قضايا سياسية

قراءة شاملة في استراتيجية الاتحاد الأوروبي في حقبة القوة الذكية

مفهوم القوة هو أحد أهم المفاهيم في العلاقات الدولية والمفسر الأساسي الذي يمكن الاعتماد عليه في فهم التفاعلات الدولية والمواقف التي تتخذها الفواعل المختلفة. وتظهر أهميته كذلك في فهم الصراعات الدولية وكيفية تجاوب الأطراف فيها بناءًا على قوتها المادية والمعنوية. تطور مفهوم القوة وتعددت اتجاهاته على مر التاريخ فيما بين القوة العسكرية والقوة الاقتصادية والقوة على الاقناع والتأثير حتى العصر الحديث وبزوغ التكنولوجيا الحديثة وتأثيرها على مفهوم القوة سواء كانت المادية أو المعنوية.

كان المفهوم التقليدي للقوة هو مفهوم القوة الصلبة بما يشمل القوة العسكرية والقوة الاقتصادية بالأساس والذي تبنته المدرسة الواقعية وتم فهم التفاعلات الدولية من خلاله لفترات طويلة. ويعتمد بالأساس على مقدرات الدولة المادية وقدرتها على توظيفها لإجبار خصومها على اتباع ما تنشده وبالتالي تحقيق أهدافها ومصالحها.

وعلى الصعيد الآخر،  تبنى آخرون مفهوم القوة الناعمة على أنه المقوم الأهم من مقومات القوة. تعتبر القوة الناعمة أحد أهم مكونات القوة التي تستند عليها الفواعل الدولية المختلفة. ولعب مفهوم القوة الناعمة منذ تقديم جوزيف ناي له دورا هاما في السياسة الخارجية الأمريكية. ولكنه بعد ذلك توسع المفهوم بشكل كبير واعتمدت عليه الدول بشكل أكبر وأصبحت ركنا من أركان القوة لكثير من الدول التي تسعى لخلق مكان لها على الساحة الدولية فمنها الصين والهند وتركيا واسرائيل وغيرها من الدول. مع الأخذ في الاعتبار استمرار القوة الصلبة كعنصر أساسي للقوة بل إن امتلاك القوة الناعمة يلي القوة الصلبة (القوة العسكرية والاقتصادية) حيث أن القوة الناعمة تعتمد على جاذبية الدولة ولا يمكن لدولة ضعيفة أو متهالكة اقتصاديًا أن يكون لها جاذبية وتأثير على غيرها من الدول.

1ـ مفهوم القوة الصلبة:

يشير مفهوم القوة الصلبة إلى المفهوم التقليدي للقوة والذي يعرف القوة على أنها القدرة على فرض السيطرة على الآخرين عن طريق الإكراه أو الحوافز المادية. وتعتبر المصادر الأساسية للقوة الصلبة هي القوة العسكرية والقوة الاقتصادية.

لذا فإن القوة يمكن ممارستها وفقا لناي باتباع طريقة من ثلاثة إما بتهديدات الإكراه (العصا) أو التحفيز (الجزرة) أو عن طريق الجذب.فالطريقتان الأولتان يصنفان تحت مصطلح القوة الصلبة والأخيرة هي القوة الناعمة.

2-مفهوم القوة الناعمة:

يشير مفهوم القوة بشكل عام إلى القدرة على فرض السيطرة على الآخرين وجعلهم يفعلون ما قد لا يريدونه. ولأن القدرة على السيطرة ترتبط بامتلاك موارد معينة تتناول بشكل عام السكان والأرض والموارد الطبيعية وحجم الاقتصاد والقوات المسلحة والاستقرار السياسي.و لعل الاختبار التقليدي للقوة كان يتمثل في قوتها على تحقيق الانتصار في الحروب. ولكن هذا المفهوم تغير اليوم بشكل كبير ولم يصبح يركز على القوة العسكرية والقدرة على الغزو والاحتلال كما كان في الفترات السابقة وانتقل التركيز لمصادرالقوة الحديثة كالتكنولوجيا والتعليم والنمو الاقتصادي والتي اعتبرت جوهرية في تقدير القوة الدولية.

يشير مفهوم القوة الناعمة كما عرفه ناي إلى انه اتجاه أكثر جاذبية لفرض القوة يختلف عن الوسائل التقليدية. فالدولة تستطيع تحقيق الأهداف التي تسعى إليها في السياسة الدولية لأن غيرها من الدول ترغب في أن تتبعها أو لأنها ارتضت وضع معين يصنع مجموعة من النتائج المترتبة والتي تستهدفها الدولة التي تمارس قوتها. وهذا يحدث عندما تستطيع الدولة جعل غيرها من الدول يرغب في ما ترغبه هي “to want what it wants” . وترتبط القدرة على التأثير على الاخرين وتوجيه رغباتهم وتحديدها بمصادر معنوية أو غير مادية للقوة كالثقافة والايدلوجية والمؤسسات.

وتعرف القوة الناعمة كذلك بالـ “Co-optive power” والتي تعني قدرة الدولة على خلق وضع يفرض على الدول الأخرى أن تحدد تفضيلاتها ومصالحها بشكل يتفق مع هذا الإطار الذي تم وضعه أو بمعنى أخر أن تقوم هي بوضع أولويات الأجندة الداخلية لغيرها من الدول. وأكد ناي كذلك على عنصر الجاذبية الذي تعتمد عليه القوة الناعمة فالقوة الناعمة تعنى لديه القدرة على تحقيق أهداف معينة عن طريق الترغيب والجاذبية لا الترهيب والإكراه.  وتعتمد القوة الناعمة على عنصريين أساسيين هما المصداقية والشرعية كقاعدة لها.

ويوجد تعريف آخر لجين لي “Geun Lee” بحيث يشير أن القوة الناعمة هي القدرة على خلق التفضيلات والصورالذهنية للذات عن طريق المصادر الرمزية والفكرية والتي تؤدي إلى تغيرات سلوكية في أفعال الأخرين. لذا يمكن القول أن هذا التعريف للقوة الناعمة يعتمد على مصادرها.

3-مفهوم القوة الذكية:

يعتبر مفهوم القوة الذكية ليس مفهومًا جديدا أو مبتكرًا وإنما هو نتاج الجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة معًا ولكن وفقا لاستراتيجية محددة تجمع بينهم. ويعرف ارنست ويلسون القوة الذكية على أنها قدرة الفاعل الدولي على مزج عناصر القوة الصلبة والقوة الناعمة بطريقة تضمن تدعيم تحقيق الأهداف الفاعل بكفاءة وفعالية. ويحدد هذا التعريف مجموعة من الشروط الإضافية التي يجب توافراها لتحقيق القوة الذكية:

  • الهدف من ممارسة القوة فالقوة لا يمكن أن تكون ذكية دون أن يعرف ممارسوها الهدف من استخدامها والشعوب والمناطق المستهدفة من هذه القوة.
  • الإدراك والفهم الذاتي للأهداف بالاتساق مع القدرات  الإمكانيات المتاحة فلا يمكن للقوة الكية أن تعتمد على الأهداف دون تحديد عنصري الإرادة والقدرة على تحقيقها.
  • السياق الإقليمي والدولي الذي سيتم في نطاقه تحقيق الأهداف.
  • الأدوات التي سيتم استخدامها بالاضافة إلى وقت وكيفية توظيفها منفصلة أو مع غيرها.

فالفاعل بحاجة إلى إدراك مخزون الدولة من الأدوات والإمكانات ونقاط القوة ونقاط الضعف  القيود على مقدرات القوة. فالقوة الذكية ليس فقط امتلاك المصادر الناعمة والصلبة والمزج بينهما بل القدرة على تحديد وقت استخدامها وأي نوعي القوة يفضل استخدامه في الموقف والقدرة على تحديد متى يتم الدمج بينهما وكيف يتم الدمج. فالاتجاه المركب لتفسير القوة من خلال القوة الذكية يعنى التعامل مع عناصر القوة الناعمة والصلبة ليس على أساس كونهم منفصلين بل على التعامل معهم ككل والتعامل مع التداخل القائم بينهما.

