ان (انتشار فايروس كورونا وتداعياته على العالم ) أصبح قضية مهمة لما تشكله من خطورة كبيرة، اذ يعلم الجميع ان هذا الفايروس تعود جيناته الاصلية الى فترة مايقارب خمسة سنوات منذ وقتنا هذا، الا أنه لم يتفشى بشكلاً اكثر وضوح في السابق مثل اليوم، حيث أصبح وباء خطير عصف العالم بأجمع، ابتداء من مقاطعة ووهان الصينية التي عدت البؤرة الرئيسية لهذا الفايروس، واستمر بالانتشار في بعض الدول الاخرى لتشكل في غضون ايام معدودات بؤر اخرى ليشمل كذلك منطقة الشرق الاوسط واغلب دوله .

        اليوم نحن نواجه مسألة (وباء كورونا ) الخطير جداً على المستوى العالمي، اذ القى بضلاله في اول ظهوره على الصين، ومن ثم الدول العالم الاخرى . وفي هذا السياق وخاصة بعد تفشي الفايروس في الصين ظهرت تساؤلات عديدة حول تداعياته على العالم ؟

          ان معطيات الحاضر والشواهد السابقة، ساقت بنا الى وصف هذه الامر بأن العالم يتجه نحو مايسمى (الحروب الصامتة) التي استخدم بها العامل البايولوجي بدلا من الاسلحة الغير تقليدية، خاصة وان هناك امر في غاية الاهمية (الحروب البايولوجية ) ليست بالحروب الجديدة، كونها تعود اكثر من قرنين والتي شهدت عدة حروب اخذت الطابع العسكري، الا انها عملت بالخفاء في نشر الاؤبة كسلاح بيولوجي في القضاء الخصوم، واستمرت الى يومنا هذا بالرغم من الجهود الدولية من حظر هكذا نوع من الاسلحة منذ عام 1972 والتوقيع رسميا عام 2013، الا ان بعض من الدول تجاهلت كل ذلك واستمرت بتطوير هكذا اسلحة الاستراتيجية واقل كلفة واكبر ضرر ، وهذا ما تطرقنا اليه مسبقا عبر مقالنا المنشور عبر شبكة نبأ المعلوماتية بعنوان  (التطور البايولوجي والحروب الصامتة – هل البيولوجية وسيلة لتحدي بين الدول) اذ يعلم الجميع قوة الاقتصاد الصيني ومدى الامكانيات الهائلة التي تمتلكها الصين في تطوير مقومات القوة الشاملة، بالمقابل نلاحظ ان القوة الاقتصادية الاولى بالعالم (الولايات المتحدة الامريكية) انها في حالة تراجع كبير اقتصادياً والذي يعود الى بدايات القرن الحالي ومانتهجته من اساليب القوة وصولا الى الازمة المالية 2008، كل ذلك اثقل الكاهل الامريكي .. ومن الناحية المنطقية هذا التقوق الصيني بالتأكيد لايرضى القوى الكبرى وخاصة القطب الامريكي !!

        من جانب اخر ان (فايروس كورونا – كوفيد 19) عصفت آثاره السلبية وتكاليفه الكبيرة بكافة قطاعات الأعمال للشركات الكبرى في أنحاء العالم ، فمن اهم تداعياته كانت لها تأثيرا سلبيا في الجانب الاقتصادي على العالم،  فمع الانتشار السريع لكورونا الذي شل حركة العالم وصعوبة الوصول إلى أماكن الإنتاج، فضلا عن ان الاقتصاد العالمي يواجه في الأساس خطر حدوث انكماش في الربع الأول من العام، بحسب تقرير (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية) التي تضم مجموعة من الدول التي تتبنى مبادئ السوق الحرة. فأن ذلك يؤدي الى خلق اثار سلبية كثيرة على المنظومة الاقتصادية للعالم  .

