ميلان بابيتش، دورية الشؤون الدولية، 1 مايو 2020، المملكة المتحدة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية

ملخًّص:
في تحليله للأزمة الراهنة التّي يعيشها النظام الدولي الليبرالي، يركّز بابيتش على “النقطة العمياء” التّي لا تلتفتُ إليها كثيراً المناقشات الكثيفة الراهنة بخصوص أزمة النظام الدولي الليبرالي، أو ما يُسمّيه بفترة “فراغ السلطة أو خُلّو العرش”، وهي الفترة التّي تتوسّط الموت البطيئ للنظام القائم والصعود الذّي يلوح في الأفق للنظام القادم، والتّي يعتبرها فترةً حاسمةً لا تحتاج إلى وصفٍ وحسب بل إلى تحليلٍ متعدّد الأبعاد وعابرٍ للتخصّصات ولجوانبها المعقدّة ومصادر أمراض أزماتها العضوية، وذلك بإستخدام ترسانةٍ من المفاهيم المستوحاة من المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، أبرزها مفهوم العملية، العضوية والإعتلال/الأعراض المرضية، وكلّها مفاهيمٌ إستخدمها غرامشي في تحليله لأزمة الليبرالية والدولة الإيطالية خلال الفترة التّي شهدت آخر إنتقالٍ كبيرٍ للنظام العالمي سنوات العشرينيات والثلاثينيات من القرن المنصرم. إستناداً لطريقة تفكير غرامشي تجاه الأزمة، يهدف الكاتب هنا إلى إستخلاص إطارٍ تحليليٍ نظريٍ وأدواتٍ تحليليةٍ مساعدةٍ على فهم ما الذّي حدث بالضبط ليصل النظام الدولي الليبرالي إلى أزمته الحالية وكيف حدث ذلك، مُطبِّقاً هذا الإطار على مستوياتٍ ثلاث: مستوى الإقتصاد السياسي العالمي (مستخدماً مفهوم العملية)، مستوى الدولة (مستخدماً مفهوم العضوية) وأخيراً المستوى المجتمعي-الثقافي (مستخدما مفهوم الإعتلال)، مُحاججاً بأنّ هذا الإطار من شأنه أن يُساعد على تجاوز التحليلات المعزولة للأبعاد المختلفة للأزمة ويُحقّق فهماً وتقييماً تجريبياً أكثر شمولاً لها. يرى بابيتش بأنّه من المرجّح أن تمتدّ فترة الفراغ هذه مدّةً أطول، فقد تمرّ عقودٌ من عدم الإستقرار واللايقين حتّى يتّم إيجاد توازنٍ جديدٍ مستقرٍ على نحوٍ مهيمن، في غضون ذلك تجري عملياتٌ مهمّة (البريكسيت، تراجع دور الإتحاد الأوروبي، تآكل الإدارة والهيمنة الأمريكية، صعود الصين تحت حكم قيادة قوية..) وكلّها “أحداث” تحتاج إلى فهمٍ وتحليلٍ أفضل من مجرّد النظر إلى الماضي بغرض إصلاح النظام أو إلى المستقبل بغرض توقّع طبيعة النظام القادم أو بناءه. ولأجل بلوغ هذا الفهم يستحضر الكاتب مفهوم غرامشي عن العملية، فللأحداث وللأزمات “تاريخٌ” خاصٌّ بها، إذ تنشأ في تناقضاتٍ أو توتراتٍ داخل النظام القديم المُحْتَضِر أنشأتها النزعة الرأسمالية أساسا، وهي عملياتٌ طويلةٌ ومتعدّدةُ الأبعاد يُمكن أن تستمر لعقود، كما يُمكن أن تُطوِّر “حياةً” خاصةً بها، فالأزمة الحالية للنظام الدولي الليبرالي تنتج في نظره حقائق سياسيةٍ جديدةٍ تستحق التحليل في حدّ ذاتها. فيما يتعلّق بمفهوم العضوية، يُميّز الكاتب بين الأزمات الظرفية والأزمات العضوية، حيث تظهر الأولى في الحياة السياسية (الوطنية/العالمية) اليومية، تكون أقل جوهريةً في العادة، ولا تتغيّر من تلقاء نفسها، أمّا الثانية، فهي التّي تتحدّى الأساسيات التّي يقوم عليها النظام، إنّها تُنتج “أعراضاً مرضيةً” تُعطّل الحياة السياسية والإقتصادية (الوطنية/العالمية) اليومية وتُدمّر على المدى البعيد النظام القديم وعلاقات القوة به. لا يَقدِر الفاعلين القدماء بالنظام الدولي الليبرالي على حلّ أزماته في إطار هذا النظام المُحْتَضِر فيؤدّي ذلك إلى حدوث إنقسامٍ بين مؤيدين لهم وللنظام القائم وبين تلك الفواعل التّي تريد أن تُشكّل جزءاً من هذا النظام، وإذا ما سحبت هذه الدول دعمها للعناصر الأساسية للنظام الدولي (كالإنفتاح الإقتصادي، التعاون الأمني ومؤسّساته) فسيؤدّي ذلك بدوره إلى أزمة خُلّو العرش/فراغ السلطة على المسرح الدولي (وهذا ما يحدث الآن). يُشكّل هذا الإنقسام الوطني-الدولي الأزمة العضوية للنظام الدولي الليبرالي، حيث يفقد النظام القديم شرعيته، لا تُقدّم دوله الداعمة حلاًّ ولكنّها في المقابل تُوجّه نفسها بعيداً عن عناصره الأساسية. تتعلّق النقطة الثالثة بما يُسميّه غرامشي “بالأعراض المَرَضِية”، حيث تتشكّل الأزمة “من حقيقة أنّ القديم يموت والجديد لا يمكنه أن يُولد، في فترة خلو العرش/فراغ السلطة الفاصلة هذه تظهر مجموعةٌ متنوّعةٌ وكبيرةٌ من الأعراض المرضية” وهي ثمرة النظام المُحْتَضِر، تُظهر بأنّ النظام الحالي يُعاني من مشكلاتٍ وجوديةٍ من غير المرجّح حلّها ضمن حدود الإطار القديم، في الوقت نفسه لا يبدُ بأنّ نظاماً جديداً مستقّراً على نحوٍ مهيمنٍ في طور الصعود مستعداً ليحّل محلّ القديم، وهكذا تتشكّل فترة الأزمة من خلال هذه الأمراض التّي لا يُمكن إدارتها ولا تُمثّل أيضاً بديلاً قابلاً للتطبيق في المستقبل. في هذا الصدد يعمل الكاتب هنا على تتبّع مصادر هذه الأمراض بشكلٍ منهجي ضمن الديناميكيات المتغيّرة في العمل على المستوى المجتمعي، محاولاً فهم دوافع هذه الأمراض المتجلّية في التآكل التدريجي –السلبي والنشط- للقيم والمواقف التّي تُدعّم النظام الدولي الليبرالي. إنّها مهمّةٌ متعدّدة التخصّصات والمجالات السياسية، الإقتصادية، المجتمعية والثقافية مثلما يؤكّد الكاتب هنا من خلال جملة الأمثلة التّي يُقدّمها عبر المستويات الثلاث المُشار إليها سابقاً إستلهاماً من طريقة التفكير الغرامشية.

إعداد وترجمة: جلال خشِّيب، البوصلة الجيوبوليتكية، مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية، المجلّد الأول، العدد السادس والعشرين، 29 مايو 2020، إسطنبول-تركيا – مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية 2020

نظرا لوجود مراجعة تقنية بموقع المركز، يمكنكم تحميل العدد السادس والعشرين لاحقا باللغات الثلاث العربية، الإنجليزية والتركية.
http://www.geopoliticalcompass.com/

Print Friendly, PDF & Email