رغم ما خصصته الدولة من إمكانيات كبيرة لإيصال الغاز إلى مختلف مناطق الوطن ومنها ما بات يسمى بمناطق الظل، إلا أن الكثير من القرى والمداشر في الريف الجزائري والجبال والهضاب العليا، لا تزال تعتمد على قارورات غاز البوتان المميع في الطهي والتدفئة خاصة في الشتاء الذي تعرف فيه هذه المناطق برودة شديدة، مما عرض أرواح الكثير منهم إلى خطر حقيقي جراء استنشاق الغازات المحروقة، غير أن الخطر الأكبر هو سلسلة الانفجارات التي تسببت فيها هذه القارورات لعوامل كثيرة أدت إلى وقوع ضحايا بالجملة مع خسائر مادية معتبرة.

لا تزال المئات من العائلات والأسر القاطنة بالمناطق النائية والمهمشة عبر ولايات الوطن، تعتمد على استخدام قارورات غاز البوتان، أين تقدر المصالح المعنية عدد قارورات الغاز عبر الوطن بأكثر من 20 مليون قارورة، وبدأت تتراجع هذه الأرقام في السنوات الأخيرة التي توسعت فيها عملية الربط بالغاز الطبيعي في المناطق النائية.

وباتت هذه القارورات تهدد حياة أعداد كبيرة من سكان الظل، جراء انفجارها أو التسربات الناجمة عنها، فيما يأتي استعمالها الدائم بالنظر إلى انعدام مادة الغاز الطبيعي وضعف عملية ربط مساكنهم بهذه المادة الأكثر من ضرورية، أين بات المواطنون يعانون الويلات لاضطرارهم في كل مرة للاستنجاد بقارورات غاز البوتان، الأمر الذي أصبح يهدد أرواحهم وممتلكاتهم لما لها من خطورة في حال الغفلة عن تغييرها أو تجديدها لدى المصالح الوصية.

وأصبح هؤلاء المواطنون مجبرين على التعامل اليومي معها، خاصة في فصل الشتاء الذي يتزايد الطلب فيه على مادة الغاز لتوفير الدفء، مع وجود عجز كبير في نقاط بيع هذه القارورات، مما دفع بهذه العائلات لتوجيه دعوات لإحصائهم ودعمهم بخزانات البروبان مؤقتا إلى حين تسجيل مشاريع الربط بغاز المدينة، لتخليصهم من الانشغال بصفة نهائية، فيما تدعو شركة نفطال مع حلول كل فصل شتاء المواطنين لتوخي الحذر ولملء القارورات الفارغة ومعاينتها على مستوى نقاط البيع تفاديا لأي حادث.

  

حوادث انفجار سببها قارورات الغاز عبر العديد من الولايات

تسجل الجزائر، ومنذ سنوات عديدة، حوادث كثيرة سببها قارورات غاز البوتان، مما أودى بحياة الكثير من المواطنين نتيجة قوة الإنفجارات وتأثيرها حتى في الوسط الحضري.

ويبقى حادث ولاية وهران، منذ أربع سنوات تقريبا، أهم تلك الحوادث التي انفجرت فيها أكثر من 100 قارورة غاز بوتان بمستودع وسط المدينة، مما أودى بحياة طالبة جامعية في الـ 38 من العمر، أين أرجعت المصالح المختصة السبب إلى سوء التخزين.

ومنذ شهر تقريبا، شهد مسكن أرضي بقرية سيدي علي شارف ببلدية زايد بولاية سكيكدة، حادث انفجار سببه قارورة غاز، أودى بحياة ثلاثة أشخاص.

فيما تسبب انفجار قارورة غاز أخرى، منتصف سنة 2021، في وفاة طفلة وإصابة 5 أشخاص آخرين بجروح بحي عبوشة في بلدية جامعة بالمغير بولاية الوادي، هذه الولاية عرفت حادثة أخرى بعد أسبوعين فقط، حين لقي طفل مصرعه إثر حادث انفجار قارورة غاز بقرية الزقم دائرة الدبيلة ولاية الوادي، خلف حريقا داخل حاوية حديدية لبيع الدواجن، مما أسفر عن وفاة طفل يبلغ من العمر 13 سنة وجد متفحما في عين المكان، أين تدخلت فرق الإطفاء بسرعة وتمكنت من استخراج قارورة غاز أخرى كانت مشتعلة وعلى وشك الانفجار.

وتبقى هذه الحوادث عينات فقط من مئات الحوادث التي تسجل سنويا عبر الوطن، وتسقط خلالها أرواح العشرات بسبب نقص التوعية أو سوء استغلال قارورات الغاز أو قدمها.

  

المجمع يضخ 750 ألف قارورة غاز جديدة في السوق الوطنية

  

صرح مدير فرع غاز البترول المميع على مستوى نفطال بالمحمدية، بالجزائر العاصمة، السيد ياقيير رشيد، أن قارورة غاز البوتان ليس لها صلاحية معينة مادامت تنطبق عليها شروط السلامة، وذلك بعد اختبارها وإعادة تهيئتها كل خمس سنوات حسب القانون، وفي حال كانت صالحة للاستعمال تستخدم بشكل طبيعي، أما إذا كان العكس مع وجود خلل ما، فيمنع تسويقها للمواطن ويتم إتلافها آليا.

ويضيف محدثنا “يتم كل عام ضخ 500 ألف قارورة جديدة في السوق وحوالي 250 ألف أخرى يتم تغييرها أو تصليحها، أما التي بها عيب أو خلل ما لمختلف الأسباب، سواء استقبلتها مصالحنا من طرف المواطن أو عن طريق نقاط البيع، فترسل لاحقا للشركة الخاصة بالتصليح وإنتاج القارورات الجديدة، حيث يبلغ العدد الإجمالي الموزع من القارورات الجديدة حوالي 750 ألف في السوق الوطنية كل عام.

ويضيف أيضا بأن القارورة لوحدها لا تتسبب في الاختناق أو الانفجار، بل هناك عوامل تدفع إلى مثل هذه الحالات، وهي كما يعرف بمثلث الاحتراق المتمثل في الهواء، بالإضافة إلى الشرارة الكهربائية أو الشعلة وأخيرا تسرب الغاز، فيما يجب أن تجتمع هذه العوامل أيضا ليحدث ما يعرف بالانفجار لا قدر الله.

فالقارورة قبل تسويقها يتم مراقبتها وتجريبها أولا تفاديا لأي حادث، أين يتواجد في السوق ما يتعارف عليه بمخفض ضغط غاز البوتان، والذي قد يكون سببا في ذلك في حال عدم تطابقه مع قارورة الغاز، وقد لا يكون المواطن على علم بأنه في حال قام بالضغط بمفتاح الربط  بشكل قوي واستمر، فإن ذلك يؤدي إلى تآكل لجلد الصنبور، مما يحدث تسربا للغاز وليس من القارورة في حد ذاتها.

ويبقى التأكيد كبيرا على أن الاستعمال العقلاني والسليم لقارورة الغاز، وبالمواصفات المعمول بها، يجنب وقوع الحوادث بشكل مؤكد.

من جهة أخرى، أكد مدير فرع الغاز المميع بنفطال بأن القوافل التحسيسية من مخاطر الغاز والاستعمال السليم للقارورات وغيرها، لم تتوقف أبدا عبر كل التراب الوطني، وآخر هذه القوافل تلك التي حلت بولاية جيجل حول سوء استعمال قارورة الغاز، وتستمر جولتها عبر كامل التراب الوطني، حيث نقوم من خلالها بتوعية المواطن بكل ما يتعلق بقارورة الغاز ومخفضات الضغط، وكيفية التعامل مع حادث استنشاق الغاز المنبعث من الأنبوب أو الموقد “طابونة”، وهي مبادرة سنوية نطلقها في كل من ولاية معينة باتجاه باقي التراب الوطني.

وعن المناطق التي تغيب فيها هذه المادة الحيوية، قال محدثنا أن مصالحه وبالتنسيق مع السلطات المحلية، تقوم بإحصاء المناطق التي تغيب فيها نقاط البيع بالإضافة للعائلات التي لم يتم ربطها بعد بالغاز الطبيعي، أين يتم تخصيص نقاط تجميع وتخزين القارورات وغالبا ما تكون في حظائر البلدية، ويتم منح الكمية المطلوبة حسب احتياجاتهم ومتطلباتهم، زيادة على وضع مخزون معتبر في المناطق التي يحتمل أن تعزل بفعل الثلوج الكثيفة أو التقلبات الجوية، ويستعمل هذا المخزون في الحالات الاستثنائية أو الطوارئ لحين فتح الطرقات وتمكنهم من إيصالها.

أما العملية الثانية فتمس خزانات البروبان، أين يتم ربط المساكن القريبة من بعضها البعض بالخزان في المناطق المصنفة على أنها مناطق ظل، مع تسديدهم لسعر تحفيزي ورمزي لا يتجاوز 12 ألف دينار جزائري سنويا، ومتابعة هذه الخزانات تتم عن طريق تقنيين في نفطال يراقبون كمية الغاز بها وإعلام المشرفين على تزويد السكان بالغاز في حال نفاد الكميات المخزنة، حيث قامت نفطال، خلال العام الفارط 2021، بربط 649 عائلة بـ 179 خزان و 606 مدرسة بـ 570 خزان بإجمالي بلغ 749 خزان.

وفيما تعلق بتوفير قارورات غاز البروبان في المناطق التي يصعب التنقل فيها بفعل صعوبة المسالك، قامت الشركة بتخصيص بطاريات قارورات غاز البروبان بسعة 35 كلغ، مع ربط 71 عائلة بـ 590 قارورة و299 مدرسة، بإجمالي 3441 قارورة بين المدارس و العائلات.

بينما تم وضع 3 مدارس ببلدية إيراقن حيز الخدمة وهي منطقة معزولة وتقع بولاية جيجل، حيث استفاد من العملية 38 قسم و3 مطابخ، والعملية استفاد منها 980 تلميذا، بالمقابل أعطانا الوالي برنامجا لربط 105 مدارس أخرى في ذات الولاية، كما سيتم ربط 39 عائلة بولاية تيارت والعملية لازالت مستمرة لإيصال هذه المادة لباقي الأسر التي تغيب عنها.

“طريقة تسويق القارورات ودحرجتها تتسبب في هشاشتها”

من جهته أكد عز الدين شنافة، رئيس جمعية حماية المستهلك بولاية سطيف، أن قارورات غاز البوتان التي يعتمد عليها معظم المواطنين المحرومين من الغاز الطبيعي في مختلف أرجاء الوطن، خاصة في أيام البرد والشتاء، تتزامن أيضا مع كثرة حوادث انفجار هذه القارورات وارتفاع الوفيات، ونظرا لهذه المخاطر، فإن جمعية حماية المستهلك حذرت في أكثر من مرة عبر مراسلات مختلف الجهات الوصية من هذه المخاطر.

فيما استغرب نائب رئيس جمعية حماية المستهلك تداول قارورات لغاز البوتان في الأسواق المحلية يفوق عمرها الـ 20 عاما، حتى أن شكلها صار مختلفا للغاية جراء الارتطام المستمر بالأرض، إضافة إلى تغير لونها بفعل العوامل الطبيعية.

وقال المتحدث أن هذه القارورات هي السبب في عدة حوادث كالانفجار والتسرب بسبب هشاشتها، زيادة على طريقة التعامل معها، فطيلة سنوات يعتمد أغلبية المسوقين على رميها من أعلى الشاحنة إلى الأرض والعكس صحيح، فيما يقوم المستهلكون بدحرجتها بدلا من حملها أو وضعها في أماكن غير ملائمة، وبذلك تفقد الحماية اللازمة، أين يجب تجديد هذه القارورات ومراقبتها بشكل مستمر حتى نتفادى مثل هذه الحوادث، إضافة إلى تكثيف حملات التوعية والتحسيس.

“دور الجمعيات فعال في تزويد الأسر بقارورات الغاز”

تقول نجاة بن يحي، الناشطة بجمعية نهر النجاة، أن ما يقدمونه من خدمات لمناطق الظل من خلال تزويدهم بقارورات غاز البوتان، يبقى من صميم عمل واهتمامات الجمعية، وهذا انطلاقا من استعارتها مرورا بتعبئتها وإيصالها للأسر المحتاجة لهذه المادة الضرورية، سيما وأنهم يعيشون في ظروف جد صعبة.

وأعطت مثالا حول بلدية الرحبات بولاية باتنة، التي تعد من أفقر المناطق على مستوى الولاية، كونها تفتقر إلى التغطية الشاملة بمادة الغاز الطبيعي، ونظرا لظروفهم المعيشية الصعبة، فإنهم عجزوا حتى عن دفع مستحقات توصيل أنابيب الغاز وتركيب العدادات، ناهيك عن صعوبة المسالك لكون جل العائلات معزولة ويقطنون في سفوح الجبال، إلى درجة أن الجمعية بدورها تعاني في سبيل بلوغ هذه المناطق من أجل تقديم المساعدات، خصوصا وأن المنطقة معروفة ببرودتها الشديدة شتاء.

كما تقوم الجمعية بحملات متواصلة لتزويد العائلات بقارورات الغاز والمدافئ، لمساعدتهم على تحمل ظروف الحياة الصعبة.

مصالح الحماية المدنية تبرمج حملات تحسيسية واسعة

من جهة أخرى، تتأسف “الخبر” لعدم حصولها على الإحصائيات الرسمية لعدد الإنفجارات التي تسببت فيها قارورات غاز البوتان وعدد الضحايا والمصابين الذين تخلفهم هذه الحوادث، وهذا بسبب إصابة المسؤول عن هذا الإحصائيات بفيروس كورونا.

وفي إطار العمل الوقائي والتوعوي السنوي، وتطبيقا للبرنامج المسطر من طرف مصالح الحماية المدنية عبر التراب الوطني، أكدت ذات المصالح أنها برمجت حملة وطنية تحسيسية للوقاية من خطر التسمم بغاز ثاني أكسيد الكربون وخطر الاستعمال السيئ لقارورات غاز البوتان.

وفي هذا الإطار، يقوم أعوان الحماية المدنية في كل ولاية بتقديم شروحات، بالإضافة إلى الإجراءات الوقائية المتخذة لتفادي مختلف الحوادث، مع تقديم نصائح وإرشادات وكذا التصرفات الصحيحة في حالة تم تسجيل مثل هكذا حوادث، وكذلك وحول الوقاية من مختلف الأخطار الناجمة عن الاستعمال السيئ وغير السليم لمعدات التدفئة بمختلف أنواعها، وخاصة الاختناق بغاز أكسيد الكربون أو يسمى بالقاتل الصامت.