فهم قضايا النزاع ونماذج عن النزاعات في أفريقيا

من إعداد الأستاذة: سعيدة سلامة

    لدراسة فض النزاع وتطبيقاتها أهمية بالغة لأفريقيا وذلك لأن كثرة النزاعات المسلحة والحروب في القارة في عهود ما بعد الاستعمار جعلت لأفريقيا سمعة سيئة كأحد أفقر مناطق العالم وأكثرها اضطرابا . وشهدت نهاية الحرب الباردة ولا سيما تسعينات القرن العشرين ومطلع الحادي والعشرين تزايدا في نشوب النزاعات داخل الدول في أفريقيا – أفقيا بين مختلف الكتل الاجتماعية العرقية والثقافية داخل الأراضي القومية للدولة الواحدة، ورأسيا بين جماعات تشعر بالإقصاء والتهميش من بنى السلطة القائمة من ناحية والسلطة المركزية من ناحية أخرى ، وكما تبين تجارب تمرد التواريخ في منطقة الساحل والنزاعات في حوض مانو وجمهورية الكونغو الديمقراطية فإن العديد من النزاعات التي نشبت محركات داخلية أو حروب أهلية انتشرت دون قصد إلى سائر البلدان المجاورة أو انتهى أمرها بجر نوع ما من التدخل او التواطؤ من الدول المجاورة والقوميات العرقية عبر الحدود الدولية.

   أدى التاريخ المأساوي ودورة انهيار الدول والحروب والنزاعات المسلحة في شتى بقاع أفريقيا- وإن طرأ تحسن كبير في الموقف في السنوات الأخيرة مع بزوغ فجر الألفية الجديدة- إلى إحياء الجدل حول كيفية منع النزاعات المسلحة وإدارتها وفضها وتحويل مسارها في القارة. وهذا الفصل يستكشف مفهوم فض النزاع وتطبيقاته في أفريقيا . فما السبل المختلفة المطبقة في محاولة فض النزاعات المسلحة أو إدارتها أو منعها في أفريقيا ، وما التحديات والفرص العملية التي تفرزها؟

مناقشات نظرية حول فض النزاع :

 يأتي فض النزاع ولا سيما النموذج التقليدي أو السائد منه بفرضية أساسية حول نظرية النزاعات وعليتها  وهي فرضية تضرب بجذورها في الفكرة الواقعية والسلوكية الكلاسيكية (علم النفس السلوكي بخاصة) والتي تقول بأن السلوك البشري- وبالتبعية سلوك التنظيمات البشرية والمؤسسات والدول- تحركه المصالح الخاصة. ويؤدي تضارب المصالح بين العناصر الفاعلة بالضرورة إلى نزاعات، وقد تنقلب النزاعات إلى صدمات عنيفة إذا لم يكن هناك رادع وهو ما يحدث في الغالب حسب المسائل المتنازع عليها وسعيا إلى تحقيق المصالح. وبتفاقم الارتكاس السلوكي إلى نزاع عنيف نتيجة لخلل في معادلة القوة، ما يمد العناصر الفاعلة بفرصة نهائية لاستكشاف الوسائل القهرية سعيا لتحقيق مصالحهم ، ومن هذا المنطلق الواقعي تعتبر النزاعات العنيفة خيارات منطقية لعناصر فاعلة منطقية في عالم يتسم بمحدودية الموارد والتنافس على المصالح . فهي استجابة نفسية منطقية (خيار ذاتي) لعالم تنافسي تحركه المصالح ومحدودية الموارد (واقع موضوعي) .

   ويرى المؤيدون أن الميل النفسي لدى العناصر الفاعلة الاجتماعية للجوء للنزاع تعززه التنشئة (تجارب التأميم) والطبيعة(العدوانية الفطرية والميل الوراثي للعنف نتيجة الحرمان من احتياجات وجودية معينة) .

  ويرى الواقعيون (الجدد) والسلوكيون أن النزاعات العنيفة محتومة ، إلا أن المعارضين ينقسمون حول معنى فض النزاع والغرض منه ، ويرى معظم المعارضين أنه نظرا لاحتدام التناحر على الموارد النادرة وبنية القوة غير المتماثلة في المجتمع فلا مجال إلا للسيطرة على النزاعات (العنيفة) وإدارتها واحتوائها وتهدئتها ولكن لا سبيل لفضها تماما، أو بمعنى أدق يستحيل فضها أو يكاد ، ويرى هيو ميال أن مفكري إدارة النزاع يرون في النزاع العنيف نتيجة متأصلة لاختلافات في القيم والمصالح داخل الجماعات وفيما بينها …. وفض نزاعات كهذه عندهم امر غير واقعي، وخير ما يمكن عمله إدارتها واحتوائها والتوصل أحيانا إلى تسوية تاريخية تتم فيه تنحية العنف جانبا ومواصلة السياسات المعتادة .

ويعبر زارتمان  عن خطاب سلوكي فيقول : ” يمكن منع النزاع في بعض الحالات وإدارته في غيرها ، ولكن لا سبيل لفضها إلا إذا اخذ اللفظ بمعنى تلبية المطالب الظاهرة دون الاستئصال الكلي للمشاعر الكامنة والذكريات والمصالح ، والزمن وحده كفيل بفض النزاعات وحتى الجروح التي يبرئها تترك وراءها ندبا كمرجع مستقبلي ، ولكن بغير هذا البرء التام هناك الكثير مما يمكن عمله للحد من النزاع وبالتالي توفير الطاقة المطلوبة لما هو أجدى “.[15]

  أدت الافتراضات حول استحالة فض النزعات العنيفة أو استئصالها بالعديد من المؤيدين إلى توجيه طاقاتهم إلى ما يرون فيه بديلا أكثر واقعية، ألا وهو إدارة النزاع- وهو مصطلح يتداول عادة لوصف الظواهر المتصلة بتهدئة النزاع واحتوائه عبر سبل بناءة تهدف إلى تعزيز الحوار والتغيير السلوكي الإيجابي والحد من العنف والتسوية السياسية .

   وتعبر النظرية النقديية لفض النزاع عن رؤية بديلة تدحض افتراضات الواقعيين والسلوكيين حول حتمية النزاعات العنيفة واستحالة فضها، فيرى المفكرون النقديون أن قائمة أولويات إدارة النزاع لدى الواقعيين والسلوكيين تعطي ميزة للتباينات القائمة على الأمر اواقع في توزيع السلطة والمصالح المرتبطة بها ، ويقولون إن فض النزاع ممكن في بعض الحالات، بل إنه ضروري ومطلوب من أجل التغيير والتحرر والتحول، وخطاب “التحول التحرري” يؤدي في الحقيقة إلى التفرقة الحاسمة التي يقول بها المفكرون النقديون بين فض النزاع وتحويل النزاع، ففض النزاع يهدف إلى تناول أسباب النزاع ويسعى لبناء علاقات جديدة طويلة المدى بين الأطراف المتناحرة من خلال مساعدتهم على استكشاف مواقفهم ومصالحهم  وتحليلها وطرحها وإعادة صوغها ، وهو يحيل الأطراف المتنازعة من أنماط النزاع المدمرة بين فائز وخاسر إلى نتائج بناءة إيجابية ، وتحويل النزاع من ناحية أخرى عملية تتعاطى مع بنى اجتماعية واقتصادية وسياسية أوسع نطاقا في صلب نزاع ما  وتحويلها، وتشمل ضمنا تحويل العلاقات والمصالح والخطاب بل تركيبة المجتمع التي تدعم استمرار النزاع نفسها إن لزم الأمر ، وإذا كان فض النزاع يناسب حل النزاعات المعلنة فإن تحويل النزاع يلائم معالجة النزاعات المعلنة والمستترة / السطحية معا. ويؤكد المفكرون النقديون على دور طرف ثالث يتحلى بالبراعة والقوة لمساعدة الطرفين على تحقيق نتائج بناءة في فض النزاع أو تحويله .

 ولإيضاح التعريف: ” النزاع المعلن متأصل وسافر تماما وقد يتطلب إجراءات تعالج كلا من الأسباب الجذرية والنتائج الملموسة ،والنزاع المستتر فينشب في الخفاء أو تحت السطح وقد يحتاج لإخراجه لحيز العلن قبل معالجته بفعالية، أم النزاع السطحي فهو ضحل وبلا جذور وقد لا يزيد عن سوء فهم للمقاصد ويمكن معالجته عن طريق التواصل “.

هذا التعريف للنزاع (معلن وسطحي ومستتر) يمكن أيضا صوغه في سياق تفرقة يوهان جولتاج (Johan Gultang1990° الشهيرة للعنف الهيكلي عن الأنماط المعلنة والسافرة للعنف المباشر أو النزاع العنيف، كالحرب والاضطرابات المدنية، ويستخدم جولتاج مصطلح العنف الهيكلي في إشارة إلى العنف ذي الطبيعة الخفية، كالعلاقات الاستغلالية والقمعية المتأصلة في البنى الاجتماعية المتباينة ومؤسسات المجتمع. وأنماط النزاع ومستوياته تتطلب طرقا متباينة لفضها. فالعنف المباشر مثلا يمكن فضه بتغيير سلوكيات النزاع، والعنف الهيكلي بإزالة التناقضات الهيكلية والظلم، والعنف الثقافي بتغيير المواقف ، وبتركيز المفكرين النقديين على تحويل البنى الدفينة التي تولد النزاع في المجتمع كالبنى الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والسياسية الفاسدة يدمجون تفسيرات الاقتصاد السياسي لأسباب النزاعات المتأصلة والمسببة للخلاف والعنيفة .

 طبيعة النزاعات في أفريقيا : بعض الرؤى الفكرية

سيكتشف هذا الفصل تحليل النزاعات الأفريقية وتحميصها كما وردت في النظريات السائدة والرؤى التفسيرية وذلك بغرض إيجاد رؤية فكرية عن طبيعة النزاعات في أفريقيا، فعلى أساس تحليلات الأسباب والمحفزات الرئيسية يركز العديد من الدراسات الحديثة ومدارس الفكر الرائدة على النزاعات ذات الأهمية والنتائج المتباينة داخل عدد من دول أفريقيا المتجاورة وفيما بينها.

 البدائية : هناك نموذج غربي مركزي إلى حد كبير ومؤثر يرى في انتشار النزاعات المسلحة والحروب في أفريقيا حتمية أصلية أو نزعة ارتجاعية تضرب بجذورها في السمات الظواهرية الكامنة والفوارق بين التجمعات المتباينة العناصر والجماعات العرقية الثقافية الإقليمية التي ربطت معا في حزم من قبل حاكم استعماري مطلق لتشكل دولا مستقلة، وبعض التجمعات والجماعات العرقية الموحدة في أفريقيا كما يرى أنصار البدائية تمثل خصوما بينهم عدوات تاريخية قديمة ترجع إلى حروب الغزو والسيادة قبل الاستعمار بين مختلف القبائل والعشائر والممالك والإمبراطوريات الأفريقية .وبالتالي فالحروب والنزاعات المسلحة المعاصرة في أفريقيا يفسرها المؤيدون بأنها بعث للروح والغرائز الحربية الطليقة وعقلية الماضي، ونظرا للميل الوراثي للتعبئة السياسية والتناحر في معظم دول أفريقيا بناء على سمات بدائية متأصلة فإن النزاعات العنيفة تصبح حتمية ومزمنة على ما يبدو.[16]

الذرائعية: هي مدرسة فكرية رائدة أخرى يمكن تسميتها النهج الذرائعي ، وتركز على موقع الهويات البدائية في النزاعات الأفريقية ولكن في علاقاتها بالبنى السياسية المحلية ودور الهيئات الإنسانية، وفي حين يعترف الذرائعيون بوجود ما يعرف بالسمات البدائية – القبلية والثقافية والديانة العريقتان- فإنهم يرون أن هذه السمات في حد ذاتها لا تؤدي بصورة طبيعية إلى نزاعات عنيفة. فالعوامل البدائية  لا تثير النزاعات إلا بقدر الذي تستغل به وتسيس من قبل العناصر الفاعلة والنخب المحلية ولخدمة مصالحهم عادة، أي أن الخلافات الذاتية بين الجماعات القبلية أو العرقية أو الدينية ليست هي التي تترجم بشكل حتمي إلى نزاعات بدائية أو نزاعات هوة، بل “الاختيار الذاتي” للاعبي السلطة المهيمنة والنخب المحلية ، وتسييس الهوية البدائية وإضفاء طابع عاطفي عليها عن طريق التصرفات الواعية وخطاب الوسطاء ، يخدمان أغراضنا ذرائعية نفعية بمعنى أنهما يساعدان الآخرين على الفوز بشعبية وانتصارات انتخابية رخيصة وعلى وضع جداول أعمال سياساتهم المنتقلة في دوائرهم الانتخابية المختلفة ، ويلقى باحثون من امثال لويس (Lews 1996) وجروجل(Grugel 2002) باللائمة في هذا التوجه على الطبيعة الوراثية المحدثة للسياسة في معظم دول أفريقيا، ما يعكس السمات الخارجية للدول الإدارية ، في حين يعملون بمقتضى علاقات بين الراعي وتابعه وفي مسارات تضرب جذورها في الأنماط التاريخية للسلطة والتضامن الاجتماعي ، والسياسة الوراثية المحدثة تشوش التفرقة الحداثية بين الدنيوي والمقدس ، بين الرسمي والعامي، والأهم  بين الموارد العامة والخاصة. والحقيقة أن الوراثية تشوش التفرقة القانونية المعاصرة بين المنصب العام وشاغله والموارد العامة ، لذا فمسؤولو الدولة لا يجدون ما يردعهم عن استغلال المناصب العامة لتعظيم مكانتهم ولتمييز أصدقائهم وأقاربهم وأنصارهم العرقيين ممن يتولون في العادة مواقع استراتيجية لضمان بقاء النظام. تنشأ النزاعات من المنظور الذرائعي بتناحر الساسة والنخب المحلية حول سلطة الدولة ومواردها ، وغالبا بتجنيد ميليشات  وجيوش خاصة من دوائرهم العرقية القومية لتحدي “الدولة الفخرية” أو خلعها أو الحول محلها ، وليس بالضرورة لتحسينها أو تغييرها . فتنشب نزاعات ضعيفة أو متوسطة أو حادة حسب قدرات اللاعبين الأساسيين ومدى خبثهم ، وتتصاعد في النهاية لتشكل ظواهر لفشل الدولة وانهيارها والتفتت الاجتماعي.

البيئة السياسية  ونظريات جدوى النزاع

يركز بعض المفكرين على البيئة الاستنزافية غير المتوازنة لمعظم اقتصاديات ما بعد الاستعمار وهشاشتها ويؤكدون على التناحر من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية بين الجماعات السياسية المحلية كعامل أساسي لنشوب النزاعات المسلحة والحروب أو تأجيجها في أفريقيا ، ومن الحالات التي يستشهد بها المعارضون لدعم نظريتهم تمرد يوهان سافيمبي في أنجولا ولا سيما مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وحرب “الجبهة الثورية المتحدة” في سيراليون، وتمرد “الجبهة الوطنية القومية الليبرالية” في ليبيريا ، ونزاع دلتا نهر النيجر في نيجيريا ، والحرب الطاحنة الطويلة في جمهورية الكونغو الديمقراطية ، ومن المعروف أن معظم اقتصاديات عوائد ضعيفة تقوم على استغلال أحد الموارد الطبيعية أو مجموعة منها وتصديرها كالماس والذهب واليوارنيوم والكوبالت والنحاس والفوسفات والخشب والنفط، ورواد مدرسة النزاع القائم على الموارد من أمثال هومر – ديكسون ( Homer – Dixon) وكارل (Karl1997)  وواتس (Watts1999) وكوليير وهوفلر(Collier and Hoefller2000) وروس (Ross2003) يصوغون النزاعات الأفريقية كنزاعات ضاربة بينما تعمل سياسة من يسيطر على الموارد الطبيعية الاستراتيجية والعوائد المتحصلة منها إما كعامل مثير للنزاع أو محفز رئيس له، يؤكد هومر – ديكسون على سبيل المثال في تفسير بينى هيكلي سوء التنافس بين الجماعات وبين الدول حول “الموارد البيئية النادرة ” وكيف تعجل ابلنزاعات ، ويرى كوليير وهوفلر أن “الجشع والفرص (الاقتصادية) لا الظلم الحقيقي، هو سبب انتشار الجماعات المتحاربة في عديد من البلدان المصابة بالنزاعات في أفريقيا والعالم الثالث، وأن انتشار الموارد الطبيعية القابلة للنهب كالماس والكوبالت وغيره يرجح أن تزيد من استمرارية النزاعات المسلحة وحدتها ومن فرص الارتكاس إلى الحرب في نظام ما بعد النزاع، ويتوسع روس إلى الحرب في نظام ما بعد النزاع ، ويتوسع روس في نظرية جدوى النزاع فيقول إن الدول ذات العوائد والتي تعتمد على الموارد الطبيعية أقرب للشمولية منها للديمقراطية لأن الإنفاق العام فيها يقوم على تحصيل الضرائب بل على العوائد، وبذلك فالحكومة ليست مضطرة لاعتناق مبادئ التمثيل النيابي والمحاسبة والتي تعتبر سمة الحكم [17]الديمقراطي ، أما كارل وواتس فيقدمان تفسيرا بعد بنيوي ويؤكدان على دور الشركات العالمية والبنى المفتوحة لتراكم رأس المال في الإسهام في إثارة النزاعات وبدرجة أكبر في تأجيجها في أفريقيا والجنوب.

نقد للنظريات التفسيرية السائدة:

  هناك مزايا وعيوب في هذه النماذج التفسيرية ، فالنهج الذرائعي مثلا يعرض تفسيرا  عميقا لاختلال الاقتصاديات السياسية لعديد من دول أفريقيا ما بعد الاستعمار ودور النخب المحلية في التدهور المطرد في العلاقات بين الجماعات (لا الجماعات البدائية وحدها ، بل الطبقات الاجتماعية والجنسين أيضا) وتفاقم النزاعات العنيفة، أما النهج البدائي ونظرية جدوى النزاع – الجشع في مقابل الظلم – فيتقدم رؤية مرضية حتمية إلى حد كبير لدول أفريقيا باعتبارها معرضة بالفطرة لنزاعات ضاربة غير منطقية ، وهذا النموذج الاستطرادي  هو الذي جعل من أفريقيا ولسنوات عديدة بؤرة حروب قبلية وجماعية  في وسائل الإعلام الدولية، وإذا كانت مظاهر الشراسة والعداء العرقي متوفرة فمن المهم التأكيد على أنها عوامل ثانوية يشجعها ويصاحبها اضمحلال توريثي محدث وفشل الدولة. ويتعرض كبار أنصار نظرية الجشع في مقابل الظلم من أمثال كوليير وهوفلر بصورة خاصة للنقد لإيجادهم نظرية نخبوية محدثة تتمحور حول التمرد تتجاهل الدور الحاسم للسلوك غير المسؤول من جانب الدولة ( استشراء الفساد والقمع) في إثارة حركات التمرد والعصيان في المقام الأول من ثم فإذا كان للحروب والنزعات المسلحة الأفريقية بعد يتصل بالجشع كما يزعم المعارضون فإن جشع النخب (تشويه السلطة والموارد العامة) ربما كانت له قيمة تفسيرية أكبر مما يسمى جشع المرءوسين والمتأصل في النظريات السائدة .

   غن المشكلة الحقيقية في النظريات التي تغزو الأسباب للطبيعة البدائية والشراسة وما إلى ذلك من التفسيرات الغربية هي أنه نظرا لتاصل ما يسمى بالسمات البدائية في أفريقيا مثلا والمقترنة بعجز معظم دول افريقيا عن مسايرة الفكر الليبرالي الحديث لبنية الدول فإن هذه النظريات تساير التوجه الذي يعاقب كافة دول أفريقيا باعتبارها عرضة للنزاع وغارقة فيه ولا يرجى لها صلاح.

  والهم أن التحليلات من هذا النوع لا تقدم علاجا مناسبا وبناء بالتدخل في النزاعات . وليس بمستغرب ان بعض الباحثين الليبراليين المحدثين وأنصار التوصيف المرضى لنزاعات الأفريقية في الغرب من أمثال لينكليتر وهلمان ورانتر وفي إشارة إلى الدول الفاشلة في أفريقيا عرضوا اقتراحات بإعادة الاستعمار الحميد،فيوصي لينكليتر(Linklater 1996) بإصلاح الاستقلال من خلال أدوات جديدة للإشراف العالمي ، أو بعض أشكال الحكم الدولي تشبه نظام الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم على الدول الفاشلة والمعرضة للفشل والضعيفة ، العاجزة عن الوقوف على أقدامها في النظام الدولي ، ويرى هلمان وراتنر (Helman and Rantner) أن هذه الأشكال من “الوصاية” تمثل ” إستجابة عامة لتشر ذم العائلات والدوار العقلية أو البدنية أو العسر الاقتصادي ” . فيجب فرضها على مأزق الدول الفاشلة ويستحسن ان يكون ذلك من جانب الأمم المتحدة.

   ويكفي القول إن النزاعات الأفريقية جزء من التحديات التي تواجه بناء الدول، ونظرا لمحدودية تاريخ الدول المستقلة في أفريقيا فإن تحويل الدول الأفريقية من دول تابعة انشأها المستعمرون للغزو إلى دول تطورية تتمحور حول الشعوب  ليس بالمهمة اليسيرة ، وكان يمكن للتاريخ والتحول أن يكونا أيسر كثيرا في عديدي من الدول. ومن المهم في هذا السياق ان ندرك أن بناء الدولة تطور عبر القرون في أوروبا ، في حين أن مشروع وستفاليا للحكم الاعتباري ( في مقابل الحكم الفعلي) الذي فرض على أفريقيا عند الاستقلال لم يمض عليه سوى ستة عقود ونشأ في ظل مناخ دولي مختلف تماما واسهمت قوى العولمة المعاصرة والإشراف والحكم الاستعماري الذي يحدد المناخ الدولي الذي تعمل فيه الدول بعد الاستعمارية في الاعتلال السياسي والاقتصادي لهذه الدول الأقل حظا وبطرق شتى.

  ومن النقاط الأخرى ذات الصلة أن معظم الحروب والنزاعات المسلحة المعاصرة في أفريقيا أعقد بكثير مما تصور بعض النظريات السائدة نظرا للطبيعة المتعددة الأسباب والأبعاد والمتشابكة لهذه النزاعات.[18]

 فتشير ماري كالدور (Kaldor 2006) إلى الحورب الأفريقية بعد الحرب الباردة بسمى الحروب الجديدة ، التي تتسم بالغموض في التمييز بين الحروب (التقليدية) والجريمة المنظمة وانتهاك حقوق الإنسان على نطاق واسع أو على حد تعبير روبرت كالدور (1994) الفوضى افجرامية . وفي اوائل تسعينات القرن العشرين وصفت الأمم المتحدة الحروب الجديدة، بانها أزمات سياسية معقدة وهو مفهوم تداولته المم المتحدة لوصف انتشار الأزمات الكبرى في المجتمعات المتحولة والتي كانت معظمها نزاعات داخل الدول وتتسم بتعدد الأسباب و تتطلب ردود فعل دولية متعددة الأبعاد منها مزيج من التدخل العسكري وعمليات دعم السلم وخطط افغاثة الإنانية والدخل السياسي والدبلوماسية الرفيعة المستوى . وربما كانت هناك بعض التعميمات من حيث طبيعة الحروب والنزاعات المسلحة الأفريقية وديناميتها ، إلا أن مفهوم الأزمات السياسية المعقدة يقر بالحاجة لفهم النزاعات في كل من سياقها المحدد وأصدائها الإقليمية كشرط لازم لإعلان التدخل الملائم واتخاذ إجراءات الحل.

 تطبيق فض النزاعات في أفريقيا المعاصرة

جرت في الفصول  السابقة محاولات لبلورة فض النزاع وطبيعة المنازعات في أفريقيا ، وسنركز في هذا الفصل على تطبيق هذا الفن في أفريقيا – كيف تدار النزاعات الواقعية وكيف تتم تهدئتها وإقرارها وفضها إن امكن . ومن المهم أن ندرك أن كثيرا مما يطلق عليه فض نزاعات ليست في الحقيقة سوى بدع وحيل اعتباطية ناشئة عن تصورات سائدة . ومن عناصر هذه التصورات كما سبقت الإشارة فكرة صعوبة فض النزاعات تماما بل استحالته. وأن النزاع في أحسن الأحوال لا سبيل إلا للسيطرة عليه وإدارته وتهدئته وإقراره ، أما فضه ففيما ندر.

   هناك بعدان لتطبيق فض النزاع المعاصر في أفريقيا ، الحديث والتقليدي ، ولو أنهما ليسا حصريين . ولأغراضنا التحليلية يمكن أن نتناول كلا من النمطين على حدة مع الإشارة إلى نقاط التقاطع المعقدة بينهما ، وللقيام بذلك بصورة فعالة  علينا أن نتناول بالتقويم والتحليل بعضا من النزاعات المعاصرة في أفريقيا وجهود فضها.

النزاعات حول الدولة والطرق السائدة لإدارة النزاعات

يلاحظ أن معظم النزاعات الكبرى في أفريقيا المعاصرة تتمحور حول الدولة بما يوحى بأنها نزاعات تتحدى سيادة الدولة (بالمعنيين إقليمي والاعتباري) أو السلطة القانونية والأخلاقية للحكومة القائمة – أي أزمات الشرعية . والدولة عنصر أساسي في هذه النزاعات وبالتالي لا مجال للثقة بأن تلعب دور الطرف الثالث أو الحكم القادر على الخروج بحل فعال للنزاع . و معظم النزاعات الحديثة التي تتمحور حول الدولة في أفريقيا لا سيما منذ نهاية الحرب الباردة عبارة عن حركات عصيان وحروب أهلية. ومن الأمثلة الواضحة عليها الحروب الأهلية في كل من ليبيريا وسييراليون وكوت ديفوار وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي والسودان والصومال وغينيا بيساو وأنجولا وبوروندي وتشاد ومنطقة كازامانس بالسنغال وشكال أوغنده، وحركات عصيان الميليشات العرقية بدلتا نهر النيجر ونيجريا وحركات الإسلاميين في الجزائر ، ويتخذ الطعن في السيادة الإقليمية والاعتبارية شكل حملات انفصالية ، وخير مثال الحرب الإريترية المطولة للاستقلال عن إثيوبيا والتي بلغت ذروتها بقيام دولة إريتريا في عام 1993.

وعموما فمعظم النزاعات المسلحة التي تتمحور حول الدولة في أفريقيا تعزى لضعف الأداء الاقتصادي والتخلف والفساد الحكومي وسوء الحكم والإقصاء السياسي والتهميش(سواء أكان حقيقيا أو وهميا أم مبالغا فيه) للجماعات والتعسف واصطناعية بنى الدولة الاستعمارية وحدودها.

السيطرة على النزاع بالانتقام العسكري

   من سمات المحاولات الأولية لمعالجة النزاعات التي تتمحور حول الدولة في أفريقيا السيطرة على النزاع العنيف – اللجوء للانتقام العسكري من جانب الدولة لقمع الاحتجاج والبطش بالمتمردين ممن يعزلون عادة باعتبارهم متبرمين أو منشقين أو متمردين أو عناصر إجرامية ، وغالبا ما يؤدي لجوء الدولة للبطش عسكريا ورفض دوافع المتمردين باعتبارها واهية ولا أساسا لها غلى تأجيج النزاع عسكريا ورفض دوافع المتمردين باعتبارها واهية ولا أساس لها إلى تأجيج النزاع بالإبقاء على الدعم  المحلي والخارجي لأزمة السكان العزل الذين يدعى المتمردين المضطهدون أنهم يمثلونهم ، وبالتالي فإجراءات السيطرة على النزاع من جانب الدولة غالبا ما تنفذ بصورة نزقة ، ما يؤدي إلى خسائر مدنية هائلة تضاعف من الشعور باليأس لدى قطاعات من السكان المدنيين والخزى الدولي.[19]

   حين عبر تشارلز تايلور حدود كوت ديفوار وغزا ليبيريا من مقاطعة نيما الشمالية الشرقية بأقل من مئتي مقاتل  من المتمردين في ديسمبر 1989 في مهمة ظاهرها تحرير الليبيريين من نظام صموديا دو المستبدة، جاء رد الرئيس دو سريعا وقاسيا(Global Security) :

“” تم تجريد القوات الليبيراية وقوات الأمن المحلية إلى مقاطعة نيمبا لمواجهة العصيان وقتلت المدنييين الليبيريين دون تفرقة بين المقاتلين منهم والعزل ….. وشن الرئيس دو موجة ضاربة من العنف ضد سكان مقاطعة نيميا ، وقدرت التقارير الإعلامية وتنظيمات حقوق الإنسان الدولية الضحايا من أفراد جماعتي مانو وجيو العرقيتين بحوالي المئتين على يد قوات الحكومة الليبيرية في الحملة على التمرد””.

  وتم تبرير هجمات صمويل دو الوحشية على جماعتي مانو وجيو العرقيتين بزعم أنهما شكلتا أوائل مجندي حركة تايلور المتمردة التي تسمى “الجبهة الوطنية القومية الليبيرية” . وكان دافع جماعتي مانو وجيو (تشكل كلتاهما حوالي خمسة عشر بالمائة من سكان ليبيريا ) للانضمام للتمرد على نظام دو ما شهدتا  من معاناة إبان إنقلاب 1985 الذي جاء بدو إلى سدة الحكم (Tellewoyan et al. 2000).

وأدى رد دو الوحشي وقتله العديد من الأبرياء من جماعتي مانو وجيو العرقيتين إلى تصاعد التذمر بين السكان المحليين وأثار رد فعل دولي معاد، وانضمت أعداد كبيرة من الشباب الليبري المتعطل لصفوف المنشقين .

  وانتهج العسكري للسيطرة على النزاع منتشر في تاريخ أفريقيا السياسي بعد الاستقلال ، ويكفي تناول بضع حالات منه.

  1. بطش الرئيس موبوتو مرارا باحتجاجات السخط الشعبي ضد نظامه وبالحركات الانفصالية في إقليمي كاساي وكاتانجا الغنيين بالمعادن إبان حكمه الشمولي الذي دام ثلاثين عاما في جمهورية الكونغو الديمقراطية (1965-1997).
  2. ادى بطش حكومة السنغال بالمتظاهرين المسالمين (معظمهم من النساء) في زيجينكور في ديسمبر 1982 إلى تأجيج المشاعر الانفصالية في منطقة كازامانس وتطور الأمور إلى حرب انفصالية ضاربة استمرت اثنين وعشرين عاما (1982-2004) وخرج المتظاهرون من الأقلية من جماعة ديولا العرقية بمنطقة كازامانس المعزولة جغرافيا نسبيا في تظاهرة سلمية ضد الإصلاح الزراعي الحكومي الذي قضى على حقوقهم المتوارثة في الأراضي وزاد من هجرة المستثمرين الزراعيين من جماعة الوولوف العرقية الغنية (الجماعة العرقية الأكبر في السنغال) من أشكال البلاد القاحل إلى ريف كازامانس الخصيب. وفي أثناء محادثات 2004 لإقرار السلم والتي أدت إلى انتهاء الحرب الأهلية اعترف الرئيس عبد الله واد بأن بطش الحكومة بتظاهرة النساء السلمية في ديسمبر 1982 والتي راح ضحيتها أكثر من عشرين واعتقل المئات كان “خطأ” هيأ الساحة لما تلا عصيان (Harsch 14 :2015) .
  3. لجأ الرئيس بول بيا مرارا للعنف العسكري ضد السخط والاحتجاج المتزايد من في منطقة القلية الناطقة بالإنجليزية في الكاميرون لا سيما منذ انتخابات 1992 التي كانت أول انتخابات تعددية والتي منعت فيها الجبهة الديمقراطية الاجتماعية ” المعارضة بزعامة جون فور ندى والتي تلقى دعما كبيرا في المنطقة الناطقة بالانجليزية من حصد الأصوات بأعمال عنف واسعة النطاق بتدبير من الدولة . ووقعت حوادث ناجمة عن الإقصاء الجماعي ونشبت احتجاجات شعبية (واضطرابات انفصالية) قوبلت بالقمع من جانب الدولة في القطاع الناطق بالانجليزية من الكاميون عقب التزوير الانتخابي الكبير في عام 1992، وهكذا فسدت الانتخابات الديمقراطية نتيجة للعنف وأعمال الشغب وزادت التوترات السياسية في أنحاء البلاد، وزادت الضغوط من أجل مزيد من الاستقلال عن الطائفة الناطقة بالانجليزية ، ونادت بعض الفئات الراديكالية بالانفصال التام وتكوين جمهورية أمبازونيا .[20]
  4. اشتعلت الحرب الأهلية في الجزائر في عام 1992 عقب انقلاب عسكري حظي ظاهريا بدعم غربي فألغي الانتخابات التشريعية فاز بها الحزب الإسلامي الراديكالي الذي كان من المتوقع أن يفوز أيضا بانتخابات الرئاسة . ولجأت الحكومة العسكرية ونظام عبد العزيز بوتفليقة المدني الذي أقامته انتخابات 1999المعيبة إلى العنف العسكري لقمع الحزب افسلامي الذي لجأ بدوره إلى حرب العصابات . ولقي أكثر من مئة وخمسين ألفا مصرعهم في الجزائر في الحرب الأهلية الضروس التي أعقبت الانتخابات الملغاة (1994-1999) حتى المرحلة الراهنة من هجمات الميليشات على كبار مسؤولي الدولة والجيش الجزائري وأهداف وسياح غربيين (منذ 2000).
  5. لجأت حكومة نيجيريا العسكرية إلى القمع لعسكري ضد المتظاهرين المسالمين المنادين بالديمقراطية ممن احتجوا على إلغاء انتخابات الرئاسة في يونيه 1993 والتي يفترض أن فاز بها مسعود أبيولا رجل العمال الكبير من جماعة يوربا بجنوب غرب البلاد. ويبدو أن الانتخابات ألغيت لمنع تولي رئيس جنوبي في بلد تسيطر فيه أقلية عرقية عسكرية شمالية قوية على الدولة والجيش ، وأدى نشوب احتجاجات سلمية ضد النفط منطقة دلتا نهر النيجر بينيجريا في أوائل التسعينات إلى قمع لا هوادة  فيه من الحكومة العسكرية ، وساد جو من الاعتقالات والمحاكمات وإعدام كن سارو ويوا ناشط من دلتا نهر النيجر البيئي الشهير وثمانية من رفاقه الناشطين من “حركة  بقاء شعب أوجوني في عام 1995. ومما لا شك فيه أن هذا القمع العنيف هو الذي هيأ الساحة لتمرد الجماعات بمناطق النفط ومنه الانتشار الراهن للحركات العرقية للمساحة التي تهدد العمليات النفطية والأمن في منطقة النفط المتوترة .
  6. حركات عصيان “الخطة المناهضة للتعديل الهيكلي” التي اجتاحت بلدانا أفريقية عديدة كالإعصار في أواخر الثمانينات والتسعينات، وقاد فيها ائتلاف من الجماعات المدنية ( طلاب ونقابات وجماعات نسائية واتحادات مهيبة وغيرها) تظاهرات شعبية ومسيرات جماهيرية مناهضة للنظام احتجاجا على التدهور المتسارع في مستويات المعيشة وتزايد التضخم عقب فرض “خطط التعديل الهيكلي” الصارمة الخاصة بالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي من جانب حكومتهم ، وقوبلت الاحتجاجات بانتقام عسكري من جانب الدولة.

   إن محاولة السيطرة على النزاع بالانتقام العسكري والقمع تؤدي دائما إلى تأجيج النزاع ، وأثبتت جماعات المعارضة الأفريقية أنها تتحدى ترهيب الدولة وسيطرتها الشمولية لا سيما حين تكون احتجاجاتهم تبرما مشروعا من ظلم كبار مسؤولي الدولة، فاللجوء للانتقام العسكري من جانب الدولة لقمع المعارضة وسط ظروف مشحونة بالظلم ضد (قطاعات من ) الشعب أشبه بمحاولة استخدام الجازولين لإطفاء حريق.

استقطاب النخبة:

   استقطاب النخبة أحد سبل إقرار النزاع التي تتبعها دول توارثية محدثة عدة في أفريقيا وتستخدمها بفعالية لإضعاف المعارضة وإعادة بناء شكل الإجماع يهدف إلى الحفاظ على الأمر الواقع واستمراره، وباستقطاب النخبة تهدف النظم السياسية الأفريقية إلى تهدئة جماعات الضغط أو تشتيت صفوفها أو إسكانها أو إضعافها بإغراء الأفراد المؤثرين داخل هذه الجماعات بضمهم إلى الدوائر الحاكمة بمناصب إستراتيجية وعقود حكومية ومزايا أخرى ملموسة لدمجهم في شبكة رعاية الدولة. وفي المقابل يتوقع من النشطاء المختارين تخفيف عدائهم للدولة بل قد تناشد أنصارهم ان يحذوا حذوهم. واستقطاب النخبة يعد في جزء منه مظهرا لعدم التسامح تجاه المعارضة (تشتهر به دول افريقية عديدة) ولا ينبع دائما عن روح مصالحة أو استرضاء ، وتقوم الدوافع احيانا عى المصلحة والعمالة وبقاء النظام.[21]

   في سنوات الشمولية العسكرية المظلمة في نيجيريا (1984-1999) تحول استقطاب المنشقين وزعماء جماعات الضغط الصاخبين (نقابات العمال والمحامين والأطباء وأساتذة الجامعة وسائر الكيانات المهنية) إلى عادة سياسية ثابتة، وعرفت العادة شعبيا باسم “سياسة التسوية ” (بم يوحي بحالة من الأمن الاسترضائي) في ظل نظام بابانجيده حيث بلغت الظاهرة ذروة الانتهازية . وتم اللجوء لاستقطاب النخب الصاخبة لتحقيق ثلاثة أهداف مهمة من جانب حكومات نيجيريا العسكرية، أولها إسكات المعارضة وإضعافها ونزع فتيل أي تذمر مرتبط بها، وثانيها كسب شرعية مطلوبة بإلحاح حيث كان معظم النقاد الاجتماعيين والنشطاء المستقطبين أفراد إذ يحظون بقدر كبير من الاحترام في بلادهم وفي الخارج على السواء ، ومن الأمثلة الواضحة تعيين الناقد الاجتماعي الشهير والحائز على جائزة نوبل الأستاذ ووله سوينيكا مديرا  لهيئة أمن الطرق الاتحادية من قبل إدارة بابانجيده. وكان الهدف الثالث السعي لتشويه النزاهة الأخلاقية ، وتم فيما بعد ابتزاز بعض من كبار قادة الرأي والنقاد ممن استأجرهم نظام بابانجيده وخرجوا بصورة مهينة بتهم فساد (حقيقية ومصطنعة على السواء) . ويعزو ويليامز(َAdebayo Williams998) الخسة المشهورة التي أبداها عديد من المفكرين والنقاد الاجتماعيين ممن عينوا في مواقع حكومية بمقتضى التوجه العسكري الماكر للنظام السياسي بتوريط هؤلاء المعينين إلى “شذوذ ما بعد الاستعمار” .

   ويبين آيلي ترتب (Aili Tripp2004) كيف سعت حكومة الرئيس موسوفيني شبه الشمولية في أوغنده للجوء للإستقطاب لتهدئة الحركة النسائية وإضعافها باتخاذ إجراءات منها تعيين النسوة من صاحبات الصوت المسموع في مناصب حكومية رفيعة وحجز مقاعد للنساء في المجلس التشريعي والحكم وإنشاء مجالس للمرأة “كبنى إدارية” ( لكن النقاد يصفونها بأنها “بنى سياسية موالية للحكومة) لرعاية شؤون المرأة . وفي دراسة ذات صلة تبين جيزيلا جايزلر (Giscla Geisler2004) في تحليلها للإستراتيجيات الأساسية التي اتبعتها الحركات النسوية لكسب موطئ قدم في السياسة في مختلف بلدان أفريقيا الجنوبية( جنوب أفريقيا وزامبياوزيمبابوي وبوتسوانا ونامبيا) العلاقة المتوترة بين الحركات النسوية والدولة وبين الناشطات والسياسات حيث ساومن على الاستقطاب ولضم والإقصاء . فالاستقطاب على حد قول الكاتبة أداة مفيدة لفتح الفضاء السياسي أما المرأة وتعيين عديد من الناشطات في مناصب حكومية رفيعة سواء عن طريق الانتخاب الديمقراطي (بالتنازل عن بعض المقاعد النيابية في الانتخابات الحزبية الولية للمرأة ) أو التعيينات السياسية.

  ويرى واجونا ماكوبا (Wagona Makoba 1999) أنه في عام 1990عندما كانت معظم بلدان أفريقيا تمر بتدهور سياسي واقتصادي شديد وكان الاحتجاج الشعبي من أجل التغيير السياسي يبشر بموجة جديدة من التحول الديمقراطي سعت بعض الحكومات (كحكومتي كينيا والكاميرون) لصد عملية التحول الديمقراطي باللجوء إلى الاستقطاب والقمع واستغلال حركات المعارضة لصالحها. ففي كينيا مثلا تشبثت حكومة أراب موى الشمولية بدستور الحزب الواحد بين 1979 و 1990 ، بينما واصلت الحكومة الاستعانة بمزيج من الاستقطاب والقمع والاستغلال لكبح المعارضة في حقبة التسعينات التعددية ، ما اعان موى علا الاحتفاظ بالسلطة ، ولم يتنح موى عن السلطة إلا في انتخابات 2002 بعد أن استنفذ عن الحد الأقصى لفترتي رئاسة في ظل الدستور التعددي الجديد، وانتخبت نواى كيبايكى رئيسا في ظل شعار تحالف التنوع القومي” المعارض وفي حالة الكاميرون كانت “الحركة الديمقراطية لشعب الكاميرون” الحاكمة برئاسة الرئيس بول بيا الحزب الوحيد المسجل قانونيا في البلاد حتى ديسمبر 1990، ومنذ بدء الانتخابات التعددية كل سبع سنوات في عام 1992 احتفظ بالسلطة بالاستقطاب والقمع واستغلال المعارضة وكذا بالتلاعب بصناديق الاقتراع . والنتيجة أن الرئيس بيا وعلى الرغم من السخط الجماهيري وانخفاض شعبيته ظل في السلطة منذ 1982 وقد يواصل البقاء فيها لمدة طويلة قادمة.

     وفي زيمبابوي كان اندماج ‘اتحاد زيمبابوي القومي الإفريقي ” برئاسة الرئيس روبرت موجابي و”اتحاد زيمبابوي للشعب الأفريقي” بزعامة الراحل جوشوا نكومو ليشكلا معا “اتحاد زيمبابوي القومي الإفريقي – لجبهة الوطنية ” عقب اتفاق الوحدة لعام 1987 والذي وضع نهاية للحرب الأهلية المنخفضة الحدة بين الجماعتين بعد الاستقلال شكلا من الإجماع الكبير. إلا أن قلة من الباحثين فسروا الظاهرة بأنها أقرب إلى استقطاب كبير ” خفف من رغبة الرئيس موجابي في إسكات المعارضة والحفاظ على تماسك النخبة وبقاء سيطرته الأحادية في ظل دولة الحزب الواحد . [22]

إلا أن دولة إتحاد زيمبابوي القومي الإفريقي – الجبهة الوطنية” ذات الحزب الواحد كانت قصيرة الجل وذلك لظهور حركة معارضة جديدة هي “حركة التغيير الديمقراطي “في عام 1999بزعامة النقابي السابق مورجان سفانجيراى. وشهدت العلاقة بين “اتحاد زمبابوي القومي الأفريقي – الجبهة الوطنية ” وحركة التغيير الديمقراطي ” استقطابا محدودا للغاية (إلى الحزب الحاكم) وتعاونا محدودا في حين بدت منها قسوة شديدة واتهامات مضادة وعنف.

     بعد استقطاب بعض عناصر المعارضة بصورة عامة- والذي اقترن غالبا بالاضطهاد والقمع في تطبيقه – نوعا من التسوية “السلمية السلبية” يساعد النخب الحاكمة الأفريقية على خفض ما يتهدد احتفاظهم بالسلطة من أخطار الفوران الثوري وتفتت النخب السياسية ، ولكن نظرا لكونه أداة تخدم النخبة فإنه لا يلبي الاحتياجات المشروعة وتظلمات الجماهير. لذا فإن عددا كبيرا من النزاعات المنخفضة الحدة وحوادث العنف الحضري في أفريقيا اليوم يقودها شباب مقهورون ثائرون وميليشات بلا قانون وعشوائية تعبر إلى حد كبير عن سخط دموع الشعب وعجزهم.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14306

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *