محمد عبدالرحمن عريف

    البدايات مع ما شهدته اللغة العربية خلال تاريخها فترات من الازدهار والانتشار تخطت فيها حدود مجالها العربي إلى آفاق ومناطق واسعة وذلك في عدد غير قليل من البلدان خارج نطاق العربية وخاصة في بلدان القارة الأفريقية. وقد تمتعت اللغة العربية بوضع ومكانة متميزة على الخريطة اللغوية لأفريقيا؛ حيث استقرت العربية في غالبية أنحاء أفريقيا منذ وقت طويل يسبق دخول أي لغة من اللغات الأوربية إلى أفريقيا، وتحدث بها عدد كبير من الأفارقة وانتشرت بينهم انتشاراً كبيراً. وقد ترسخت هذه المكانة بشكل خاص في غالبية دول شرق أفريقيا وغربها، بينما تتراجع هذه المكانة تدريجيًا كلما اتجهنا صوب وسط القارة وجنوبها.

الدور الرئيسي للإسلام حيثما ارتحل

    لقد كان للإسلام الدور الأبرز في انتشار اللغة العربية؛ حيث سارت العربية مع الإسلام جنباً إلى جنب وحلقت معه أينما حل وحيثما ارتحل. فاستُخدمت العربية في أداء العبادات والشعائر الدينية لمن يعتنق الإسلام، وازداد إقبال معتنقي الإسلام على تعلمها رغبة في التعمق في الدين عن طريق الرجوع لمصادره الأساسية عبر قراءة ومدارسة مصنفات الفقه والحديث والتفسير وغيرها من العلوم الشرعية. وقد أدى هذا الارتباط الوثيق بين اعتناق الاسلام وتعلم العربية إلى أنه جعل للعربية درجة من الانتشار في كل المناطق التي تضم جماعات مسلمة. كما كان للهجرات العربية لأفريقيا دوراً في نشر اللغة العربية، كذلك كان للتجار وللطرق الصوفية وللدعاة وللمعلمون جهوداً صادقة في نشر الإسلام واللغة العربية في أفريقيا؛ وذلك عن طريق السلوك القويم والقدوة الحسنة والدعوة الصادقة والتعليم، حيث قاموا بإنشاء المساجد وفتح المدارس في كثير من البقاع، كما أنهم صاهروا أهل البلاد واندمجوا فيهم.

    الواقع أنه لم يتوقف الأمر عند إلمام مسلمي أفريقيا باللغة العربية للقيام بالشعائر الدينية أو إتقان بعضهم لقواعد العربية وعلومها، بل انتشرت العربية في كثير من الأقطار الأفريقية حتى إنها استخدمت كلغة تواصل مشتركة lingua franca بين القوميات المختلفة القاطنة في هذه الدول، كما استخدمت كلغة للتعليم وللثقافة وللأدب وظهرت الكتب والمصنفات التي وضعها كثير من العلماء الأفارقة المسلمين باللغة العربية في شتى مجالات العلم وخاصة العلوم اللغوية والشرعية ، كذلك دونت عشرات من اللغات الأفريقية بالحرف العربي ، بل والأكثر من ذلك أن العربية استخدمت كلغة للإدارة والحكم في كثير من الدول الأفريقية فوضعت بها المراسيم وصيغت بها القوانين وصارت لغة المراسلات والمكاتبات الحكومية.

تراجع اللغة العربية

    إلا أن اللغة العربية شهدت تراجعاً ملحوظاً على الصعيد الأفريقي وخاصة في أعقاب قدوم الاستعمار الأوربي للأراضي الأفريقية وما صاحبه من فرض ونشر للغات المستعمر ، ومحاربة لنفوذ وتفوق وانتشار اللغة العربية على الساحة الأفريقية. فتوقف الامتداد الكبير الذي حققته اللغة العربية خلال عصور التفوق الحضاري الإسلامي ، وبدء انحسار وتراجع اللغة العربية أمام تقدم اللغات الأوربية. ولم يتوقف الأمر على الدول الأفريقية خارج نطاق العربية ، بل امتد الخطر إلى قلب الامتداد والنفوذ العربي في شمال أفريقيا وخاصة في دول المغرب العربي ، حيث تعرضت هذه الدول لهجمة فرنسية شرسة كادت أن تفقد فيها هويتها ولسانها العربي ، لولا حملات التعريب التي خاضتها تلك الدول عشية استقلالها عن الاستعمار الفرنسي.

