د/ رمزي عودة

باحث ومحاضر جامعي

وقعت الامارات العربية المتحدة في 13 اب الماضي اتفاقا تاريخيا مع دولة الاحتلال الاسرائيلي برعاية وضمانات امريكية. وبالرغم من مباركة العديد من دول العالم لهذا الاتفاق الثلاثي باعتباره اتفاق سلام اولا واخيرا، وفي ظل الصمت العربي الاقرب الى المباركة والتأييد، فان الفلسطينيين قيادة وشعبا قد رفضوا الاتفاق باعتباره اتفاق تطبيع قائم على انكار المبادرة العربية وقرارات الشرعية الدولية كأساس للتسوية من جهة، وباعتباره مهد الطريق لمزيد من التطبيع العربي مع دولة الاحتلال بما أثر سلبا على العمق العربي المناصر للقضية الفلسطينية.

تعمل الامارات العربية منذ توقيع الاتفاق الثلاثي على تنفيذ سياسة بروبوجاندية للترويج لهذا الاتفاق وتحسين صورتها امام العالم كدولة متحضرة وقوية تسعى للسلام. وهي في هذا السياسة تعمد الى تسويق اتفاقها التطبيعي مع دولة الاحتلال الاسرائيلي بشتى الوسائل، وذلك بهدف اعطائها مشروعية اخلاقية وبراغماتية تستطيع من خلالها فرض سياساتها ومنطقها المصالحي في منطقة الشرق الاوسط وجعلها سياسة مقبولة. في هذا الاطار، نتابع يوميا العديد من الندوات الافتراضية التي تقوم بها مراكز البحث والفكر الاماراتية التي تسوق للاعلان الثلاثي، وتصفه بانه اخلاقي ومبرر من حيث المصالح والقيم، وتستضيف هذه المراكز عددا من الباحثيين المرموقين من بلدان عربية تؤيد الاتفاق وتباركه، ويعبر هؤلاء الباحثين بطبيعة الاحال عن مواقف بلدانهم بطريقة غير مباشرة لاسيما انهم ينتمون ايضا الى مراكز بحثية قريبة من الخط الرسمي لدولهم. ما أود قوله هنا، ان هؤلاء الباحثين “المرموقين” وان كانوا اساتذة جامعيين وباحثين الا انهم يعبرون عن مواقف دولهم ومصالحها بالدرجة الاولى ولا يعبرون عن منطق علمي أكاديمي كما حاول المعدون لهذه الندوات الافتراضية تسويقه للمشاهدين.

أشارت بروباجندا الامارات في مجال التسويق للاتفاق الثلاثي الى جملة من الاستنتاجات المهمة التي تعبر عن المصالح الحقيقية للامارات في اتفاقها مع دولة الاحتلال الاسرائيلي؛ وأهم هذه المصالح:

1- المصالح الاقتصادية المتمثلة بالاستثمارات الاماراتية في اسرائيل والتي قد تزيد عن واحد تريليون دولار. اضافة الى مصالح الغاز والنفط والتكنولوجيا والهايتك والسياحة وغيرها من الفوائد الاقتصادية التي ستجنيها دولة الامارات من جراء الاتفاق.

2- المصالح الامنية، بحيث يكفل هذا الاتفاق مواجهة الخطر الايراني والتركي المتصاعد في المنطقة من خلال خلق حلف استراتيجي قوي ومهم في منطقة الشرق الاوسط يستطيع اعادة توزيع القوى في المنطقة لصالح “قوى الاعتدال” كما تصفها مراكز الفكر الاماراتية.

3- الاستقرار في المنطقة ومنع الارهاب ومحاربة عوامل عدم الاستقرار غير التقليدية مثل الاوبئة والمخدرات وغسيل الاموال وغيرها والتي تتطلب تعاونا فعالا على مستوى الاقليم.

من جانب أخر، تشير البروباجندا الاماراتية المتعلقة بالاتفاق الثلاثي الى وجود العديد من العوامل “المبررة” التي أدت بالامارات العربية الى توقيع الاتفاقية مع اسرائيل بضمانات أمريكية، وأهم هذه العوامل:

1- ان الولايات المتحدة ما زالت مستمرة في سياستها في المنطقة وفي العالم بالانسحاب الاستراتيجي التدريجي، وبالضرورة فان هذا الاتفاق يكفل لها غطاءا قويا ومستمرا لمصالحها في المنطقة.

2- ان تطبيق هذا الاتفاق وامتداده ليشمل دولا أخرى سيؤدي الى تعزيز الامن الاقليمي في منطقة مهمة جدا للمصالح الامريكية وهو الامر الذي سيوفر على الولايات المتحدة الوقت والكلفة في حفظ هذه المصالح على المدى البعيد.

3- ان هنالك قضايا أخرى اصبحت أكثر أهمية في منطقة الشرق الاوسط من القضية الفلسطينية، لاسيما بعد الربيع العربي وانتشار الارهاب والحروب الاهلية والتدخل التركي والايراني في المنطقة، وهذا يلقي بظلاله على الدوافع الحقيقية للامارات في الوصول الى صيغة تعاون مع دولة اقليمية مهمة وهي اسرائيل من أجل مواجهة هذه المشاكل الاستراتيجية.

4- رغبة الامارات العربية في وقف عملية الضم التي كانت حكومة اسرائيل تنوي القيام بها لمنطقة الاغوار بما يهدد عملية السلام وبالنتيجة يهدد الامن والاستقرار الاقليمي.

كما تشير نفس السياسة الاعلامية الاماراتية للترويج الى الاتفاق الى ان أهم انعكاسات هذا الاتفاق ستشمل التالي:

1- تغيير خريطة توزيع القوى في منطقة الشرق الاوسط لصالح المحور العربي- الاسرائيلي ضد المحور الايراني الشيعي وضد المحور التركي القطري.

2- قيام العديد من الدول العربية باتباع الخطوة الاماراتية وتطبيع العلاقات مع اسرائيل والدخول في المحور العربي الاسرائيلي.

3- انتقال منطقة الشرق الاوسط الى مرحلة جديدة من التنمية والاستقرار تماما كما حدث مع دول جنوب اسيا ودول شرق اوروبا.

4- ان عملية التطبيع مع اسرائيل ستزيد من اوراق الضغط التي تمتلكها الدول العربية للضغط على اسرائيل وستؤدي هذه الاوراق لاحقا الى الضغط على اسرائيل من أجل حملها على منح “الفلسطينيين حقوقهم”.

 

في الواقع، استطيع طرح العديد من الملاحظات المنهجية والعلمية والاستراتيجية على هذه السياسة البروباجندية المتعلقة بالترويج للاتفاق الثلاثي، ومن اهم هذه الملاحظات:

أولا: توسعت هذه السياسة بالحديث عن فوائد التحالف مع اسرائيل في حفظ الاستقرار والامن في المنطقة متناسية طبيعة الكيان الاسرائيلي التوسعية والعنصرية والتي تقوم على افكار عدوانية بالاساس، وبالضرورة يمكن ان تكون فوائد اي تعاون مع اي دولة فوائد عظيمة، ولكنها مع كيان صهيوني توسعي كما هو الحال بالكيان الاسرائيلي فان التعاون سيؤدي الى تحفيز هذا الكيان لفرض مزيد من الابتزاز السياسي وربما العسكري في مرحلة مقبلة على الامارات لاسيما أن فارق القوة واضح وكبير لصالح الكيان الاسرائيلي.

ثانيا: اشتملت عقلانية العلاقات الدولية في هذه السياسة على حسابات الربح والخسارة للدول، وهو أمر منطقي ويشكل أساس النظرية السياسية في العلاقات الدولية. ولكن هذا النموذج “العقلاني” كما هو معروف في النظرية الغربية لا يمكن أن يصلح في تفسير سلوك الدول والجماعات في سعيها للحفاظ على القيم العظمي مثل الحرية والكرامة والقومية والعدالة وغيرها من القيم التي لطالما عجزت النظرية السلوكية وما بعد السلوكية عن وضع محددات عقلانية لهذا السلوك. بالمحصلة فان الدول والجماعات لا تقوم في العادة بحسابات الربح والخسارة اذا ما تعلق الامر بالحفاظ على حريتها والسعي لنيلها للاستقلال، وللتدليل على ذلك فضمن حسابات الخسارة والربح فانه لا يمكن لاي ثورة شعبية ان تقوم وتنجح بعيدا عن النموذج العقلاني الغربي ضد المستعمر القوي كما حدث في الثورة الجزائرية او الثورة الهندية. وعلى ما سبق، فليس على الفلسطيني ان يقبل بالتغير في موازين القوى الاقليمية ويرضخ لشروط الاحتلال حتى لو كان فارق القوة كبير جدا لصالح الاحتلال لان المسألة تتعلق بقيمة التحرر من الاحتلال.

ثالثا: تفترض هذه السياسة البروباجندية بان الاتفاق الثلاثي سيؤدي الى اعادة توزيع خارطة القوى في منطقة الشرق الاوسط لصالح محور التحالف العربي الاسرائيلي مقابل المحاور المعادية (التركي والايراني). الا ان هذا الطرح ليس محل توافق في نظرية التوازن في العلاقات الدولية، لان الفجوة في القوة لصالح محور ضد الاخر قد تؤدي الى عدم الاستقرار، حيث تقوم القوى الاضعف في العادة بالعمل على فرض معادلة قوة جديدة واحداث خلل في توازن القوى لصالحها، وهو الامر الذي سيعيد الاقليم الى المنطقة الاولى من الصراع، ولكن هذه المرة سيكون الصراع بين القوى الاقليمية الكبرى في اقليم الشرق الاوسط؛ وهو صراع سيكون مدمرا على كافة الصعد.

رابعا: تستند السياسة الاماراتية البروباجندية في مشروعيتها على نجاح اتفاقية التطبيع الامارتية الاسرائيلية في وقف الضم دون التنويه الى أنه تعليق مؤقت للضم وليس وقفه او الغاؤه وفي هذا مغالطة منهجية وواقعية. فنص الاتفاقية صريح وواضح، كما أن تصريحات الحكومة الاسرائيلية أيضا واضحة بأن الاتفاق أخرج الضم من فوق الطاولة السياسية “طاولة المفاوضات والعمل السياسي” ولكنه يمكن أن يعود الى الطاولة اذا ما توافرت الظروف، وقد تتحقق هذه الظروف في حالات ثلاث، الاولى: تحقق الارداة الامريكية باعطاء الضوء الاخضر للاسرائيليين باجراء الضم، والثانية: اذا ما تلكأ الاماراتيون بتنفيذ اجراءات وبنود التطبيع غير المعلنة الى الان، والثالثة: اذا استمر الفلسطينيون في رفضهم للرضوخ للشروط الاسرائيلية والامريكية المتعلقة بصفقة القرن.

خامسا: في الوقت الذي استند المنطق الاماراتي في بروباجندا التطبيع على أهمية الاتفاق الثلاثي وتحميل الفلسطينيين مسؤولية رفضه، لم يتم تناول صفقة القرن باعتبارها تمثل سقف التسوية السلمية المنصوص عليها في الاتفاق، وبالضرورة فان موضوعة القدس واللاجئين والدولة الفلسطينية كاملة السيادة مسقطة اصلا في الاتفاق؛ وهو الامر الذي تحاشى فيه هذا المنطق عن الغوص في غماره لدرجة ان لا يوجد بين ثناياه بتاتا اي شئ عن صفقة القرن !

سادسا: حاولت البروباجندا الاماراتية تسويق موقف الامارات بانه منسجم مع المبادرة العربية للسلام التي صدرت عام 2002 وتجاهلتها اسرائيل وقتها. وهي مبادرة قامت بالاساس على منطق التطبيع مقابل السلام القائم على قرار 242. وفي الواقع، فان هذه الاتفاقية هي خروج حقيقي وصريح عن المبادرة العربية للسلام، وقد اعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو بعد التوقيع عليها مباشرة بأنه قد نجح في فرض معادلة جديدة للسلام مع العرب وهي السلام المفروض بالقوة وليس السلام مقابل الارض . وفي المحصلة فان مرجعية المفاوضات في الاتفاق الثلاثي هي صفقة القرن وهذه الصفقة لا تقوم على اي مرجعية دولية وانما تقوم على مبدأ الوقائع على الارض كما يصفها عرابها كوشنر.

سابعا: تسوق البروباجندا الاماراتية الاتفاق الثلاثي على كونه اتفاقا بين دولتين قويتين اقتصاديا وعسكريا في المنطقة، ولكنها لا تفصح عن ماهية التشابه بين الدولتين من حيث الطبيعة الاستعمارية والسياسة الخارجية الطائشة. فالامارات العربية دولة تحتل أجزاء كبيرة من اليمن تماما كما تفعل اسرائيل في الاراضي الفلسطينية، والامارات العربية ايضا ترتكب العديد من الحماقات العسكرية في ليبيا والعراق وسوريا كما تفعل اسرائيل في نفس هذه البلدان. وبالضرورة فان طبيعة النظامين السياسيين في اسرائيل والامارات تتشابه في الغوغائية المفرطة في العلاقات الخارجية، وتفقد هذه الطبيعة الاتفاق من أي أساس شرعي لوجوده سوى التحالف العسكري ضد الشعوب المقهورة في المنطقة العربية.

بناء على ما سبق، يمكن الاستنتاج بأن البروباجندا الاماراتية لتسويق الاتفاق الثلاثي لا تستطيع ان تصمد امام الحقائق في اقليم الشرق الاوسط، وتتمثل هذه الحقائق بشرعية الوجود الفلسطيني وهويته التي تناضل من أجل التخلص من الاحتلال الاسرائيلي. ولن تكون هذه البربوجندا بتاتا قادرة على اقناع الشعوب العربية ولا حتى شعوب العالم بان اسرائيل دولة طبيعية في المنطقة. وفي المحصلة النهائية تبقي اسرائيل دولة احتلال في وعي الجماهير العربية، وتبقي الدولة الفلسطينية والقدس واللاجئين حقوقا ثابتة في منظومة القانون الدولي وفي وعي الشعوب المتحفزة للثورة على قوى الاستعمار والعنصرية والظلم.

 

اضغط على الصورة