       كما وان انتشار الفايروس لم يكن تأثيره فقط على الاقتصاد العالمي، بل قد يأخذ منحى اخر، الا وهو خلق ازمات دبلوماسية، لاسيما من خلال غلق الدول منافذها امام الصين التي تعد من اكبر الموردين للسلع والمنتجات الى كافة انحاء العالم، اضافة الى ذلك ان اعداد صغيرة من رعايا الدول الأجنبية المقيمة بالصين قد أصيبت بالعدوى، الذي اثار مخاوف دولهم بنقل العدوى اليهم، وهذا ماحصل بالفعل، حيث واجهت حكومات تلك الدول معضلة إعادتهم إلى بلادهم، ومن بعدها تم عزلهم في الحجر الصحي فور وصوله إلى بلادهم .لذلك نلاحظ ان اغلب الدول التي اصيبت بالعدوى حملت الصين مسؤولية انتشار الفايروس وعدم احتواء الازمة باجراءات سريعة . الا ان ذلك لايعني ان الدول ستنهي التعامل مع الصين، والذي يعود الى  الامكانيات الاقتصادية للصين وخاصة من خلال توجهها صوب الاستثمارات الخارجية والابرز في ذلك مشروع الحزام والطريق الذي يرتبط من خلاله مايقارب 70 دولة ، فأن هذه الدول بحاجة ماسة الى الدعم الصيني ، وعليه فأنها ستواصل ذلك، من اجل الحصول على القروض الصينية لمشاريع البنية التحتية حيث لا توجد مصادر تمويل أخرى .

       وهنا لابد من توضيح امر في غاية الاهمية، ولاسيما بالنظر لاهمية الصين بالنسبة للاقتصاد العالمي، وضرورة تنويع سلاسل التوريد الخاصة بمختلف المنتجات. ونتيجة انتشار الفايروس الذي شل حركة الصينيون وخاصة عدم القدرة في الوصول الى معامل الانتاج في الصين ، ربما ذلك سيشجع المزيد من شركات الدول الاخرى على عدم الاعتماد على الصين بشكل كبير في مجال التصنيع، وكذلك بالنسبة للاعتماد بشدة على السوق الاستهلاكية الصينية ، وهنا سيكون المستفيد الاول (الشركات الأمريكية) ، فانها منذ فترة طويلة، تفكر في الحد من اعتماد سلاسل التوريد على الصين في ظل تزايد أعمال المناكفة التجارية، الذي تسعى من وراه فرض السيطرة التامة على مفاصل الاقتصاد العالمي، الذي قد يؤدي الى اثارة مشاكل مالية كبيرة في العالم ، ولاسيما الاخذ بالحسبان التكاليف الباهضة التي ستفرض من الولايات المتحدة الامريكية، عكس ماهو مشهود في العالم برخص السلع الصينية .

       والاهم في ذلك ان هذه الازمة ومدى التعامل معها وخاصة من قبل الانظمة السياسية الحاكمة، كشف ضعف كبير لتلك الانظمة وخاصة في الدول العربية، ولاسيما العراق . الذي يعود الى عدة اسباب واهما (عجز الدولة في وضع خطة استراتيجية في احتواء الازمة ، وضعف كبير في المنظومة الطبية (النظام الصحي) ، اضافة الى عجز الدولة في وضع خطط بديلة، وخاصة في حال استمرار فرض الحظر الشامل الذي دام لعشرات الايام وربما يستمر، الذي تسبب بتدهور معيشي لكثير من فئات المجتمع (العاطلين عن العمل والكسبة).

       وفي ضوء ماتقدم شكلت قضية انتشار الفايروس كورونا (كوفيد-19) اهمية كبيرة في المجتمع الدولي، وماله من تداعيات كبيرة على العالم، وحسب التصريح الاخير لوزير الخارجية الامريكي الاسبق (هنري كيسنجر) ومهندس السياسة الخارجية الامريكية عبر موقع (وول ستريت جورنال) بقوله : أن جائحة فيروس كورونا (كوفيد – 19) ستغير النظام العالمي للأبد وأن تأثيرها المضر على الصحة العامة قد يكون مؤقتا، إلا إن الأزمة السياسية والاقتصادية التي خلفها تفشي الفيروس ستستمر إلى أجيال عديدة، كما وأبدى نظرة تشاؤمية حول الآثار المترتبة على تفشي الفيروس مشددا على أنه لا يمكن لأي دولة حتى الولايات المتحدة الأمريكية أن تتغلب على الفيروس بمفردها ، مؤكدا أن مواجهته تتطلب رؤية وبرنامجا تعاونيا عالميا وإذا لم يحدث ذلك فسوف يواجه العالم ما هو أسوأ من تفشي فيروس كورونا .

       وهذا مايؤكد ماتطرقنا اليه مسبقا في كتابنا ( التحدي الصيني للهمينة الامريكية)  بأن النظام العالمي الجديد سيتغير عن ماهو مشهود في السابق وخاصة النظام الذي ظهر بعد نهاية الحرب الباردة وتفرد الولايات المتحدة الامريكية في اداراته، وخاصة ان اغلب الدول التي تعاني من الضغوطات الامريكية ستستغل هذه الفرصة لاعادة سياساتها وتحالفاتها وتموقعها في النظام الدولي .

 م.م زيدون سلمان محمد –  باحث في الشؤون الدولية