تعتمد القوة الذكية أو ما يسمى  «القوة الناعمة 2.0» على إحداث تقدم في التوظيف الأمثل للقوتين الصلبة والناعمة، في ضوء استراتيجيات منطقية تتناسب مع هاتين القوتين. وحول كيفية بناء استراتيجية مثلى لتطبيق القوة الذكية، يشير جوزيف ناي إلى خمسة متطلبات كما يلي: أولا: تحديد المصالح الوطنية العليا. ثانيا: حصر الموارد الذاتية المتوافرة: المادية والمعنوية ودراسة كيفية تعاظمها وأيضا كيفية استخدامها على أرض الواقع. ثالثا: الربط الدقيق بين الموارد والتفضيلات وتحقيق المصالح الوطنية. رابعا: الاختيار الأمثل لنوع القوة وكيفية ممارستها لتحقيق المصالح الوطنية المتنوعة. ويمكن التنوع بين الممارسات والسياسات المختلفة أو الجمع بينها. خامسا وأخيرا: توافر وجود مجموعة عقول تعمل على ممارسة عملية تقييم دائم للقوة الذكية.
بلغة أخرى، تعنى القوة الذكية كيف يمكن الاستمرار في امتلاك «سر الاختراع» والاحتفاظ بالمبادرة وتهيئة المناخ لديمومة الإبداع وأهمية إدراك أن انطلاق هذه القوة يحتاج إلى قاعدة متينة من القدرة الحمائية والوقائية من جهة، ومن جهة أخرى ضرورة تطوير البنية التحتية للتعليم والصحة والثقافة والإعلام والنموذج التنموي بكل أبعاده وتفاصيله.

قدم جوزيف ناي مفهوم القوة الذكية في 2003 كرد فعل على المغالطة بشأن الفكرة السائدة أن القوة الناعمة يمكن ان تعمل وحدها لتحقيق أهداف السياسة الخارجية وضرورة الانتقال للمعنى الأوسع والأشمل للاستراتيجية وتطويرها لتشمل القوة الناعمة والقوة الصلبة معًا وذلك ليكون أكثر مواكبة للسياق والتطورات الدولية المختلفة بحيث لا يمكن الاستغناء عن أي ن نوعي القوة.

ولعل من أهم هذه العوامل التي دفعت للتوجه لمفهوم القوة الذكية تراجع القوة العسكرية كما سبق أن أشرنا من قبل. بالإضافة إلا أن الفصل بين القوة الناعمة والصلبة لم يصبح مقبولًا في السياق الدولي الحالي. علاوة على ظهور الفواعل غير الدولية التي استطاعت أن تدمج بين القوتين الناعمة والصلبة. كما أن عصر العولمة أصبح يفرض قيودا على طبيعة استخدام القوة والاستراتيجية التي يجب اتباعها لتحقيق المصالح والأهاف المنشودة في السياسة الدولية.

وذلك بسبب تغير طبيعة النظام الدولي وقضاياه وموضوعاته وليس فقط النظام الدولي بل تغير طبيعة السكان والشعوب والحاجة إلى استهدافهم بما يتناسب مع هذا التغير.كما أن كثافة المعلومات وسرعتها أصبح يخلق مناخًا مختلفًا من العلاقات الدولية بحيث أبحت المعلومات هي القوة فمن يملكها ويوظفها هو القادر على أن يفرض سيطرته فظهر لنا ما عرف بحرب الشبكات والحروب الإلكترونية كنتيجة لذلك.

كما أنه يمكن القول هناك تحول كبيرقد حدث لدول الثمانية العظمي من تحول في اقتصادها من اقتصاد صناعي إلى اقتصاد ما بعد صناعي أى أنها أصبحت تعتمد في قوتها على قدرة الدولة على خلق وتسخير المعرفة والمعلومات لزيادة قوتها. فقدرة الدول على أن يكون لها الابداع والابتكار قد تزيد من قوة الدولة بما يفوق ما قد تسببه زيادة القوات المسلحة. فالبرغم من أن القوة العسكرية ما زالت لها اهميتها ولكن تغير أهميتها النسبية من حيث كيفية استخدمها ودمجها مع الأصول غير العسكرية. لذا فهناك نقلة نوعية وتغير في طبيعة التأثير بين دول العالم.

أولا: مفهوم القوة الذكية وشروطها:

مفهوم القوة الذكية ليس مفهومًا جديدا أو مبتكرًا وإنما هو نتاج الجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة معًا ولكن وفقا لاستراتيجية محددة تجمع بينهم. ويعرف ارنست ويلسون القوة الذكية على أنها قدرة الفاعل الدولي على مزج عناصر القوة الصلبة والقوة الناعمة بطريقة تضمن تدعيم تحقيق أهداف الفاعل الدولي بكفاءة وفعالية. ويحدد هذا التعريف مجموعة من الشروط الإضافية التي يجب توافراها لتحقيق القوة الذكية :

1ـ الهدف من ممارسة القوة فالقوة لا يمكن أن تكون ذكية دون أن يعرف ممارسوها الهدف من استخدامها والشعوب والمناطق المستهدفة من هذه القوة.

2ـ الإدراك والفهم الذاتي للأهداف بالاتساق مع القدرات  الإمكانيات المتاحة فلا يمكن للقوة الكية أن تعتمد على الأهداف دون تحديد عنصري الإرادة والقدرة على تحقيقها.

3ـ السياق الإقليمي والدولي الذي سيتم في نطاقه تحقيق الأهداف.

4ـ الأدوات التي سيتم استخدامها بالاضافة إلى وقت وكيفية توظيفها منفصلة أو مع غيرها.

فالفاعل بحاجة إلى إدراك مخزون الدولة من الأدوات والإمكانات ونقاط القوة ونقاط الضعف  القيود على مقدرات القوة. فالقوة الذكية ليس فقط امتلاك المصادر الناعمة والصلبة والمزج بينهما بل القدرة على تحديد وقت استخدامها وأي نوعي القوة يفضل استخدامه في الموقف والقدرة على تحديد متى يتم الدمج بينهما وكيف يتم الدمج. فالاتجاه المركب لتفسير القوة من خلال القوة الذكية يعنى التعامل مع عناصر القوة الناعمة والصلبة ليس على أساس كونهم منفصلين بل على التعامل معهم ككل والتعامل مع التداخل القائم بينهما.

فليس هناك وصفة سحرية لتطبيق القوة الذكية ولم يحدد ناي استراتيجية محددة لخلق القوة الذكية وإنما وفقا للشروط السابقة يستطيع كل فاعل أن يحدداستراتيجيته ويرسم خطوطها الأساسية طبقا لثلاثية الأهداف والوسائل والسياق التي تحدد ما أسماه ناي (Grand Strategy) أو استراتيجية كبري تجمع بين أدوات القوة الناعمة والصلبة وتمثل القيادة السياسية والموقف الشعبي.

ثانيا: تحديات استخدام القوة الذكية:

يقدم أرنست ويلسون في دراسته عن القوة الذكية مجموعة من التحديات التي تقف في وجه استخدام القوة الذكية والقدرة على إنجاحها. وتنقسم هذه التحديات إلى تحديين (يمكن إضافتهم لتحدي الفهم الصحيح لما تعنيه القوة الذكية) التحدي الأول هو التحدي المؤسسي والتحدي الثاني هو التحدي السياسي.

1ـ التحدي المؤسسي:

يتمركز التحدي المؤسسي للقوة الذكية في الفجوة القائمة بين مؤسسات القوة الصلبة المتمثلة في المؤسسة العسكرية أو الجيش ومؤسسات الأمن التي تعتمد على استخدام الإكراه والإجبار وبين مؤسسات القوة الناعمة التي قد تدخل ضمن ميزانية الدولة في صورة مهملة او بدون إعطائها وزنها الحقيقي. فحجم مؤسسات القوة الصلبة أكبر بكثير من نظرائها للقوة الناعمة من حيث الحجم المؤسسي والرسوخ والثبات ناهيك عن ميزانية الدولة في كل منهما. فالتباين المؤسسي بين القوتين ينتج تعقيدات تتعلق بحجم المؤسسات ومكانتها وثقافتها المؤسسية وكل هذا بالطبع يؤثر في أدائها وبالتالي أداء القوة الذكية.

