محمد عبدالرحمن عريف

 اعتبر يوم 30 حزيران عام 1920 هو التاريخ الحقيقي لقيام ثورة العشرين. تلك الثورة التي انطلقت من مدينة الرميثة, عندما امر القائد العسكري لمدينة الديوانية نائبه في الرميثة بإلقاء القبض على الشيخ شعلان أبو الجون شيخ عشيرة الظوالم وقد استدعى ذلك القائد الشيخ شعلان طالبًا منه القدوم للتباحث في بعض الأمور التي تخص مدينة الرميثة ولما وصل الشيخ إلى المركز تم اعتقاله. وعندما عرفت عشيرته أنه اعتقل انتفضت وقامت بقطع خطوط سكة الحديد لمنع مرور القوات البريطانية شمالًا وجنوبًا, وبعدها عمّت شرارة الثورة كل مدن الفرات الأوسط ومنها مدينة الشامية. حيث كانت توجد فيها حامية بريطانية بقيادة ضابط انجليزي اسمه الكابتن (مين). وكان هذا الضابط يمارس سلطاته باعتباره الحاكم العسكري للمدينة.

معركة السوير

   رغم سقوط السماوة في 14 تشرين الأول/ أكتوبر1920 إلا أن عشائر بني حجيم ظلت صامدة بقيادة شعلان أبو الجون وغثيث الحرجان وبقية رؤساء العشائر الأبطال حاول القائد الانجليزي الجنرال كوتنغهام حل القضية بالمفاوضات وطالت المفاوضات وكانت شروط بني حجيم بقيادة شعلان ابو الجون هي أن تكون لهم حكومة عربية مستقلة. وأن لا يطالب عرب قبائل بنى جحيم بكل شيء خسرته الحكومة الانجليزية اثناء الحرب.كذلك لا تؤدي القبائل شيئًا من الضرائب لعام 1920، وأن يأخذوا على عهدتهم محافظة السكك الحديد التي تمر في اراضيهم. وأن يتعهدوا بتوطيد وحماية السلم في جميع مناطقهم، يسلموا للحكومة البريطانية (2400) بندقية (وإن لم يسلموا شيئًا).

   في البداية لم يستجب الجنرال كوتغهام لهذه الشروط واراد أن يسحق مقاومة بني جحيم الذين اثاروا الثورة ومازالوا يقاتلون وببسالة. اختار الثوار رجلًا منهم معروفًا بالشجاعة ورباطه الجاش اسمه (برجس الجياد) وهو اختار بدوره سبعين رجلًا انتقاهم من مختلف العشائر اعتمادًا على شجاعتهم وبراعتهم في اصابة الهدف وتوجه بهم إلى نهر جاف بالقرب من جسر السوير فكمنوا فيه ليراقبوا منه حركات الانجليز، وطلب برجس من جماعتة عدم اطلاق النار إلا عندما يأمرهم بذلك.

   تقدمت القوات البريطانية إلى مقربة منهم جدًا وامرهم برجس باطلاق النار فبوغتت القوات الانجليزية بهذه النيران الشديدة التي لم تكن تتوقعها وساد الاضطراب الشديد ثم جاءت العشائر وانظمت إلى جماعة برجس الجياد فوقعت معركة تعد من أكبر معارك الثورة وهي التي عرفت بـ(معركة السوير).

   على اثر هذه المعركة وافق القائد الانجليزي الجنرال كونتغهام على شروط الثوار الستة المذكورة في اعلاه، هكذا انتهت ثورة 1920 من الناحية العسكرية ولكنها اجبرت بريطانيا على تغيير سياستها.

  بعد أن علمت عشائر الشامية بانطلاق الثورة توجه وفد من هذه العشائر لمقابلة الكابتن مين وضم الوفد رؤساء تلك العشائر التي لها ثقل في المدينة وهي عشائر الحميدات والعوابد والخزاعل وهم كل من الشيخ رايح العطية والشيخ عواد المرزوك والشيخ سلمان العبطان, وقد طلب الوفد من الحاكم البريطاني أن يغادر الشامية وإلا فإنهم غير مسؤولين عن حياته وحياة افراد قوته التي كانت قد اتخذت معسكرًا لها داخل المدينة. وقد طلب الكابتن مين مهلة ثلاثة أيام لمشاورة قيادته في حامية أبي صخير.

  خلال تلك المدة كان رجال العشائر يجوبون المدينة وهم يحملون السلاح بصورة علنية في اشارة واضحة للجنود الانجليز وفعلًا وقبل انقضاء المهلة الممنوحة لهم غادرت الوحدة البريطانية الشامية متوجهة نحو أبي صخير حيث عمّت الأفراح المدينة لهذا الانتصار. وقد شكلت العشائر مجلسًا لإدارة المدينة رأسه الشيخ رايح العطية شيخ عشيرة الحميدات وضم المجلس رؤساء عشائر العوابد مرزوك العواد والشيخ سلمان العبطان شيخ عشيرة الخزاعل وشيخ عشيرة آل فتلة صكبان العبادي. ثم جاءت الاخبار إلى الشامية وهي تفيد بانطلاق ثورة مسلحة شعبية لطرد الانجليز من عموم العراق واقامة حكومة وطنية. وعلى الفور تم تسليح ابناء العشائر والاستعداد للتوجه إلى أبي صخير وطرد الحامية الإنجليزية منها. وكان مكان تجمع العشائر المفترض في مضيف الشيخ رايح العطية في منطقة الخشانية جنوب الشامية وفي نفس اليوم جاءت الطائرات البريطانية وقصفت مدينة الشامية وقد قتل واصيب العشرات جرّاء هذا القصف وعلى هذا الأساس اقترح الشيخ مرزوك العواد شيخ عشيرة العوابد بأن يكون مكان التجمع في مضيفه شرق مدينة الشامية وهو اقرب إلى مدينة ابو صخير.

   فعلا تجمعت العشائر وانطلقوا في يوم 15 تموز/ يوليو نحو ابي صخير وحاصروا الحامية التي تقع على نهر الفرات وبعد مفاوضات سمح لهم بالمغادرة على البارجة الحربية المسماة (نور فلاي) التي اخذت تقصف العشائر على طول طريقها وهي تنسحب وعلى جانبي النهر وقد لاحقها الثوار إلى الكوفة واغرقوها في النهر بعد أن استولوا على احد المدافع من القوات الانجليزية حيث قاموا بعمل ابرة له واصلحوه واغرقوا تلك السفين الحربية به.

  هناك قرروا تغيير وجهتهم والذهاب نحو الرارنجية حيث يتواجد هناك معسكر كبير للقوات الانجليزية يضم المئات من القوميات من (سيخ وكركه وانجليز) ولما علمت القيادة البريطانية في الحلة بهذه القوات وهي تتجه إلى الرارنجية ارسلت تعزيزات من النخبة من قواتها متمثلة برتل (مانشستر) لمساعدة قواتها المتمركزة في الرارنجية. وعندما حلّ المساء بدأت المعركة بين قوات العشائر وهم يتسلحون باسلحة بسيطة وبين القوات البريطانية ذات التسليح الجيد ودارت بين الطرفين معركة كبيرة استبسل فيها رجال العشائر وكبدوا الانجليز خسائر كبيرة. واستعملوا (حيلة) رائعة اسهمت في كسب المعركة وتتمثل تلك الحيلة بأن قامت العشائر بجلب بعض الحيوانات (الحمير) وحملوها بكميات كبيرة من الحطب ووجوهها نحو الجنود واشعلوا النار فيها ولما وصلت بالقرب من القطعات البريطانية ارتبك هؤلاء الجنود وقد استغل رجال العشائر هذا الارتباك في صفوف الجنود وهجموا عليهم واوقعوا فيهم خسائر كبيرة وقد غنموا الكثير من الاسلحة والمعدات من القوات البريطانية التي انسحبت نحو مدينة الحلة.

  يبقى للشيخ شعلان بن عناد أبو الجون والذي يُكنى “شعلان الشهد” هو رئيس عشيرة الظوالم إحدى عشائر مدينة الرميثة جنوب العراق، أنه بسببه انطلقت أول رصاصات ثورة العشرين بعد أن حاول معاون الحاكم السياسي الإنجليزي لبلدة الرميثة (هبات) الزج به في السجن عقاباً لهُ على تحريضهِ الناس على الأستقلال وأعلان الثورة ضد الأنجليز. ويبقى أنه تقلد بعض المناصب والأعمال السياسية في حكومة العراق بعد ثورة العشرين، حيث انتخب شعلان نائبًا عن لواء الديوانية عام 1930، ولغاية عام 1932، وجدد انتخابهُ في شهر شباط/ فبراير 1937، وكان رئيس عشيرة البدير في عفك وآلت الرئاسة إلى إبنه عبد الأمير شعلان الذي انتخب نائبًا عن لواء الديوانية في عام 1943 ثم عام 1947. وجاءت وفاته توفي في تشرين الثاني/ نوفمبر 1941.

Print Friendly, PDF & Email