أسئلة لا تُحصى نتداولها في منطقتنا سرّا وعلانيّة، فلا نجد لها أجوبة سوى المصالح الذاتية والأوهام السلطوية والارتهان السياسي والإفلاس الفكري.. إن الجغرافيا لم تتغيّر ، فالمنطقة تقع وتحدها قارات ثلاث وممرات وبحار ومحيطات وثروات لم ولن تنضب ، وشعوبها بنّاءة للحضارات ساهمت في تقدم البشرية والانسانية عبر التاريخ ، رغم أهوال الاحتلالات والأطماع التي تعرضت لها ، إلا أن الفرد الانسان منها أثبت في القرن الماضي وبعد مرحلة الاستقلال قدرته وكفاءته في ارادة النهوض والتعايش الوطني عابراً ومتجاوزاً كل الاعتبارات الطائفية والمذهبية والقومية ، وهو ما نلمسه في سلوك أفراد ومواطني المنطقة عند إقامتهم في دول الشرق والغرب بالقرن الحالي ، متناقضاً مع الأسف لسلوكهم في بلدانهم حيث تتضح الانقسامات والتشرذمات المجتمعية لتلقي بظلالها على ضرورة بناء سياسات جديدة تعتمد على عقد اجتماعي متطور ينظم العلاقة بين السلطة والمجتمع والفرد ، أساسه المواطنة والمساواة والديموقراطية والحريات العامة وسيادة القانون واللامركزية ضمن مفهوم الجغرافيا والسيادة الموحدة ، تجسيدًا لإرادة التاريخ في مواصلة التطور الدائم والصيرورة المستمرة نحو الغد الأفضل ، وبما يساهم في تعزيز القيّم الانسانية عالمياً بوجود قضايا وتحديات مشتركة لشعوب العالم ، قضايا الحرب والسلام ، ومواجهة التطرّف والعنف والارهاب ، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها ،وسياسات التمييز العنصري والديني والنسوي الجنساني ، وكل اشكال العبودية والتغير المناخي والتصدي للجائحات والامراض الفتاكة ومكافحة الفقر والجوع والجهل .

إن جائحة كوفيد-19 مأساة إنسانية بالتأكيد ولكنها خلقت فرصة لمعاودة البناء من أجل إيجاد عالم أكثر مساواة وأمان وسلام، مع بزوغ ملامح لنظام عالمي جديد يتمحور حول مستقبل الحرية والعلم والديموقراطية وتجريم خطاب الكراهية والحقد والتحريض، ولكن ذلك بحاجة الى حنكة وفطنة سياسية لدفع هذه التغيرات قُدماً، بعيداً عن اليتم السياسي الذي يشهده العالم في غياب الارادة والادارة لاجتياز الأزمات المتفاقمة.

على ما يبدو أن انعكاس تشكل الاستراتيجية الجديدة في البحر المتوسط يتجلى بتصاعد التوتر الأوروبي – التركي، وبروز قوى جديدة (تركيا وروسيا)، على حساب القوى الأوروبية الفاعلة تاريخيا في حوض المتوسط، بيد أن هذه التعقيدات تعمل على إحياء البعد المتوسطي في سياسات الاتحاد الأوروبي، للحد من تدخلات القوى الجديدة وخصوصاً في ظل التنافس على الحدود البحرية والتنقيب عن الغاز والنفط، وملف ليبيا والتدخلات فيها، وملف الهجرة غير الشرعية الى اوروبا.

مما دعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الى اعتبار أن “أوروبا ترتكب خطأ جسيما في حال ترك أمن شرق المتوسط في يد أطراف أخرى خصوصا تركيا “. وفي نفس السياق طالب بحزمة عقوبات تطال منتهكي المجال البحري في شرق المتوسط.

على الطرف الآخر تعرضت العلاقات بين أكبر اقتصاديتين في العالم لانتكاسة جديدة مع إصدار الصين الأوامر بإغلاق القنصلية الأمريكية في شينجدو، رداً على إغلاق الولايات المتحدة البعثة الدبلوماسية الصينية في هيوستن في وقت سابق.

تشير استطلاعات الرأي في انتخابات الرئاسة الامريكية الى تقدم للمرشح الديموقراطي جو بايدن ، مما يطرح سؤالاً هاماً ، هل جهزنا دراساتنا لو أصبح هو الرئيس المقبل ، (بالرغم من وجود مفاجآت قد تحصل مثل الانتخابات السابقة لترجيح كفة الرئيس ترامب )، وهل تتم دراسة احتمالات فوز بايدن ، ما هي خطة عقلاء العالم العربي في حال رفع مستوى التدخل الأمريكي في سياسات المنطقة بشعارات متعددة … وإعادة تفعيل الاتفاق النووي مع إيران ، والتغاضي عن مغامرات تركيا – اردوغان في المنطقة وشرق المتوسط، من الموصل حتى إدلب ، ومن أرمينيا وصولاً إلى ليبيا .

وهل تعود السياسة الامريكية الى مشروع الدولتين في فلسطين … وهي القضية المركزية ميزان الحلول في المنطقة لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام المستدام.

على صعيد آخر أكد رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات في مصر المستشار لاشين إبراهيم خلال دعوته المواطنين للمشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ على أن وجود مجلس الشيوخ في مصر، “ليس بدعة”، وأن جميع الدول فيها غرفتان، “النواب والشيوخ”. ومعتبراً ذلك إثراء للديمقراطية وأن “المجلس يراجع القوانين والمعاهدات الدولية مرة اخرى “.

بعد حوالي عقد، لا يزال سد النهضة رمزا قويا لتطلعات التنمية الإثيوبية،

كما أنه يوفر فرصة للوحدة في بلد متنوع عرقياً يمر بمرحلة انتقالية ديموقراطية مليئة بالمشاكل، إلاّ أن تنديد مصر والسودان الحق بانفراد اثيوبيا في قرار ملىء السد ينذر بعواقب وخيمة إذا لم يتم الاتفاق بين الدول الثلاث لتهديده المباشر على الامن – القومي – المائي في مصر والتي تعتمد على مياه النيل بما يزيد عن ٩٠٪؜ لتلبية احتياجاتها المائية والزراعية والتنموية.

إن الخيارات الاستراتيجية الاقتصادية التي تحمل في طيّاتها الحلول لمعظم دول المنطقة، هي تحديد هوية الاقتصاد وإعادة هيكلته للتحول إلى اقتصاد إنتاجي، ومكافحة الفساد وفق القواعد والمعايير المحلية والدولية، وهيكلة الدّين والقطاع العام والمصرفي عبر دمج المصارف العامة كخطوة استراتيجية في تصحيح الوضع المالي، مع الانفتاح على الدول المستعّدة للتعاون والمساعدة في برامج ومشاريع النهوض والتنمية المستدامة لترسيخ الامن والاستقرار والسلام وانعكاساته إقليميا ودولياً.

لا يمكن ضمان السلام والأمن في سورية إلا بمساعدة الدول الضامنة “مجموعة أستانا”: روسيا وإيران وتركيا (وبدعم أمريكي وتأييد أقليمي ودولي) الذين أكد قادتهم في بداية تموز / يوليو التزامهم بسيادة سورية وسلامتها الإقليمية واتفاقيات سوتشي وتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 .

إن السعي المشترك لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية المدنية الحديثة هو فعل الضرورة لدخول التاريخ المعاصر، مع احترام التنوع المجتمعي ومعتقدات ومصالح وخصوصيات كل الاطياف السورية، والإقرار بحقها في التطور والرعاية كونها جزءاً أصيلاً لا غنى عنه في جسد الشعب السوري الموحَّد.

‏لن نبرر، ونشرح بأن البيئة بمختلف تسمياتها، هي صحتنا وبأن الحفاظ عليها يحفظ مستقبل الأجيال بعدنا.

‏ولن نبرر، ونذّكر أننا بفقدان الطبيعة وتنوعنا واختلافنا الطبيعي لن يبقى لنا وطن نختلف عليه!

‏لا لن نبرر … لأننا ببساطة، نستحق الحلم … نستحق الحياة …

والى لقاء آخر …

مهندس باسل كويفي

كل عام وأنتم بخير