المولدي بن علية (**)

مقدمة:

لا شكّ في أنّ وباء فيروس كورونا أيقظ حالة غير مسبوقة من الفزع في العالم، وانكشفت من خلاله هشاشة العلاقات الاجتماعية والسياسية/الإقليمية في العالم في مواجهته، حتى صار الحديث عن إيقاظ سريع لعنصر الأنانية الذي يسكن داخل الإنسان، فتهاوت معها صنوف مهمّة من التضامن الإنساني التي كانت تمثّل النّواة الصلبة للجسم السياسي لأيّ مجتمع. وهذا الإيقاظ السريع كان يتحرّك بالوتيرة نفسها مع سرعة انتشار فيروس كورونا في عدد من دول العالم التي تبعد كثيرًا من الصين؛ البلد الذي انطلق منه هذا الوباء، حتى وصل إلى الجزء الآخر من الكرة الأرضية، ونقصد بذلك دول أمريكيا اللاتينية وحتى الولايات المتحدة الأمريكية التي تُعدّ المنافس الاقتصادي والسياسي الأوّل للصين وأكثر دولة تتعامل معها اقتصاديًا. وهذا ما قد يفسّر الأعداد الكبيرة المُصابة بهذا الفيروس مقارنة بدول أخرى أقرب مسافة من الصين. لكنّ هذه الحالة من الهلع الجماعي ظهرت في أوروبا بصورة لافتة للانتباه أكثر من الصين، وخصوصًا في فرنسا وفي إسبانيا التي وصل عدد ضحايا فيروس كورونا فيها إلى 19130. أمّا إيطاليا فقد بلغ عدد الضحايا  21645 بحسب الإحصاءات المحيّنة بتاريخ 16 نيسان/أبريل 2020 [1].

لكنّ هذا الوباء المنتشر في جلّ دول العالم – ما عدا بعض الاستثناءات – اكتسح وبقوّة دولًا كانت وما زالت لها تأثير في الصراعات الإقليمية في العالم، وبخاصة في حقبة ما بعد ثورات الربيع العربي، وهي إيطاليا وفرنسا، وهذا ما يدفعنا إلى التفكير في ما سيؤول إليه الأمر بعد انتهاء هذه الجائحة. فكيف نفهم مستقبل التحولات الجيوسياسية في العالم ما بعد وباء الكورونا؟

انطلاقًا من هذه الإشكالية الرئيسية سنحاول فهم هذه التحوّلات الكبرى وكيفية التعاطي مع الجائحة العالمية من وجهة نظر الفلسفة الاجتماعيّة من خلال إشكاليتين فرعيتين؛ حيث تتعلّق الأولى بفهم حالة الفزع والهلع الجماعيّ التي تمرّ بها كل من إسبانيا وفرنسا وبخاصّة إيطاليا، فمن المنطقي أن حالة الخوف تجاه الوباء لا يمكنها أن تتحوّل إلى حالة من الهلع الجماعيّ مع مجتمعات تعيش في ظلّ أنظمة متقدّمة تكنولوجيًا؛ إلا في حالات تفتقد فيها هذه المجتمعات العناصر الأساسية التي تقوم عليها الروابط الاجتماعية داخل المجتمع الواحد. فكيف نفهم إذًا هشاشة هذه الروابط الاجتماعية في المجتمعات الأوروبية حيث يمكن عَدُّ حالة الفزع والهلع الجماعية التي تشهدها الدول الأوروبية التي انتشر فيها هذا الوباء هي حالة منطقية قبل أن يأتي وباء يهدّد السير العادي للحياة اليومية؟ أمّا الإشكالية الفرعية الثانية فترتبط ببوادر وملامح إنشاء خارطة جيوسياسية جديدة وظّفت حالة التفكّك الجيوسياسي في المتروبول الغربي؛ لتوطيد علاقات تضامن سياسية وإقليميّة أخرى، ونقصد بذلك المبادرة الصينية لإغاثة الوضع الطبّي الكارثي الإيطالي أمام غلق الدول الأوروبية الأخرى حدودها مع إيطاليا. فكيف نفهم إذًا قدرة الوباء أو الطاعون على تشكيل علاقات جيوسياسسة جديدة من شأنها أن تعيد ترتيب موازين القوى في العالم؟

مدخل منهجي: من خلال رصد الممارسة السياسية للدول التي من المفترض – بحكم المشترك التاريخي – أن تكون أول من تتضامن مع إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وهي دول الاتحاد الأوروبي، سنحاول أن نبحث عن العنصر الذي يربط بين تفكّك الأساس الذي يقوم عليه المجتمع الأوروبي الكلاسيكي، حيث يمثّل الهلع الجماعي أحد تجلّيات هذا التفكّك (وهذا الهلع الذي تمثّل فعليًا بالإسراع إلى شراء السلع الغذائية وتفشِّي حمّى شراء «ورق التواليت» التي انتشرت في أوروبا والولايات المتّحدة، حيث فرغت الرفوف منها فجأة من دون معرفة السبب المباشر لذلك)، وبين التفكّك السياسي الذي يتجلّى في مدى تضامن دول الاتحاد الأوروبي مع الدول الثلاث المتضرّرة من جائحة الوباء. وسنعتمد في هذا الإطار على دراسة عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي موريس غودلييه التي ترجمها أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية منير السعيداني وعنوانه «ما الصلات الاجتماعية التي تجعل من المجموعات والأفراد مجتمعًا؟» مع مقالٍ له باللغة الفرنسية  «Que ce qui fait une société». وسنفهم من خلال هذين المقالين الأسباب العميقة لتفكّك المجتمعات الغربية مع كتابات أخرى معاصرة يمكنها أن تثري هذا النقاش لعالمي الاجتماع المعاصرين الفرنسي آلان تورين والبولندي زيغمونت باومان.

كما سنناقش في الجزء الثاني من هذه الورقة كيفيّة توظيف هذا التفكّك السياسي للكيان الغربيّ من جانب الصين مع حالة الوباء والهلع الجماعي الذي تعيشه الدول الثّلاث، وبخاصة إيطاليا، في توطيد علاقات التضامن مع هذه الدول لرسم خارطة علاقات سياسية جديدة في العالم لتحقيق مشروع طريق الحرير الصيني، حيث سنعتمد على الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو ودراسته حول الطاعون كإطار نظري لذلك.

يجدر بنا أن نحيط القارئ علمًا بالمفاهيم الأساسية التي يقوم عليها بحثنا، وهي:

(1) الهلع الجماعي: يعَد نوعًا من الذعر الجماعي تجاه حالة انتشار الوباء، والمتمثّل بالإسراع في اقتناء وشراء كميات كبيرة من المواد الغذائية و«ورق التواليت» التي انتشرت في أوروبا وفي الولايات المتحدة الأمريكية، أو هلع شراء المواد الغذائية و«ورق التواليت» والتكديس، كما يقول أستاذ الفلسفة في مانشستر ماثيو بارنر[2]. لسنا هنا بصدد الحديث عن مفهوم الهلع بالمعنى الذي عرّفه عالم الاجتماع الأمريكي أنتوني غيدنز («الهلع الأخلاقي»)، والمقتصر على «ردة فعل مجتمعيّة مفرطة إزاء مجموعة سلوكات أو نوع من السلوك الذي يُنظر إليه على أنه علامة على قلق اجتماعي وأخلاقي أعم وأوسع»[3] لأن المتسبّب في هذا الهلع ليست ظواهر اجتماعيّة، أو كما يقول: «مجموعة تقوم بتهديد القيم الأخلاقية المشتركة»[4]، بل نحن نتحدّث عن الهلع كنتاج لحالة وبائية تهدّد السّلم الاجتماعي والسياسي وتهدّد حياة أي متساكن على وجه الأرض لأن الوباء لا يستهدف غالبًا هويّات دون أخرى ولا يميّز بين الطبقات الاجتماعية. لكنّ المفهوم الذي وضعه أنتوني غيدنز في معجمه يشترك في أحد معانيه مع ظاهرة الهلع الاجتماعي من جرّاء الوباء، وهو المعنى المرتبط بالنتيجة التي ستفضي إليها حالة ما بعد الهلع الوبائي المتمثلة بتدخّل الدولة بإدخال تحويرات على المستوى السّياسي في المقام الأوّل وهنا يقول: «عندئذ يُبالغ في حجم التّهديد ويقع تبسيطه في وسائل الإعلام الجماهيريّ، الأمر الذي يؤدّي إلى تحسيس الجمهور بالموضوع ورفع درجة القلق. وتباعًا لذلك يؤدّي هذا إلى دعوات تنادي بالقيام بشيء ما، كما يحدث ضغط متصاعد على السلطات للقيام بفعل يتمثل عادة بتشريع جديد. يتواصل الهلع في بعض الحالات حتّى تنتهي دورة اهتمام وسائل الإعلام»[5].

 (2) مفهوم التضامن: يُنسب هذا المفهوم في الحقل السوسيولوجي عادة إلى مؤسّس علم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركايم  (1858-1917) في كتابه في تقسيم العمل الاجتماعي، حيث ميّز بين نمطين من التضامن، وهما: التضامن العضويّ والتضامن الآليّ، إذ يشبّه التضامن العضويّ «بالتعاون المنسجم في الجهاز العصبيّ للجسم»[6]، حيث ينظم هذا الجهاز مختلف وظائف الجسم بالطريقة التي تتناسق في كلٍّ واحد يحفظ تماسك الجسم الإنسانيّ. وهذا التكامل يقتضي الاختلاف ولا يقتضي التّشابه على خلاف التضامن الآليّ الذي «لا نسمّيه كذلك إلا لما فيه من شَبهٍ مع الانسجام الذي يجمع عناصر الأجسام الجامدة، بعضها إلى بعض، على خلاف ذلك الانسجام الذي يضمن وحدة الإنسجام الحيّة»[7]. كما أنّ التضامن العضويّ هو نتاج لتقسيم العمل الذي يعطي لكلّ عضو من أعضاء المجتمع وظيفته الخاصّة.

