محمود مشارقة*

هل اقترب الاقتصاد العالمي من الدخول في دائرة الركود، وهل تكرار سيناريو الكساد الكبير الذي حدث في عام 1929 بات وشيكا؟ وما تداعيات انتشار فيروس كورونا على التجارة العالمية؟ أسئلة كثيرة تطرح نفسها على صانعي القرار ومعدي السياسات ومراكز الابحاث وخبراء الاقتصاد بعد ان شل الفيروس ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

لقد تنفس العالم قبل أيام الصعداء ببداية هدنة الحرب التجارية الامريكية – الصينية، والتوافق على تطبيق المرحلة الاولى من الاتفاق التجاري بين البلدين، لكنه استفاق فجأة على حرب من نوع جديد تبدو أشد خطرا على النمو العالمي من سابقاتها وهي حرب “فيروسات” .

تكمن أهمية الصين في كونها تمثل 17% من الناتج المحلي العالمي ،وتأتي بعد الولايات المتحدة في القوة الاقتصادية ويشكل عدد سكانها 20% وأكثر من سكان العالم ، وتعتبر أكبر مصدر للسلع في العالم ، كما تعد ايضا اكبر مستورد للنفط ، ولها تأثير كبير في حركة رؤوس الاموال والاستثمار الدولي ، واحد محركاتها الرئيسة وقوتها الضاربة تتمثل في الصناعة ، حيث تحولت في السنوات الأخيرة الى مصنع للعالم ، و تغزو منتجاتها كل بيت، ونجحت المعجزة الصينية في تحويل اقتصاد بلد من ريعي هش في ظل نظام شمولي الى اقتصاد رأسمالي ناجح خلال أقل من 40 عاما ، وتناطح شركات الصين اليوم المجموعات الامريكية عابرة القارات وتتحكم بلا مبالغة في غذاء العالم ولباسه والأجهزة التي يستخدمها بداية من اللعبة الرخيصة الى الأدوات الكهربائية والسيارات واجهزة الهاتف المحمول والاتصالات وتقنيات الجيل الخامس .

تداعيات كورونا على الاسواق العالمية

حرارة فيروس كورونا بدأت تظهر على حركة التجارة وسلاسل التوريد في العالم وأسعار الاصول، والاستهلاك في الصين والعالم، الامر الذي بات يهدد بتراجع نمو الناتج العالمي هذا العام، وترجح التوقعات تراجع النمو الصيني من 6 % حاليا الى ما دون 4 % في الربع الاول من العام الجاري 2020.

صورة قاتمة إذا ونظرة متشائمة لمستقبل الاقتصاد العالمي خلال 2020.. وشرارة الازمة تندلع الصين التي تعد رقما صعبا في الناتج العالمي. فما هي السيناريوهات المتحملة لما يحدث وما أبرز القطاعات المتأثرة بحرب الفيروسات الجديدة.

انعكست اثار الفيروس بشكل مباشر على أسواق الأسهم وتجارة السلع والمعادن وحركة السفر والسياحة العالمية. وفقدت الأسهم الصينية نحو 700 مليار دولار من قيمتها بعد اجازة طويلة دامت مع إغلاق مصانع عديدة أبوابها وعزل مدن وفرض قيود على حركة السفر مما غذى مخاوف بخصوص سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم اتخاذ السلطات الصينية تدابير احترازية سعيا لطمأنة المستثمرين بينها ضخ 173 مليار دولار في النظام المالي وخفض الفائدة وذلك في مسعى لمساعدة الشركات والبنوك والأفراد، الذين تضرروا من تفشي صدمة فيروس كورونا الجديد، الا ان الاثار الايجابية لهذا التحرك لم تظهر مباشرة على الاسواق التي سارعت لتسجيل انخفاضات حادة، ويبدو اننا سنشهد فصولا جديدة من تداعيات الأزمة بانتظار اكتشاف لقاح يمكن من السيطرة على الفيروس.

تداعيات ازمة الفيروس انتقلت للمصانع والشركات العالمية ، حيث اعلن عدد كبير من شركات تصنيع السيارات العالمية، منها هيونداي وتسلا وفورد وبي.إس.إيه بيجو ستروين ونيسان اليابانية وهوندا موتور، ايقاف العمل في بعض مصانعها في الصين نتيجة الوباء .ولحقت شركة ابل التي علقت انتاجها في الصين وكذلك إيرباص لتصنيع الطائرات التي أوقفت خط التجميع النهائي لطائراتها في تيانجين.

كما أعلنت شركة أديداس الألمانية لصناعة للملابس والأدوات الرياضية إنها ستغلق مؤقتا عددا “كبيرا” من مستودعاتها في الصين. كما علقت أكثر من 30 شركة طيران رحلاتها الى الصين مما يعني أن العزلة والاثار الاقتصادية لانتشار المرض في تصاعد مستمر.

أداء اسواق السلع الأولية لم يكن افضل حالا وخصوصا القهوة التي تراجعت قرابة 22 % عن اعلى مستوياتها المسجلة في ضمن عقود القهوة المستقبلية في بورصة لندن للسلع نظرا لان الصين تعتبر احد كبار مستوردي القهوة في العالم ، وجاء هذا التراجع الحاد بعد اغلاق سلسلة “ستاربكس” العالمية أكثر من نصف فروعها في الصين البالغ عددها نحو 4300 فرع

وطال الهبوط اسعار النحاس والفضة والبلاديوم وخام الحديد فيما ظل الذهب يغرد خارج السرب مرتفعا كملاذ امن في الازمات العالمية.

ورغم التقارير المتفائلة بنهاية وشيكة للفيروس في نهاية الربع الاول من العام الجاري الا ان التقديرات تشير الى ان الاقتصاد العالمي سيتكبد خسائر بقيمة 160 مليار دولار هذا العام نتيجة كورونا، وهذا الرقم مرشح للتصاعد اذا طال أمد انتشار الفيروس دون القضاء عليه.

الخاسرون والرابحون

الغموض سيد الموقف لما ستفضي اليه ازمة كورونا، ويبدو الرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي خرج منتصرا قبل ايام بإرغام الصين على توقيع اتفاق تجاري بات في موقف حرج اليوم، لأن ازدهار الصادرات الامريكية الى الصين لا يبدو وشيكا كما كان يتوقع، مما دفع لاري كودلو المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض للمسارعة الى التأكيد بإن الفيروس سيتسبب في تأخير الازدهار المرتقب للصادرات الأمريكية إلى الصين نتيجة للمرحلة الأولى من الاتفاق التجاري بين البلدين.

وبدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاجارد أكثر واقعية في طرحها عندما قالت إن الفيروس يفاقم الضبابية الاقتصادية. وقالت: “بينما خف التهديد المتعلق بحدوث حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين يضيف فيروس كورونا طبقة جديدة لحالة عدم اليقين”.

دول اوروبا وفي مقدمتها المانيا أكبر ثالث أكبر اقتصاد عالمي ستتأثر هي الاخرى من الوضع القائم، فتراجع الطلب الصيني سيؤدي الى عطب في حركة صادراتها لذلك يتوقع هبوط الناتج الاوروبي نتيجة الازمة الصينية. والحال نفسه لدول العالم الاخرى التي ترتبط بعلاقات تصديرية وثيقة مع الصين، ولذلك لا يوجد رابحون من أزمة الفيروس سوى قطاعات الادوية في العالم ومحتكري صناعتها، فيما تواجه قطاعات السياحة والنقل والخدمات اللوجستية ازمات حقيقية.

لعل التشوش الكبير في الاتفاق التجاري الأمريكي الصيني يشكل فرصة للدول الناشئة ،خاصة دول الجوار اللاتيني ،لان الاتفاق التجاري الموقع في كانون الثاني/يناير ،كان يقضي بحركة بضائع تصل الى 200 مليار دولار ، ولهذا يمكن القول ان الآمال بالحفاظ على معدلات التصدير للسوق الامريكية تنتعش اليوم مع كارثة فيروس كورونا وخاصة مصدري الصويا البرازيلية أو الأرجنتينية.

دول أخرى ستدخل قائمة المتضررين من الفيروس ، وخصوصا كبار المصدرين في سوق الفولاذ ، حيث تمثل الصين اليوم نحو 50 بالمئة من الطلب العالمي على الفولاذ، ويمكن أن تتضرر دول مصدرة مثل روسيا وكوريا الجنوبية أو حتى تركيا في حال تواصل تراجع الأسعار وضعف الطلب.

عربيا : تعتبر الصين أكبر دولة مستوردة للنفط في العالم بعد التحولات التي شهدتها السوق الامريكية نتيجة توسع رقعة انتاج النفط الصخري، لذلك فإن أي تغيير في استهلاك الصين للنفط سيكون له تأثير كبير في سوق الطاقة العالمية. فقد أظهر تقرير اقتصادي أن الطلب الصيني على النفط انخفض بنسبة 20% ، حيث أدى تعطل سلاسل الإمدادات الى دفع أكبر شركة لتكرير النفط في الصين لخفض الإنتاج بنحو 12 % خلال شهر شباط فبراير الجاري. وهذا يعني عمليا ان صادرات المنطقة العربية من النفط والذي يعتبر اهم سلعها الاستراتيجية ستتأثر بشكل كبير اذا استمر تفشي المرض مما يصعب مهمة الدول العربية المنتجة في تلافي اثار دورة ركود عميقة يمكن ان تجتاح العالم.

وبعد انخفاض اسعار النفط مطلع فبراير الجاري قرابة 18% من ذروتها المسجلة في يناير ، سارعت اللجنة الفنية لمنظمة الدول المصدرة للبترول “أوبك” التي يعتبر العرب اعضائها الاساسيون لعقد اجتماع في فيينا لتدارس آثار تفشى الفيروس على الطلب، وقد أوصى اجتماع اللجنة الى الاجتماع الوزاري المقبل للمنظمة بخفض اضافي للإنتاج قدره 600 ألف برميل يوميا ، ليضاف الى التخفيضات السابقة مما يعني تقييد الامدادات النفطية العالمية في المرحلة المقبلة مع تراجع الطلب نتيجة كورونا وامتلاء المخزونات في الدول المستوردة .

وبغض النظر عن كون الدول العربية والخليجية منتجة ومصدرة للنفط، الا انها ستتأثر بالفيروس المستجد نتيجة حالة الطوارئ العالمية الناشئة عن الشلل الذي اصاب الاقتصاد الصيني.

والآثار الناجمة عن فيروس الصين ستلقي بظلالها على مصدري الغاز في العالم أيضا حيث تراجعت أسعار التعاقدات الآجلة للغاز الطبيعي في التعاملات الأمريكية، حيث أشارت وكالة بلومبرغ للأنباء إلى تراجع أسعار الغاز بعد انتشار فيروس كورونا في الصين والذي أدى إلى اضطراب حركة التجارة العالمية، وهو ما يهدد باضطراب صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال في ظل تراجع أسعار التعاقدات الفورية للوقود في أوروبا وآسيا.

ويقول توم سال كبير نواب رئيس قطاع تجارة الطاقة في شركة “آي.إن.تي.إل إف.سي ستون فاينانشال” إنه إذا ألغت الصين أي شحنات غاز طبيعي مسال من وارداتها بسبب الفيروس، فسيكون لذلك تأثير كبير على الأسعار في السوق الأمريكية، مشيرا إلى أنه رغم أن الصين لا تستورد أي غاز طبيعي مسال من الولايات المتحدة مباشرة منذ حوالي عام؛ بسبب الحرب التجارية بين الجانبين، فإن إلغاء أي شحنات سيؤثر على الأسعار في السوق العالمية وبالتالي على أرباح المصدرين الأمريكيين.

ضربة لسوق السندات

أزمة فيروس الصين ستلقي بظلالها أيضا على سوق السندات العالمية وستؤثر في قدرة الحكومات على الاستدانة، حيث يتوقع مديرو الصناديق تراجع إصدارات السندات بالعملة الصعبة. ويرون أن تأثير انتشار فيروس كورونا في الصين على النمو الاقتصادي العالمي قد ينعكس على زيادة تكاليف التمويل لمصدري الديون وخصوصا في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يحتمل أن يكبح الاقتراض.

ويعتبر الممولون الصينيون أكبر لاعب حاليا في سوق الدين الى جانب الولايات المتحدة، مع رغبة الصين في لعب دور سياسي اكبر في مناطق جغرافية كانت لسنوات حكرا على امريكا، حيث اصبح المستثمرون الصينيون والأسيويون اليوم اكبر مشترين لسندات الدين التي تصدرها حكومات العالم لتغطية العجوزات في موازناتها.

الخلاصة والاستنتاجات

تبدو بوادر تحسن أداء الاقتصاد العالمي هذا العام حلما بعيد المنال في ظل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين وخصوصا في الربع الأول من العام الجاري، وفاقمت أزمة فيروس الصين من العوامل المؤثرة سلبا على النمو العالمي. ورغم التوقعات باكتشاف لقاح للمرض، يتوقع ان يسجل النمو الصيني تراجعا قد يصل الى 2%، وهذا حتما سينعكس على النمو العالمي المهدد بالانخفاض بنصف نقطة مئوية نتيجة التداعيات الحالية لكورونا.

ومع اغلاق مصانع تشكل نحو 69 % من القدرة التصنيعية للصين يبدو ان القطاع الصناعي العالمي مقبل على مرحلة ركود قاسية. ولا بد من الاشارة الى ان حالة عدم اليقين والضبابية التي تحيط الاقتصاد العالمي جزء كبير منها نفسي نتيجة انتشار المرض، الا ان حالة عدم التيقن ترتبط بالأساس بالحرب التجارية التي أطلقتها الولايات المتحدة مع شركائها التجاريين.

في ظل هذه المستجدات يتوقع ان تواجه التجارة العالمية أخطر أزمة في تاريخها، وقد تؤدي الى انزلاق العالم الى مرحلة كساد كبير يضرب اقتصاد العالم لسنوات.

عام 2020 يعتبر مفصليا للاقتصاد العالمي للخروج من عنق الزجاجة او الدخول في كساد.. والمفارقة هنا ان الولايات المتحدة التي كانت سببا في ازمة الكساد العالمي عام 1929 وامتدت اثارها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية هي نفسها التي تشعل بأزماتها مع الصين وشركائها التجاريين شرارة كساد جديد قد يفضي الى حروب وتحالفات تؤدي إلى قيام نظام عالمي واقتصادي جديد.

باحث مشارك *

وفي آخر الأرقام الرسمية، أعلنت الصين تسجيل 29 حالة وفاة جديدة لأشخاص أصيبوا بفيروس كورونا، حتى نهاية الأربعاء بالتوقيت المحلي، وفقا للجنة الصحة الوطنية بالبلاد، وبموجب الإحصاءات الجديدة، ارتفع إجمالي عدد الوفيات بالصين إلى 2744.

وابلغ عن 56 حالة وفاة نتيجة الإصابة بفيروس كورونا خارج الصين، مما رفع الحصيلة العالمية إلى 2800.

وعلى الصعيد الدولي، أعلنت إيران عن 19 حالة وفاة، وكوريا الجنوبية وإيطاليا 13 وفاة لكل منهما، واليابان عن 8 وفيات. في حين أبلغت هونغ كونغ وفرنسا عن وفاة شخصين. أما الفلبين وتايوان فسجلت حالة واحدة.

وارتفع عدد حالات الإصابة المؤكدة بالفيروس في الصين بمقدار 433، ليصبح إجماليها 78497 حالة في البلاد. وعالميًا، بلغت الإصابات 81.722.

Print Friendly, PDF & Email