بقلم: أحمد طه الغندور.

30/1/2019.

        الكثير منا يعلم أنه في عالم الأدب يوظف الكاتب أسلوب الفانتازيا كي يتحرر من قيود المنطق والشكل والإخبار، ويعتمد اعتماداً كلياً على إطلاق سراح الخيال، وحبذا لو كان هذا الخيال نوعاً من الأساطير.

ويبدو أن الاحتلال الإسرائيلي قد وجد ضالته هذه في استغلال الفانتازيا في عالم السياسة من أجل تبرير جرائمه التي تعدت الجرائم العادية إلى الجرائم الدولية مثل، جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والجرائم ضد الجرائم ضد السلم.

 فاليوم ها هو الاحتلال يقتل الطفلة سماح زهير مبارك الخالدي (16) عاماً وتبريره الفانتازي لهذه الجريمة غير المبررة والتي تمت بدم بارد ـ أنها حاولت طعن جندي ـ

 والمهم أن الحقيبة المدرسية الخاصة بالضحية لا تحوي سوى كتبها وكراساتها، إذ لم يُعد الاحتلال يبالي بإثبات وجود أداة القتل فيما يُسميه “واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”.

ومن مفاجآت فانتازيا السياسة الإسرائيلية هذا الأسبوع قرار “ناتنياهو” بإيقاف بعثة المراقبين الدوليين في الخليل عن العمل، حيث قال في بيان أصدره مكتبه؛ “لن نسمح بمواصلة وجود قوة دولية تعمل ضدنا”.

لا أدري إن كان منا من يستطيع أن يخمن متى أصبحت هذه المجموعة الدولية الباحثة عن السلام، والتي سعى “الطرف الإسرائيلي” إلى تأكيد وجودها في مدينة الخليل، والتي أُسست في العام 1994 بعد المجزرة النكراء في “الحرم الإبراهيمي”، أي بعد جريمة “باروخ جولديشتاين” التي قتل فيها (29) من المصلين الفلسطينيين وجرح (125) أخرين مما حث مجلس الأمن إلى إصدار قراره رقم (904) الذي أدان بشدة المجزرة، وطالب باتخاذ إجراءات لتوفير الحماية والامن للشعب الفلسطيني، مما دعا ” طرفي السلام ” إلى الطلب من إيطاليا والنرويج بتزويد مراقبين لتواجد دولي مؤقت في مدينة الخليل، وتم ذلك إلى أن أصبحت اليوم هذه البعثة مُشكلة من (64) مراقباً دولياً من كلٍ من: إيطاليا، النرويج، السويد، سويسرا وتركيا.

هنا يكون التساؤل؛ ما الذي يزعج “ناتنياهو” حقيقةً في وجود هذه البعثة الدولية الأن؟

الإجابة الحقيقية على هذا السؤال أن البعثة تؤدي وجبها على خير وجه في مدينة الخليل حيث تقوم بأعمال المراقبة للخروقات وترفع تقاريرها إلى الطرفين والدول الخمس المشاركة في توفير أعضاء فريق المراقبة، مما جعلها تُشكل نموذج يُحتذى به من أجل تطبيقه في أماكن أخرى من فلسطين المحتلة وخاصة على الحدود في قطاع غزة وفقاً لما هو مطلوب من الأمم المتحدة بشأن توفير آليات حماية للمواطنين الفلسطينيين العُزل.

كذلك فإننا نعي تماماً ضائقة “ناتنياهو” في الحكم والانتخابات التي باتت على الأبواب والتي لا يحصد إلا الخيبات فيها، كونه مُعرض أن يخضع للمحاكمة في قضايا جنائية تتعلق بالفساد، كما أن الأصوات المؤيدة له في تراجع أمام “غانيتس” الوافد الجديد إلى عالم السياسة.

من ثم لابد لـ “ناتنياهو” من أن يزيد في طلب ود غُلة المستوطنين وخاصةً في بؤرتهم الاستيطانية في الخليل فكان هذا القرار ضد بعثة المراقبة الدولية.  

إذاً، المطلوب الأن من الدول الخمس المشاركة في بعثة المراقبة الدولية وهم من دول لها وزنها في الاتحاد الأوروبي أن تسعى بفاعلية لدى الاتحاد ولدى المؤسسات الدولية من أجل تجريم الاحتلال والاستيطان ووضع حد لهما من أجل منح السلام فرصة في الشرق الأوسط، وإلا يكون عالم الفانتازيا بأوهامه قد أفسد علينا واقعنا الذي نعيشه.

 

Print Friendly, PDF & Email