يشير دوركايم في تقسيم العمل الاجتماعي إلى نقطة مهمة تتعلّق بمنبع هذا التضامن في وعي الإنسان، إذ يقول : «إنّ في وعي كل منّا – على ما قلنا – وعيين: أحدهما مشترك بيننا وبين المجموعة التي نعيش فيها كلّها، وليس هو ما يمثّل ذواتنا بعينها (n’est pas nous-même) بل هو المجتمع الحيّ المؤثّر فينا، أمّا الوعي الثّاني فهو على العكس، لا يمثّل شيئًا آخر غيرنا، في ما لنا من خصائص شخصيّة ومتميّزة، أو في ما يجعل من كلّ منّا فردًا مستقلًا. وبهذا فإنّ التّضامن الذي يشتقّ من أوجه الشبه، يبلغ حدّه الأعلى عندما يكون الوعي المشترك مساويًا لوعينا الكلّي، وينطبق عليه في نقاطه كلّها»[8]. ويضيف دوركايم قائلًا «إنّ التضامن العضويّ لا يمكن أن ينمو إلّا بنسبة معاكسة لنموّ الشخصيّة»[9]. كما يشير إلى أنّ التّضامن السلبيّ هو التّضامن الآليّ لأنّه لا يحقّق الاندماج في المجتمع كوحدة كلّية قائمة على الاختلاف المتكامل، بينما التّضامن الإيجابي متمثّلٌ بالتّضامن العضويّ الذي يحمل في ذاته شروط إمكان إقامة مجتمع حديث.

(3) مفهوم الرابط الاجتماعي: يرى بيار إيف (1923-2006) (Pierre – Yves Cusset)  في كتابه الرّابط الاجتماعي أنّ للرّابط الاجتماعي تعاريف متعدّدة أبسطها التّعريف الذي يرى أنّه «مجموع العلاقات التي تربطنا بالعائلة، الأصدقاء، الجيران… وصولًا إلى الميكانيزما الجماعيّة للتّضامن. مرورًا بالمعايير، والقواعد والقيم… التي تزوّدنا بالحدّ الأدنى لمعنى الجماعي»[10]. ترسم الرّابطة الاجتماعية مجموعة العلاقات التي توحّد الأفراد المنتمين إلى المجموعة الاجتماعيّة نفسها حيث تضع قواعد اجتماعيّة بين الأفراد أو المجموعات الاجتماعيّة المختلفة. كما تمثّل الرّوابط الاجتماعيّة عنصرًا مهمًّا في تحقيق تماسك الجسم الاجتماعيّ واندماج الأفراد فيه، إمّا من طريق تقاسم القيم المشتركة وإما من خلال الاعتراف الاجتماعيّ بالاختلافات عند إنشاء القواعد الاجتماعيّة. كما يمثّل الرّابط الاجتماعيّ عنصرًا جوهريًا للأفراد يستمدّون من خلاله هويتهم الاجتماعيّة.

(4) مفهوم الجيوسياسة: عرفت كلمة «الجيوسياسة»  منذ نشأتها كمفهوم  في آخر سنة من القرن التاسع عشر من جانب أستاذ العلوم السياسية السويدي رودولف كيلين (1864 – 1922) تطوّرات متعددة، حيث عرّف في البداية هذا المفهوم بأنه «علم الدولة ككائن جغرافي أو كعنصر في الفضاء: أي الدولة كبلد أو إقليم أو مجال أو، أكثر خصوصية. من زاوية العلوم السياسية، يلاحظ بشدة وحدة الدولة حيث يريد أن يساهم في فهم طبيعة الدولة»[11]، فالجيوسياسة بصفة عامة هي المعرفة التي تبحث في العوامل الجغرافية والاقتصادية والثقافية التي تؤثّر في سياسات الدول وفي العلاقات الدولية. فقد تطورت في مناهجها وفي الاختصاصات التي أصبحت تساهم في فهم العوامل التي تؤثر في سياسات الدول العلاقات الدولية. إذا اعترفنا بأن الدول كيانات عضوية متنافسة تنمو وتتدهور، تصبح الجيوسياسة هي الاختصاص الذي يهدف إلى دفع الدول إلى أقصى توسّعها ومنع انهيارها. لكن إلى جانب الجيوسياسة المتمحورة حول الدولة في علاقة بتراجع أو تطوّر نموّها يقترح فيليب مورو ديفارج، أستاذ العلوم السياسية الفرنسي المعاصر وخبير في العلاقات الدولية، مفهومًا آخر للجيوسياسة ترتسم من خلاله ملامح جيوسياسة معاصرة تتناول بالتحليل العناصر الميكروفيزيائية للمجتمع والدولة: المناطق والمدن والشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات المختلفة… هذه الجيوسياسة الصغيرة هي جزء من التطوّرات العالمية التي تؤثر في جميع الظواهر الاجتماعية»[12]. ويضيف: «في الجغرافيا السياسية الكلاسيكية، القضية المركزية هي الاستيلاء على الأراضي والدولة ذات السيادة هي الفاعل الوحيد. تثير البيئة كلًا من القضايا الجيوسياسية الجديدة (أي مستقبل لأمازون؟ وما هي منظمة نقل النفايات؟…) والجهات الفاعلة الجديدة (إضافة إلى الدول والشركات والمنظمات غير الحكومية…). لم يعد الأمر يتعلق فقط بتوزيع الحيازات الإقليمية، بل أيضًا القبض على التدفقات بجميع أنواعها، وتشكيلات القوى التي تنتج منها. (…) وهكذا يتم رسم الجغرافيا السياسية الكلية التي تكون أقل اهتمامًا بتقاسم المساحات من طريقة استخدامها، في إدارتها»[13].

(5) الوباء والتّضامن الاجتماعي: تُعَد الحداثة كنموذج ثقافيّ خاص بالسّياق الأوروبي عنصرًا مهمًّا في تحويل العلاقات بين البشر من علاقات قرابة مبنية على التضامن الآلي (القبيلة والعشيرة…) إلى تضامن عضويّ (تضامن يفرضه تقسيم العمل داخل المصنع والتقسيم الاجتماعي للعمل خارج المصنع) الذي يجعل من الاختلاف الموجود بين أفراده عنصر تماسك للمجتمع، لأن المهمات والمسؤوليات المختلفة المُوكلة للأفراد تلبّي الحاجات المختلفة والجديدة بحسب كلام مؤسّس علم الاجتماع إيميل دوركايم وتصوّره. وهذا التصوّر هو بالأساس جاء كتلبية لحاجات تقسيم العمل الجديد الذي يخدم مصالح رأس المال والطبقة البرجوازية الأوروبيّة التي ساهمت بدورها في تحويل المجتمعات الأوروبيّة التي كانت تأخذ شكل المجتمع الإقطاعيّ إلى نموذج المجتمع الصناعيّ.

على الرغم من تطوّر فكرة المجتمع الحديث في الحقبة ما بعد الاستعمارية ومحاولة جعله نموذجًا كونيًا (صرنا نتحدث عن المجتمع الدوليّ والمجتمع المدنيّ الدولي والمواطنة العالميّة القائمة على حقوق الإنسان الكونيّة…) ومع تطوّر حاجات الفرد، يبقى الطاعون كظاهرة تاريخيّة معضلةً اجتماعيّة وسياسيّة، وبخاصّة في قدرته المستمرّة على تهديد كل أنواع التّضامن مهما كانت متانتها، والتشكيك في كلّ أنواع الانتماء(قبيلة، عشيرة، مجتمع حديث…) ما دامت كلّ هذه الانتماءات عاجزة عن السيطرة على الوضع الاستثنائي وغير متأهّبة له، مع تنشيط الأشكال الدينية للانتماء التي لا ترتبط بالطائفة أكثر من ارتباطها بفكرة الخلاص الفرديّ كشكل من أشكال الانتماء إلى الدين، بحكم أن الطاعون يحوّل فكرة الموت إلى قدرٍ ومصير يقترب من الإنسان ويسيطر عليه نفسيًّا تحت وقع سرعة انتشار المعلومات عبر وسائل وتقنيات الاتّصال الاجتماعيّ التي سَرّعت من انتشار المعلومات التي تُحصي عدد الموتى الذين لقوا حتفهم من جرّاء العدوى، فيتحوّل الخبر من عنصر تحذير إلى عنصر باعث على تنشيط طاقة الخوف في الإنسان حتّى من أقرب الناس إليه. وهذا الخوف يتجسّد في ضعف الثقة بسياسات الجمعنة (Collectivization) في حمايته من هذا الوباء على الرّغم من تطوّر هذه السّياسات تقنيًا واستراتيجيًا في توفير الموارد والوسائل الممكنة للبقاء، فيضعف بالتّالي إيمان الإنسان بقدرة العمل الإنساني على التفوّق على الأزمات الكارثيّة، فيتوجّه إلى العناصر ما فوق الإنسانيّة وهنا نعني الدين (على سبيل المثال، أشارت دراسة ميدانية عن سيكولوجيا الأوبئة، إلى تسجيل حالات تحول دينيّ بين المصابين بمرض الإيدز في التسعينيات)[14].

