوسطى بالمرتزقة الروس في عام 2017 كي تستعيد السيطرة على تجارة الماس من المتمردين والعمل على وقف النزاع الذي قتل الآلاف وشرد الملايين منذ عام 2012، وعرض الكرملين إرسال مدربين عسكريين للمساعدة على تدريب قوات إفريقيا الوسطى في مهمة باركتها الأمم المتحدة التي أصدرت قرارا في 2013 استثنى جمهورية إفريقيا الوسطى من حظر تصدير السلاح.

5/5 - (1 صوت واحد)

(Read more)  هل يجوز القول إن الرسالة السرية هي وسيلة لتحقيق العدالة أم أداة ثأر وانتقام؟

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى