ازداد التوتر على عدد من الجبهات في أوروبا الشرقية وفي الفضاء، وأصحاب قرار التصعيد إما الرئيس بوتين ورجاله في موسكو، أو حلفاؤه في الدول التي تدور في فلك روسيا، أو مؤيدوه في البلقان. ومنذ عدة أشهر تتعالى الشكاوى وبيانات شجب السلوك الروسي في العواصم الأوروبية، وتفيد المؤشرات الموضوعية أن روسيا تنتهج مسلكًا أكثر عدوانية على عدد من الجبهات. وأحد الأسئلة التي تفرض نفسها هي: هل جميع التحركات الروسية تأتي في إطار خطة عامة؟ أم هل هي خطوات منفصلة عن بعض فرضتها -من وجهة نظر موسكو- آليات كل ملف؟ وهل التصعيد هو دعوة مستترة إلى العودة إلى المفاوضات، أم جس نبض، أم بحث عما يرفع رصيد النظام لدى جمهوره أم تمهيد لهجوم عسكري يستهدف غالبًا أوكرانيا؟ وهل هذا التصعيد محسوب بدقة أم مجرد تعبير عن غضب عارم؟

المشهد العام وموازين القوة

قد يكون من المفيد تحليل المشهد الدولي العام وموازين القوة من وجهة نظر متخذ القرار في موسكو، فما زالت الولايات المتحدة القوة العسكرية الأولى بوضوح، ولكن انتشار قواتها الحالي لا يتفق وأهدافها، خاصة وأن تواجدها في بحر الصين ضعيف، ومن الواضح أيضًا أن الولايات المتحدة فقدت أو في طريقها إلى فقدان القدرة على خوض حربين كبيرتين في آن واحد، وتركيزها على الصين معناه إن آجلًا أم عاجلًا تقليل الموارد المخصصة لردع روسيا، وطلب مزيد من الجهود العسكرية لأوروبا. ولعل تحليل الوضع العسكري الحالي للقوى العظمى تعتريه بعض الصعوبات، لأن مراكز التفكير الأمريكية ومعها وزارة الدفاع تشكو من عدم جاهزية قوات بلادها ومن حال تسليحها، فالتسليح الحالي -وفقًا لها- قديم نسبيًا، وعدد هام من برامج التسليح إما فشل أو أنتج سلاحًا مكلفًا وصيانته مكلفة، وتجديد العتاد سيستمر وقتًا، والتساؤل هنا: هل هذا الكلام صادق أم مجرد تكتيك لحث إدارة الرئيس بايدن والكونجرس على زيادة الميزانيات؟.

يقول الخبراء الأوروبيون إن الأمر مزيج من الاثنين، ومن غير المعلوم بصورة دقيقة كيف هو حال واستعداد الجيوش الروسية والصينية، المعلوم هنا هو أن هناك مجالات يكون فيها التسليح الروسي جيدًا للغاية، وحالات يكون فيها تقليديًا دون المستوى، ومعلوم أيضًا أن روسيا استفادت من التعاون مع الصين لسد ثغرات، والعكس صحيح. وحتى عندما يكون معلومًا أن السلاح الروسي ممتاز لا يمكن التحقق بدقة من مدى فعاليته. فعلى سبيل المثال، من غير المعلوم بدقة ما إذا كانت شبكة الصواريخ المضادة للطيارات والصواريخ مانعة تمامًا لدخول المنطقة أم رافعة لتكلفة هذا الدخول رفعًا ضخمًا. وفيما يتعلق بالصين فالمؤكد أنها تضخ استثمارات ضخمة لتقوية جيشها ولتطوير التكنولوجيات العسكرية والمدنية التي يمكن استخدامها عسكريًا، والمؤكد أيضًا أن معدلات وسرعة التقدم مذهلة، ولكن الولايات المتحدة ما زالت الأكثر قوة في أغلب المجالات وأغلب المناطق، ومن غير المعلوم أيضًا الكثير فيما يتعلق بالقوى الكبرى عن وطنية وكفاءة والروح المعنوية لعساكرهم.

استنادًا إلى ما سبق، لا يتضح بدقة كيف يقرأ القائمون على الأمر في موسكو خريطة موازين القوة، ورأيهم في الرئيس بايدن وإدارته، ومن المؤكد أن هذا التقييم مهم، وأن أغلب حلفاء موسكو يتصرفون وكأن الرئيس بايدن متردد وضعيف، ومن غير المعلوم ما هي الحالة الصحية والنفسية للرئيس بوتين، هل يميل حاليًا إلى التفاؤل أم إلى التشاؤم؟ هل يعتقد أن أمامه وقت أم لا؟ هل يعتقد أن نظامه قوي متحكم في الجبهة الداخلية أم ضعيف مضطر إلى قمع شديد لأن الشرعية تآكلت؟. ما هو مؤكد هو حدوث تراجع حاد لنفوذ الخارجية في صنع القرار، وتزايد نفوذ مجلس الأمن الروسي، وهو مكون من صقور شديدي القرب من بوتين ويكرهون الغرب، وما هو مؤكد أن الرئيس بوتين يكره المسئولين الأوكرانيين كراهية عميقة تؤثر على حساباته.

أزمة المهاجرين.. الملف الأبرز

الملف الذي جذب انتباه الجميع هو أزمة المهاجرين على حدود بيلاروسيا وبولندا وليتوانيا ولاتفيا، وقد فتحت بيلاروس أبوابها لمهاجرين من المشرق العربي وغيره، وسهلت دخولهم إلى أراضيها وحشدتهم على حدود الدول المذكورة وحاولت مساعدتهم على اقتحام الحدود لطلب اللجوء إلى دول الاتحاد الأوروبي التي تخشى موجات هجرة جديدة. وفي ظل حساسية ملف الهجرة لدى الأوروبيين، يبدو أن لوكاشنكو توقع فعلًا أن إدارة هذا الملف ستعمق الخلافات والتوتر بين بروكسل ووارسو لاختلاف مقارباتهم حول ملف المهاجرين. وعلى عكس توقعات الرئيس البيلاروسي وعلى غير عادتهم، كان رد الأوروبيين حازمًا قويًا موحدًا، فأعلنوا تضامنهم مع الدول المستهدفة، ووصفوا سياسة البيلاروس بأنها هجوم على أراضي الاتحاد، وأعلنوا عن عقوبات ضدها، فعلوا كل هذا رغم التوتر بين بروكسل ووارسو، ورغم أن بولندا استنجدت بالناتو لا بالاتحاد الأوروبي، وطالبت تفعيل المادة الرابعة من المعاهدة المؤسسة للحلف، واضطرت حكومة مينسك إلى التراجع، وعندما ظهرت مؤشرات التراجع اتصلت المستشارة الألمانية ميركل بكل من الرئيسين بوتين ولوكاتشنكاو، وكان واضحًا أنها تتكلم باسم دول الاتحاد، وأنها اختيرت لهذا، ليس فقط لأهمية ألمانيا، بل أيضًا لأن المستشارة تُتقن الروسية. رأت سلطات مينسك في هذه المكالمة نصرًا كبيرًا واعترافًا بها، ولكن الألمان أنكروا هذا التفسير، ولم يصف البيان الألماني لوكاشنكو بالرئيس ولكن بالسيد.

أيًا كانت تطورات الموقف، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو سؤال دور موسكو في الأزمة، هل هي آمرة أم محرضة؟ هل فوجئت بالأزمة؟. مال عدد كبير من المراقبين إلى اعتبار موسكو وراء الأزمة، فهي مثلًا أرسلت طائرات قد تحمل رؤوسًا نووية لتحلق في السماء البيلاروسية، دعمًا لموقف مينسك، وهي أصرت على ضرورة تحدث الأوروبيين مع لوكاشنكو، ويستشهدون بمؤشرات أخرى منها مدى تبعية البيلاروس لروسيا، ولكنني أميل إلى رأي الأقلية التي تقول إن روسيا علمت ولم تُفاجَأ، ولكنها ليست صاحبة الفكرة أو الآمرة بهذا، فالعملية كلها لا تشبه العمليات المعقدة التي تقوم بها روسيا، وهناك عددٌ كبير من المحللين يتناسون أن لوكاشنكو شديد التمسك باستقلاله وغير مطمئن إلى نوايا موسكو تجاهه، ويعلم أنها لا تأتمنه، وأن بعض الكبار في موسكو يرون فيه عبئًا، وهو لم يعترف إلى الآن بضم روسيا للقرم رغم اعتماده كلية على الدعم الروسي، والأهم من ذلك هو دلالة رد فعل موسكو العصبي والغاضب جدًا عندما هدد لوكاشنكو بقطع إرسال الغاز الروسي لأوروبا، فهذا الإجراء يضر بروسيا كما يضر بالغرب، ولم يستشر لوكاشنكو موسكو قبل قيامه بالتهديد، واضطر الكرملين إلى تذكرة سلطات مينسك علانية ببعض الحقائق، فهي التي مكنت لوكاشنكو من الاستمرار في الحكم رغم الغضب الشعبي، وقررت هذا رغم أن المعارضة له لم تكن معارضة لمبدأ علاقات وثيقة مع موسكو.

وحدث ما هو أخطر وأشد دلالة في رأي الكاتب، حيث أطلقت روسيا يوم ١٥ نوفمبر صاروخًا دمر قمرًا صناعيًا روسيًا لم يعد صالحًا للاستخدام، وتم هذا دون إخطار سابق وتسبب في ضجة كبرى رغم أن روسيا ليست أول دولة تدمر قمرًا صناعيًا. وهناك أسباب موضوعية لهذه الضجة تتعلق باختلاف هذه الضربة عن غيرها، فهذه العملية شأنها شأن مثيلاتها حولت القمر الصناعي إلى آلاف من الحطام المتناثرة، والجديد أولًا أن هذا الحطام عرض للخطر حياة رواد الفضاء الموجودين في المحطة الفضائية الدولية، ومنهم اثنان من المواطنين الروس، وأجبرهم على إلغاء بعض الأنشطة، ومن ناحية أخرى كان القمر الذي تم تدميره يدور على مسار ومدار مزدحم، وكان ضخمًا، وبعيدًا نسبيًا عن الأرض، وبالتالي ستدور الحطام التي أوجدتها عملية التدمير حول الأرض بسرعة مهولة. ولشرح جسامة الحادث يقارن المراقبون بين عملية التدمير وعملية سابقة قامت بها الهند عندما دمرت قمرًا وتصرفت بطريقة “مسئولة” فحطمت قمرًا صغيرًا لا يبعد كثيرًا عن الأرض فوقعت نسبة كبيرة من الحطام في الغلاف الجوي للأرض ولم يبق في الفضاء إلا أعداد صغيرة من قطع الحطام لا تشكل نفس الخطر.

تساؤلات قائمة

ثمة تساؤلات فرضت نفسها، منها: هل أخطرت السلطات الروسية هيئة الفضاء الروسية بهذه العملية قبل حدوثها؟ وبدا أن الرد غالبًا: لا، حيث لا توجد هيئة ستخاطر بحياة رواد فضاء، ومنها أيضًا أسئلة حول التوقيت ومضمون الرسالة التي حملتها هذه العملية. فهي أكدت إصرار روسيا على اعتبار الفضاء الخارجي منطقة عمليات حربية محتملة في المستقبل، وأنها ليست ملكًا الولايات المتحدة أو في حيازتها، وبدا أنها استهدفت عمدًا الإكثار من الحطام الذي يعقد الدوران في مدارات حول الأرض. هذا الحطام كان أساسًا مصدر خطر جسيم قبل هذه العملية. فوفقًا لموقع “ناشيونال جيوغرافيك” National Geographic كان هناك ما يقرب من 20000 قطع حطام تتتبعها وترصدها وكالات الفضاء حاليًا في المدارات حول الأرض، وربما ستضيف هذه العملية 10 بالمائة من قطع الحطام إلى ذلك، وهناك قطع حطام بالغة الصغر بحيث يستحيل تتبعها وعددها تجاوز الربع مليون قبل الضربة الروسية، ولا أحد يعلم عدد قطع الحطام الجديدة التي لا يمكن تتبعها، ولفهم جسامة المشكلة فعلى القارئ إدراك أن سرعة الدوران حول الأرض تعني أن الاصطدام بقطعة صغيرة جدًا في حجم كرة التنس مثلًا يكفي لتدمير قمر صناعي، وأن هناك سيناريوهات كارثية، أخطرها سلسلة متتالية من الحوادث، أول حادثة تتسبب في التي تليها وتكون الحصيلة تدمير المئات بل الآلاف من الأقمار. وطبعًا مع تزايد الحطام يزداد احتمال حدوث كارثة كبرى إلى درجة تمنع دوران الأقمار الصناعية في الفضاء وحول الأرض لمدة طويلة. الاستنتاج الوحيد الممكن لتفسير ما حدث أن روسيا ترى أنه من الضروري حرمان الولايات المتحدة من المزايا العسكرية والاستخباراتية والمعلوماتية الخاصة بالاتصالات التي تتمتع بها نتيجة لتفوقها الساحق في الفضاء، ولكن خبراء يعترضون على هذا التفسير قائلين إن روسيا في حاجة إلى مزايا وتسهيلات وإمكانيات الأقمار الصناعية شأنها شأن أمريكا، وبالتالي ما زالت الدوافع غامضة، وأيًا كان الأمر فقد لاقت العملية الروسية إدانة أمريكية وفرنسية، وأجمعت الدولتان على اعتبار العملية مقصودة، واستعراضًا للقدرات، وغير مسئولة.

روسيا وأوكرانيا

لا تهدد أزمة البيلاروس وبولندا وليتوانيا ولاتفيا أزمة السلام العالمي، فهي أزمة صغيرة إن قورنت بأزمة أوكرانيا، فهي لا تعدو أن تكون محاولة من نظام مينسك -ربما بمباركة روسية- لاستغلال ملف مزعج للأوروبيين لتعميق الخلاف بينهم ولانتزاع تنازلات منهم. ورغم سعي بولندا إلى تفادي اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي وإلى إدخال الناتو في الصراع، فإن الأطراف الأوروبية هي التي لعبت الدور الأكبر في التصدي للبيلاروس وإفشال خططها، من جهة أخرى فللأزمة بين أوكرانيا وروسيا شأن آخر، لأنها الأقدم وإن اشتعلت مجددًا، ولأن روسيا تلعب بوضوح الدور الرئيسي فيها، ولأن الولايات المتحدة هي التي تتصدى لها، ولأن روسيا حشدت ٩٢ ألف عسكري مسلحين بأسلحة هجومية حديثة، ولأنه من الصعب تخيل حل سياسي يُرضي جميع الأطراف الرئيسية.

الحسابات الروسية

لعل ما يزيد الأمور تعقيدًا تحديد ماهية الحسابات والنوايا الروسية، فعلى عكس أغلب الملفات الأخرى، لا يمكن الاكتفاء بحساب المكاسب والخسائر المحتملة لكل سيناريو، ففي هذا الملف تحديدًا تلعب التصورات عن الدور التاريخي لبوتين والعواطف والمشاعر والأيديولوجيات الوطنية دورًا متضخمًا للغاية، وإملاءاتها تناقض إملاءات حسابات المكسب والخسارة، وقد يخطر على بال الرئيس بوتين تصور مفاده أن الوقت يلعب ضده، وأن عليه التصرف سريعًا مهما كانت التكلفة –وستكون مرتفعة للغاية كما سيتبين- وإلا “ضاعت أوكرانيا” للأبد، وتفصيل هذا أن الرئيس بوتين، ومعه قطاع كبير من الرأي العام الروسي، يرفض تمامًا قبول مقولة أن هناك شعبًا أوكرانيًا منفصلًا عن الشعب الروسي، ونشر الرئيس الروسي في يوليو الماضي على موقع الرئاسة الروسية مقالًا بالغ الطول ليشرح وجهة نظره مستشهدًا بقراءته للتاريخ، حيث يرى أن الأوكرانيين هم روس الحدود الغربية، وأنهم –هم والبيلاروس– مكون من مكونات الشعب أو الشعوب الروسية، وجزء لا يتجزأ من الشعب أو الشعوب الروسية، فالتاريخ واحد واللغة واحدة –مع بعض الفروق في العامية- والدين واحد والأرض واحدة. وطبعًا يمكن الرد على ذلك بالقول إن السمة الرئيسية التي تسمح بالحديث عن شعب واحد هي الرغبة في العيش المشترك وفي بناء مستقبل مشترك، وأن هذه الرغبة أصبحت غير متوافرة، ولكن الرئيس بوتين سيقلل من أهمية هذا الشرط، قائلًا إن الرغبة في التميز والانفصال عن روسيا ما هي إلا ظاهرة حديثة نتجت عن غسيل مخ أجراه أعداء روسيا – بولندا، الحزب الشيوعي السوفيتي الذي كان يرتاب من التعصب القومي الروسي/سلافي.

تاريخيًا أرض أوكرانيا، واسمها أيضًا روسيا الصغيرة، كانت محل نزاع بين مملكة بولندا/ليتوانيا الكاثوليكية والإمبراطورية الروسية الأرثوذكسية، واختار السكان الولاء والانتماء لمن هم من نفس الملة، وشاركوا في بناء الدولة الروسية، وتولى بعض أعيانهم مناصب رفيعة فيها. وأيًا كان رأي بوتين في القومية الأوكرانية –يقول صراحة إنه ليس لها أساس تاريخي- فهو يقر بأن رغبة الانفصال عن روسيا موجودة، وأن هناك أيديولوجيا قومية أوكرانية، ولكنه يدافع عن ضمه/استرداده للقرم، قائلًا إنها أرض روسية وليست أوكرانية، أرض روسية سلبها الحكم الشيوعي ومنحها لأوكرانيا كمقابل للانضمام إلى الاتحاد وما دامت أوكرانيا اختارت الانفصال فلم يعد لها نصيب في القرم (طبعًا هذا الكلام أيًا كانت وجاهته فهو يخالف تمامًا أحكام القانون الدولي حول الحدود)، ثم يحاول بيان أن النزعة القومية الاستقلالية الأوكرانية تضر أوكرانيا قبل روسيا، لأن أوكرانيا بانفصالها عن روسيا فقدت حقوقها في عائد البترول والغاز الروسيين، ويقول إن روسيا قبلت استقلال أوكرانيا وسعت إلى توثيق وتعميق الروابط الاقتصادية والثقافية والتجارية ولكن حسن نيتها قوبل بالرفض وبإعادة كتابة التاريخ لتصوير روسيا كقوة احتلال بغيضة ارتكبت جرائم وقوبلت أيضًا بخطابات كراهية ذات طابع نازي.

كما يرى أن أوكرانيا سوّقت نفسها في الغرب كحاجز بين الغرب والعدوانية الروسية، وشجعها الغرب على فك الروابط الاقتصادية والثقافية والدينية (حدث انشقاق في الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية بين من ظل تابعًا للكنيسة الروسية، ومن استقل، ودعمت سلطات كييف الفرع الذي استقل) وعلى تهميش تدريس اللغة الروسية، وعلى عدم الحوار مع روسيا، وترك الغرب أوكرانيا تمارس التمييز ضد الأقلية الروسية، وانتقلت سلطات كييف تدريجيًا من مقولة “أوكرانيا ليست روسيا” إلى مقولة “أوكرانيا ضد موسكو”، وبعد ذلك يقوم بعرض وجهة نظره في تطورات الموقف في أوكرانيا منذ سنة ٢٠١٤، ويصور القومية الأوكرانية على أنها النسخة السلافية من الأيديولوجيا النازية (الواقع أن هناك حركة فاشية قوية في أوكرانيا، ولكنها ليست التيار الوحيد أو الغالب)، ويُحمّل الرئيس الروسي سلطات كييف المسئولية عن تدهور الأوضاع، فهي التي تجاهلات رغبات الملايين من المواطنين، ويقول إن السلطات الأوكرانية على عكس ما تدعي لا تريد استرداد إقليم الدونباس، ونعلم طبعًا أن حكومة كييف والدول الغربية ترفض جملة وتفصيلًا الرواية الروسية، ولديهم حجج وجيهة.

ليس من الهام للغاية التطرق تفصيلًا لحرب الروايات تلك، بل بيان أن الموضوع عاطفي يشهد توترًا بين الخيال والعقل المعتمد على حساب المكسب والخسارة، هناك جرح جماعي في كل من روسيا وأوكرانيا. الرئيس بوتين وغيره في روسيا يرون أن القومية الأوكرانية تستند إلى تزييف للتاريخ، وقطاعات كبيرة من الأوكرانيين تبادلهم الاتهام، وتقول إن الاستناد إلى التاريخ أو إلى قراءة انتقائية له لا يلغي واقع الإرادة الشعبية الحالية. الرئيس بوتين يرى أن كييف مدينة روسية وليست أوكرانية، الرئيس بوتين يميل إلى الاعتقاد بأن الأوكراني الذي لا يرى نفسه روسيًا إما مخدوع أو خائن أو نازي. وأخيرًا، بوتين يرى أنه أحد القادة القلائل الذين كتب عليهم وقدر لهم أن يتولوا مهمة مقدسة، وهي أن يوحدوا الأراضي والشعوب الروسية، أقصد أن بوتين لا يتذرع بذرائع، بل يؤمن بما يقوله، ويكره نخب كييف كراهية عميقة لا تمثيل فيها، وبالتالي ليس من المؤكد أن يجري ببرود حسابات المكسب والخسارة.

الجبهة الداخلية الروسية

هناك مشكلات عدة عند التطرق لتقييم الموقف في “الجبهة الداخلية” الروسية من وجهة نظر موضوعية من ناحية، ومن وجهة نظر الرئيس بوتين من ناحية أخرى، وتأثير هذا الموقف على القرار الروسي فيما يتعلق بأوكرانيا. بعض المراقبين يرون أن الوضع الداخلي سيئ، ثم ينقسمون إلى فريقين، فريق يرى أن الوضع السيئ يدفع الرئيس بوتين إلى مغامرة خارجية بحثًا عن نصر قوي، وفريق يرى أن الوضع لا يحتمل مزيدًا من التدهور، وأنه من الصعب تصور أهداف واقعية (وهذه النقطة محل تشكيك المعتقدين أن روسيا ستتدخل، فهم يعرضون لقائمة من الأهداف الممكنة) لعمل عسكري، وهذا يحث الرئيس بوتين على التروي، وعلى تفادي عقوبات دولية جديدة. وهناك -في المقابل- من يرى أن الموقف في الجبهة الداخلية جيد أو جيد جدًا، ثم ينقسمون أيضًا إلى فريقين، فريق يرى أن بوتين يملك ترف سياسة خارجية تتفق ومعتقدات النخبة فيما يخص أوكرانيا، وفريق يرى أن أي مغامرة خارجية ستهدم ما تحقق.

من يرى أن الوضع سيئ يقول إن حملات المعارض نافالني نجحت في بيان فساد نخبة النظام وحياة البذخ والترف التي تعيشها رغم أن الشعب يعاني، وسيضيف أن النظام تآكلت شرعيته وكانت كبيرة في وقت ما، وأنه يستند الآن إلى قمع يزداد شدة وتوحشًا، وأن النظام أدار أزمة الجائحة بطريقة كارثية، وأن معدلات التضخم ارتفعت، وسيضيف أن الشعب الروسي مستاء من تكلفة السياسة الخارجية لا سيما التدخل في سوريا، وأنه ملّ من الرئيس بوتين وطول رئاسته، ومن ميله إلى الاختفاء عندما تزداد الأزمات الداخلية ضراوة. أما من يرون أن الوضع الداخلي جيد فيقولون إن الرئيس بوتين ونظامه نجحا في إسكات المعارضة، وفي إحكام القبضة على المجتمع وتخويفه، وأن الارتفاع الدولي لأسعار الطاقة قوّى الوضع المالي لروسيا بطريقة غير متوقعة، وأن الشعب راضٍ إلى حدٍ ما بنجاحات النظام على صعيد السياسة الخارجية، ويثمن بعض الخبراء نجاح رئيس الوزراء في إجراء إصلاح كامل لمنظومة الضرائب.

ومن يرون أن وضع النظام السياسي سيئ منقسمون بين من يرى أن شعار توحيد الأراضي والشعوب الروسية جذاب، ويلقى تأييدًا سيدفع الرئيس بوتين إلى تجديد شرعيته والتدخل العسكري في أوكرانيا. ويذكرنا هذا الفريق بأن الملف الأوكراني هو الملف الذي سمح للرئيس بوتين بتجديد شرعيته في بداية العقد الماضي، وهناك من يرى أن المغامرة محفوفة بالمخاطر، لا سيما أن الرئيس بايدن لا يستطيع تحمل صفعة أخرى بعد صفعة أفغانستان، وأن أي تدخل عسكري روسي قد يُجبر ألمانيا على إلغاء مشروع “ستريم ٢” وهو مشروع حيوي وصفقات الغاز، وقد يوقع الغرب عقوبات أخرى مثلًا على القطاع البنكي، ويقولون إن الرئيس بوتين رغم تخيلاته وتصوراته عن دوره التاريخي رئيس بارع في الحسابات السياسية ولذلك لن يغامر. وعامة، يدعو أنصار هذا الرأي الأخير الرئيس بايدن وقادة أوروبا إلى تبني مواقف واضحة حاسمة وحازمة.

ويمكن القول بالانقسام نفسه في الفريق الذي يرى أن الوضع الداخلي جيد بالنسبة لبوتين، فهناك من يقول إن ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يقنع الرئيس بوتين أن الله أو القدر معه ومع مهمته التاريخية، ويسمح بتمويل شبكات تضامن اجتماعي وبرامج تسليح وربما مغامرات عسكرية. وهناك من يقول إن النظام كان سعيد الحظ ولن يغامر مجددًا. أو يقولون إن الرئيس بوتين حشد قوات في مارس الماضي ثم سحبها بعد أن حقق مكاسب منها إجبار إدارة بايدن على الحوار معه، وأنه لن يبادر بالهجوم، ولكنه سيبتز الغرب ويمارس أشد الضغوط على أوكرانيا، لأنه يرى أن المسار الدبلوماسي لم يحقق نتائج، ويلفتون النظر إلى قيام الرئيس بوتين بتشديد خطوطه الحمراء، فأصبح تواجد خبراء عسكريين وجنود أمريكيين في أوكرانيا خطًا أحمر، بعد أن كان الممنوع هو انضمامها إلى الناتو أو الاتحاد الإفريقي.

ونبه بعض الخبراء إلى آليات عمل بيروقراطية الكرملين، وقالوا إن الأغلب أن رجال بوتين يقومون بفلترة الأخبار وبتعظيم أهمية الأخبار الجيدة، وتقليل تغطية الأخبار السيئة، ويساعدهم في ذلك أن الإشراف اليومي على عمل الدولة من اختصاص رئيس الوزراء وبدرجة أقل الوزراء والعمد ومنهم عمدة موسكو، ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تعتقد أن احتمالات قيام روسيا بعمل عسكري ازدادت وأبلغت حلفاءها بذلك. ولا يمكن القول إن التدخل العسكري أمر حتمي، ولكن احتمالات حدوثه أعلى من المعتاد، ويمكن الإشارة هنا مجددًا إلى انقسام الخبراء حول نيات موسكو.