لكنّ وباء كورونا أعاد كذلك تنشيط أسئلة مهمّة في علاقة بالتوتّر الحاصل في السلوك الإنسانيّ وضعف ثقته بالمؤسسات التي من المفروض أن تكون مؤسّسات تسهر على سلامة صحتّه، فالخوف لا يتعلّق بالمصابين فقط، بل يشمل المجتمع كله، فهي حالة مرتبطة بسرعة انتشار الوباء، وانعدام القدرة على توقّع متى وكيف ينتهي، ولا يوجد سقف واضح أو يقين بظهور اللقاح. ويضاف إلى عدم اليقين وجهل المستقبل، عامل ثقة الشعوب في مؤسّسات دولها، حتى صار الناس يشكّكون في قدرة مؤسسات دولتهم على الحفاظ على بقائهم، وهو من شأنه أن يعطي الإنسان المشروعية لنفسه في الدفاع عن بقائه مهما كلّفه الأمر بعيدًا من حسابات الدولة والمجتمع. وهذا من شأنه أيضًا أن يطرح الأسئلة المتعلّقة بمشكل الطبيعة الإنسانية والوجود الإنساني في مركز القضايا اليوم، فهي من ضمن الأسئلة التي دائمًا ما يُعاد طرحها كلما تقدّم الإنسان في العلم وتطوّرت قناعته بأنّ العلم وحده قادرٌ على إخراجه من الحالة البربرية والوحشيّة (حالة الطبيعة الراجعة للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو والفيلسوف البريطاني توماس هوبز) وخصوصًا أنّ الإنسان لم يتخلّص بعد من النّزوع نحو غريزة البقاء الحيوانية التي تتعارض مع تفكيره في مستقبل الإنسانية، وكيفيّة المحافظة على كيان العالم الذي نعيشه للأجيال المقبلة (الهلع والجشع الذي أصاب النّاس في هذه الأيّام مع انتشار وباء الكورونا، والذي يتمظهر في اكتساح المغازات والمحال وأخذ كميّات هائلة من المواد الغذائية)، لكن الإنسان – بصفة عامّة وهذا يمكن إثباته بالرجوع إلى مضمون الخطاب الفلسفي لفلاسفة العقد الاجتماعي – لا يمكنه أن يحقّق أمنه الغذائي والصحّي والسّلامة من العدوّ الخارجيّ من دون «مجتمع» يعيش فيه ويطوّر من خلاله طرائق العيش التي من شأنها أن توفّر له وسائل الأمن والحماية الجسديّة من العدوّ الخارجيّ والداخليّ. لكن ألا يدفعنا هذا إلى طرح سؤال مهمّ في علاقة بمدى أهمّية انتماء الإنسان إلى المجتمعات الحديثة: كيف يمكن أن نفسّر أو حتّى نفهم العلاقة العكسيّة بين تطوّر أنواع الانتماء إلى ما يُسمّى المجتمع الدولي وتطوّر الوسائل التي توفّرها العولمة التي من شأنها أن تدافع عن حقوق الإنسان الكونية (حيث يفترض أن تكون أكثر متانة من الروابط الاجتماعية للمجتمع المحلي) وبين فقدان الإنسان الإحساس بقدرة الدولة أو المجتمع المحلي أو حتى المجتمع الدولي على الحفاظ على سلامته أمام هذا الوباء؟ (وهو ما بات واضحًا في علاقته بالدول الأوروبية التي انتشر فيها الوباء والسلوك السياسي بين دول الاتحاد حاليًا).

أولًا: أزمة الروابط الاجتماعية في المجتمعات الأوروبيّة والهلع الأوروبي

يناقش غودلييه[15] الموضوع المتعلّق بنوعية العلاقات التي تُؤسّس مجتمعًا، فهو يقول «وحدها العلاقات التي نسمّيها في الغرب سياسيّة – دينيّة لها القدرة على صنع مجتمعات على اعتبار أنّها تجمع عددًا من المجموعات الاجتماعيّة والأفراد، وتجعلهم متشاركي الوجود في ظلّ شكل من السيادة؛ مجموعات يستغلّون في انفصال أو بالاشتراك موارد الإقليم التّرابي الذي عليه تمارس تلك السيادة»[16]. يشير غودلييه هنا إلى العنصر الذي تتبلور من خلاله روابط اجتماعيّة يمكن أن ينشأ منها مجتمع، وهي روابط تتجاوز العلاقات الواقعيّة الأوليّة (القرابة العائلية أو عشائريّة…) وحتى الروابط الاجتماعية التي تخلفها العمليات الاقتصاديّة. إنّ وجود علاقات قرابيّة أو تحالفيّة حسب غودلييه (تتجاوز القرابة بالولاء بين العشائر مثلًا) أو اقتصاديّة أو غيرها لا يكفي للقول بوجود مجتمع، فمن الضروري أن يكون ثمّة رابطًا بين الأفراد والمجموعات يتجاوز العلاقات الواقعية الأوليّة (القرابة) والثانويّة (اقتصاد، …) بحيث ينبني نوع من الوحدة المستقرّة إلى حدّ ما، وهو يرى أنّها لا يمكن أن تكون إلا من مدخل سياسيّ-دينيّ: سياسيّ في معنى إدارة العلاقات وإيجاد التراتيبات التدبيريّة الضروريّة لاشتغال الاجتماع الإنساني بوصفه وحدة مبنيّة وذات تراتب «هَرَميّ» محدّد وتقسيم معيّن للعمل وتوزيع للسّلطة على أقدار محدّدة، ودينيّ في معنى إضفاء شرعيّة رمزيّة-روحانيّة على ذلك السياسيّ، لأنّه لا يمكن أن يقوم ويتّصل ويمارس سيادته باسم المجتمع ككلّ من دون هالته المقدّسة تلك.

هنا جوهر الموضوع والنقطة المفصليّة التي يمكن من خلالها بلورة فهم دقيق لحالة الهلع والفزع في الدول الأوروبيّة؛ إذ لم تكن هذه الحالة سوى نتيجة منطقية لهشاشة الرّوابط الاجتماعيّة وفقدان البعد الرّوحي الذي تقوم عليه هذه الرّوابط، فالسلطة الروحيّة التي تنبثق من رحمها روابط بين الأفراد تتجاوز العلاقات الأوليّة (القرابة) والمادية (الاقتصادية وغيره…) فُقدت وانسحبت وتقلّص دورها الاجتماعي تقلّصًا كبيرًا (وتتجسّد أيضًا بضعف الحماسة الوطنية وبخاصة مع عولمة الاقتصاد) بحكم اكتساح البيروقراطية جلّ مجالات الحياة بالمعنى الذي نظّر له الفيلسوف
الألماني ماكس فيبر (وهو يعني الالتزام بتطبيق القواعد المرتبطة بفنّ أو علم معيّن وتحييد الأخلاق

بمعناها الإيتيقي من هذا الفنّ أو المجال) لا بالمعنى السياسي المتداول في لغة التخاطب اليومي. فيقول عالم الاجتماع البولندي زيغمونت بومان في تفسيره لهذه الظاهرة: «لقد تطلّبت البيروقراطيّة امتثالًا للقاعدة لا حكمًا أخلاقيًا، وواقع الأمر أن أخلاق الموظّف أعيد تعريفها باعتبارها طاعة الأوامر والاستعداد لإتقان العمل – مهما كانت طبيعة المهمّة المأمور بأدائها، ومهما كان تأثيرها في الأطراف المتضرّرة من الفعل البيروقراطي، فكانت البيروقراطية أداة لنزع المهارات الأخلاقية»[17].

وهذا التفكك الحاصل في المجتمعات الأوروبيّة يأخذ أشكاله القصوى بحسب كلام عالم الاجتماع الفرنسي ألان تورين «عندما تنقطع الصلة بين النّظام والفاعل، أي عندما ينعدم التطابق بين معنى المعيار بالنسبة إلى النظام ومعناه بالنسبة إلى الفاعل، إذّاك يتّخذ كل شيء معنى مزدوجًا ويريد الفرد أن يؤكّد ذاته بمعارضته لغة المجتمع»[18]. وهو ما ينتهي بنا إلى القول بأنّ هذا التفكّك هو بدوره نتيجة حتميّة «لانقطاع الرّابط الاجتماعي، فمجموعات القربى والجِوار، من العائلة إلى الأصحاب فالوسط المدرسيّ المهنيّ، تبدو في أزمة حيثما كانت، تاركةً الفرد، ولا سيما الفتى والمسنّ، الغريب أو المهاجر، بلا زوج ولا عائلة في حال من الوحدة تقوده إمّا إلى الاكتئاب وإمّا إلى البحث عن علاقات مصطنعة وخطرة، كتلك المجموعات التي يركّز زعماؤها تأثيرهم في القوّة والعدائية»[19]. وهذا النّوع من الاستقلال الذاتيّ للفرد يأتي على حساب التّماسك الكلّي للمجتمع، فهي نتاج منطقيّ للفردانيّة التي حلّت مكان المنفعة الاجتماعيّة والتي تجسّدت في عدد من المطالب التي تمثّلها الحركات الاجتماعيّة الجديدة والتي يتمّ الدفاع عنها وفق أفق جماعويّ، من الحركات النّسوية وحركات الدّفاع عن الحريّات الجنسيّة إلى حركات الدفاع عن مخاطر البيئة وبعض حركات مناهضة العنصريّة. وهذا ما أكّده في كثير من المرّات ألان تورين في كتابه نهاية المجتمع. فها هو عالم الاجتماع الأمريكي أنتوني غيدنز يعرّف الحركة الاجتماعية (لا مجرّد حركة احتجاجيّة) بأنّها «محاولة جماعيّة لتعزيز مصلحة عامّة أو تأمين هدف عامّ، وذلك في الغالب من خلال أفعال خارجة عن مجال المؤسّسات الرّسميّة السياسيّة الموجودة»[20]. ويقول أيضًا «تمثّل الحركات الاجتماعية محاولات جماعيّة لتغيير المجتمع»[21]، أي أنّ هذه الحركات تحمل رؤية أخرى مخالفة لنمط المجتمع الذي تعيش فيه ومن الصّعب جدًّا أن تتّحِدَ هذه الحركات الاجتماعيّة في رؤية واحدة بحكم أنّها تحمل رؤى اجتماعيّة متعارضة وغالبًا لا تشترك في الأفق نفسه.

لنعد إلى مسألة البيروقراطيّة والتكنولوجيا. فقد يجادل البعض بالقول بأنّ التكنولوجيا تساهم مساهمة فعّالة لتحقيق السعادة الإنسانيّة كغاية أخلاقيّة نظّر لها فلاسفة التنوير، لكن في حقيقة الأمر لم يكن هذا التطوّر التكنولوجي خادمًا للإنسانية ككلّ ولا خدمة للإنسان في جميع أبعاده بل خدمةً لمصلحة الأبعاد المادّية للإنسان وعلى حساب البعد الأخلاقيّ الذي لا يُلتفَتُ إليه إلّا إذا كان هذا التقدّم العلميّ التكنولوجيّ يحقّق نفعًا للرّغبات المادّية للإنسان والتي ستكون حتمًا على حساب الآخرين، وهو ما أشار إليه باومان في علاقة بضحايا إعصار كاترينا في الولايات المتحدة، فهو يقول: «إنّ من طالهم أشدّ الأذى من تلك الكارثة الطبيعية هم من كانوا بالفعل قبل أن يضربهم إعصار كاترينا – نفايات النّظام وفضلات التّحديث، إنّهم ضحايا حفظ النّظام والتقدّم الاقتصاديّ، وهما مشروعان بَشريان واضحان؛ فقبل أن يجد هؤلاء الضحايا أنفسهم في أدنى اهتمامات السلطات المسؤولة عن أمن المواطنين لزمن طويل، جرى نفيهم إلى هوامش اهتمام السلطات (وهوامش الأجندة السياسيّة)، التي كانت تعلن أنّ البحث عن السّعادة هو حقّ عالميّ، وأنّ مبدأ البقاء للأفضل هو الوسيلة الرئيسيّة لتحقيقه»[22]. وكما أن البيروقراطيّة التي هي من صلب الروح الحديثة حسب ماكس فيبر «في العصر الحديث الصلب قد حيّدت الآثار الأخلاقيّة للأفعال البشريّة، فإن التكنولوجيا المتحرّرة في أزمنتنا السائلة تفعل شيئًا مشابهًا عبر توفير المهدّئات والمسكّنات الأخلاقية»[23].

يفتح لنا كلام باومان أبوابًا كبيرة يمكن أن تيسّر لنا فهم أسباب صعود النّزعات العدميّة في أوروبا وتضخّم الأنا والتّمركز حول الذّات، التي لم تكن بحسب كلام عالم الاجتماع الأمريكي كريستوف لاش إلّا كنتاج لضعف الذّات الغربيّة في مواجهة نظام الحياة الحديثة التي تسيطر عليها العلاقات المهنيّة السطحيّة وفي بعض الأحيان أسيرة للتراتبيّة أو النفسيّة، حيث يشعر الإنسان فيها أنه مُتعاوض (Interchangeable)، يتحرّك في كون من اللامبالاة ومن العلاقات العابرة ومن الصّلات التجاريّة، حتّى عالمه الأسريّ يبدو له محطّمًا أو قابلًا للتّحطيم، «والعيش في الوقت الحالي هو الشّغف السّائد – أن تعيش لنفسك، وليس من أجل الأسلاف أو الأجيال القادمة»[24].

لكنّ باومان يشير إلى نقطة مهمّة مقترنة بتضخّم حالة الخوف وهي قدرة التكنولوجيا «على حيْد الفعل الاجتماعي وإخراجه من القانون الأخلاقيّ» التي عدّها باومان امتدادًا منطقيًّا للعلاقة بين البيروقراطيّة والبعد الإيتيقيّ للإنسان، «وذلك بالتّهوين من أهمّية المعايير الأخلاقيّة أو كلّما أمكن استئصال تلك المعايير تمامًا من تقويم استحباب الأفعال البشريّة (أو جوازها)، بحيث ينتهي المطاف بتجريد النفس البشريّة الفرديّة الفاعلة من حِسّها الأخلاقي وقمع باعثها الأخلاقيّ»[25]. فكلّما حُيِّد الحسّ الأخلاقيّ من الفعل الاجتماعيّ والسياسيّ الذي أصبحت التكنولوجيا فيه مسيطرة ومهيمنة كلّيًا – أصبحت قدرة الإنسان على مواجهة الأخطار التي تواجه البشريّة مواجهة مباشرة تقلّ وتضعف، وفي هذه اللّحظة بالتحديد يتضخّم الخوف ويتحوّل من حالة فرديّة إلى حالة من الهلع الجماعيّ وقابلة للفهم أكثر من ذي قبل، لأنّنا أصبحنا نواجه (وبخاصة في علاقة بفيروس كورونا) الآن فيروس لا نستطيع اكتشاف العدوى منه إلا بعد أربع عشرة يومًا. فالبشريّة الآن تخوض حربًا مع عدوّ لامرئيّ لا تظهر أعراضه إلا بعد أربعة عشر يومًا، كما أنّ هذا الفيروس لم تُعرَف طرائق عدواه إلا بعد انتشاره عالميّا، حيث تبيّن في الأسابيع الفارطة بشكل متأخّر أنّه قابل للعدوى حتى بمجرّد لمس أشياء قد لمسها المصاب بهذا الفيروس.

لكن، في مقابل فقدان أو تقلّص الرّوح التي توحّد المجتمعات الأوروبيّة وهيمنة البيروقراطيّة في العلاقات الاجتماعيّة، واللذين يمكن عدهما سببين كافيين في حدّ ذاتهما لظهور حالة من الهلع وفقدان السيطرة في الدول الأوروبيّة التي انتشر فيها الفيروس بكثرة أمام مواجهة عدوّ فيروسيّ غير مرئيّ، نجد أنّ الصّين الدولة الأولى التي خرج منها هذا الفيروس متسلّلًا من إحدى مدنها وهي ووهان حيث تجاوزت الصّين بسرعة حالة الهلع بحكم تجاربها مع حالات وبائية قديمة، وبفعل مركزيّة السلطة السياسيّة فيها التي تملك صلاحيات كبيرة (وجوب دخول التّجمعات السكانيّة والمناطق الصناعيّة مصحوبًا بتأشيرات وتطبيق القانون بصرامة. هذا قبل الوباء، أمّا أوّل انتشاره في مدينة ووهان فقد أُصدر منشور يمنع الخروج من البيت ولا يسمح بالتسوّق إلا لفرد واحد من كل عائلة)، حيث اجتمع الرئيس الصيني مع اللجنة المركزية للحزب الشيوعيّ الصّيني لمناقشة التحدّيات التي تواجهها البلاد نتيجة انتشار الفيروس وخطورته. يوم 24 كانون الثاني/يناير 2020 قال الرئيس الصّيني: «في ظلّ الوضع الجديد المتمثّل بالانتشار السّريع لوباء الالتهاب الرئويّ الجديد، فمن الضروريّ تعزيز دور القيادة المركزيّة للحزب في محاولة لوضع حلول لإدارة الأزمة». وعلى الرغم من الهزّات الكبرى التي واجهتها الصّين تاريخيًّا من الثّورة الماويّة إلى يومنا هذا على الأقلّ، فإنّ الصّين لم تتخلّ عن العناصر الصلبة لثقافتها المحلّية، فحتى الثّورة الماويّة كانت ثورة شعبيّة حافظت على منطقها الداخليّ المتمثّل بالثقافة الكونفوشيّة وبثقافة الفلاحين الذين كانوا مقصيين قبل ثورة 1949.

فقد تناولت المؤلفة هيلدا هاخوم في كتابها عن تاريخ الصين، الثورةَ الثقافية البروليتارية لعام 1949، التي لم تكن ثورةً ضد التراث الثقافي الصيني أو ثورةً تضع نفسها كمقابل لها، فهي تقول بأن «التعليم في الصين هو امتداد للتراث الثقافي الصيني وردّ فعل تجاهه أيضًا. وبالمثل فهو تكيّف للتقدّم التقني الغربي وردّ فعل تجاهه في ذات الوقت»[26]. وتقصد هنا بأن التعليم هو امتداد للتراث الصيني ورد فعل تجاه جزء من التراث الصيني المرتبط باستغلال «الكومنتانغ» المدعومين من الولايات المتحدة الأمريكية والتي قامت ثورة 1949 ضدهم. كما يوضّح روبرت يونغ هذه النقطة وبخاصة في علاقة الثقافة الصينية في عمقها الشعبي بتصوّر ماو تسي تونغ للثورة في كتابه ما بعد الكولونيالية: مدخل تاريخي، حيث يقول: «فعلى العكس من ستالين، آمن ماو بعفوية الجماهير، وأكّد مقدرتها على تحويل ضعفها إلى قوة، وجادل في أن الفلاحين يمتلكون أشكالًا من المعرفة لا يمكن أن يبلغها المثقفون. لقد كانت نظريته في «الخط الجماهيري»  (Masse Line) تمثل امتدادًا لإيمانه الأساسي بضرورة إدماج مشاركة الشعب في السيرورة السياسية، وفي الوقت نفسه، كان الخط الجماهيري حول الوصول إلى الجماهير، وحشدها، وترجمة أفكار الحزب إلى أفعال الجماهير، وجعل الحزب مستجيبًا لمساهمات الشعب. ولقد كان هذا التشديد على المشاركة الفاعلة للشعب جذابًا بصورة خاصة في سياق الانحدار الروسي إلى البيروقراطية والنخب الحزبية البعيدة من مشاقّ الحياة اليومية. فكان أحد المظاهر الأكثر ثورية لدى ماو، التي لا تزال خاضعة للاستنكارات الرجعية، هو إيمانه بثقافة الناس العاديين (Ordinary People)»[27].

تجدر الإشارة إلى أنّ الصّين في هذه الحقبة العصيبة لم يمرّ عليها عيد السّنة القمريّة وبداية السنة الصّينية الجديدة – سنة الفأر إلّا بالاحتفالات. فقد أظهرت أشرطة مصوّرة في مواقع التّواصل الاجتماعيّ هتافات من شبابيك شقق في مدينة ووهان يهتفون «ووهان جيايو» أي حافظي على قوّتك وواصلي مسيرتك يا ووهان[28] (لا شك في أن الصين دولة تُحكم السيطرة التكنولوجية على مواطنيها عبر آليات رقابة متطوّرة، لكن حالة الهلع الجماعي لم توجد فيها بصورة كبيرة كما وُجدت في الولايات المتحدة وفي دول أوروبية).

ثانيًا: الطاعون كأداة للتّغيير من البيوسياسة إلى الجيوسياسة

كنّا قد تحدّثنا عن العوامل الداخليّة لتفكّك المجتمعات الأوروبيّة، والآن سنتطرّق في بحثنا إلى مسألة العوامل الخارجيّة التي هي امتداد للتفكّك المجتمعي، حيث قضت على التّضامن السياسيّ في الظّرف الطارئ الحالي الذي تمرّ به إيطاليا على وجه الخصوص، وهو ما جعل من الطاعون فرصة تاريخيّة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية المستقبليّة في العالم بالنسبة إلى الصّين.

في ضوء ما ذكرنا، وإضافة الى كون الأوبئة دائمًا تحدث تغييرات على مستوى البنية الديمغرافيّة للدول أو للعالم (تغييرات في العالم أو فقط في بعض الدول يبقى رهين مدى اتّساع هذا الفيروس). وهذا الوباء بالتّحديد يستهدف الطبقة المُسنّة في المجتمعات، فنسبة كبار السنّ الذين بلغوا ستّين عامًا وما فوق سنة 2017 في الصّين بلغت 17.3 بالمئة ومن المتوقّع أنّها ستصل سنة 2050 إلى 34.9 بالمئة، وهي الفئة التي تموت حاليًا من جرّاء الفيروس. أمّا نسبة كبار السنّ الذين تفوق أعمارهم 62 عامًا في إيطاليا فتمثّل حاليًا 21 بالمئة، وهي التي يستهدفها الفيروس. وإلى حدود يوم الخميس 16 نيسان/أبريل 2020 بلغت حالات الوفيات 21645. الأمر نفسه في إسبانيا، فقد أكّد تقرير سنة 2015 الصّادر من المفوضيّة الأوروبيّة في شهر نيسان/أبريل أن دول الاتحاد الأوروبي تواجه تحدّيات كبيرة ورئيسة تتمثّل بزيادة عدد السكان المسنّين ونقص حالات إنجاب الأطفال. وبحسب التقرير الذي نشره الراديو السويدي[29] فقد تناقص عدد السكان في إسبانيا لأوّل مرّة في العصر الحديث، وانخفضت نسبة إنجاب الأطفال إلى مستويات قياسيّة مقارنة بالدول الإسكندنافيّة. فالأزمة الماليّة التي شهدتها إسبانيا سنة 2008 أدّت إلى فقدان نحو نصف مليون إسباني بسبب هجرتهم إلى دول أخرى، حيث غادر الكثير البلاد بعد عام 2008 عندما ارتفعت معدلات البطالة وتباطأت مستويات البناء وتواصلت إلى اليوم. وإلى حدود الخميس 16 نيسان/أبريل 2020 بلغ عدد الوفيات من جرّاء فيروس كورونا في إسبانيا 19130، كما سجّلت فرنسا تزايدًا في عدد الوفيات إلى حدود 17167، فالكلّ يعلم أزمة الصناديق الاجتماعيّة التي واجهتها الدولة سنة 2017 ونتج منها حركة السترات الصفر. ومن الواضح جدًّا أن هذا الوباء ستكون له تغييرات لا على مستوى البنية الديمغرافيّة لهذه الدول الأوروبيّة فقط، بل حتّى على المستوى الاقتصاديّ أيضًا في علاقة بالكساد الاقتصادي الذي يشهده العالم الآن في مراحله الأولى وفي علاقة بالتغيّر الديمغرافي السائر نحو التوازن في النسب بين نسبة الشباب ونسبة الكهول (التي تكلّف دولها عبء أموال الصناديق الاجتماعية) الذي ستشهده كل من إسبانيا وفرنسا وإيطاليا بفعل الوباء.

هذا على المستوى الكمّي، أمّا على المستوى الكيفيّ، فيمكننا فهمه انطلاقًا من دراسة ميشيل فوكو لظاهرة الطاعون في كتابه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، الذي تناول فيه التّاريخ السياسيّ للمؤسّسات الحديثة (منها مؤسّسة العيادة) وعلاقة السّلطة بتغيير مضمون هذه المؤسّسات بتدخّل الدولة في إطار صراعها مع الكنيسة وجزء من الفضاء الاجتماعيّ، فالعيادة لها مضمون أبعد من المضمون العلاجيّ والاستشفائيّ، فهي تتبع سياسة الإقصاء الاجتماعيّ من خلال التّماثل بين الجشع والعجوز والمومس والعاق والغبيّ والضّال والمجرم والمتشرّد والوقح والمتسوّل، وذلك بحسب الدراسة الأركيولوجية التي قام بها فوكو على الممارسات الطبية بين القرن الخامس عشر إلى حدود القرن التّاسع عشر في فرنسا.

فمن خلال الإجابة عن سؤال كيف تشكّلت النّظرة العياديّة داخل النّظرة الطبيّة؟ يحاول فوكو استدعاء كلّ المراسيم التي أصدرها الملك في القرن السابع عشر، والتّشريعات التي أصدرها البرلمان التي ساهمت في إنشاء دُور الحجر والمستشفيات عبر تدابير وإجراءات يسميها فوكو السّياسات الصحيّة التي تسعى لدولنة (احتكار الدولة) الجسد والصّحة من خلال نزع الطابع الفرديّ والعائليّ للعلاج، إضافة إلى سعيها في إطار صراعها مع الكنيسة، لعلمنة الصّحة عن طريق نزع الطابع الدّيني عن الممارسة العلاجيّة. وهذا التّحول يمثّل مضمون ما يسميه فوكو «الانقلاب الكبير»[30]، الذي يتمثّل بتغيير الوظيفة الكبرى للمستشفى العام من الاعتقال (اعتقال المجانين وكل المصابين بالأمراض العقليّة) إلى الإصلاح والعلاج والعقاب، وبخاصّة أن ما كان يُعرض على المستشفى العام من مصابين بأمراض تناسليّة لم يعالجوا وإنّما عُرضوا على الأطباء من أجل «تقويم سلوكهم أوّلًا، ثم معاقبتهم ثانيًا، وهو أمر تشهد عليه تذكرة إرسالهم. ولم يكن المصابون بالأمراض التناسليّة في الأصل يعاملون معاملة تختلف عن تلك الخاصّة بالمصابين بالأوبئة من قبيل الجوع والطّاعون والجروح الأخرى»[31].

وهذا الأمر يستدعي الانتباه، وبخاصّة في علاقة كلام ميشيل فوكو بتطوّر العلاقة بين الطبيب والمريض، والسّلطة الرّمزية التي أصبحت لدى الطبيب والمتعلّقة بمدى قدرته على التدخّل في تفاصيل حياة المريض وإقصائه لمؤسسات أخرى (كالكنيسة مثلًا) قد تتدخّل في «نظام حياة» المريض المتعلّق بجسده. لذلك فإن ثقافة المجتمعات يمكن أن يتغيّر براماتراتها (les paramètres) من خلال تغييرات بنيويّة تستهدف المؤسّسات التي تمتلك سلطة رمزيّة على الإنسان، وإعطاء هذه المؤسّسة (الطبيب/المستشفى) سلطة رمزيّة أوسع باستغلال وتوظيف مثل هذه الحالات الاستثنائيّة الكبرى التي تتكثّف في حالة الوباء وخصوصًا في المرحلة التي يتحوّل فيها الوباء إلى ظاهرة مُعولمة مثل ما يشهده العالم الآن. فحينما تُعمّم حالة من الهلع الجماعيّ توفّر الدولة مؤسّسات بديلة تثبت بالتّجربة للنّاس حالات تمّت معالجتها بنجاح وتقنعهم بأنّ هذه المؤسّسات التي بيد الدولة هي التي ستتكفّل بحماية النّاس فيرتفع حينها منسوب الثقة؛ فعلى قدر ما تسيطر هذه المؤسّسة على انتشار هذا الوباء مع أجهزة الدولة الأخرى تزيد ثقة المواطن بمؤسّسات دولته، وتصبح الدولة في حالة الاستثناء أكثر أريحيّة في بسط نفوذها، وهو ما يمكن تسميته البعد البيوسياسي (Bio-politic) للسلطة أي السيطرة السياسية على الجسد بآليات السلطة، حيث تمثل الأمثلة التي نجحت فيها الدولة في السيطرة على الوباء أمثلة على نجاح السلطة في التغلّب على المرض الذي يمكن أن يتسلّط على أجساد الناس فتتحوّل السلطة السياسية إلى سلطة جديرة بالاتّباع فتسهل حينها عملية السيطرة السياسية على الجسد.

لكن في الحالات التي انتشر فيها الوباء وتفاقم عدد المصابين به نجد أن حالة الهلع الجماعي والجشع استشرت بين المواطنين (إيطاليا وصربيا وإيران وفرنسا وإسبانيا) وازدادت وتيرة التخوف من الوضع في الخطاب السياسي ووصل الأمر حتّى في خطاب رئيس صربيا الذي حمّل المسؤوليّة للاتحاد الأوروبيّ الذي تنصّل من مهمات مساعدة صربيا وأغلق الحدود أمامها، ولم تجد سوى الصّين التي قدّمت يد العون. ورأى رئيس صربيا أنّه من الآن فصاعدًا لا يمكن اعتبار رئيس الصّين مجرّد حليف استراتيجيّ، بل هو بمثابة الأخ بحسب تعبيره في خطابه يوم 18 آذار/مارس 2020. كما أنّ إيطاليا أعربت عن شكرها لتوفير الصّين عددًا من الكمامات وأجهزة التنفّس بعد أن أغلقت الهند وتركيا ورومانيا حدودها مع إيطاليا ماعدا روسيا التي ساعدت إيطاليا منذ تفشي الوباء فيها بحثًا عن مساندة لرفع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ سنة 2014. فحالة الهلع الجماعي تحولت من أحد تمظهرات التفكّك المجتمعي (ومن ثمّ إعادة هيكلتها من جانب مؤسسات الدولة) مع وجود بعض محاولات التّضامن الداخلي التي لا يمكن إنكارها إلى أحد تمظهرات التفكّك السياسي، لأنّ في حقيقة الأمر، وحتّى إن كانت السياسة قائمة على مجموعة مصالح مشتركة فهي يمكنها أن تعكس مدى تماسك الرّوح الغربية من عدمها؛ وبخاصّة في الحالات الكارثيّة التي تستوجب تضامنًا سياسيًّا لإنقاذ الأمر (إيطاليا لا تمثّل مجرّد دولة في أوروبا بل هي تاريخيًا تمثّل الرّوح الغربية لأوروبا الحديثة وهي أيضًا الدولة التي تحمي أوروبا من فائض المهاجرين الأفارقة).

من المعلوم أنّ انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والصّراع الذي جدّ في أواخر سنة 2019 بين إيطاليا وفرنسا وارتفاع وتيرة التوتّر في الخطاب السياسيّ بين رئيسي الدولتين (من جرّاء عدم تعاون الجانب الفرنسي مع الجانب الإيطالي في الحدّ من قدوم المهاجرين غير الشرعيين) وكذلك وضعية الدّيون الضخمة المتراكمة والمتخلّدة في ذمّة دول الاتحاد الأوروبي والتي يقرضها البنك الأوروبي مع حالة العجز الاقتصاديّ في اليونان والأزمة الإقتصاديّة في بريطانيا، إضافةً إلى اكتساح التّنين الصّيني الأسواق الأوروبية وشرائه بعض الموانئ في اليونان وإيطاليا لإكمال مشروع خطّ الحرير الصّيني التجاريّ، إضافة أيضًا إلى عجز الصناديق الاجتماعيّة في كلّ من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، وبخاصة غياب العنصر الروحي الجامع للمصير الأوروبي على مستوى الخطاب السياسي… هذه الأسباب وغيرها حالت دون إمكان التّضامن الأوروبي في حالة الوباء حيث أصبحت كل دولة أوروبيّة أكثر انغلاقًا على نفسها، وتأخذ أكثر ما يمكن من أساليب الوقاية لسكانها قبل أن تعير الاهتمام الكافي لما يحدث لجيرانها.

لقد تحدّثنا في العنصر الأوّل والثّاني عن سيرورة تفكّك المجتمعات الغربيّة. هذا التفكّك الذي شهدته المجتمعات الأوروبيّة ما بعد الدولة الأمّة وزمن قيام العولمة، تحوّل إلى تفكّك على المستوى السياسيّ بحكم فقدان هذه المجتمعات الرّوح الجامعة المشتركة بين الدول الأوروبيّة وتبخّر طموح المواطنة الأوروبية التي تؤكد أدبيات الاتحاد الأوروبي أنها من ضمن أهدافه الرئيسية، فهذه الرّوح تمثّل – أساسًا – العنصر الثقافيّ المشترك بحكم انتمائها إلى نفس مصادر الذّات الأوروبيّة التي تبلورت على أيدي فلاسفة التّنوير الأوروبي. كما أنّ هذا التفكّك الذي أضحى واضحًا على لسان من يمثّلون هذه المجتمعات سياسيّا، وأقصد بذلك رؤساء الدول على مستوى الخطاب السياسيّ (الشّجار بين رئيس إيطاليا وفرنسا منذ سنة 2019) ودمّر جزءًا كبيرًا من سردية المصير المشترك الأوروبي، وهو ما فسح المجال أمام كل من أمريكيا والصين في مراحل مختلفة لاختراق سيادة الاتحاد الأوروبي أكثر من مرة حينما يتمّ تجاوز الاتحاد الأوروبي في مجال المعاملات الاقتصاديّة مع الصّين والمعاملات العسكريّة مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة.

يعلمّنا الدرس الفوكوي كيف نفهم أنّ البيوسياسة هي شكل من أشكال الهيمنة الدولاتيّة على الإنسان، وهي تؤسّس لتقلّص التّضامن الجماعوي أو احتوائه من طرف الدولة ومن خلال نموذج ثقافيّ تدمج فيه الدولة كل الأفراد، ويتمّ المحافظة على استدامة هذا الاحتواء عبر أداتين تحتكرهما الدولة وهما السلطة الانضباطيّة والسّلطة الرقابيّة. لكن الدّرس الكورونيّ الحاليّ يعلّمنا كيف يتمّ تحويل حالة الفزع أو الهلع الجماعيّ إلى فرصة تاريخيّة تقتطفها دولٌ بعينها، فتشكّل من خلالها علاقات تضامن من شأنها أن تعيد رسم مستقبل الخارطة السياسيّة المقبلة، وذلك حينما تغتنم الصين وتستثمر حالة العطالة الحاليّة لدول الاتحاد الأوروبي التي لم تكن إلا نتاجًا منطقيًّا لكلّ ما حدث في السنوات العشر الأخيرة التي أتينا على ذكر بضعٍ منها في الفقرات السابقة. وهذه الأرضيّة الملائمة التي وجدتها الصّين من شأنها أن تعطيها فرصة إضافيّة لمزيد من توطيد العلاقات الاقتصاديّة والتبادلات التجاريّة والتكنولوجيا بينها وبين الدول المتضرّرة من انتشار وباء الكورونا، فتظهر الصين كدولة مُنقذة وكأكبر المستفيدين استراتيجيًّا في ما بعد الحرب الوبائيّة من حالة الهلع الجماعي الأوروبية التي انتقلت إلى هلع سياسيّ، وبخاصّة حينما أُغلقت الحدود أمام إيطاليا من جانب كلّ الدول وعلى رأسها بلدان الاتحاد الأوروبي، فرحّبت إيطاليا وصربيا وإسبانيا بالمساعدات الصّينية وثمّنت تضامنها. هنا يتحوّل الوباء من ظاهرة بيوسياسيّة لهيمنة السلطة السياسيّة للدولة على الأفراد (كما يتناولها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو) إلى ظاهرة جيوسياسيّة تهيّئ الأرضيّة الملائمة لهيمنة دولٍ على دولٍ أخرى بتعبيد الطّريق لعلاقات سياسيّة مستقبليّة ربّما قد تُحدث تحويرًا في تركيبة الدول التي ستتحكّم في السياسات الاقتصادية في العالم. لكن ما مدى تأثير هذه التحوّلات في الخارطة الجيوسياسيّة وفي الحرب غير المعلنة بين الصّين والولايات المتّحدة الأمريكيّة؟

ثالثًا: الوباء والحرب الصينية – الأمريكية على النظام العالمي الجديد

لا يمكن عَدُّ المجتمعات التي لم ينتشر فيها الوباء، أو التي لم ينتشر فيها إلّا بشكل متأخّر، حيث وجدت متّسعًا من الوقت لتفادي مشكل الانتشار، مادّة خامًا لفهم منسوب الثقة الذي يُوكله المواطن للدولة وللمجتمع الدوليّ (متمثّلًا بالاتحاد الأوروبي أو المنظّمات العالميّة التي لم تستطع تقديم شيء كبير في هذه اللّحظات الحرجة). بل إنّ نقاشنا يستهدف الدول التي انتشر فيها الوباء أكثر فأكثر وسقط فيها عدد كبير من الضحايا بالنّسبة إلى عدد السكان، ونقصد بذلك إيطاليا وإسبانيا والصّين وصربيا وإيران وفرنسا. فعلى الرغم من قدرة الصّين على السيطرة على الوضع منذ يوم 18 آذار/مارس 2020 إلّا أنّ عدد الضحايا في إسبانيا وإيطاليا يتزايد والمجتمع الدوليّ والاتحاد الأوروبي لم يفعلا شيئًا في مستوى الحدث الكارثيّ سوى إغلاق الحدود على هذه الدول التي عدّوها بؤرًا لانتشار عدوى الفيروس.

فحين كانت الصّحف العالميّة تناقش القوّة أو الضعف الهيكليّ للمؤسّسات الصحيّة في إيطاليا تحوّل النقاش منذ الأيّام الأولى للنصف الثّاني من شهر آذار/مارس 2020 إلى نقاش حول قوة أو ضعف التّضامن الدوليّ مع الدول التي أصبح فيها الوباء يهدّد الأمن الاقتصادي والأمن الصحيّ للمواطنين، حتى تطوّر النقاش حول قوّة الصين كدولة استطاعت السيطرة على الوباء داخلها واستطاعت توفير خلايا طبيّة سافرت لمساعدة البلدان الموبوءة مع توفير المعدّات الطبيّة اللازمة لهذه البلدان للحدّ من انتشار هذا الفيروس، بالتزامن مع صمت كلّي للرجل الأبيض الذي دائمًا ما يقدّم نفسه منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 على أنّه الرّجل الشرطيّ الذي يسهر دائمًا على حماية الأمن العالميّ والمحافظة على السّلام في العالم. فاكتفى دونالد ترامب يوم 18 آذار/مارس 2020 في تصريح صحافيّ بالقول إن العالم يدفع «غاليًا ثمن» بطء الصّين في تقديم معلومات حول كورونا المستجدّ، وأنّه «كان سيكون أفضل كثيرًا لو علمنا كلّ ذلك قبل أشهر، كان بالإمكان احتواؤه في منطقة في الصين التي انطلق (الفيروس) منها». إلى جانب ذلك اكتفى الأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش الخميس 19 آذار/مارس 2020 بالتّحذير وقال «إنّ أرواح «الملايين» في خطر إذا لم يُبدِ العالم تضامنًا، وخصوصًا مع الدول الأشدّ فقرًا، في مكافحة تفشّي فيروس كورونا المستجدّ»، ونبّه في الوقت نفسه من «اللجوء إلى الحمائيّة».

في السنوات العشر الأخيرة تطوّر الاقتصاد الصّيني على نحوٍ سريع ولافت للانتباه، حتّى أصبحت الصّين في صدارة الدول على المستوى الاقتصاديّ بأقوى ناتج محليّ إجماليّ (GDP) في العالم بعد الولايات المتّحدة (بحسب تقرير صندوق النقد الدولي لسنة 2018 الذي يحتوي على قائمة الدول بحسب الناتج المحلي الإجمالي)، وأصبحت الشركات الصّينية من أكبر الشركات المصدّرة للتكنولوجيا الحديثة في العالم (وتملك تكنولوجيا الجيل الخامس (5G) التي ستكون شعار الثّورة التّكنولوجيّة المقبلة)، وهذا ما جعل اقتصادها مفتوحًا على العالم. فمن ضمن الأسباب الرئيسيّة التي ساعدت على انتشار وباء الكورونا، أوّلًا، المركزة المفرطة لنظام الحوكمة العموميّ الذي يسلب السلطات المحليّة حرية أخذ المبادرة والقرارات السّريعة مع صعوبة تمرير المعلومة بسرعة من المؤسّسات المحليّة إلى الإدارة المركزيّة، واحتكار قنوات نقل المعلومة من جانب السلطة المركزيّة (كلام أستاذ علم الاجتماع الصيني «قواغنتشو»)[32]. وثانيًا، انفتاح السّوق الصّينية واكتساح البضائع الصّينية الأسواق العالميّة وبخاصّة الأوروبيّة. لكن دعنا نفهم جيّدًا الصّمت المطبق للمنظّمات العالمية التي من شأنها أن تتدخّل وتساعد الدول الموبوءة بعيدًا من تحميل المسؤوليّة للدولة الصّينية في تحويل هذا الوباء وتصديره للعالم. كيف نفهم هذا الصمت داخل الصراع الصّيني – الأمريكي الذي ظهر جليًّا أمام العالم في السنة الفارطة مع تحجير دونالد ترامب ومنع تعامل الشركات الأمريكية مع الشركات الصّينية، وبخاصّة شركة هواوي بتعلّة تجسّس هذه الأخيرة على الولايات المتّحدة في إطار سباق السّيطرة على العالم[33]؟ وبخاصّة أنّ العالم كلّه ظنّ أنّ الصّين ستكون الخاسر الرقم واحد من هذه الحرب الوبائيّة. ويكفي الولايات المتحدة أن تؤدي دور المشاهد حتّى تضمن تدهور الوضع الصّيني من دون أن تقدّم أيّ موقف. لكنّ الوضع الآن تغيّر وانقلب في مصلحة الصّين حيث سيطرت الصّين على انتشار الوباء داخليًّا ثم قدّمت نفسها في ثوب المنقذ للدول الأوروبيّة الموبوءة بعد أن أغلقت جلّ الدول الأوروبيّة حدودها[34]. وفي غياب أيّ مبادرة من البيت الأبيض يمكن فهم الموقف الأمريكي تجاه إيطاليا بكونه مقترنًا بفتح إيطاليا أبوابها أمام الصّين لشراء موانئ لتعبيد مشروع خطّ الحرير الاقتصاديّ، لكنّ الولايات المتّحدة كانت لها الفرصة في أن تقلب الأمور لمصلحتها والحدّ من توسيع النفوذ الصّيني بأوروبا.

فبعد أن خِلنا أنّ هذه الحرب الوبائيّة سَتُرجع الاتحاد الأوروبي إلى صدارة النّظام العالمي مع الولايات المتّحدة[35]، وأنها ستُنهي ولو جزئيًّا نفوذ التّنين الصّيني الذي اكتسح بلدانًا آسيوية وأفريقيّة وحتّى أوروبيّة بعد أن اشترى منها موانئ بحريّة (اليونان، إيطاليا…) لتعبيد خطّ طريق الحرير كخطٍّ تجاريّ عالميّ جديد تؤمِّنُ به الصّين وصول بضائعها إلى أوروبا، فها هي الصّين تخاطب العالم من جديد عمليًّا في صمت ومن دون أن تستعمل أساليب خطابيّة (كما يفعله الرئيس الأمريكي الحاليّ دونالد ترامب) لإيصال رسائل طمأنةٍ أو تهديدٍ إلى صديقٍ أو عدوٍّ استراتيجيّ، لننتهي بنفس النّتيجة التي خرجت بها الصّين في معركتها مع ترامب حينما منع هذا الأخير الشركات الأمريكيّة من التعامل مع الشركات الصّينية في أيار/مايو 2019، لكن هذه المرّة على حساب دول أوروبيّة لها وزنها في الاتحاد الأوروبي (فرنسا وإسبانيا وإيطاليا) التي أصبحت الآن في أمسّ الحاجة إلى الصّين أكثر من أيّ وقتٍ مضى، حتّى صار الحديث عن تحوّل أوروبا إلى عالم ثالث بحسب تعبير الفيلسوف الفرنسي المعروف ميشيل أنفري[36]. ولكن هل أنّ دماء (قد يمكِّننا كلام جاك أتالي من فهم إمكانات التّغيير في الأنظمة السياسيّة في الأزمنة التي يتحوّل فيها الخوف إلى ظاهرة تهدّد السلم الاجتماعي)[37] أولئك الأبرياء التي أُبِيحت من جرّاء فيروس خرج من مدينة ووهان الصّينية (نشرت أخبار بأنها مخابر عمل بالشراكة مع جامعة باستور الفرنسية وأنّ هذا الفيروس تمّ إنشاؤه في 2003 وجامعة باستور تملك اللقاح antidote) فقط من أجل تأكيد قوّة التّنين الصّيني وإمكانيّة كسبه لصداقات أوروبيّة[38] أخرى تفتح له الأبواب لاكتساح مجالات نفوذ أوسع، أم أنّ الأمر لم يُحسم بعد؟ قد تكون لمعارك أخرى من نوع آخر لا تشبه الخصومة التي جدّت حول شركة هواوي الصينية أو معارك من نوع آخر ما بعد كورونيّة أو ما بعد وبائيّة أن تحسم الأمر، ما دامت قدرة الوباء وقدرة المقاطعة التجاريّة التي فعّلها ترامب مرتين (2018 و2019) لم تستطع الإطاحة ولا حتّى ترويض الهيجان النّاعم للتّنين الصّيني الذي يستثمر في البنية التحتية وفي الاقتصاد على خلاف الولايات المتحدة التي تبلغ نسبة نفقاتها العسكرية 45 بالمئة من الإنفاق العسكري العالمي، كما تؤكد الدراسات هذا النمو الاقتصادي المستمرّ الذي تشهده الصين وأشهرها الدراسة التي قام بها مكتب PwC للتدقيق في شباط/فبراير 2017 وعنوانها «العالم سنة 2050: كيف سيتغير الاقتصاد العالمي في السنوات الثلاث والثلاثين المقبلة» والتي تثبت في تقريرها أن مراكز القوى الاقتصادية في العالم ستتغيّر في 2050. فهذه الدراسة أكدت أن «الدول الناشئة»[39] (الصين، الهند، البرازيل، إندونيسيا، المكسيك، روسيا، تركيا) يمكن أن تمثل 50 بالمئة من الناتج الإجمالي العالمي سنة 2050، بينما ستنخفض حصّة السبعة الكبار (الولايات المتحدة، كندا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان) إلى 20 بالمئة.

أخيرًا وليس آخرًا، أين سينتهي أمر هذا الصراع الذي صار يتمظهر في مجالات تتجاوز المجال العسكري الكلاسيكي – وحتى التقني – وأصبح الآن في قلب المجال المرتبط بالحياة الإنسانية وهو المجال الطبي، حيث يشهد العالم بأسره سباق الدول في البحث عن لقاحٍ لهذا الفيروس؟ هل سينتهي الأمر إلى فوز إحدى الدولتين على الأخرى أم أنّ كليهما سيظلاّن يتنافسان في سباق السّيطرة على أكثر ما يمكن من مجالات النّفوذ في العالم ويظلّان هما من يمثّل حكّام اليوم (مع إمكان دخول روسيا معهما)؟ بمعنى هل نحن نقترب من حالة استثنائيّة عالميّة تتمثل بنوع من ثنائية جديدة غير متناقضة في العمق وهي التي ستمثل الشكل الجديد لحوكمة (Gouvernementalité) الاقتصاد والسياسية العالمية؟ أم أنّ الولايات المتّحدة والصّين سيتقاسمان العالم وفق مجالات نفوذ يتعاونان في بعض الأحيان على فتحها وتقاسم غنائمها، حيث تظلّ كلتا الأمركة (Americanisation)[40] والشيوعيّة الماوية الممزوجة بطابع شرقيّ كونفوشي[41] أداتين للتسويق والهيمنة الثقافيّة فقط.

خاتمة

ختامًا حاولنا من خلال هذه الورقة أن نصيغ سيرورة حالة التفكّك التي تمرّ بها المجتمعات الغربية، وكيف أن هذه الحالة أثرت في المستوى السياسي في السنوات العشر الفارطة، مرورًا بالحالة الآنية التي تستدعي التضامن السياسي والاجتماعي مع المجتمعات التي أصابتها جائحة الوباء. وحاولنا أن نثبت كيف أن هذا التفكّك على المستوى السياسي يمثل أرضية ملائمة سمحت بتوطيد العلاقات الصينية مع جزء من بلدان الاتحاد الأوروبي وأرضية كذلك لتحقيق المشروع الصيني الذي تحلم به وهو مشروع طريق الحرير الجديد الذي يربط الصين بالعالم، ومن خلال هذا التحليل وصلنا إلى النتائج التي أردنا أن نثبتها والمتمثلة بقدرة الوباء على أن يكون نقطة تحوّل فارقة في مستقبل الخارطة الجيوسياسية للعالم.

يمكننا القول إنّ انتشار وباء الكورونا يُعدّ نقطة تحوّل في مستقبل العالم، وقد يمثّل منعطفًا تاريخيًّا حاسمًا في مستقبل الخارطة الجيوسياسيّة الدولية، وهو ما يحوّل هذه الجائحة إلى فرصة لاكتشاف أهميّة التّضامن المجتمعيّ الذي يحافظ على تماسك المجتمعات التي تحمل تاريخًا مشتركًا وبالتالي مصيرًا مشتركًا، حتّى لا تكون هذه الفرصة كغيرها فريسةً سهلة لأشكال أخرى للهيمنة الجيوسياسيّة التي تتجاوز البعد البيوسياسي المتمثّل بالطاعون أو الوباء. وهذه النقطة – تحديدًا – هي الإضافة المعرفيّة التي نرجو أن تكون هذه الورقة البحثية قد حقّقتها.

إنّ الحقبة الاستعماريّة وما بعد الاستعمارية هي أكبر دليل تاريخيّ يوثّق مسار علاقات الهيمنة والقوّة في النّظام العالميّ، فالرّابحون في سباق الحرب العالميّة الثّانية هم الدول المهيمنة على العالم، والمتمركزة في المراتب الأولى للنظام العالمي، وبذلك انقسم العالم بعدها إلى دول كولونياليّة ومستعمرات. فعملية برمجة إعدادات النّظام العالميّ تبدأ من الدول التي تقع في الوسط أو في المرتبة الثانية في التراتبيّة الهرميّة التي يخلقها النّظام العالمي (أوروبا الآن)، فتظلّ الدول الضعيفة في المراتب الأخيرة وتصعد الدول الأكثر قوّة إلى المراتب الأولى، حتى تؤول النتيجة إلى إعادة إنتاج هيكليّة لعلاقات الهيمنة في النظام العالميّ فقط بتغيير المواقع بين حكّام الأمس وحكّام اليوم للنّظام العالمي الجديد، مع المحافظة على نظام الإذلال العالمي بالنّسبة إلى دول العالم الثالث أو دول الأطراف (ضد دول المركز أو المتروبول الاقتصادي والسياسي) بحسب تعبير مدرسة التبعيّة في علم الاقتصاد التي منها البلدان العربية. وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال ملحّ في علاقة العرب بهذه التحولات الجيوسياسية، فأين السياسات العربية من كل ما يجري؟ هل ستعيد جائحة كورونا الأسئلة الكبرى المتعلقة بمفهوم الدولة وعلاقتها بأدوارها الاجتماعية في الوطن العربي؟ وبخاصة أن النموذج الصيني أثبت قدرته على السيطرة على انتشار هذا الفيروس وعادت مدينة ووهان الصينية تعيش سيرها العادي منذ يوم 8 نيسان/أبريل كأن فيروس كورونا لم يمرّ من هنا، أم أن البلدان العربية ستستمر في سياسة اللبرلة والتفريط في قطاعات حيوية للقطاع الخاص؟ لعل الأشهر أو حتى السنوات المقبلة ستوضّح لنا المشهد ويمكن أن نفهم من خلالها أين تسير البلدان العربية من كل ما يحدث.

 

المصادر:

(*) نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 501 في تشرين الثاني/نوفمبر 2020.

(**) المولدي بن علية: باحث في الفلسفة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية – تونس.

البريد الإلكتروني: mouldibenalya@gmail.com

[1] <https://www.worldometers.info/coronavirus/> (visiter le 16 avril 2020).

[2]  Mathew Barnard, «Coronavirus: What Philosopher Kant Can Teach us about Panic Buying and Isolation Dodging,» The Conversation (22 Mars 2020).

[3]  أنتوني غيدنز وفيليب صاتن، مفاهيم أساسية في علم الاجتماع، ترجمة محمود الذوادي (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص 295.

[4]  المصدر نفسه، ص 297.

[5] المصدر نفسه، ص 297.

[6]  Émile Durkheim, De la division du travail social (1893), col. Quadrige (Paris: Presses Universitaires de France, 2013), p. 120.

[7]     Ibid., p. 122.

[8]     Ibid.

[9]     Ibid.

[10]    Pierre-Yves Cusset, Le Lien social (Paris: Armand Colin, 2007), p. 5.

[11]    Alexandre Defay, La Géopolitique (Paris: Presses Universitaires de France, 2005), p. 3.

[12]    Philippe Moreau Defarges, Introduction à la géopolitique (Paris: Ed. Seuil, 1994), p. 138.

[13]    Ibid., p. 71.

[14]  Anne-Cécile Bégot, «La Gestion spirituelle du VIH/sida: Parcours biographique et construction identitaire,» Sciences sociale et santé, vol. 22, no. 2 (juin 2004), pp. 42-60.

[15]  Maurice Godelier, «Qu’est ce qui fait une société,» Les Grands Dossiers des Sciences Humaines, vol. 12, no. 5 (février 2007).

[16] موريس غودلييه، «ما الصلات الاجتماعية التي تجعل من عدد من المجموعات والأفراد مجتمعًا؟،» نقلها إلى العربية منير السعيداني، عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، السنة 6، العدد 22 (خريف 2017)، ص161.

[17]  زيجمونت باومان، الخوف السائل، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017)، ص 134.

[18]  آلان تورين، براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، ترجمة جورج سليمان (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011)، ص 118.

[19]  المصدر نفسه، ص 125.

[20]  غيدنز وصاتن، مفاهيم أساسية في علم الاجتماع، ص 346.

[21]  المصدر نفسه، ص 347.

[22]  باومان، الخوف السائل، ص 110.

[23]  المصدر نفسه، ص 123.

[24]  Christopher Lasch, The Culture of Narcissism American Life in an Age of Diminishing Expectations (New York: W. W. Norton, 1991), p. 5.

[25]  باومان، المصدر نفسه، ص 133.

[26] هيلدا هوخام، تاريخ الصين منذ ما قبل التاريخ حتى القرن العشرين، ترجمة أشرف محمد كيلاني، (القاهرة: المشروع القومي للترجمة، 2002)، ص 370.

[27]  Robert J. C. Young, Postcolonialism and Historical Introduction (Malden, MA: Wiley Blackwell Publishing, 2001), p. 185.

[28]  لمزيد من الاطلاع على تجارب تضامن وتطوّع في الصين وبخاصة مدينة ووهوان، انظر: «كيف حافظ المتطوعون على السير العادي لمدينة ووهان خلال إغلاقها لمدة 76 يومًا؟،»cgtn arabic ، نيسان/أبريل 2020، <https://bit.ly/352pAvZ>

[29] «زيادة نسبة كبار السن بين سكان أوروبا،» الكومبس (ستوكهولم)، 1 أيار/مايو 2015، <https://bit.ly/3j4Jw6m>.

[30]  ميشل فوكو، تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمه إلى العربية سعيد بنكراد (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص 107.

[31]  المصدر نفسه، ص 108.

[32]  Nao Ronkin, «Coronavirus Crisis Exposes Fundamental Tension in Governing China, Says Stanford Sociologist and China Expert Xuegung Zhou,» (Stanford University Press, 3 February 2020), <https://stanford.io/2HcB0Vn>.

[33]  لفهم طبيعة هذا الصراع بوضوح أكثر، انظر: المولدي بن علية، «الصّين والولايات المتحدة صراع العولمة والعولمة الجديدة،» السفير العربي، 2/7/2019.

[34]  إضافة إلى كون الصين استغلت انشغال الولايات المتحدة في حربها على انتشار فيروس كورونا (فإلى حدود يوم الخميس 16 نيسان/أبريل بلغت نسبة الوفيات الأعلى على مستوى العدد لا على مستوى نسبة الوفيات بالنسبة إلى عدد السكان إلى28640 ) واتخذت هي والدول الثماني الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) وعلى رأسها روسيا والهند، قرارًا يوم الأربعاء 18 آذار/مارس 2020 باعتماد العملات المحلية والوطنية في التبادل التجاري والاستثمار الثنائي وإصدار سندات، بدلًا من الدولار الأمريكي، كمحاولة لإنهاء عقود طويلة من هيمنة الدولار الأمريكي على العالم وهيمنة الولايات المتحدة في التجارة والذهب والتعاملات النفطية.

[35]  في شهر كانون الثاني/يناير الفارط قال ويلبور روس  وزير التجارة الأمريكي بطريقة مباشرة: «أعتقد أن فيروس كورونا سيساعد على الإسراع بعودة فرص العمل إلى الولايات المتحدة الأمريكية».

[36]  Entretien avec Michel Onfray, «Coronavirus – Onfray: «L’Europe est devenue le nouveau tiers-monde»,» Le Point (Paris), 22/3/2020.

[37]    Jacques Attali, «Avancer par peur,» L’express (Paris), 6/5/2009.

[38]  إضافة إلى المكاسب التي بدأت الحكومة الصينية بتحقيقها على المستوى الداخلي فالجميع يعلم أنه ومنذ كانون الثاني/يناير الفارط سيطر الخوف على المستثمرين من تفشي فيروس كورونا في الصين، فاندفع بعضهم إلى إجراء عمليات بيع للأسهم بأرخص الأسعار وأغلبهم أمريكيون وأوروبيون حيث باعوا أسهمهم المُمثّلة لشركات تكنولوجية وكيميائية وأخرى ذات الصناعات الثقيلة ذات القيمة المضافة العالية بأثمان زهيدة للحكومة الصينية، حتى بات الحديث عن حيلة سياسية كبرى قامت بها الحكومة الصينية، وذلك بنشر أخبار زائفة عن عدم قدرة الحكومة الصينية على مواجهة الأزمة حتى دفع هؤلاء المستثمرين إلى التفريط في شركاتهم.

[39]  «The World in 2050: The Long View: How Will the Global Economic Order Change by 2050?,» <https://pwc.to/2T0Iv4s>, (visiter le 16 avril 2020).

[40]  لمزيد من التعمق في مفهوم الأمركة، انظر:

Pierre Musso, «Américanisme et américanisation: Du fordisme à hollywoodisme,» Quaderni, nos. 50 – 51 (printemps 2003), pp. 231 – 247.

[41]  لمزيد التعمق في هذا النموذج، انظر:

Daniel A. Bell, «Reconciling Socialism and Confucianism? Reviving Tradition in China,» Dissent Magasine (Winter 2010)