حضور اللغة العربية في أفريقيا جنوب الصحراء

   رغم ما تعرضت له اللغة العربية من تحديات ومعوقات منذ قدوم الاستعمار الأوروبي لأفريقيا وفقدانها لكثير من الإنجازات التي حققتها فيما مضى ، إلا أن حضورها في القارة الأفريقية جنوب الصحراء لا زال مشهوداً وماثلاً في الحاضر ، وإن تفاوت هذا الحضور من منطقة لأخرى ومن بلد لآخر. فما زالت اللغة العربية والثقافة الإسلامية تتمتعان بحضور قوي في بلدان شرق أفريقيا وخاصة في الصومال وجيبوتي وجزر القمر وإريتريا وإثيوبيا وتنزانيا وأوغندا. وفي دول غرب أفريقيا وخاصة في السنغال ومالي والنيجر وجامبيا وغينيا ونيجيريا. أما في وسط أفريقيا فباستثناء تشاد وشمال الكاميرون ، لا نكاد نجد للغة القرآن الكريم أثراً كبيراً في بقية بلدان وسط أفريقيا .أما في دول جنوبي أفريقيا فيصل حضور اللغة العربية لأقل معدلاته في دول القارة الأفريقية تقريباً، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الإسلام يمثل دين الأقلية في هذه البلدان ، ونحن نعلم أن خريطة الإسلام تطابق في الغالب خريطة الثقافة الإسلامية واللغة العربية. وهناك بعض التقديرات لأعداد المسلمين في قارة أفريقيا تتوافق مع هذا الرأي وتعضده حيث تشير إلى أن المسلمين يتركزون في شمال القارة حيث تبلغ نسبتهم حوالي 82.3% من عدد السكان ، أما في غرب القارة فتبلغ النسبة 62.7% ، وفي شرقها تصل النسبة لحوالي 52.7% ، وتنخفض نسبة المسلمين في كل من وسط أفريقيا حيث تبلغ 15.4%، وجنوبي أفريقيا حيث تبلغ 10.2% .

الدور الديني للغة العربية في أفريقيا جنوب الصحراء

   يعد الدور الديني للغة العربية من أهم الأدوار التي تقوم بها اللغة العربية على الإطلاق في دول أفريقيا جنوب الصحراء حيث تعتبر العربية اللغة الدينية للمسلمين هناك ؛ فهي لغة القرآن الكريم ولغة الشعائر الدينية وبها تقام الصلاة وتلقى خطب الجمعة والعيدين وفي بعض الأحيان تلقى بها دروس العلم في المساجد. ولذا فإنها تتمتع بمكانة كبيرة في نفوسهم وهم ينظرون إليها نظرة احترام وتقديس ، وهي في نظر كثير منهم لغة الفكر والحضارة والتاريخ ، ولغة الرسالة التي يحملونها في الحياة ، وهي لغة علمائهم وفقائهم وأئمتهم ، وهي بالنسبة إليهم ليست لغة قبيلة معينة ، أو شعب معين ، ولكنها لغة الأمة والإسلام ، مهما اختلفت لغاتهم وألوانهم وأوطانهم وأزمانهم. ولذا نجد أن الكثيرين منهم يحرصون على تعلم العربية وذلك لأن معرفة اللغة العربية لا تزال ملازمة لحفظ القرآن الكريم وفهمه وضرورة لفهم واستيعاب تعاليم الإسلام من مصادره الأساسية. وأي مسلم بصرف النظر عن لغته الأم لابد له من الإلمام ببعض العبارات العربية مثل الشهادتين “أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله” أو عبارة التحية “السلام عليكم” أو البسملة أو غيرها ، كما يجب عليه حفظ الفاتحة وبعض الآيات القرآنية باللغة العربية حتى يستطيع أن يؤدى صلاته. ومن أراد أن يزداد تفقهاً في شئون دينه فعليه أن يزداد علماً باللغة العربية ليطلع على المؤلفات الدينية المختلفة من كتب الفقه والشروح والتفاسير وكتب الحديث …الخ.

     لقد أدى هذا الارتباط الوثيق بين اعتناق الاسلام واللغة العربية إلى أنه جعل للعربية درجة من الانتشار في كل المناطق التي تضم جماعات مسلمة ، ولذا يمكن القول أن درجة حضور اللغة العربية في مكان ما غالبا ما ترتبط بعدد المسلمين لأنه يضمن ، إلى حد كبير ، إلمامهم بطرف ولو يسير منها ، وكلما زاد عدد المسلمين كانت فرصة إقامة حلقات العلم والمدارس الإسلامية أكبر ، الأمر الذي يستتبع إيجاد تعليم إسلامي ومن ثم انتشار للغة للعربية.

    لكن لا يفوتنا في هذا الإطار أن نشير إلى أن كون المرء مسلماً لا يستوجب بالضرورة إتقانه للعربية إتقاناً تاماً بل يكفيه معرفة ما يقيم به شعائر دينه فقط. ولذا نجد أن الأفراد في الدول الأفريقية جنوب الصحراء يختلفون في مدى إلمامهم وإتقانهم للغة العربية فمنهم من يفهمها ويتحدثها بشكل تام ويستطيع استخدامها في الحياة اليومية ، ومنهم من يستطيع تلاوة القرآن الكريم والحديث في الأمور الدينية ويمكنه فهم الخطب باللغة العربية لكنه لا يستطيع استخدامها في حياته اليومية. ومنهم من تقتصر معرفته بها على إقامة الشعائر الدينية فقط ويتوقف كل ذلك على مقدار ما تعلمه من اللغة العربية في المساجد أو في الخلاوي والكتاتيب أو في المدارس الإسلامية أو في غيرها من المؤسسات التي يتم فيها تعليم اللغة العربية.

    هكذا نرى أنه كما ساهم الاسلام في نشر اللغة العربية في أفريقيا جنوب الصحراء ساهم عدد المسلمين الكبير في الحفاظ على استقرار وثبات اللغة العربية هناك ، بصرف النظر عن مستوى اتقانهم لها ، فعدد المسلمين الكبير لا يزال من أهم عوالم استقرار وثبات اللغة العربية في البلدان الأفريقية خارج نطاق العربية.

وضع اللغة العربية في مؤسسات التعليم بأفريقيا جنوب الصحراء

    يمكن تقسيم المؤسسات التعليمية في دول أفريقيا جنوب الصحراء إلى قسمين : الأول هو التعليم الحكومي ويضم المؤسسات التعليمية الحكومية الرسمية ، والثاني هو التعليم الأهلي الخاص الذي يموله إما الأفراد أو الجمعيات والمنظمات الأهلية. وسنعرض فيما يلي لوضع اللغة العربية في كلا النوعين من المؤسسات التعليمية.

اللغة العربية في مؤسسات التعليم الحكومي الرسمي :

    يتباين وضع اللغة العربية في المؤسسات التعليمية الحكومية في دول أفريقيا جنوب الصحراء ، فهناك دول تُدرِّس العربية في كل أو معظم مراحل التعليم ، وهناك دول تدرسها في التعليم الأوَّلي فقط ، أو في المرحلة الجامعية فقط. وهناك دول لا وجود للغة العربية في مناهجها على الإطلاق ، وهي في الغالب البلاد التي يمثل المسلمون فيها أقلية محدودة للغاية.

    للغة العربية حضور في التعليم الحكومي في دول شرق أفريقيا ، ولكنه لا يسير على نمط واحد حيث يختلف شكل هذا الحضور من دولة لأخرى. ففي إثيوبيا لم يكن للعربية حضور في التعليم الحكومي حتى صدور دستور 1994 الذي بُنيت علي أساسه السياسة التعليمية للدولة ، والتي منحت كل إقليم في الاتحاد الفيدرالي الحق في تحديد لغات التعليم الخاصة به في مرحلة التعليم الأوَّلي. فاختار إقليم بني شنقول ـ جوموز اللغة العربية كلغة تعليم في مرحلة التعليم الأوَّلي. أما على مستوى التعليم الجامعي فقد تم تأسيس شعبة للغة العربية في جامعة أديس أبابا منذ عدة سنوات ، ولكن هذه الشعبة لم تبدأ عملها بشكل كامل حتى الآن.

    في إريتريا نجد أن اللغة العربية يتم تدريسها كمادة دراسية في المرحلة الأوَّلية وفي المرحلة الثانوية. وطبقا للسياسة التعليمية للحكومة الإرترية فإن لكل قومية الحق في استخدام لغتها كلغة تعليم في مرحلة التعليم الأوَّلي. بينما تستخدم الإنجليزية كلغة تعليم في مراحل التعليم التالية ، في حين تدرس اللغات الأخرى كمواد دراسية. وهؤلا الطلاب الذين درسوا بالتيجرينية في المرحلة الأولية سيدرسون العربية كمادة دراسية ، وفي مقابل ذلك فإن الطلاب الذين درسوا بالعربية في المرحلة الأولية سيدرسون التيجرينية كمادة دراسية. ونظراً لأن أي من القوميات لم تختر العربية كلغة تعليم في المرحلة الأوَّلية ، فإن العربية في الواقع الفعلي تدرس في كلا المرحلتين كمادة دراسية.

    في جيبوتي تدرس اللغة العربية في المدارس الحكومية مع الإنجليزية ابتداء من الصف السابع ، هذا بالإضافة إلى إنشاء قسم عربي في جامعة بولPaul التي تأسست عام 2002. وقد ذكر مستشار وزارة العدل الجيبوتية القاضي عبد الرحمن بشير في حديث له مع قناة الجزيرة أن الرئيس الجيبوتي قد أصدر قراره لوزارة التعليم بأن تقرر مادة اللغة العربية والتربية الإسلامية ضمن المنهج التعليمي ابتداء من المرحلة الابتدائية. كما أدمجت المدارس التي تدرس باللغة العربية كاملة ضمن نطاق المؤسسة التعليمية الرسمية. أما في أوغندا فيتم تدريس اللغة العربية في جامعة ماكيريري الحكومية ، وقد بدأ تدريس العربية في هذه الجامعة في سبعينيات القرن الماضي ولكنها لم تكن تدرس كمادة منهجية للطلاب إنما كان يدرسها الراغبون كمادة إضافية ، ولكن تدريسها توقف عام 1979 مع تغير النظام السياسي بسقوط حكومة عيدي أمين. وفي عام 2003-2004م تمت الموافقة على عودة تدريس العربية بالجامعة رسمياً ، وذلك بعد توفر جهة تمول برنامج تعليم العربية في الجامعة وهي جمعية الدعوة الإسلامية العالمية. ومنذ ذلك التاريخ بدأ تدريس العربية بقسم اللغة العربية في كلية الآداب ، وقد توسع القسم فيما بعد ليشمل كلية التربية أيضا. وفي عام 2006 أفتتح القسم مرحلة الدبلوم العالي في التربية باللغة العربية. كذلك أُفتتح نادي ثقافي عربي في الجامعة يجمع كل الطلاب الدارسين بالقسم ، وتلقى فيه المحاضرات والدروس بالعربية ، وتناقش فيه مسائل ثقافية واجتماعية تخص الطلبة المسلمين بالجامعة خاصة والمجتمع الأوغندي بصورة عامة. وقد وصل عدد الطلبة الذين يدرسون اللغة العربية في عام 2006 إلى 71 طالباً وطالبة من منتسبي كليتي التربية والآداب بالجامعة.

    في الصومال ورغم اعتماد العربية لغة رسمية إلى جانب الصومالية ، إلا أن اللغة الصومالية هي المسيطرة على التعليم الحكومي بشكل كبير. ويتم التدريس بالعربية فقط في المدارس الأهلية. وفي زنجبار بتنزانيا يتم تدريس اللغة العربية كمادة دراسية في التعليم الحكومي ، وذلك في المرحلة الإبتدائية بداية من الصف الرابع وفي المرحلة المتوسطة والمرحلة الثانوية.

    يبدو أن واقع اللغة العربية في المؤسسات التعليمية الحكومية في غرب افريقيا أسعد حالاً منها في شرق أفريقيا ؛ فقد قررت كل من مالي والسنغال والنيجر وغينيا وجامبيا ونيجيريا إدراج تعليم اللغة العربية ضمن برامج المدارس الحكومية بها .

   ففي مالي تتم دراسة اللغة العربية في التعليم الحكومي بشكل بارز ؛ ففي التعليم الإبتدائي تدرس العربية من الصف الأول حتى السادس بالمدارس ثنائية اللغة (الفرنسية-العربية) ، وهي تدرس مع اللغة الفرنسية على حد سواء باعتبارهما لغة تعليم. ويجب أن نشير هنا إلى أنه يتم تدريس العربية في هذه المدارس باعتبارها لغة فقط دون ربطها بالدين الإسلامي , وذلك استناداً إلى المادة التي تنص على علمانية الدولة وعلمانية التعليم في دستور دولة مالي. ومن ناحية أخرى يرسل أولياء الأمور أطفالهم إلى هذه المدارس لغرض ديني , إذ يعتقدون أن تعليمهم مبادئ اللغة يساعدهم على فهم الإسلام , ويسهل عليهم قراءة القرآن. وفي المرحلة الإعدادية (الصف السابع والثامن والتاسع) تتحول العربية لمادة اختيارية من بين اللغات الأجنبية , حيث يترك للتلميذ حرية اختيار اللغة التي يرغب في تعلمها , وهذا على المستوى النظري العام فقط , وأما في الواقع العملي فلا يوجد في هذه المرحلة عدا الإنجليزية والعربية ، ويخصص لهذه المادة الاختيارية ثلاث ساعات أسبوعياً. وفي المرحلة الثانوية تستمر العربية كلغة اختيارية مع لغة أجنبية أخرى ؛ ويتم اختيار اللغة الأولى وفقا للغة التي درسها التلميذ في المرحلة الإعدادية ، الإنجليزية أو العربية ، وغالبا ما تبقى اللغات الأخرى دائما في الاختيار الثاني.

   كذلك للعربية حضور في المعاهد التربوية وفي التعليم الجامعي بمالي. فقد أُفتتح في عام 1997 معهد الهجرة التربوي في مدينة تنبكت ، وهو معهد حكومي لتلبية حاجة المدارس العربية من مدرسي العربية سواء في مواد اللغة العربية أو المواد العلمية كالرياضيات والكيمياء والفيزياء. وتعتبر اللغة العربية هي لغة التدريس في هذا المعهد , وتدرس اللغة الفرنسية كمادة دراسية , كما تستخدم الفرنسية أيضا كوسيط في تدريس بعض المواد كالفلسفة , والتربية المدنية , والرسم. وفي التعليم الجامعي نجد العربية تدرس في المدرسة العليا لإعداد المعلمين. كما تدرس أيضا في شعبة اللغة العربية بكلية الآداب والتي تضم تخصصين ، الأول في اللغة العربية فقط ، والثاني في اللغتين العربية والإنجليزية. وتدرس اللغة العربية في الجامعة بأشكال أخرى فتدرس كمادة اختيارية في الأقسام والشعب الأخرى , وكذلك تدرس في كلية الإدارة والحقوق والعلوم السياسية في السنتين : الثالثة , والرابعة.

    في السنغال تدرس لغة القرآن الكريم حالياً في كل المؤسسات التعليمية العمومية من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الجامعية. وقد بلغ عدد مدرسي اللغة العربية الحكوميين في سنة 1999م (1223) مدرساً. وهناك عدد كبير من المدارس العربية الفرنسية والمؤسسات التعليمية العامة التي تدرس فيها العربية في السنغال.

   في جامبيا نجد أنه منذ عام 1977م تم إقرار مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية ضمن مقررات المدارس الحكومية كلها بما فيها المدارس الكنسية. وفي نيجيريا يتم تدريس اللغة العربية في التعليم الحكومي كمادة اختيارية من الصف الأول حتى الصف السادس. وفي النيجر تدرس اللغة العربية من خلال المدارس ثنائية اللغة ، كما تدرس أيضا في التعليم الجامعي الحكومي وذلك في قسم العلوم الإسلامية بجامعة نيامي.

وقد أنشأت غالبية حكومات غرب أفريقيا مؤسسات تعليمية ثنائية اللغة (فرنسية – عربية) Franco-Arabic education. ومضت مالي والنيجر أبعد من البلدان الأخرى في هذا المجال ، ففي مالي توجد مؤسسات ثانوية فرنسية عربية في مدن باماكو وتمبكتو وبنامبا. أما في النيجر فقد بلغ عدد المؤسسات الفرنسية العربية حسب دراسة أولية للأيسيسكو(190) مؤسسة منها ثلاث مؤسسات للتعليم الثانوي ، بينما يقدر العدد الإجمالي للتلاميذ المنتسبين إلى هذه المؤسسات بـ 27.614 تلميذاً موزعين على مختلف المستويات التعليمية. وقد اتخذت فكرة المدارس ثنائية اللغة “الفرنسية – العربية” هذه صوراً شتي في التطبيق من دولة لأخرى ؛ ففي غينيا كوناكري نجد أن الساعات الدراسية المقررة في الأسبوع تصل لـ (30) ساعة توزع مناصفة بين مواد اللغة العربية والتربية الإسلامية ومواد التعليم الفرنسي بواقع خمسة عشر ساعة لكل مجموعة. بينما في بوركينا فاسو تصل الساعات المقررة للتدريس في الأسبوع لست وثلاثين ساعة نصيب اللغة العربية والتربية الإسلامية منها خمس ساعات فقط.

   لا شك فإن هذا الحضور الواضح للغة العربية في التعليم الحكومي لغالبية دول غرب أفريقيا يعكس الاهتمام الكبير باللغة العربية في هذه الدول سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي ، كما يشير كذلك للتقدم الواضح الذي أحرزته اللغة العربية في مؤسسات التعليم الحكومي في غرب أفريقيا ، وخاصة في ضوء التجربة الاستعمارية القاسية التي عاشتها تلك المنطقة ، وما صاحبها من حجر واقصاء على تعليم العربية وخاصة في مؤسسات التعليم الحكومي.

   أما عن واقع اللغة العربية في التعليم الحكومي في جنوبي أفريقيا فنلاحظ تراجعه إلى حد كبير في غالبية دول الإقليم مع حضور ضعيف في البعض الآخر. ففي دولة جنوب أفريقيا نجد أن هناك حركة وتجاوب لتعليم اللغة العربية في مدارس جنوب إفريقيا من قبل الحكومة ، وإذا ما وجدت عدداً مناسباً أي حوالي 20 طالبا ًفي المدارس الثانوية ، فإن الحكومة تهتم بتدريس اللغة العربية لهم علي حسابها ، كما أن الدراسات الإسلامية تقدم حاليا كمادة اختيارية غير ممتحنة في مدارس الدولة. أما في التعليم الجامعي فقد تم افتتاح قسم للغة العربية في جامعة ديربن ، وهذا القسم يقوم بتدريب المعلمين. وفي زيمبابوي تم تأسيس كرسي للدراسات الإسلامية والعربية في جامعة زيمبابوي. وفيما عدا ذلك تكاد اللغة العربية تختفي من على خريطة التعليم الحكومي في هذا الإقليم.

حضور اللغة العربية في وسائل الإعلام

تستخدم اللغة العربية في وسائل الإعلام في دول أفريقيا جنوب الصحراء بنسب متفاوتة من دولة لأخرى ، كما تتباين نسبة حضورها في وسائل الإعلام الحكومية عن نظيرتها الخاصة. ورغم صعوبة تتبع هذا الحضور بشكل تفصيلي لكل دولة من الدول في هذه الورقة ؛ إلا أننا سنحاول رصد بعض الأمثلة فقط كمؤشر لحضور العربية في وسائل الإعلام في أفريقيا جنوب الصحراء.

ففي دول شرق أفريقيا نجد أن اللغة العربية تحظى بحضور ملحوظ على الساحة الإعلامية بشكل عام. ففي جيبوتي وبعد السياسات الداعمة التي نالتها اللغة العربية في العقد الأخير ، ازدادت المساحة الإعلامية للغة العربية وتم التوسع في البث باللغة العربية ، فالتلفزيون الرسمي يبث ساعة للأخبار باللغة العربية يومياً ، كما يفرد للبرامج الثقافية ساعات معتمدة بالعربية ليومين في الأسبوع ، وللبرامج الدينية ساعات معتمدة بالعربية لثلاثة أيام أسبوعياً ، أما الإذاعة فتبث ثلاث ساعات بالعربية في اليوم للبرامج المختلفة ، بالإضافة إلى ساعة للأخبار بالعربية ، هذا بالإضافة إلى إصدار جريدة “القرن” الحكومية الناطقة بالعربية وهي تصدر مرتين أسبوعيًا. وفي إثيوبيا تخصص الإذاعة الإثيوبية ساعة يومياً من إرسالها تقدم باللغة العربية ، وتتناول هذه الفترة الأخبار المحلية والعالمية كما تتضمن بعض البرامج والأغاني العربية ، كما تصدر عدة صحف إثيوبية باللغة العربية ومن هذه الصحف صحيفة “العلم” وهي صحيفة حكومية تصدر عن وزارة الإعلام الإثيوبية ، ويزيد عمرها عن نصف قرن ولم تتوقف عن الصدور منذ نشأتها في عام 1942 وحتى الآن. وهناك أيضا بعض الصحف والمجلات العربية والإسلامية المستقلة التي تصدر في إثيوبيا مثل مجلة “بلال” وهي مجلة إسلامية شهرية تعكس وجهة النظر الإسلامية والمجتمع المسلم في إثيوبيا ، وكذلك تصدر مجلة “الرسالة” وهي مجلة إسلامية تصدرها جمعية إسلامية باللغة العربية واللغة الأمهرية. أما التلفزيون فلا يقدم أي برامج دينية إسلامية أو عربية. وبالنسبة لإرتريا فوضع اللغة العربية في الإعلام يكاد ينعدم باستثناء صحيفة حكومية وحيدة هي “إريتريا الحديثة” ، بالإضافة إلى وجود رمزي ومحدود للغة العربية في الإذاعة في إريتريا. والأمر اللافت للنظر هو غياب حضور العربية إعلامياً في دولة الصومال العربية فالإعلام بكافة أجهزته يبث بالصومالية ، وهناك فقـط ثلاث ساعات تبث بالعربية عبر هيئة الاذاعة البريطانية BBC ، وحتى إذاعة القرآن الكريم التي تبث القرآن الكريم بالعربية ولكن تدخل الصومالية كواسطة في التقديم ، كما لا توجد صحف بالعربية.

وفي دول غرب أفريقيا نجد كذلك حضوراً للغة العربية في وسائل الإعلام المختلفة. ففي مالي تستخدم العربية في الإذاعة والتليفزيون والصحافة ، فتستخدم في بث الأخبار في الإذاعة الوطنية مرّة في الأسبوع كغيرها من اللغات الأجنبية ، إضافة إلى برامج تعليم اللغة العربية عبر الإذاعة , وتستخدم أيضًا في الإذاعات الحرة للغرض نفسه , كذلك ظهرت بعض الصحف العربية كالمستقبل, والصداقة والنجم …الخ. كذلك تستخدم للتوعية أحيانا عبر إصدار بعض المنشورات. وفي نيجيريا تبث إذاعة صوت نيجيريا بالعربية. وفي سيراليون يوجد حضور محدود للعربية يتمثل في منشورة شهرية تصدر في فريتاون بهدف تنمية عادة القراءة بين التلاميذ والمعنين بالعربية وذلك في إطار دعم مشروع التعليم العربي.

وفي دول جنوب أفريقيا يقل حضور العربية بشكل كبير في وسائل الإعلام المختلفة ، ففي دولة مثل جنوب أفريقيا والتي شهدت فترة ما بعد التفرقة العنصرية نشاطاً إعلامياً موسعاً من قبل المسلمين في مجال الدعوة للإسلام ، فنشرت الملصقات وطبعت المجلات وأصدرت الصحف وافتتحت بعض المحطات الإذاعية والقنوات التليفزيونية ودشنت المواقع الإلكترونية. ورغم هذا كله فلم يستخدم في هذا النشاط اللغة العربية بل تم استخدام اللغة الإنجليزية في غالبية الأحيان ، وهو ما يدل على تراجع وضعف حضور العربية إعلامياً في ذلك الإقليم بشكل عام.

استخدام اللغة العربية كلغة وطنية وكلغة تعامل مشتركة

لا يعد وجود اللغة العربية كلغة رسمية في بعض دول أفريقيا جنوب الصحراء الشكل الوحيد لحضورها هناك ، بل نجدها حاضرة بقوة في عدد من الدول الأخرى باعتبارها لغة وطنية national language لبعض القوميات بها، بحيث تتحدث هذه القوميات اللغة العربية كلغة وطنية خاصة بها فتستخدمها في التعامل فيما بين أفرادها ، أو تستخدمها كلغة إدارة للإقليم الذي تقطنه ، أو تستخدمها في بعض مراحل التعليم بها.

فعلى سبيل المثال نجد أن دولة إثيوبيا ، التي حوربت فيها اللغة العربية لفترات طويلة وتم العمل على تحجيمها من قبل ملوك وحكام إثيوبيا رغم عدد المسلمين الكبير بها ، شهدت مؤخراً الاعتراف باللغة العربية كلغة وطنية لإقليم بني شنقول ـ جوموز المتحدث بالعربية والمجاور للحدود السودانية ، والذي اختار اللغة العربية كلغة للإدارة والعمل بالإقليم ، وكلغة تعليم في مرحلة التعليم الأوَّلي بمدارسه. وذلك طبقا للدستور الإثيوبي الذي صدر في عام 1994 ونص على اعتبار الأمهرية لغة العمل والإدارة للحكومة الفيدرالية الإثيوبية ، مع إعطاء وضع متساو لكل اللغات الإثيوبية ، كما مُنح كل إقليم في الاتحاد الفيدرالي الحق في تحديد لغات العمل الخاصة به.

وفي دولة مالي نجد أن اللغة العربية المتمثلة في اللهجة الحسانية تعد من اللغات الوطنية الأساسية المفصلة في القانون 049-96 المتضمن كيفية ترقية اللغات الوطنية ، والذي حرره واعتمده المجلس الوطني للنواب في جلسته المنعقدة في الثاني من أغسطس 1996 ، وتولت رئاسة الجمهورية نشره وإذاعته. وبناء على هذا القانون تتمتع هذه اللهجة بكافة الحقوق المكفولة لسائر اللغات المحلية , وتلعب الأدوار نفسها كالتوعية ونشرة الأخبار في الإذاعة والتلفزة الوطنية. كما تعد اللغة العربية إحدى اللغات الوطنية في النيجر كما ورد في دستور 1989 ، إلا أن نسبة متحدثيها كلغة أم في النيجر قليلة نسبياً حيث تصل لحوالي% 0.3 من عدد السكان البالغ 8 مليون نسمة. إلا أن استخدامها الأهم يتمثل في التعليم الرسمي والمحلي نظراً لأهميتها الدينية لدى مسلمي النيجر.

كذلك توجد بعض القوميات التي تستخدم اللغة العربية كلغة وطنية في بعض دول أفريقيا جنوب الصحراء مثل قومية الشوا في نيجيريا والتي تتحدث العربية كلغة أم، وكذلك الحال مع قبيلة الحسا نية العربية التي تنتشر في موريتانيا وأجزاء من السنغال ومالي ، وقبائل الوادي في تشاد. وفي إريتريا يتحدث الرشيدة Rashida اللغة العربية كلغة وطنية وذلك على طول ساحل البحر الأحمر من حول إمبيرمي وشعيب حتى كارورا.

كذلك تتخذ اللغة العربية شكلاً آخر للحضور في المشهد اللغوي الأفريقي جنوب الصحراء ، وهواستخدامها كلغة ثانية أو كلغة تعامل مشتركةlingua franca ، وتظهر هذه الأهمية بشكل خاص بين المسلمين من القوميات والقبائل الأفريقية الذين يتحدثون لغات مختلفة حيث تعد العربية وسيلة التفاهم المشتركة بينهم جميعاً. ويجب هنا أن نشير أنه من النادر أن تجد من غير المسلمين من يتحدث اللغة العربية كلغة تعامل فهي مرتبطة إلى حد كبير بالأقاليم والجماعات المسلمة.

إلا أن وضع اللغة العربية كلغة تعامل مشتركة في دول أفريقيا جنوب الصحراء آخذ في التراجع أمام انتشار وسيطرة اللغات الأفريقية المحلية الكبرى كالسواحيلية والصومالية والأمهرية في شرق افريقيا والهوسا والفولانية والماندينجو في غربها من ناحية ، وأمام التقدم والنفوذ الكبير للغات الأوربية الرسمية في تلك الدول من ناحية أخرى.

أما في بقية الدول الأفريقية جنوب الصحراء التي لا تستخدم فيها العربية كلغة رسمية أو كلغة وطنية ، فنجد أن حضورها قد يكون ماثلاً أيضا من خلال دورها الديني ومن خلال وجودها في منظومة التعليم المحلي أو التعليم الرسمي، كما ذكرنا من قبل.

مستويات العربية وتنوعاتها اللهجية في أفريقيا جنوب الصحراء

تتنوع مستويات اللغة العربية المستخدمة في دول أفريقيا جنوب الصحراء بحيث نجد ثلاثة أنواع للعربية وهي :

– اللغة العربية الفصحى.

– اللهجات العربية المحلية.

– اللغات الهجين المبنية على اللغة العربية.

ولكل نوع من هذه الأنواع طبيعته ووظيفته التي يتمايز بها عن غيره ، فالعربية الفصحى يقتصر استخدامها على الشئون الرسمية وفي التعليم والكتب والصحف والإذاعة والتليفزيون ويندر أن نجد من يستخدمها كلغة للحديث والتعامل في أفريقيا جنوب الصحراء.

بينما تستخدم اللهجات العربية المحلية في التواصل بين الجماعات المتحدثة بالعربية ، ويلاحظ في هذه اللهجات أنها إما أن تكون ذات صبغة محلية نتيجة تأثر اللغة العربية باللغات المحلية الأفريقية التي تعايشت معها ، أو أن تكون هذه اللهجات متأثرة بإحدى لهجات الدول العربية نتيجة الأصول العربية القديمة لبعض هذه الجماعات أو نتيجة لهجرات قديمة أو نتيجة للجوار الجغرافي وعوامل الاتصال والاحتكاك بين تلك المجتمعات وجيرانها من العرب. فعلى سبيل المثال نجد أن العربية المتحدثة في إرتريا وجيبوتي وشرق إثيوبيا والصومال تميل للهجة العربية اليمنية ، بينما تميل العربية في تشاد وغرب إثيوبيا وبعض أنحاء إرتريا للهجة السودانية ، وتميل العربية المتحدثة في جزيرة زنجبار للهجة العمانية ، أما العربية المتحدثة في غرب أفريقيا فغالباً ما تميل لعربية شمال أفريقيا.

أما اللغة الهجين pidgin language فهي اللغة التي ليس لها متحدثين أصليين ؛ أي لا يتحدثها أحد كلغة أولى ، ولكنها تستخدم كلغة بديلة للتواصل داخل المجتمعات متعددة اللغات. وهي تتكون نتيجة استمرار التواصل بين الجماعات البشرية التي لا تجمعها لغة مشتركة ، حيث تنشأ اللغة الهجين نتيجة احتياج هؤلاء الجماعات لوسيلة للتواصل الكلامي ، ربما لأغراض تجارية. وتتميز هذه اللغة الهجين من حيث التركيب بعدد مفردات محدود نسبياً وقواعد مبسطة. ومن أمثلة اللغات العربية الهجين عربية جوبا في السودان وُيتحدث بها كلغة تعامل رئيسة بين متحدثي اللغات المختلفة في الإقليم الاستوائي وحتى بحر الغزال وأقاليم أعالي النيل. وهكذا تتنوع مستويات استخدام العربية في دول أفريقيا جنوب الصحراء وتتخذ لهجات وتنوعات متعددة من قطر لآخر.

    لا يزال حضور اللغة العربية في أفريقيا جنوب الصحراء ماثلاً في الواقع المعاش ، وإن تفاوت هذا الحضور من إقليم لآخر ومن بلد لآخر. وأهم ما نلاحظه هو ذلك الارتباط القوي بين الإسلام واللغة العربية ؛ فحضور الإسلام يستتبع وجود اللغة العربية بشكل شبه تلقائي. فعدد المسلمين الكبير في شرق وغرب القارة ضمنت حضوراً ملموساً للغة العربية ، في حين تقلص هذا الحضور وتراجع مع انخفاض نسبة المسلمين في وسط وجنوب القارة.

ولكن هذا الحضور لا يعني جريان العربية على الألسنة وفهمها وتداولها بشكل موسع في كافة أماكن تجمعات المسلمين. فحضور العربية في غالبية أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء هو حضور ديني في الغالب، وتعليمي في المرتبة الثانية باعتبار العربية اللغة الأساسية في التعليم الإسلامي الأهلي ، وبشكل أقل باعتبارها مادة دراسية كبقية المواد في التعليم الحكومي. أما استخدام اللغة العربية كلغة رسمية فهو شكلي في الأساس وهو ما نلاحظه في الصومال وتشاد وجزر القمر وجيبوتي مع تباينات نسبية ، والواقع الفعلي يوضح أن الصومالية في الصومال والفرنسية في بقية تلك الدول هي اللغة الرسمية الفعلية ، وإن كان وضع العربية في جيبوتي آخذ في التحسن النسبي. كذلك فإن الدور التاريخي للغة العربية كلغة تواصل مشتركة بين الجماعات العرقية المختلفة في أفريقيا جنوب الصحراء يتعرض هو الآخر للتآكل في مقابل تنامي دور اللغات المحلية الوطنية الكبرى في كافة أرجاء القارة ، وتعاظم دور اللغات الأوربية الرسمية لغالبية دول المنطقة.

وختاماً ودون جلد للذات أو إلقاء بالتبعة على الغرب والاستعمار ودون سرد لتوصيات واقتراحات ، يمكن القول أن العربية في أفريقيا جنوب الصحراء قد استعادت بعض عافيتها بعد مرور حوالي نصف قرن على رحيل الاستعمار ، ولكن ليس هذا هو أقصى ما تطمح إليه العربية من منزلة. فاللغة العربية بما لها من مكانة في نفوس مسلمي أفريقيا مرشحة لتبوء مكانة أعز من ذلك بشرط أن ترتبط بمصلحة من يتعلمها ؛ وأن تضمن له حراكاً اجتماعياً وتوفر له فرص عمل مناسبة ، وبعبارة أخرى أن تكون اللغة العربية لغة دنيا ولغة دين دون إفراط أو تفريط.