صدر للأستاذ الباحث محمد نبيل ملين، في الأيام الماضية، كتاب جديد يحمل عنوان “فكرة الدستور في المغرب”، وهو عبارة عن وثائق ونصوص توثق لتاريخ المغرب الدستوري ما بين سنتي 1901 و2011، ويعدّ أول عمل يجمع مختلف القوانين التي نظمت المعترك السياسي للمغرب.​

الكتاب طُبع بدعم من الصندوق الأوروبي للديمقراطية وقطب الحكامة التابع للسفارة الفرنسية بالرباط ومركز جاك بارك ومركز البحث التابع لجامعة محمد السادس متعددة
التخصصات، ويقع في 240 صفحة من الحجم المتوسط، ويقترح صاحبه 20 درهماً كثمن للبيع.​
وفي توطئته لهذا المؤلف، قال الكاتب إن فكرة “الدستور بزغت في المجال الأوروبي كمحاولة لعقلنة المعترك السياسي عن طريق تنظيم العلائق بين الحكام والمحكومين”. وقد كان المغرب ينظر بعد ذلك إلى الدولة العثمانية وتونس ومصر وفاس كنموذج يتحذى به، نظراً للتطور الذي عرفته على مستوى فكر الدستور.​
وأشار مُلين إلى أن “النظام السياسي المغربي كان تقليدياً، حتى بداية القرن التاسع عشر، يقوم على وسائل هيمنة بسيطة لكنها فعالة نسبياً، فقد اكتفى السلاطين ببعض الإصلاحات القطاعية الخجولة عبر آبهينبالمجال السياسي رغم أنه قطب الرحى الذي يدور حوله كل شيء”.​
وقسم صاحب الكتاب التاريخ الدستوري المغربي إلى ثلاث مراحل، وكتب يقول: “رغم كون فكرة الدستور طارئة في المغرب فقد تجذرت في مشهده السياسي وأمست من أهم ركائز الشرعية. وقد مر هذا التاريخ بثلاث مراحل رئيسية هي فترة الانهيار 1901 – 1912، ومدة الحماية 1912 – 1956، وعصر الاستقلال 1956 – 2011”.​
وأوضح الكاتب، في تصريح لهسبريس، أن العمل استغرق سنة من البحث والتنقيب عن الوثائق والنصوص المتعلقة بالدساتير المغربية، خصوصاً في الفترة الأولى. وقد اعتمد على ما هو موجود في الخزانات المغربية، وفي الأرشيف الفرنسي.​
وقال إن الهدف الذي جعله يقوم بهذا العمل هو إتحاف الجمهور بإحدى وعشرين وثيقة ونصا دستوريا من مختلف المشارب، “يمكن أن تكون بداية للمجتهد ونهاية للمقتصد”، مشيراً إلى أن “أغلب النصوص كانت وما تزال دفينة أو مجهولة أو مغمورة”.​
أول وثيقة دستورية يقدمها الكاتب هي مذكرة عبد الله بن سعيد سنة 1901، التي جاءت مع بداية مرحلة كان المغرب يعيش فيها وضعاً سياسياً واقتصادياً منهكاً بسبب نزاع الأمراء ونزوع الأهالي إلى الثورة وتوالي الكوارث الطبيعية وتغير المنظومة الدولية، الأمر الذي جعله عرضة للأطماع الأوروبية.​
وأورد الكتاب أنه حين تسلم السلطان عبر العزيز الحكم (1894 – 1908)، بدأ يفكر ملياً في إبعاد الخطر المحدق بالمغرب بسبب تزايد ضغط القوى الاستعمارية؛ حيث تلقى رسائل ومذكرات من العلماء والأعيان، من بينهم عبد الله بن سعيد الذي رفع كتاباً إليه سنة 1901.​
هذا الكتاب يقترح فيه بن سعيد مقدمة و19 فصلاً مقتضباً ومجموعة من الإجراءات العملية لعقلنة مختلف مرافق “الإيالة الشريفة”، وترشيد مواردها وإعادة تأهيل قادتها، معتمداً أساساً على وسائل شبه تقليدية، اللهم انتخاب مجالس محلية لمراقبة عمل الولاة.​
وعبد الله بن سعيد، بحسب الكتاب، يعتبر من الرعيل الأول من الوطنيين المغاربة بالمفهوم الحديث، وكان يدافع بكل الوسائل المتاحة عن استقلال المغرب وعن هويته، ما جعله عرضة للاضطهاد قبل وبعد توقيع معاهدة الحماية.​
وبالإضافة إلى مذكرة عبد الله بن سعيد، يضم الكتاب “مذكرة علي زنيبر” سنة 1906، و”مذكرة عبد الكريم مراد” 1906، و”البيعة المشروطة” 1908، و”مشروع دستور لسان المغرب” 1908، و”مذكرة محمد الأمين التركي” 1910، و”معاهدة فاس” سنة 1912.​
إضافة إلى “مطالب الشعب المغربي” سنة 1934، و”عرائض المطالب بالاستقلال” 1943-1944، و”مشروع محمد المنتصر بالله الكتاني” 1945، و”مذكرة حزب الشورى والاستقلال” 1947، و”مشروع دستور حزب الإصلاح” 1954، و”العهد الملكي” 1958، و”مشروع محمد بنونة” 1960-1961، و”القانون الأساسي للمملكة المغربية” 1961. زيادة على دساتير المملكة المغربية لسنوات 1962 – 1970 – 1972 – 1992– 1996 – 2011.​
وتوقف الكاتب عند مرحلة الدستور الأخير وقال: “إن الأوضاع في بداية الألفية الثالثة كانت تتميز بنوع من الركود على مستوى الوضع السياسي، أهم ملامحه تهرؤ المشهد الحزبي تدريجياً بعد إنهاء تجربة التناوب الديمقراطي سنة 2002”.​
وأضاف: “بقيت دار لقمان على حالها إلى حدود سنة 2011 عندما اندلعت مجموعة من الانتفاضات في العديد من دول المنطقة أربكت حسابات وتحركات عقد من الزمن، وظهرت حركة 20 فبراير وكانت كافية لزعزعة الوضع القائم”.​
لكنه استدرك بأن ضعف الحركة “جعل المؤسسة الملكية تستعيد المبادرة السياسية بسرعة وأطلقت بشكل أحادي مشروع إصلاح شامل يوم 9 مارس 2011، كان أهم ركائزه تعديل الدستور. لم توكل هذه المهمة إلى هيئة منتخبة بل إلى لجنة ملكية معينة. ولذلك، حافظ الدستور على طابعه الممنوح رغم أن بعض المطالب القطاعية أخذت بعين الاعتبار، لاسيما ما يتعلق بالهوية وحقوق الإنسان”.​
وخلص الكاتب إلى أن دستور 2011 يضع المغرب في مفترق طرق: التراجع أو المراوحة أو الإصلاح، وهي “كلها خيارات صعبة ومكلفة تتوقف بشكل كبير على تطور موازين القوى على أرض الواقع وعلى المتغيرات الدولية في السنوات المقبلة”.​
جدير بالذكر أن محمد نبيل ملين، صاحب الكتاب، حاصل على دكتوراه في التاريخ من جامعة السربون، وعلى دكتوراه في العلوم السياسة من معهد الدراسات السياسية في باريس، وعمل أستاذاً باحثاً في المركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي، وله العديد من المؤلفات؛ من بينها “السلطان الشريف: الجذور الدينية والسياسية للدولة المخزنية في المغرب”، سنة 2013.