قضايا أمنية

فشل الحداثة – الوطنية، وتعثر الإقلاع الاستراتيجي

بثت شبكة الأخبار الأمريكية (CNN) تقريرا لمراسلها من عاصمة كوريا الشمالية بيونغ يونغ أمس، تضمّن الكثير من الكلام حول التجربة الصاروخية الأخيرة التي عبر خلالها الصاروخ الأجواء اليابانية فوق جزيرة هوكايدو وسقط في البحر؛ لكن الشيء اللافت في هذا التقرير هو صورة العاصمة بوينغ يونغ التي عرضت في التقرير، بحيث لأول وهلة ظننت أن الصور المنقولة عبر التلفزيون الأمريكي هي لسول أو شنغهاي؛ لكن في الأخير تبيّن لي أن مراسل القناة كان يقرأ ويبث تقريره من العاصمة بوينغ يونغ. أعتقد أن هذا تقرير هو تغير راديكالي في العلاقة الأمريكية مع كوريا الشمالية، لأن الصورة النمطية للإعلام الأمريكي (المهيمن على الإعلام العالمي) هي محددة في اختزال كوريا الشمالية في الاحتفالات العسكرية، المجاعة، عسكرة المجتمع وتعبئته للحرب، والانهماك في التسلح الإستراتيجي. لكن ما أظهرته الصور أن العاصمة بوينغ يونغ لا تقل تطورا عن سول أو هونكونغ (النمط الغربي) من حيث البنايات الشاهقة، النمط العمراني المتميز والجديد، الطرق المشيدة ونظافة المحيط؛ ومن خلال الصور يبدو أن تشييد على الأقل العاصمة كان خلال الفترة التي كان يصور لنا فيها الإعلام أن كوريا الشمالية تعاني من أزمة مجاعة حادة ونقص في الوقود خاصة خلال فترة المفاوضات السداسية.
التساؤل الذي يهمنا ليس حول الصراع الأمريكي-الكوري الشمالي، وإنما لماذا استطاعت كوريا الشمالية أن تسلح نفسها إستراتيجيا وتبني –على الأقل من خلال ما شاهدناه- عاصمة بالمعايير العالمية تضاهي العواصم العالمية، في حين لا نكاد نجد في عالم مكون من 23 دولة عاصمة من هذا النمط.
فشلت الحداثة والنزعة الوطنية في تطوير البنية التحتية للعواصم العربية في سوريا، العراق، الجزائر، المغرب، ليبيا كأمثلة فقط، وإذا كانت بعض الدول مثل العراق وسوريا نجحت في امتلاك بعض الأسلحة المتطورة (بالأحرى اشترتها)، فإن ذلك كان على حساب الاقتصاد والبنية التحتية، لأن العاصمتين في هذين البلدين تعجان بالبيوت القصديرية وبيوت التوب؛ وحدث عن البقية ولا حرج.
من الناحية السياسية، انقسمت الدول العربية إلى فئتين: الفئة الأولى تمتع ببعض الحريات لكن ابتعلها الفساد، وحكومات أخرى تمارس القمع الأمني ولها حظها من الفساد؛ مما يعني أن لا متغير “الوطنية” ولا “الحداثة” وجد طريقه في هذه المنطقة من العالم. حكومات تقمع مواطنيها في الداخل وتلاحقهم في الخارج بتهم الإرهاب، ثم تطلب من شعوبها القيام بالتنمية، وحكومات أخرى متورطة إلى أخمص قدميها في الفساد وتطلب من مواطنيها الاستجابة لمُثُل “الوطنية”.
الأسوأ من ذلك يكمن في التساؤل حول كم أموال البترول التي أنفقت على حروب سوريا، العراق، اليمن، وليبيا؛ ثم يطلع علينا أحد المسئولين العرب أمس في وسائل الإعلام ويقول أن: “إيران وتركيا يمارسان دورا استعماريا في سوريا وأضعفا سيادة الدولة الوطنية في سوريا”، ولم يتساءل ماذا تفعل قواته المسلحة في اليمن (ثاني أكبر بلد عربي يعاني الفقر بعد الصومال)؛ ليس هذا فحسب، ولكن بعد أن أرسلوا الأموال والأسلحة وجندوا المقاتلين من كل دول العالم لتدمير تلك الدول، وبعد انتهاء المهمة؛ اخذوا يحضّرون كبش الفداء ليلقوا عليه اللوم السياسي والتاريخي. تعس وبئس قوم، ليس لأنهم لا يعرفون إدارة السياسة، ولكن لا يعرفون حتى كيف يكذبون على شعوبهم.
في منطقتنا العربية، لا يتعلق الأمر فقط بالحكومات، وإنما أيضا المجتمعات والثقافة الاجتماعية/السياسية. هناك مقاربة “الناس على دين ملوكهم”، ولكن هناك أيضا مقاربة “كما تكونوا يولّ عليكم”. فإذا أخذنا مثال الجزائر، لا تكاد تجد حزبا نجا من الصراعات الداخلية المريرة، وعندما تظهر تلك الصراعات سرعان ما تعلن عن ضحالة الفكر السياسي وإفلاس الأداء، بحيث تشعر أن قيادات تلك الأحزاب عاطلين عن العمل يعيشيون أزمة فراغ في أوقاتهم، ويبحثون عن شيء يشغلون به أنفسهم؛ فكيف يكون هؤلاء مؤهلون لتطوير البلاد. المشكلة ليست محددة فقط في القيادات، ولكن هذه الأخيرة هي الأخرى ضحية لنظام التنشئة الاجتماعية/السياسية العليل الذي ينتج ويعيد إنتاج الاتكالية، الخمول، الكسل، الاستغلالية (بورفيتاج) وطمس الإبداع والمنافسة فوق المسرح المجتمعي/الاقتصادي/الإبتكاري؛ ومأساة البكالوريا (إعادة الامتحان للمتخلفين) هذا العام هي البرهان الإمبريقي الأبرز للتدليل على الإعاقة السوسيولوجية/الفكرية التي تعاني منها التنشئة الاجتماعية.
أصبحنا في المنطقة العربية بلا مرجعية وطنية ولا نجاحات حداثية، ولولا ذهاب الناس إلى المساجد والكنائس لقلت بلا مرجعية دينية؛ وهي الأسباب المسئولة عن تعثر الإقلاع الإستراتيجي.

عامر مصباح
جامعة الجزائر 3

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock