يقولُ الرئيسُ الكوبي الراحلُ فيديل كاسترو، ذو الخبرة الطويلة في مقاوَمة الهيمنة الأمريكية: “الأحداثُ تبرهن بشكل لا يُدحَضُ أنه بعالم اليوم، حيث تسود العولمة، ليست هناك ضمانة لأمن أي بلد. يمكن أن يتكرر بالأمم المتحدة ألف مرة ومرة الرفض بالإجماع للحصار الاقْتصَادي المفروض على كوبا، أَوْ أيَّة أمور أخرى مثل التأييد لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، ولكن هذا الحق أَوْ أي حق آخر لا يتطابَقُ ومصالحَ الإمبراطورية الأمريكية لا مجال لبقائه”.

الأمم المتحدة كمنظمة عالمية، جاءت في مرحلة انهيار النظام الاستعماري ونشاط حركات التحَــرّر الوطني، لتفرضَ شكلَ تنسيق دولي يعكسُ ويضمن حقوقَ الشعوب في نضالاتها الصاعدة، رغم بقاء حق النقض الفيتو للدول المهيمنة اقْتصَادياً ونووياً، كأحد أشكال التعبير عن عدم المساواة بين الشعوب وشريعة والغاب، ما يجعل المنظمة غير ديمقراطية. وقد تشكّل مجلس الأمن الدولي كمُؤسّسة تابعة للأمم المتحدة؛ من أجل ترسيخ الأمن والسلم الدوليين كمهمة أناطتها بها الدولُ الأعضاء، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة؛ ولأن منطق الصرع هو فعلياً ما يحكم العالم لا المُثُل ولا قيمة للمُثُل بدون قوة تحميها، فهناك دولٌ تخل بالسلم الدولي، كأمريكا التي توطّدُ مصالحها الاستعمارية في العالم باستخدام عصا مجلس الأمن.

المجلسُ.. من حفظ الأمن إلى عصا الرعب الأمريكية

ظهر الولايات المتحدة الأمريكية كقوى عظمى من بعد الحرب الباردة، وتراجع الاتحاد السوفياتي، فارضة على العالم نظام الأحادية القُطبية، تدير العالم وفق مصلحها، متدخلة لتطويع المنظومة الدولية، التي تتكفل بدفع أكبر قدر من المساهمات المالية والدعم العسكري، ومن خلال الشرعية الدولية والديمقراطية وحقوق الإنْسَـان التي تتخذ منها غطاءً على نزعتها الشيطانية في احتلال شعوب العالم والاستحواذ على ثرواتها دون أية مشروعية قانونية دولية.

وتُعد الهيمنة الأمريكية على مجلس الأمن، بتوجيه قراراته أَوْ احباطها أَوْ انتزاعها، أَوْ القيام بممارسات دولية خارج مشروعيتها، هي السببَ الرئيسيَّ لعجز المجلس عن معالجة القضايا الدولية وإقرار السلم والأمن الدوليين، وتأريخ مجلس الأمن الدولي مليء بالتدخلات والخروقات الأمريكية، مما جعل من المجلس فعلياً خادماً للمصالح الاستعمارية الأمريكية والغربية، وأداة لتغطية جرائمها، وحماية الرغبة الأمريكية والصهيونية والأطلسية، في ارتكاب الجرائم بحق الشعوب وشرعنه التدخلات في الدول التي ترفض الهيمنة الأمريكية وسياستها المعادية للشعوب.

حروبُ أمريكا الأَخيرة في ظلال مجلس الأمن (أفغانستان، العراق، ليبيا، سوريا، اليمن)

منذ بداية الألفية الجديدة، حتى الوقت الراهن قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالعديد من الحروب العدوانية الإجرامية بحق الشعوب، إما باستصدار قرارات من مجلس الأمن، أَوْ في ظل تجاهل مجلس الأمن لخروقات أمريكا بشنها حروباً عدوانيةً في منطقة الشرق الأوسط والأدنى (العالم العربي)، ابتداءً من عدم تحرك الأمم المتحدة إزاء غزو العراق للكويت في العام 90، حيث كان هذا الصمت من قِبل الأمم المتحدة بمثابة الإذن والضوْء الأخضر للتواجد الأمريكي العسكري تحت ذريعة تحرير الكويت من الغزو العراقي بشن حملة “عاصفة الصحراء” وإظهار نفسها كشرطي العالَم لفرض السلم نيابةً عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

 كما يظهر دور مجلس الأمن في منح صكوك للعدوان الأمريكي الأطلسي على أفغانستان في العام 2001م، حيث أعلن الرئيسُ الأمريكي بوش حرباً على الإسْــلَام وقال كلمته المشهورة (مَن لم يكن معنا فهو ضدنا) تحت ذريعة ما يسمى مكافحة الإرهاب.

كما تجاهل مجلس الأمن الغزوَ الأمريكي الأطلسي على دولة العراق في العام 2003م، حينما عجزت أمريكا عن استصدار قرار يبيح هذا الغزو.

كما استغلت قوى الاستكبار العالمي وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل مجلسَ الأمن في استصدار القرار 1559 في أيلول من العام 2004 لإخراج القوات السورية من لبنان وتجريد المقاومة الوطنية والإسْــلَامية اللبنانية من سلاحها، والذي يأتي في سياق مشروعها في الشرق الأوسط.

وفي ذات السياق عملت أمريكا على استصدار القرار 1664 في العام آذار 2006، بشأن التحقيق في قضية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري، والذي كان القصد منه اتهامَ سوريا، وملاحقتَها دولياً، في خطورة متقدمة لاستهدافها واباحتها أمام التدخلات الغربية، حيث كانت صلاحية القرار ولجنة التحقيق تحت قوة بند الفصل السابع.

استصدرت أمريكا وحلف الأطلسي قرار من مجلس الأمن الدولي برقم 1973 في مارس 2011م ينُصُّ على فرض عقوبات على حكومة القذافي كان على رأسها حظر الطيران وحظر توريد السلاح، لاتهامه بقمع المتظاهرين، وقد كان هذا القرار يمثل الغطاءَ والمبرر لغزو ليبيا وإدخالها في دائرة الفوضى وإثارة الحروب الداخلية وتقسيم ونهب ثرواتها، وارتكاب أبشع الجرائم فيها وما زلت ليبيا تعاني من الفوضى وانتهاك السيادة حتى الآن.

المجلسُ في الصف الأمريكي الإسرائيلي ضد حقوق الشعب العربي

إن أول ما يرتبط في الوعي العالمي والعربي، حول عدم مصداقية مجلس الأمن وانحيازه للصف الاستعماري، هي مظلومية الشعب العربي الفلسطيني، واستخدام أمريكا حقَّ النقض الفيتو لحماية الكيان الصهيوني من المحاكمة الدولية، وتجاهُل المجلس لرفض إسرائيل تنفيذه، وكان أولُ قرار ظالم من مجلس الأمن، أباح مشاريع الحركة الصهيونية الاستعمارية في احتلال الأراضي العربية، وهو القرار رقم 181 عام 1947م، والذي قضى بتقسيم فلسطين العربية، إلى دولتين عربية وإسرائيلية، ومكّن الحركة الصهيونية من إقامة كيانها الاحتلالي الغاصب، وغفر لهم جرائم القتل والتشريد بحق السكان الأصليين من العرب الفلسطينيين، وما زالت جراحاتُ مجازر “دير ياسين” و”كفر قاسم” حاضرةً الى اليوم، هذا القرار مكّن الحركة الصهيونية من إقامة دولة إسرائيل في حدود 48، وفي ذات الوقت عجز هذا القرار عن وقف الاحتلال الاستيطاني الصهيوني وتدخلاتها العسكرية وعدوانها المُستمر الذي موضوعياً منع الفلسطينيين من إقامة دولتهم الفلسطينية المُستقلة في النصف الآخر من الأرض بعد تقسيمها، كما عجز مجلسُ الأمن في تنفيذ القرار الصادر عن هيئة الأمم المتحدة رقم 194 الصادر بتأريخ 29/11/1948م والمتعلق بحق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.

وفي ذات السياق أتى القرارُ 738 الذي أصدره مجلسُ الأمن، في موضوع اتهام الجماهيرية الليبية بالضلوع بتفجير طائرة بان أمريكان فوق اسكتلندا، لفرض العقوبات الدولية ضد الشعب الليبي بتأثير الضغط الأمريكي البريطاني على المجلس.

كما فشل مجلسُ الأمن في تنفيذ العديد من القرارات ومن أبرزها القرار 242 لعام 1967م الذي قضى بانسحاب الكيان الصهيوني من الأراضي التي احتلها إسرائيل في ذلك العام، وهي قطاع غزة، وسيناء من مصر، والضفة الغربية من نهر الأردن ومرتفعات الجولان من سوريا، وفي الترجمة الإنجليزية ذكرت كلمة “أراضي” بدون لام التعريف لتزيدَ من غموض القرار، وكذلك القرار 338 لعام 1973م، المتعلق بوقف إطلاق النار، وكذلك القرار الخاص باحتلال العدو لأرض لبنانية الرقم 425 الصادر في شهر آذار عام 1978. كما منعت أمريكا مجلس الأمن الدولي من إصدار قرار يدين العدوان الصهيوني على قطاع غزة أواخر عام 2008م.

أمريكا تتعهّدُ بمعاقبة الدول التي صوّتت ضد الصهيونية

وسبق لأمريكا وعملت عبر ممارسة الضغوطات على العديد من دول العالم، لإلغاء القرار 3379 الصادر في عام 1975م عن هيئة الأمم المتحدة، والذي يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، والذي تم تبنّيه بأغلبية 72 صوتاً مقابل 25 صوتاً وامتناع 32 دولة عن التصويت” ولكون القرار يعارض إرادة الولايات المتحدة الأمريكية، فقد توعدت هذه الأَخيرة على لسان “كسينجر” بتأديب الدول التي صوتت لصالح القرار بتصريحه: “إن الولايات المتحدة ستفكّر في إجراءات فعّالة على أساس فردي ضد الدول التي صوتت لصالح القرار”. (1) هذا وتم حيث تمّ إلغاء هذا القرار في عام 1991م.

أمريكا تعاقبُ الأمين العام للأمم المتحدة!

حينما شن العدو الصهيوني العدوان على جنوب لبنان في أبريل من العام 1996 وارتكَب مجزرة قانا، قدم على إثرها الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك ((بطرس غالي)) تقريراً إلى مجلس الأمن يحمّلُ فيه إسرائيل مسؤولية قتل حوالي 100 مدني لبناني إثر قصفها لموقع دولي لجأ إليه المدنيون اللبنانيون، ورغم أن التقرير تجاهل كُلّ المجازر الإسرائيلية وركز فقط على المدنيين الذين قتلهم العدو في موقع دولي، على الرغم من ضعف التقرير بشكلٍ عام “إلا أنه أَدَّى إلى سخط وغضب إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، ما أَدَّى بواشنطن إلى الاعتراض على الولاية الثانية لبطرس غالي، إذ أعلن الرئيس كلينتون لدى استقباله بطرس عام 1996م رفض بلاده ترشيح بطرس غالي لولاية ثانية”(2) لتعاقبه على فعلته تلك، ولتقول بصراحة لأي مسئول أممي أن تعاطيه مع دماء الضحايا العرب وإتهام إسرائيل خط أحمر لا يُستحب تجاوزه.

الهيمنة المالية على الأمم المتحدة

قبل أن يُعلن أي أمين عام للأمم المتحدة عن مشروع عمل المنظمة وعن أية خطة سلام يضطر لعرضه على مندوب الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن، وعلى وزارة الخارجية الأمريكية لتوافق عليه وتكون ملائمه للأهداف الأمريكية، كي يضمنَ حصة الأمم المتحدة من دعم الكونجرس الأمريكي، وتسديد المتأخرات المالية للأمم المتحدة التي تفوق ثلاثة مليارات دولار عند الدول الأعضاء، وإنفاق الأمم المتحدة يرتفع مع زيادة نشاطها من اجل حفظ الأمن والسلم الدوليين، والمساعدات الإنْسَـانية، وتقف الولايات المتحدة الأمريكية على قائمة الدول التي لم تسدد التزاماتها للأمم المتحدة، والتي تبلغ مليارَ دولار، مما يشكل عجزاً كبيراً في ميزانية الأمم المتحدة، وكان تراجُعُ الأمم المتحدة عن إدراج المملكة العربية السعودية في القائمة السوداء لمنتهكي الطفولة، يعودُ إلى ابتزاز السعودية -حليف الأمريكي- بوقف دعمها لأنشطة الأمم المتحدة، وهوَ الأمرُ الذي كشفَهُ الأمين العام السابق للأمم المتحدة ((بان كي مون)). وهذه الوضعيةُ الأمريكية المسيطرة على الأمم المتحدة تعرقل ولدرجة كبيرة إمكانياتها في مواجَهة التحديات التي تواجهها البشرية كالزيادة السكانية والفقر والكوارث البيئية ومكافحة الأوبئة، وما زالت قرارات دولية عديدة وفي أماكن توتر خطيرة في العالم تنتظر التنفيذ منذ عقود عدة.

ـــــــــــــــ

المراجع

مقال بعنوان: الإرادة الفولاذية.. قائد الثورة الكوبية فيديل كاسترو 16 /10/ عام 2011 م

 مقال بعنوان: مجلس الأمن الدولي والارتهان للسياسيات الأمريكية.. فـــؤاد دبـــور

كتاب بعنوان: قراءة في الدور السياسي للأمم المتحدة، للكاتب محمد الخضر: دار حازم للطباعة والنشر دمشق 2001م

 رسالة ماجستير بعنوان: الهيمنة الأمريكية على مجلس الأمن تجاه قضايا المنطقة العربية بعد الحرب الباردة.. غزة مصطفى محمد أحمد.. جامعة الخرطوم.. كلية الاقْتصَاد والدراسات الاجتماعية 2004م

الهوامش:

•           (2) من دراسة بعنوان: الدور السياسي للأمين العام للأمم المتحدة.. للأستاذة ليتيم فتيحة.. مجلة العلوم الإنْسَـانية.. العدد 8، 2005م جامعة محمد خضير بسكره.. دولة الجزائر.

رابط المقال الأصلي