بقلم عبدالوهاب جعيجع

اتفقت أغلب الأدبيات المهتمة بالعلاقات الدولية على أن الفاعلين الدوليين أو أشخاص العلاقات الدولية هم: الدول ، المنظمات الدولية ، المنظمات الإقليمية ، الشركات متعددة الجنسيات، المنظمات غير الحكومية، حركات التحرر، و كذا الأشخاص الطبيعيون، الارهاب و الجريمة المنظمة. لكن بتطور مواضيع العلاقات الدولية ظهرت فواعل جديدة يمكن تمييزها في المجموعات التالية:

1) الدولة :

أسست معاهدات واستفاليا 1648 للدولة أعطتها الأهمية اللازمة لتكون الكيان الثابت صاحب السيادة. اعتبرت الواقعية التقليدية الدولة الفاعل الأوحد و الحصري و التي تقتصر عليه العلاقات الدولية، لكن عرف هذا المفهوم كثير من التراخي و المرونة مع تطور الفكر الواقعي بالاعتراف بدور الفواعل الأخرى من منظمات دولية و إقليمية و حتى الشركات متعددة الجنسيات، لكن تظل الدولة الفاعل الأساسي في الفكر الواقعي، في حين أعطى الفكر الليبرالي أهمية كبيرة للفواعل الأخرى من منظمات دولية و إقليمية و شركات متعددة الجنسيات و حتى أشخاص، بينما لم تلاقي الدولة كل هذا الترحاب في الفكر الماركسي الذي اعتبرها عالة على المجتمع و دعا إلى زوالها، و ركز الفكر الماركسي في تحليله لتطور النظام الرأسمالي و للعلاقات الدولية على الطبقية.

مع التسليم بوجود فواعل أخرى غير الدولة إلا أن الدولة هي التي أنشأت الفواعل الأخرى و هي التي حددت لهم الأدوار و الوظائف التي يؤدونها، و هي التي تعمل على حمايتهم و الدفاع عنهم.[2]

يعطي جان آرت شولت[3] تصورا لعلاقة الدولة بمواضيع العلاقات الدولية – و الذي سماه الدولة في عالم معولم – في أن بعضها يكون داخل الدولة و يعبرها ليتفاعل مع الوحدات الدولية الأخرى، و البعض الآخر يُدار من خارج الدولة ليعبر إلى الدولة ، و البعض الآخر في حركية دخول و خروج متفاعلة و دائمة.

2) الكيانات فوق الدولتية:

هي الكيانات التي تحوز اعتراف الدولة و تحضى بالتعامل الرسمي معها بالتمثيل و العضوية، وهي المنظمات الدولية و الإقليمية و التي أنشأتها الدول لتقوم بدور تنظيم و ضبط التفاعلات السياسية و الاقتصادية و الثقافية فيما بينها، سواء بتنظيم العلاقات التعاونية ، أو بحل النزاعات و المشاكل الدولية بالاعتماد على الطرق السلمية.

تقوم المنظمات الدولية بدور الوسيط و الطرف الثالث لحل و تسوية المنازعات بين الدول و تقديم الخبرة الفنية و التقنية لمحتاجيها، و المساعدات الاقتصادية و المالية للدول الفقيرة، و كذا حماية حقوق الأفراد و الجماعات من تعسف السلطة في دولهم.[4]

و إن اعتبر الليبراليون المنظمات الدولية فواعل هامة تسعى لأخذ مكانة الدولة في ظل تراجع مفهوم السيادة و تزايد وضوح ظاهرة العولمة و شيوع مفهوم المواطن العالمي، فإن الواقعيين لا يزالون متمسكين بأساسية دور الدولة في المنظمات الدولية، على اعتبار أن الدول هي المنشئة لهذه المنظمات، و ما إرادتها إلا من إرادة الدول المشكلة لها و أن قوة هذه المنظمات من قوة أعضائها و نفوذهم داخلها.

3) الكيانات عبر الدولتية:

و هي الكيانات التي تعبر نشاطاتها و تفاعلاتها حدود الدولة دون أن تحضى بتمثيل الدولة الرسمي و هو ما يميزها عن الكيانات فوق الدولتية التي تحضى بعضوية الدولة و تمثيلها و هي:

‌أ. المنظمات غير الحكومية : هي جمعيات تنشأ بمبادرة من أفراد ينتمون لجنسيات مختلفة، تجمعهم قيم و اهتمامات مشتركة، ينظمون أنفسهم بغرض الدفاع عن قضية أو ممارسة نشاط لتحقيق أهداف يؤمنون بها، يكون نشاطهم طوعي و لا يستهدف الأعمال الربحية، و هي مستقلة في تنظيمها و تمويلها عن الحكومات و الدول، يكون أعضاؤها من جنسيات مختلفة، و بذلك تكون نشاطاتها عابرة للحدود من أعمال خيرية و خدمات إنسانية و نشاطات سياسية. اكتسبت من خلال نشاطاتها الإنسانية و الاجتماعية سمعة و هيبة دولية فتحت أمامها للعب أدوار هامة على الصعيد الدولي منها الوساطة في النزاعات و المنازعات الدولية و الضغط على الحكومات و تقديم الاستشارات و الخبرات في مجالات مختلفة.[5]

‌ب. الشركات متعددة الجنسيات: هي شركات قومية تحمل جنسية الدولة الأم و لها فروع دولية، يحمل كل فرع جنسية البلد المتواجد به و يخضع لقوانين تلك الدولة و تنظيماتها، لكنها ما لبثت أن بدأت تتمرد الأم و الانتقال إلى النظام العالمي المفتوح،حيث أضحت الشركات متعددة الجنسيات تتحكم في كميات الإنتاج في الدول التي تعمل فيها ، ومن ثمة التحكم نوعية و كمية استهلاك السلع و الخدمات في المجتمعات و الدول، و بذلك أصبحت تنافس الدول في اقتصادياتها و التأثير في نظمها الاجتماعية.[6]

‌ج. شركات المعلوماتية: تختلف الشركات المعلوماتية عن الشركات متعددة الجنسيات من خلال طبيعة عملها و الميدان الافتراضي الذي تمارس فيه نشاطها، فهي لا تحتاج إلى فروع دولية تقام على أراضي الدول، بل تدير كل نشاطاتها العالمية على كل الأقاليم برية و بحرية و جوية و حتى الفضائية، من مقرها الأم في البلد الأصلي لها. تهيمن الولايات المتحدة على قطاع التكنولوجيا و المعلوماتية حيث توجد أغلب الشركات الأمريكية العملاقة بمنطقة واد السليكون بولاية كاليفورنيا و الذي يعد القطب التكنولوجي للولايات المتحدة الأمريكية، أين توجد أكبر الشركات العالمية مثل: غوغل (Google)، إي بي أم (IBM)، سكايب (Skipe)، أوراكل (Oracle)، سيموانتيك (Symantec)، أيتش بي (HP)، آنفيديا (Nvidia)، آبل (Apple)، مايكروسوفت (Microsoft)، يوتوب(YouTube)، فيسبوك (Facebook)، تويتر(Twitter) ، إنتال (Intel) وغيرها.

كما تعد الشركة الروسية العملاقة كاسبارسكي لاب (Kaspersky Lab) من بين أهم الشركات العالمية و التي عرفت تطورا مذهلا في السنوات الأخيرة سواء من حيث تزايد عدد زبائنها المستخدمين لمنتوجاتها المعدة للحماية و الأمن، أو من خلال تواجدها الدائم على الساحة الدولية بما تقدمه من معلومات و أخبار عن الحماية و أحداث الاختراقات و كشفها للفيروسات و عمليات القرصنة.[7]

قدرات الربط و الاتصال، وكذا نوعية الخدمات التي تقدمها هذه الشركات، و حجم و قيمة المعلومات التي تمر عبرها و تمتلكها ، تجعل من الأمن الدولي في متناول يدها و تحت عينها التي لا تنام، كما أن قيمة هذه الشركات و حجم استثماراتها تفوق ميزانيات العديد من الدول، و تفوق حتى استثمارات المركبات العسكرية و صناعات الأسلحة.

يورد تقرير البنك الدولي لسنة 2016 و الموسوم بـ ” تقرير عن التنمية في العالم 2016 : العوائد الرقمية ” عدة أرقام تدل على أهمية و تطور الخدمات الرقمية ، حيث يتم ارسال 207 مليار رسالة رقمية يومية، و مشاهدة 8.8 مليار فيديو على اليوتوب في اليوم، وكتابة 803 مليون تغريدة يوميا، وإجراء 152 مليون مكالمة عبر سكايب، والقيام بـ 4.2 مليار عملية بحث على غوغل.[8]

‌د. المؤسسات الإعلامية: مع ما يعرفه العالم من ثورة تكنولوجية و معلوماتية أضحت فيها المعلومات هي المنتج اليومي الأكثر استهلاكا، عبر ما تصنعه و تضخه وسائل الإعلام و الاتصال، من قنوات فضائية و شركات معلوماتية، أو ما يصنعه و يتداوله الأفراد عبر شبكات التواصل الاجتماعي. فالإعلام اليوم أصبح صناعة تستهلكها العقول لتحدد السلوك المطلوب كما أن تأثيراته في الحياة السياسية و في العلاقات الدولية أصبحت مادة يومية و متابعتها هي إحدى أهم النشاطات الهامة لكل الفواعل السياسية و الدولية.[9]

فالدور الذي لعبته شبكة CNN الأمريكية في حرب الخليج، و الدور الذي لعبته مؤسسة الجزيرة في ما سُمي بالربيع العربي، و ما فعلته الامبراطورية الاعلامية لروبرت مردوخ في التنصت على شبكات الهاتف النقال، الذي أدى و استجوابه أمام مجلس العموم البريطاني في جوان 2011، هي صور تبرز بوضوح المؤسسات الاعلامية كفواعل في العلاقات الدولية. [10]

‌ه. الجماعات و التنظيمات الايديولوجية:

هناك العديد من الجماعات التي تتخذ شكل تنظيمات تعمل تحت الدول و عبرها في امتدادات دولية، و منها الجماعات الاسلامية، الجماعات التبشيرية المسيحية، الجماعات اليهودية ، الأممية الاشتراكية، و غيرها من التنظيمات التي تعتمد الأفكار و الايديولوجيات في المنطلق و الهدف.

‌و. منظمات الجريمة المنظمة و الإرهاب:

تحوز الجريمة المنظمة حيزا هاما في السياسات الدولة لما تصنعه من جرائم تبيض الأموال، و تجارة المخدرات، و تجارة البشر و تجارة الأسلحة و الدعارة و غيرها من النشاطات الاجرامية المنظمة و كذا ما تحوزه من مداخيل يصعب التنبوء بها قد تفوق ميزانيات بعض الدول.[11]

تعتبر ظاهرة الارهاب من أهم و أخطر الظواهر التي عرفتها المجتمعات الانسانية. و قد تعاظمت هذه الظاهرة و تضاعف مستوى خطورتها في المجتمع الدولي و العلاقات الدولية بشكل ملفت للإنتباه و خصوصا في العقدين الأخيرين من القرن العشرين سواء من حيث مظاهرها ، أو على مستوى النطاق الذي تجري فيه، أو بالنسبة لعدد الجهات و الأطراف التي تمارسها.[12]

تتربع على منصة الأحداث اليومية أخبار الارهاب و الجماعات الارهابية و تحوز أحجاما هامة في السياسات الدولية. فرغم الجدل المثار حول تعريف الإرهاب و من ثمّ التنظيمات الإرهابية، إلا أن الفعل و الأثر البارز على الأمن الدولي يجعل من التنظيمات الإرهابية في استهدافها لأمن الدول و لاستقرارها فاعلا ذا أهمية في العلاقات الدولية ، فقد استطاعت تفجيرات نيويورك 11 سبتمبر 2001 أن تؤسس لعهد جديد في السياسات الدولية و في العلاقات الدولية ككل، و ظهر ذلك واضحا.[13]

أخذت سياسات محاربة الإرهاب صدارة الاهتمامات الدولية في اعتبار أن الأمن يتربع على السياسات العليا للدول كما تصنفه أجندة الواقعيين، و لعل من أهم الأمثلة على فاعلية التنظيمات الإرهابية في العلاقات الدولية ما قام به الرئيس دونالد ترامب من اعتماد قانون لحضر دخول مواطنين دول بعينها إلى الأراضي الأمريكية بحجة تواجد الإرهاب على أراضي هذه الدول.

4) الكيانات تحت الدولة :

‌أ. حركات التحرر: هي مجموعة من الأفراد لها امتداد شعبي أخذت على عاتقها العمل على التحرر من القوى المستعمرة و إنشاء الدولة القومية المستقلة، مثل ما تعبر عنه المقاومة في فلسطين،و جبهة البوليزاريو في الصحراء الغربية، و كما مثلته جبهة التحرير الوطني الجزائرية أثناء فترة الاستعمار الفرنسي ، بقيادتها لثورة مسلحة دامت سبع سنوات و نصف من 01 نوفمبر 1954 إلى 05 جويلية 1962.

‌ب. الأشخاص: من ذوي الاهتمامات الدولية الذين يتمتعون بقدرات و نفوذ دولي من سياسيين، رجال المال و الأعمال، المشاهير، و كذا النافذين عبر شبكات المعلوماتية الذين لهم قدرات الاختراق و التوظيف، و لعل شخص مثل جوليان أسانج مؤسس موقع ويكيليكس(*) قد أحدث من التفاعل الدولي ما عجزت عنه منظمات دولية أنشأت لنفس الأهداف.

‌ج. المنظمات الارهابية المحلية و حركات التمرد: و هي المنظمات ذات الصبغة المحلية و التي تتخذ من العنف و الارهاب أداة لتحقيق أهدافها، مثل منظمة إيتا الباسكية التي تأسست سنة 1959 للمطالبة باستقلال اقليم الباسك عن اسبانيا، أو كما هي حركة ايرا الارلندية التي تأسست سنة 1919 لتطالب بالانفصال عن المملكة البريطانية، و كذلك ما كان مع بدايات ظهور الحركات الارهابية مثل ما ما كان في الجزائر مع منظمات مثل المجموعة الاسلامية المسلحة(GIA) سنوات التسعينات من القرن العشرين، و الجيش الاسلامي للإنقاذ (AIS) ، حيث لم يكن لهم هذا الترابط و التنظيم العالمي كما هو اليوم.

[1] عمار بن سلطان، مداخل نظرية لتحليل العلاقات الدولية. الجزائر: طاكسيج كوم، 2009،ص47.

[2] بن سلطان ، المرجع السابق ، ص50.

[3] جان آرت شولت، “عولمة السياسة العالمية” في : عولمة السياسة العالمية. تحرير: جون بيلس و ستيف سميث، ترجمة: مركز الخليج للأبحاث ،دبي : مركز الخليج للأبحاث ، 2004، ص 44.

[4] عمار بن سلطان، مرجع سابق ، ص58.

[5] المرجع نفسه ،ص ص67-70.

[6] المرجع نفسه ، 2009،ص ص 62-65.

[7] “أمن المعلومات”. على موقع كاسبارسكي ، تم الإطلاع بتاريخ: 03 أفريل 2017 على الساعة 20:00.

https://arabic.kaspersky.com/tag/

[8] مجموعة البنك الدولي، تقرير عن التنمية في العالم 2016: العوائد الرقمية ،ص 6, تم الإطلاع بتاريخ: 03 أفريل 2017 على الساعة 20:00.

http://documents.worldbank.org/curated/en/198711468001491553/pdf/102724-ARABIC-Revised-WDR2016Overview-PUBLIC.pdf

[9] علام خالد السرور و سؤدد فؤاد الألوسي ، وسائل الإعلام والصراعات السياسية . عمان: دار أسامة للشر والتوزيع ، 2012،ص100.

[10] المرجع نفسه ، ص ص 103-104.

[11] بيتر ويلتس، “الأطراف المتخطية للحدود الوطنية و المنظمات الدولية في السياسة العالمية” في: عولمة السياسة العالمية. تحرير: جون بيلس و ستيف سميث، ترجمة: مركز الخليج للأبحاث ،دبي : مركز الخليج للأبحاث ، 2008.، ص 617.

[12] عبد القادر محمد فهمي ، النظريات الجزئية والكلية في العلاقات الدولية ،عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع ، 2010، ص181.

[13] حسين، خليل ، قضايا دولية معاصرة : دراسة موضوعات في النظام الدولي الجديد ،بيروت: دار المنهل اللبناني ، 2007 ،ص90.