فهذا يعني بشكل أو بأخر أن مؤسسات القوة الناعمة تكون خاضعة إلى حد ما لمؤسسات القوة الصلبة كالمؤسسة العسكرية والمخابرات التي قد تحدد ما يفعل او ما لا يفعل على صعيد القوة الناعمة. كما أن الرسوخ والثقافة المؤسسية للمؤسسات الأمنية بشكل عام قد تمثل معوقا لأي تعاون قد يحدث بين مؤسسات طرفي القوة وهو ما يؤثر سلبيا وبشدة على تحقيق القوة الذكية بشكل مثمر.

لذا يمكن القول أن القدرة على إيجاد ترتيبات مؤسسية متوازنة يعتمد على رغبة القيادة السياسية للدولة على فهم مثل هذه التعقيدات ومحاولة التنسيق والموازنة بينهم بجانب تأييد من التجمعات السياسية لمثل هذا التوجه من القوة الذكية. 42

2ـ التحدي السياسي:

القوة الذكية لا تحتاج فقط إلا مؤسسات تدعمها وحسب بل تحتاج إلى قوة سياسية وإرادة من القيادة لتحقيقها. فالجانب المؤسسي يعتمد في إصلاحه بالأساس على مثل هذه القيادة الراغبة (willingness) . فغياب التوازن السياسي بين القوة الناعمة والقوة الصلبة تحدي أخر من تحديات القوة الذكية. فأنصار القوة الصلبة ومؤيديها أكثر قوة وحجمًا وتمثيلًا من أنصار القوة الناعمة وهذا لا يقتصر على النخبة السياسية للدولة بل يمتد لدوائر الجماهير والتأييد الشعبي لها. فالناخبون السياسيون عندما يختارون ممثل لهم فهم يفضلون التوجه الذي يعتمد على القوة الصلبة المرئية والملموسة التي يأخذها هؤلاء في الاعتبار ويعتبرونها رمزًا لقوة الدلة وتأثيرها ومقدرة على حماية مصالحها. فأنصار القوة الناعمة بين فئات المواطنين أقل بكثير من هؤلاء المؤيدين للقوة الصلبة وتقتصر التأييد والدعوة لهذا التوجه على فئات الأكاديمين والدبلوماسيين السابقيين فلا يوجد قوة شعبية توازن تلك التي تمتلكها القوة الصلبة.

الاتحاد الاوروبي و القوة الذكية:
يذكر الأستاذ الجامعي ماي كروس دافيد بجامعة جنوب كاليفورنيا أن إنشاء الخدمة الأوروبية للعمل الخارجي EEAS في ديسمبر 2010 يدل على الالتزام الأوروبي بالقوة الذكية، لأنه من شأنه أن يخدم القدرة الأوروبية على أن تكون أفضل استعدادا للأزمات، وأن يكفل اتساقا أفضل في السياسة الخارجية. وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية، في عام 2012، أنفق الاتحاد الأوروبي (الدول الأعضاء والمؤسسات مجتمعة) 55.2 مليار يورو على المساعدة الإنمائية الرسمية. وبالمقارنة، كانت مدفوعات الولايات المتحدة 30.5 مليار دولار في عام 2012.
وبالإضافة إلى هذه الإجراءات، فإن الخطب التي أدلى بها المسئولون الأوروبيون والسياسيون تبين أن الاتحاد في المستقبل لا يريد أن يكتفي بأن يكون قوة اقتصادية أو قيمية أو ناعمة. وقد أشار الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا هولاند، إلى أن “أوروبا يجب أن تتحمل مسئوليات سياسية أكثر في جميع أنحاء العالم. أوروبا، قوة اقتصادية كبيرة. ولكن لا تزال خجولا جدا لتأكيد مبادئها وإرادتها والتزاماتها بتسوية شئون العالم العظيمة”.
ومن الممكن أيضا أن نرى وجهات نظر وضع الاتحاد الأوروبي على الساحة العالمية للمستقبل في مختلف النصوص التي نشرتها المؤسسات الأوروبية. مثلا “مشروع أوروبا لعام 2030″، الذي أعده مركز البحوث في المجلس الأوروبي، ينص على أن “المواطنين الأوروبيين أشاروا إلى أنهم يريدون أن يتحمل الاتحاد الأوروبي مسئولية أكبر عن مصالحهم وقيمهم في العالم. […] يجب على الدول الأعضاء أن تفهم أن الاتحاد الأوروبي هو مضاعف للسلطة، والذي إذا ما استخدمها أكثر فأكثر، يسمح له بالوصول إلى الأهداف التي من شأنها أن تكون بعيدة عن متناوله”. أن “جذور المشكلة تكمن في التفاوت بين قدرات الاتحاد الأوروبي في المجالات التي يتمتع فيها بسلطة التصرف (الاقتصاد، والتجارة، والمعونة الإنمائية، وسياسة المنافسة) وفي الوقت نفسه، غياب عناصر مشتركة حقيقية في المجال الذي يتوسع فيه وهو السياسة الخارجية والامنية “.
وينص التقرير العام عن نشاط الاتحاد الأوروبي الذي نشرته المفوضية الأوروبية في عام 2012 على أن “سياسة الأمن والدفاع المشتركة وعملياتها الـ 15 في الميدان، تظل أداة مرئية وضرورية وملموسة في مجموعة الأدوات التي يمتلكها الاتحاد الأوروبي. وهي تعكس رغبة الاتحاد في التصدي للتحديات الأمنية الراهنة وقدرته على القيام بذلك. وفي سياق الطلب المتزايد على الاتحاد الأوروبي ليصبح لاعبا أكثر قدرة وتماسكا واستراتيجيا على الساحة الدولية، فإن هذه السياسة عنصر أساسي لنهج أكثر عالمية”.
وكانت النتائج التي توصل إليها المجلس الأوروبي في الفترة من 19 إلى 20 ديسمبر 2013 جديرة بالاهتمام. فللمرة الأولى منذ بدء نفاذ معاهدة لشبونة، عقد المجلس الأوروبي مناقشة مواضيعية بشأن الدفاع “الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ملتزمة بضمان مواصلة تطوير السياسة المشتركة للأمن والدفاع ذات المصداقية والفعالة وفقا لمعاهدة لشبونة والفرص التي تتيحها”. وتقرر” تعميق التعاون في مجال الدفاع عن طريق تحسين القدرة على القيام بالبعثات والعمليات والاستفادة الكاملة من أوجه التآزر لتحسين تطوير وتوافر القدرات المدنية والعسكرية المطلوبة”.
وباختصار، يعتزم الاتحاد الأوروبي زيادة صوته على المسرح الدولي وقت الأزمات. ولهذا الغرض، على الاتحاد أن يعزز مجموعة الأدوات التي يستخدمها بفعالية في هذا السياق. ويجب أيضا أن يؤدي دورا قياديا في تحديد القواعد الجديدة للإدارة العالمية لكي يظل يحتل مكانة هامة على الساحة العالمية. فينبغي للاتحاد أن يركز في المقام الأول على خمسة مجالات رئيسية هي: الاستراتيجية الأمنية الذكية لتوفير خريطة طريق لاستخدام أدوات مختلفة وفقا للحالة والهدف المرجو من السياسة الخارجية؛ التعاون الهيكلي الدائم، الذي يعمل على تعزيز القوة العسكرية، لأنه يهدف إلى إحياء عملية التكامل العسكري بين الدول الأكثر تطوعية من داخل الاتحاد؛ وتعزيز التعاون مع الناتو، مما سيسهم في مصداقية الاتحاد الأوروبي بوصفه فاعلا أمنيا، ولكن أيضا إلى شراكة أفضل مع الولايات المتحدة؛ قوة الإنترنت التي تتيح الفرصة لاستخدام أدوات الإنترنت لتحقيق النتائج المرجوة؛ والدبلوماسية العامة التي تسهم في نشر القوة الناعمة وتساعد على إدارة البيئة الدولية من خلال الاتصال مع فواعل خارجية. وستتم مناقشة المجال الأول من خلال التساؤلات الخمسة التي طرحها Nye.
تبني الاستراتيجية الأمنية الذكية
تعد الاستراتيجية الأمنية الأوروبية، التي أعدها الممثل السامي خافيير سولانا والتي اعتمدها المجلس الأوروبي في ديسمبر 2003، الوثيقة الوحيدة المتعلقة بالقيم والأهداف الأساسية للاتحاد، وهي تقنين للأهداف العامة طويلة الأجل وتعكس توافق الآراء بين الدول الأعضاء بشأن هذه الأهداف. وهي “نوع من الفلسفة العامة للعمل الأوروبي في العالم”. فقد كانت المحاولة الأولى التي يقوم بها الأوروبيون للنظر في بيئتهم الاستراتيجية وتحديد بعض الأولويات الأساسية من حيث السياسة الخارجية: الالتزام بالتعددية – مقابل أحادية إدارة بوش- وتجسد الأولوية الجيوسياسية لدول الجوار، وإرادة الاستثمار في كل من مجالي المدنية وإدارة الأزمات العسكرية.
وقد تم تنقيحها في عام 2008 بتقريرعن تنفيذ الاستراتيجية الأمنية الأوروبية في ضوء التغيرات في البيئة الدولية. ومع ذلك، استمرت التغيرات في السياق الدولي بلا هوادة: الربيع العربي، والتحول الاستراتيجي الأمريكي نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والأزمات الجديدة. وبالإضافة إلى ذلك، تغير الاتحاد الأوروبي أيضا نتيجة التوسعات الأخيرة. عندما اعتمدت استراتيجية الأمن الأوروبي في عام 2003، كان عدد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي 15. وبعبارة أخرى، فإن نصف أعضاء الاتحاد الأوروبي الحاليين لم يشاركوا مباشرة في تطوير هذه الاستراتيجية.
كل هذه التغيرات الخارجية والداخلية وعدم النجاح الأوروبي في الاستجابة بفعالية وبسرعة للأزمات الدولية أثارت مناقشات داخل الاتحاد الأوروبي حول الحاجة إلى استراتيجية أمنية جديدة. وفي الاجتماع غير الرسمي لوزراء الخارجية في كوبنهاجن في مارس 2012، حث العديد من الدول على وضع استراتيجية أمنية أوروبية جديدة. حاول السويديون والفنلنديون وضع هذه المسألة على جدول أعمال الاجتماع السياسي، لكنهم لم يتمكنوا من النجاح. ومع ذلك، أطلقت إيطاليا وبولندا والسويد وإسبانيا في يوليو 2012 مبادرة أكاديمية تهدف إلى إنشاء نقاش حول تجديد استراتيجية الأمن الأوروبية. وقال سفين بيسكوب “بدون استراتيجية أكثر شمولية، فإن العمل الوقائي والرد السريع، وهما من الأهداف الرئيسية للاستراتيجية، يكاد يكون مستحيلا، كما يتضح من الارتجال الأولي في ليبيا”، وأكد أنه “يجب أن يكون أمن الاتحاد الأوروبي عالميا وملهما، استنادا إلى هذه القيم، مثل النظام الاجتماعي الأوروبي، واقتصاد السوق، وبعض أشكال تنظيم الدولة، وكذلك “المثل الديمقراطية”.
ما هي الأهداف أو النتائج المنتظرة؟
من أجل الإسهام في بيئة دولية أكثر أمانا، يشارك الاتحاد الأوروبي في مكافحة التهديدات الرئيسية: الإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والصراعات الإقليمية، وفشل الدولة، والجريمة والهجمات الإلكترونية، وانعدام الأمن في مجال الطاقة، والقرصنة، وتغير المناخ، والجيران الذين ينخرطون في صراعات عنيفة، والدول الضعيفة التي تنتشر فيها الجريمة المنظمة، وعدم نجاح المجتمعات أو النمو السكاني المتفجر على حدود أوروبا. ومن ثم يمكن القول إن الأهداف تحددت في الاستراتيجية الأوروبية بطريقة عامة بالإشارة إلى القيم والتهديدات للسلم والأمن الدوليين.
وسيكون من الأنسب وضع أهداف أوضح في الاستراتيجية الجديدة مثل الدفاع الإقليمي ضد جميع التهديدات وحماية النموذج الاقتصادي والاجتماعي والحفاظ على طرق الاتصالات والتجارة وضمان الطاقة والأمن، والموارد الطبيعية الأخرى، وحماية البنية التحتية الحيوية، والحفاظ على القانون الدولي، وتوضيح الخطوط الرئيسية للعلاقات مع الناتو وروسيا والصين. ومن المهم أيضا تحديد المجالات ذات الأولوية للعمل الخارجي للاتحاد الأوروبي مثل جغرافية سياسة الجوار الأوروبية والاتحاد من أجل المتوسط، ومنطقة الساحل. ويجب أن تكون الاستراتيجية قادرة أولا على الإجابة على سؤال: لماذا الدعوة إلى العمل، قبل الإجابة عن كيفية التصرف، أو متي التصرف، أو التصرف باستخدام أية أدوات. ولهذا السبب، فإن الأهداف هي حجر الزاوية في الاستراتيجيات.
ما هي الموارد المتاحة وفي أي سياق؟
يبدو أن الاتحاد الأوروبي “قوة ناعمة” قادرة على ممارسة تأثير حقيقي فى بقية العالم. الجاذبية الثقافية (التاريخ والفن) والقيم السياسية (الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة) والسياسة الخارجية (سيادة القانون الدولي، تعددية الأطراف) هي المصادر الرئيسية التي تغذي القوة الناعمة للاتحاد الأوروبي. ويمكن إضافة سمعة وجودة المؤسسات التعليمية والتطوير التكنولوجي والسياحة. وبعبارة أخرى، فإن الصورة الإيجابية للاتحاد الأوروبي، ومهاراته في الاتصال، ومثالية سلوكه، وجاذبية ثقافته، وأفكاره، وتأثيره العلمي والتكنولوجي، ولكن أيضا مكانته داخل المؤسسات للسيطرة على جدول أعمال مناقشاتها يقوي قوة الاتحاد الناعمة.
وتضمن هذه القوة قدرة الاتحاد الأوروبي على التأثير، وتعديل سلوك الدول الأخرى، وبالتالي البيئة الاقتصادية والسياسية الدولية دون استخدام الإكراه. وعلى الرغم من أهمية امتلاك هذه العناصر، يجب أن يكون قادرا على النظر في استخدامها في سياقات مختلفة. على سبيل المثال، قد تؤدي فترات الأزمة الاقتصادية إلى إجبار الاتحاد الأوروبي على خفض مساعدته الإنمائية أو الإنفاق الدفاعي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن ظهور منافس جديد يمكن أن يؤثر سلبا على القوة الناعمة للاتحاد الأوروبي. فاليوم العديد من الطلاب يختارون الصين لمواصلة تعليمهم العالي. كما يتعين على الاتحاد الأوربي ان يتنافس مع الصين للحفاظ على مصالحه الاقتصادية في إفريقيا.
ما هي مواقف وتفضيلات المجموعات المستهدفة؟
لتنفيذ استراتيجية ذكية، فإن امتلاك الأدوات لا يكفي لتحقيق الأهداف المرجوة، فمن الضروري أيضا أن تكون قادرة على اختيار أفضل أداة مع مراعاة تفضيلات الفئات المستهدفة. على سبيل المثال، ليس هناك معنى في صياغة بيان عام حول استخدام القوة العسكرية لأنه يختلف بناء على اختلاف البلدان بين ما بعد الصناعية والدول الصناعية والبلدان ما قبل الصناعية. وتختلف مواقف الاستخدام المشروع للقوة العسكرية وفقا لهذه السياقات. ونظرا للاستقلالية المعقدة بين الديمقراطيات ما بعد الصناعية، فإن موارد القوة الاقتصادية والقوة الناعمة لها الأولوية على القوة العسكرية، لعمليات حفظ السلام أو التدخلات الإنسانية أو مكافحة الإرهاب. فعلى سبيل المثال، طلب الاتحاد الأفريقي مساعدة الاتحاد الأوروبي في مكافحة الإسلاميين من حركة الشباب في الصومال في عام 2012.
ما هي أشكال سلوك القوة المرجح لها النجاح؟
تتطلب الاستراتيجية الذكية المهارة لاختيار أفضل سلوك للقوة (قوة قيادة command power or co-optive power) وفقا للحالة. قوة القيادة هي القدرة على تغيير سلوك الآخرين من خلال استخدام موارد القوة الصلبة في كثير من الأحيان. في حين تشير القوة التشاركية إلى القدرة على تغيير تفضيلات الآخرين، وتستخدم في المقام الأول موارد القوة الناعمة. ويمكن استخدامها بشكل منفصل أو معا.
على سبيل المثال، يستخدم الاتحاد الأوروبي سياسته التوسعية من خلال فرض مجموعة من القواعد على جميع الدول المرشحة التي ترغب في دمجها في الاتحاد الأوروبي. في الدول الضعيفة، قد تكون هناك حاجة إلى قيادة القوة لاستعادة النظام، ولكن إذا كان الهدف هو تشجيع الناس على تغيير النظام، فإنه لا بد من استخدام قوة القيادة. من ناحية أخرى، فمن الممكن استخدام قوة القيادة لمنع تجنيد الجماعات الإرهابية على المدى الطويل، ولكن لا بد من استخدام قوة القيادة للتعامل مع الإرهاب على المدى القصير. التدخل العسكري في بلد يعاني من حرب أهلية يمكن أن يكون استجابة فورية، ولكن يجب أن تعتمد على المساعدة المالية لاستبدال البنية التحتية وتقديم الدعم لإصلاح قطاع الأمن في البلد المعني.
ما هو احتمال النجاح؟
والخطوة الأخيرة هي تقييم احتمال النجاح لتحقيق الأهداف. ويجب أن يكون من الممكن مراعاة جميع العوامل التي يمكن أن تؤثر على نجاح السياسة أو السلوك. أولا وقبل كل شيء، من الأهمية بمكان أن نأخذ في الحسبان المبادئ الدولية، ولاسيما بشأن استخدام القوة العسكرية. إن الحصول على موافقة المجتمع الدولي قبل التدخل عسكريا في بلد ما هو عامل مهم لنجاح هذا التدخل. ولذلك من المهم الحصول على موافقة مجلس الأمن الدولي قبل اللجوء إلى القوة العسكرية وتجنب القيام بعمل انفرادي مثل ضربة وقائية. على الرغم من أن سياسة الجوار الأوروبية وحوار البحر الأبيض المتوسط يشار إليهما عموما على أنهما أداة من القوة الناعمة، إلا أنها لم تسفر عن نتائج حتى الآن. إن الافتقار إلى الثقة والشعور بالانتماء من جانب الأعضاء الجنوبيين والصراعات المختلفة التي تهيمن على العلاقات بين الشركاء هي الأسباب الرئيسية للفشل.
من أجل أن تكون قادرا على الحديث عن القوة الذكية، فمن الضروري الحصول على النتائج المرجوة في المدى القصير أو الطويل، بعد أن استخدمت الأداة أو مجموعة من الأدوات اللازمة وفقا لاستراتيجية محددة مسبقا أي ما يسمى “ذكاء” السياسة.
هذا الاستعراض أوضح أن الاعتماد على القوة الصلبة العسكرية وحدها في العصر الحالي لا يؤدي إلى إحراز الأهداف المرجوة للاتحاد الاوروبي، وإنما تطلب ذلك المزيد من استخدام وسائل الإقناع والجذب أي القوة الناعمة ويضاف إليها كيفية توظيفها في عصر العولمة أي القوة الذكية، حيث يستطيع برنامج تليفزيوني أو موقع على الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي إحداث أثر وتغير في سلوك ومسارات تفكير شعب ما يساوي ما عجزت عنه المدفعية العسكرية عن فعلها في زمن الحروب والصراعات المسلحة. فعدم قدرة أوروبا عن تطوير سياسة أمنية مشتركة وتكامل عسكري فاعلين أمام التحديات الحالية أحد عوامل اللجوء إلى القوة الذكية أي قوة الإقناع. إن الاعتماد على هذه المصادر الجديدة أصبح أقل تكلفة من الاعتماد على القوة العسكرية.
عوامل القوة الذكية لدى ألمانيا وروسيا الحديثة
وفقا لمفهوم السياسة الخارجية الألمانية الحديثة، الذي تمت الموافقة عليه في 8 فبراير 2012، ينبغي للمنظمات غير الحكومية الثقافية والتعليمية أن تلعب دورا كبيرا. وغالبا ما يكون خريجو هذه المبادرات قادة الغد والنخب في العلوم والاقتصاد والسياسة. وعندما يعودون إلى وطنهم، فإنهم يتولون مناصب في المؤسسات السياسية، ثم ينشرون “فيروس ألمانيا”. فليس هناك بلد آخر لديه أسس سياسية دينامية وعالمية ذات صلة بالأحزاب السياسية المحلية مثل ألمانيا.
رسميا، كل هذه الأسس مستقلة عن أي حزب سياسي. وهم لا يحصلون على تمويلهم من الأحزاب، ولكن معظمهم من الوزارة الاتحادية للتعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية، وأحيانا من وزارة الخارجية. ومع ذلك، يعتمد الدعم المالي على عدد مقاعد كل حزب في البرلمان الاتحادي. وبالتالي فإن معظم التمويل يذهب إلى المؤسستين المرتبطين بأكبر حزبين سياسيين هما: مؤسسة فريدريش إيبرت ومؤسسة كونراد أديناور.
الجانب الآخر من وجه القوة الذكية هو القوة الصلبة بما في ذلك تصدير الأسلحة والمساعدات العسكرية. تصدر ألمانيا الكثير من المنتجات في جميع أنحاء العالم بما في ذلك الطبيعة العسكرية. ويرى ماتيو سيانا من جامعة كولومبيا أن صادرات الأسلحة الألمانية إلى الدول العربية تعد في المقام الأول إلى المملكة العربية السعودية والجزائر وكذلك إلى تركيا وإندونيسيا، ولها تأثير اقتصادي وأيضا على النخب في هذه الدول. وفي السنوات العشر الماضية، قامت ألمانيا بتصدير أسلحة وذخائر ثقيلة (على سبيل المثال، دبابات “ليوبارد”) إلى المملكة العربية السعودية بقيمة إجمالية قدرها 39 مليون يورو.
وبالنسبة لروسيا، أدرك الأكاديميون والسياسيون الروس أهمية القوة الناعمة والذكية خاصة في عالم العولمة. من الناحية المؤسسية، روسيا ليس لديها أسس سياسية مثل ألمانيا مع تقاليدها البرلمانية الصلبة. وفي الوقت نفسه، لا يزال هناك نقص في البرامج التعليمية وبرامج المنح الدراسية العالمية التي تديرها روسيا. ومع ذلك، فإن النجاح المحقق في هذا المجال لا يزال مناسبا لروسيا الحديثة: العديد من ممثلي النخب الحالية في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، وكذلك في دول رابطة الدول المستقلة، تخرجوا فى الجامعات السوفيتية. فهم لا يزالون على اتصال جيد مع النخب الروسية في السياسة والاقتصاد المستورد، على سبيل المثال، الأسلحة الروسية والنفط والغاز. ويستخدم هذا الجزء من القوة الذكية السوفيتية من قبل روسيا الحديثة بنجاح. ومع ذلك، تحتاج روسيا إلى أدوات جديدة، يبدو أنها لا تزال إشكالية بسبب إصلاح النظام التعليمي الذي بدأ بالفعل.
وفي مجال المعلومات، من المبكر جدا إظهار أول نجاح حقيقي من القوة الروسية الناعمة والذكية الحديثة فيما يتعلق بـ “يد-الكرملين” مثل قناة التلفزيون روسيا اليوم التي لا تتمتع بما يكفي من الثقة خارج روسيا. وفي هذا الصدد، سيكون من المفيد زيادة عدد المشاريع المشتركة في الخارج، جنبا إلى جنب مع المؤسسات الشريكة المحلية، مثل المؤسسات السياسية الألمانية على سبيل المثال. يبدو أن مجلس الشؤون الدولية الروسي يتمتع بأكبر قدر من الثقة والاحترام بسبب العديد من المشاريع المشتركة في روسيا وخارجها، على سبيل المثال، بشأن الأمن النووي والتعاون الأوروبي والأطلسي وغيرها.
القوة على الطريقة الفرنسية: القوة الصلبة الذكية Smart Hard Power أو ما يسمى قوة الاختلاف
إن قدرات فرنسا من القوة الصلبة ليست غير محدودة لأنها تقوم على الدعم من قبل الشركاء والحلفاء وقدرات التدريب السياسية التي تتقدمها الدبلوماسية الفعالة بفضل رسالة مقنعة. إن فرنسا حالة خاصة ولهذا أطلق عليها فريديريك شاريون “القوة الصلبة الذكية”. القوة التي تكون أداة استخدامها جيد في موعدها، وإن كان نجاحها يتوقف على شرطين: الإدارة المناسبة أو “بذكاء” من خلال التكامل في الوقت والحجم، والاعتماد على الشرعية الدولية على أساس القانون والأمم المتحدة ودعم المجتمع الدولي.
إن مهمة هذه القوة الصلبة الذكية ليست، بالطبع، التظاهر بفرض الإرادة على جميع مناطق العالم. كما أن مجال المناورة هو عدم إطلاق فرنسا حروب كبرى بمفردها بغض النظر عن مدتها وحجمها وانجرافاتها المحتملة. ومع ذلك، من الواضح أن فرنسا “تصنع الفارق” في حالة غياب الحلول، لأن إرادتها السياسية تسمح بفرض هذه القوة عندما يفتقر الآخرون، ولأن أداتها العسكرية، على الرغم من قيودها، تسمح لها.
ولهذا فالترجمة الفرنسية لهذه القوة الصلبة الذكية هي قوة الاختلاف، كقوة لإحداث الفرق بوسائلها، وقوة مختلفة عن خطها السياسي. فمن خلال تدخل فرنسا الدقيق في الخروج من الأزمة الإيفوارية في أبريل 2011، ومن خلال الدور السياسي في العملية الليبية في نفس العام، ومن خلال النتائج التي تم الحصول عليها بسرعة في مالي في عام 2013، فإن الأداة العسكرية الفرنسية تمكنت من إحداث الفرق. فالنماذج الثلاثة تعطينا مؤشرا قويا على القوة الفرنسية اليوم، وهي القوة الصلبة الذكية أو كقوة الاختلاف.
إن الحلم الفرنسي French Dream يعتمد على أداة التأثير الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي والثقافي التي لم تستثمر بعد بالكامل. بعبارة أخرى، إن الأمر يتعلق بجعل فرنسا تحلم بمواطني العالم، المواطنين من المستهلكين والناخبين ورجال الأعمال والمهندسين والسياسيين والسياح والمستثمرين. يجب على فرنسا أن تتعلم كيفية إغواء مواطني العالم، ومن خلالها تؤثر فى الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية العالمية في اتجاه مصالحها. ولكن علينا ألا نخطئ، فإن هذه القوة الناعمة، بعيداً عن كونها مجرد استعراض بسيط، هي استثمار طويل الأجل يجب أن يتسم بالجدية الشديدة والتنظيم. يجب أن تتعلم فرنسا إيجاد تضافر داخلي للدفاع عن مصالحها بطريقة منسقة ومتماسكة دوليًا. يجب على الوزارات والسفارات وأجهزة الاستخبارات والشركات والمغتربين ومراكز الأبحاث والجامعات العمل معاً في هذا الاتجاه.
إن لدى فرنسا الكثير من الأصول التي من شأنها أن تسمح لها بتنفيذ مثل هذه الاستراتيجية: التراث الثقافي والاجتماعي المرموق، فن الطهي والتاريخ والسياحة والحياة الفكرية، التاريخ الرمزي والسياسي الجذاب كأرض الترحيب واللجوء وأرض الحرية. كما لدي فرنسا واحدة من أهم الشبكات الدبلوماسية في العالم والقوة العسكرية ذات مصداقية. لدي فرنسا الشركات ورجال الأعمال الذين لديهم أفكار ومعرفة فريدة من نوعها. كذلك هناك الشباب الجاهز لغزو العالم، وأيضا أشخاص يفكرون في تأثير فرنسا لسنوات ويقترحون مبادرات مثل نيكولاس تينزر أو آلان جويليه. إن قدرات فرنسا على الاستمرار في الوجود في المجال الدولي لن تمر إلا عبر هذه القوة الفرنسية الذكية. ولكي تضعها فرنسا موضع التنفيذ، تحتاج إلى استراتيجية نفوذ وإرادة سياسية. ففوز باريس باستضافة الألعاب الأوليمبية دورة 2024 يجسد نجاح هذا الاستثمار طويل الأجل المتسم بالجدية والتنظيم ويؤكد أيضا على تفهم الخارجية الفرنسية للرياضة كأداة رئيسية في التأثير والتنمية.
الرد على التغيير: القوة الذكية الإنجليزية
لكي تنتعش المملكة المتحدة في الوسط العالمي الجديد، ينبغي أن يكون للحكومة، والبرلمان، وصانعي الرأي، والجهات الفاعلة غير الحكومية والجمهور فهم أفضل لأهمية القوة الناعمة جنبا إلى جنب مع القوة الصلبة التقليدية، وكيفية التفاعل فيما بينهما لإنتاج القوة الذكية. في خطاب ألقاه في مارس 2012 للكلية الملكية للدراسات الدفاعية بلندن، الوزير جيرالد هوارث (وزير استراتيجية الأمن الدولي) أعلن فيه أن المملكة المتحدة ليست سوى واحدة من الدول القوية في هذا العالم، وأنه من الضروري معرفة كيفية استخدام السياسة بطريقة مناسبة لكل ظرف. ولهذا، استرد في حديثه إلى لعبة الجولف حيث لكل مسافة ولكل هدف، نوع مختلف من Taco. إن تحقيق قوة ذكية ناجحة يتطلب أولا إدراك أن القوة الصلبة ضرورية ولكن تعظيم تحقيق المصلحة القومية قد يحتاج إلى المزج بين القوتين الصلبة والناعمة.
وفيما يلي ما ذكره جيرالد هوارث وزير استراتيجية الأمن الدولي في كلمته عام 2012: “النفوذ الاقتصادي هو السلاح رقم 1 في ترسانة القوة الذكية. بسبب القوة الاقتصادية، تكمن قدرتنا على التأثير فى البيئة التي نعمل فيها. وموقفنا مع حلفائنا يوفر لنا صوتا قويا في المؤسسات الدولية. ويوفر الاستثمار على المدى الطويل الحفاظ على القوات العسكرية الحديثة وعالية التقنية. ويوفر الأموال اللازمة للوصول إلى الدبلوماسية وعمقها. إن التعامل مع الصعوبات المالية لهذا البلد، والعجز، والدين القومي، والنمو الاقتصادي، يجب أن يدعم أي استراتيجية واقعية للأمن القومي، ويعد الأساس لآليات “القوة الذكية”. كما ذكر بول كورنيش، هي: “القدرة على الحصول على ما هو مطلوب أو لإحداث التغيير المطلوب”. القوة بالطبع، نسبية وليس مطلقة […] هذا يعني أن علينا استخدام قوتنا بحكمة، للتكيف والتشغيل بشكل مختلف. وهذا ما نفعله، وذلك باستخدام كل أدوات القوة لتحقيق النفوذ في عالم يتسم بمراكز القوة المتعددة وأيضا التوترات المتعددة”.
وفيما يلي بعض نماذج القوة الذكية مع خارج الاتحاد الأوروبي:
العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين
بهدف تحسين المكاسب الاقتصادية والتجارية، والوصول إلى الأسواق والمستهلكين الصينيين، لحماية صناعاته، للدفاع عن مصالحه في آسيا والمحيط الهادى وإفريقيا ومكافحة تغير المناخ والهجمات الإلكترونية، يستخدم الاتحاد الأوروبي كل من القوة الصلبة وأدوات القوة الناعمة بشكل منفصل أو معا بطريقة استراتيجية. فمنذ عام 2004، أصبح الاتحاد أكبر شريك تجارى للصين. وبالتالي فإن العلاقات الاقتصادية والتجارية هي حجر الزاوية في العلاقة بين الصين والاتحاد الأوروبي. وحيث ان التنمية الاقتصادية في الصين تعتمد إلى حد كبير على الصادرات فإن الاتحاد يعتمد بشكل متزايد على الصين في القضايا الاقتصادية والتجارية. ولهذا السبب، فإن الأداة الأولى التي يستخدمها الاتحاد الأوروبي في علاقاته مع الصين هي قوته الاقتصادية. وقد لعب الاتحاد دورا مهما خلال عملية انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية.
التعاون الأمني بين أوروبا والصين لا يتم في إطار علاقات القوة الصلبة التقليدية (التحالف أو التدريبات القتالية أو تبادل المعلومات أو نقل التكنولوجيا العسكرية). فهو يعتمد على قنوات “ناعمة” مثل الحوارات رفيعة المستوى، والمناقشات الأمنية الإقليمية، والتبادلات العسكرية.
إن الخطاب الأوروبي من أجل التعددية يسهم في تحسين صورة الاتحاد الأوروبي الإيجابية مع الصين. وتدعي بكين أن الاتحاد الأوربي والصين يتشاطران رؤى مشتركة لإعادة هيكلة النظام الدولي عن طريق تعدد الأقطاب. وفى الاجتماع الثاني للمنتدى الصيني الأوروبي الذي عقد في هامبورج عام 2006، ذكر رئيس الوزراء السابق ون ان “الجانبين يدعمان تعددية الأطراف […] على أساس مصالحهما المشتركة واحتياجاتهما المتبادلة، والصين وأوروبا عززتا وستواصلان تعزيز تعاونهما”.
فيما يتعلق بالدبلوماسية العامة الأوروبية التي تسعى إلى التأثير بشكل مباشر على قلوب وعقول الصينيين، يمكن للمرء أن يأخذ مثال برامج التنقل الطلابية التي هي وسيلة هامة للدبلوماسية العامة. في عام 2011، ذهب أكثر من 120,000 طالب صيني إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لمواصلة دراستهم، وهو رقم ستة أضعاف ما كان عليه في عام 2000. أكثر من 42,000 طالب صيني ذهبوا للدراسة في أوروبا في عام 2008. وبالإضافة إلى ذلك، الصين هي البلد الأكثر تمثيلا بين المتلقين للمنح الدراسية Erasmus-Mundus. حيث يعد الاتحاد الأوروبي الشباب هدفا للدبلوماسية العامة.
شارك الاتحاد الأوروبي منذ عدة سنوات في مكافحة تغير المناخ (الصالح العام العالمي) وجعله أولوية على جدول أعمال المجتمع الدولي. فمنذ أواخر التسعينات، أخذ الاتحاد الأوروبي زمام المبادرة في الحرب العالمية ضد الاحتباس الحراري. وحتى بعد انسحاب الولايات المتحدة من بروتوكول كيوتو، استخدم الاتحاد الأوروبي على نطاق واسع سلطته الدبلوماسية لضمان وفاء البلدان الأخرى بالتزاماتها. بالنسبة لأوروبا، فإن التحدي الرئيسي في السنوات المقبلة لإقناع المنتجين الرئيسيين للانبعاثات على مستوى العالم وخاصة الصين والولايات المتحدة (وهما أكبر بواعث CO2 في العالم) للمشاركة في نظام ملزم للحد من مستويات التلوث. ونتيجة لذلك، لم يكن بوسع الصين أن تظل غير مبالية بجدول أعمال المجتمع الدولي وتعهدت ببذل جهودا للحد من انبعاثاتها من الكربون. “على الرغم من أن بعض البلدان قد بدأت للحد من انبعاثات الكربون عندما وصلت إلى 22 طنا للشخص الواحد، بدأت الصين للحد من 6 أطنان من الانبعاثات لكل شخص”، كما أكد شيه تشن هوا، نائب مدير اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح في الصين. وفي نوفمبر 2011، نشرت السلطات الصينية كتاب أبيض عن السياسات المعتمدة والإجراءات المتخذة لمكافحة تغير المناخ.
 يحاول الاتحاد الأوروبي تنفيذ استراتيجية الطاقة الذكية لإدارة التنافس مع الصين في إفريقيا. فإن النمو الهائل في الصين لتلبية احتياجاتها من الموارد الطبيعية واضح للغاية في أفريقيا. ارتفع حجم التجارة بين الصين وإفريقيا بنسبة 80٪ بين عامي 2009 و2011 لتصل إلى 166.3 مليار دولار في عام 2011، وفقا للأرقام الصادرة عن وزارة التجارة الصينية. وارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في أفريقيا بنسبة 58.9 ٪ في عام 2011 إلى 1.7 مليار دولار.
وباختصار، يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي يتبع استراتيجية قوة ذكية في سياق علاقاته مع الصين من خلال تحديد أهدافه باستخدام وسائل قسرية وغير قسرية وفقا للسياق مع مراعاة تفضيلات الصينيين، والنتائج (المكاسب الاقتصادية والتجارية، ومكافحة تغير المناخ، والاتصالات بين الشعوب) المرضية تماما بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
سياسة الجوار الأوروبية نحو جنوب البحر الأبيض المتوسط
تم تأسيس سياسة الجوار الاوروبية في عام 2004 بهدف تعزيز العلاقات مع جيرانها الشرقيين والجنوبيين لتعزيز الازدهار والاستقرار والأمن على حدودها. الهدف الرئيسي للاتحاد الأوروبي هو خلق حلقة من الدول الأصدقاء لتفادي حدوث بيئة فوضى أو اضطراب لدي دول الجوار تؤثر سلبا فى الأمن والازدهار للاتحاد. وتدعم سياسة الجوار الأوروبية عدة أشكال من التعاون الإقليمي، مثل الشراكة الشرقية، والاتحاد من أجل المتوسط، وتآزر البحر الأسود. ومن خلال السطور القادمة سيتم تناول سياسة الجوار تجاه دول الجنوب لمعرفة ما إذا كان الاتحاد قد تمكن من تنفيذ استراتيجية القوة الذكية كجزء من علاقاته مع جيرانه الجنوبيين أم لا. وتستند سياسة الجوار الأوروبية إلى خطط عمل ثنائية تحدد خريطة طريق مشتركة، مع برنامج للإصلاحات السياسية والاقتصادية والأولويات القصيرة والمتوسطة الأجل على النحو التالي:
– التوسع في السوق الداخلية من خلال اعتماد قواعد ومعايير مشتركة تسمح للدول المجاورة بالاستفادة من نموذج مبني على حريات التنقل الأربع (السلع والأشخاص والخدمات ورأس المال).
– فتح السوق لتسهيل تكامله الذي يتطلب من الدول المجاورة إبرام اتفاقيات تجارية تتوافق مع قواعد منظمة التجارة العالمية.
– سياسات الهجرة القانونية وحركة الأشخاص التي تسمح للاتحاد والدول المجاورة بتجميع مواردها البشرية بطريقة مثلى حيثما تكون هناك حاجة ملحة إليها.
– تعزيز التعاون في منع ومكافحة التهديدات الأمنية المشتركة للإرهاب والجريمة المنظمة العبر حدودية والجمارك والضرائب والمخاطر النووية والإيكولوجية والأمراض المعدية.
– التعاون في مجال منع نشوب الصراعات وإدارة الأزمات مما يؤدي إلى مشاركة أكثر نشاطا من جانب الاتحاد الأوروبي.
– تعزيز حقوق الإنسان وتكثيف التعاون الثقافي وتحسين التفاهم المتبادل من خلال تنمية المجتمع المدني وتحسين برامج البحث والتعليم والتبادل الثنائي للمعلمين والطلبة.
– دمج شبكات النقل والطاقة والاتصالات لتسهيل عمل البلدان المجاورة من حيث الربط بين البنيات الأساسية.
– أدوات جديدة لتشجيع الاستثمار وحمايته لتحسين الحكم في البلدان المجاورة وتسهيل نقل التكنولوجيا بالمعنى الواسع.
– المساعدة في تكامل منظمة التجارة العالمية وهو شرط ضروري لتطوير العلاقات التجارية وجذب الاستثمار.
– وضع مصادر جديدة للتمويل لمكافحة الفقر، للتخفيف من الآثار الاجتماعية لعملية الإصلاح الاقتصادي.
وتعد الورقة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي للفترة 2007-2013 تجاه تونس بشأن أنشطتها ضد الهجرة غير الشرعية، وتدابيرها لمكافحة الإرهاب، ودعمها لأمن الطاقة تقدما مهما. وإن كان يذكر أن الأداء الاقتصادي والاجتماعي ضعيف، ولا يزال هناك نقص في الشفافية الانتخابية، وضعف النظام القضائي، وقواعد الحوكمة غير المرضية. وعلى الرغم من أوجه القصور هذه، استمرت تونس في تلقي المساعدات المالية. ويمكن تفسير ذلك بأن التقدم في مجال الأمن يمثل أولوية بالنسبة للاتحاد الأوروبي مقارنة باحترام حقوق الإنسان والمبادئ الأساسية. فهذه الفجوة في التنفيذ implementation gap من حيث حقوق الإنسان هي عقبة أمام القوة الذكية الأوروبية.
بالإضافة إلى ذلك، أظهر الربيع العربي بشكل أكثر وضوحا أن الاتحاد قد غاب عن أهدافه الخاصة. وخلال كلمته في فبراير 2011، بعد شهرين من اندلاع الربيع العربي، أقر ستيفان فول، المفوض الأوروبي للتوسيع وسياسة الجوار الأوروبية، بأن “الاتحاد الأوروبي لم يدافع بما فيه الكفاية عن حقوق الإنسان والديمقراطية. وإن الاتحاد افترض أن الاستقرار قد تحقق من خلال الأنظمة الاستبدادية”. لم يتمكن الاتحاد من تنفيذ سياسة فعالة تجاه الربيع العربي، الذي كان له شدة متباينة في بلدان مختلفة. في مصر وتونس، سقط رئيس الدولة في حين تحولت المظاهرات في سوريا إلى صراع وحرب في ليبيا. وقد أظهرت المطالب في مجالي حقوق الإنسان والديمقراطية ضعف سياسة الجوار الأوروبية، حيث أن التقدم الملموس في هذه المجالات كان شرطا للحصول على المعونة الاقتصادية. ولم يتمكن الاتحاد الأوروبي من تقديم رد مشترك فوري وتشكك هذه الحالة أيضا في فعالية المعونة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي.
وخلال بداية الانتفاضات الشعبية في تونس ومصر، راجع الاتحاد الأوروبي سياسات الجوار. بعد بعض التردد والانقسام، قال رئيس اللجنة خوسيه مانويل باروسو في مارس 2011: “أعتقد أنه من واجبنا أن نقول للشعب العربي إننا في جانبهم! من بروكسل، أريد أن أرسل هذه الرسالة إلى الشباب العرب الذين يقاتلون حاليا من أجل الحرية والديمقراطية: نحن في جانبكم”. وفي مقترحها لإقامة شراكة من أجل الديمقراطية والازدهار المشترك مع جنوب البحر الأبيض المتوسط في 8 مارس 2011، حددت اللجنة التوجهات الرئيسية للاستراتيجية الأوروبية تجاه البحر المتوسط. وفي 25 مايو 2011، تم نشر رسالة “استراتيجية جديدة للجوار في مرحلة التغيير” التي استعرضت الآثار المترتبة على سياسة الجوار الأوروبي ككل، وأبرزت هذه الرسالة الحاجة إلى نهج جديد قائم على الاختلاف، مشيرة إلى فكرة السماح لكل جار بتعريف درجة التعاون التي يرغب في الحصول عليها مع الاتحاد الأوروبي.
وباختصار، فإن الثورات “المفاجئة” قد أخلت باستراتيجية الاتحاد في المنطقة من خلال التشكيك في “ذكاء smartness” سياسة الجوار الأوروبي. وحتى لو كان لدى الاتحاد الأوروبي الوسائل اللازمة لإقامة التزام متبادل بالقيم المشتركة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون والحوكمة ومبادئ اقتصاد السوق، فإنه لا يستطيع تحويل هذه الوسائل إلى نتائج مرغوبة. إن امتلاك الأدوات اللازمة وليس الاستخدامات الفعلية من شأنها أن تحقق القوة الذكية. ومن الضروري تنفيذ سياسات مستدامة وذات مصداقية من خلال النظر في سياقات مختلفة، وتفضيلات وتصورات المجموعة المستهدفة، واحتمالية نجاح مثل هذه السياسة. إذا كانت السياسات أو الإجراءات في إطار القوة الذكية لم يحقق الأهداف المرجوة، يجب إعادة النظر فيما إذا كانت طريقة استخدام هذه الأدوات هي مزيج من الاختيار الجيد مع إعادة تقييم الوضع.
الخلاصة
يحاول الاتحاد، من خلال الجمع بين الوسائل العسكرية والوسائل المدنية، وضع نهج عالمي في إدارة الأزمات للاستجابة بفعالية أكبر للأزمات المختلفة. إن تعقيد الأزمات الحديثة يتطلب نهجا شاملا، سواء كان ذلك الاستخدام الفعال لجميع الأدوات السياسية أو الدبلوماسية أو الاقتصادية أو المدنية أو الثقافية أو العسكرية، في مرحلتي منع وإدارة الأزمة. ومن ثم، يمكن القول إن النهج العالمي يمكن أن يكون مثالا على استخدام القوة الذكية في إدارة الأزمات إذا ما استخدمت لتحقيق النتائج المرجوة.
وبصرف النظر عن إدارة الأزمات، والقدرة على الجمع بين أدوات القوة الصلبة والقوة الناعمة كأمر ضروري للعلاقات الثنائية أو متعددة الأطراف في العالم الحديث الذي يتسم بالترابط المتزايد، وثورة الاتصالات وتطور التهديدات وظهور قوى جديدة، ولمواصلة احتلال مكانة مركزية على الساحة العالمية في المستقبل، يبدو من الضروري للاتحاد الأوروبي أن يعد ويتبنى استراتيجية أمنية جديدة تقوم على ثقافة استراتيجية مشتركة، وأن تعزز وتحسن التعاون مع الناتو، وإعطاء أهمية لقوة الانترنت وتعزيز الدبلوماسية العامة. وستساعد كل هذه التحسينات على جعل الاتحاد الأوروبي أكثر قدرة على استخدام مجموعة الأدوات التي يملكها بفعالية وكفاءة، وحماية قيمه، والدفاع عن مصالحه، وتحقيق أهدافه.
فمن المهم عدم الخلط بين القوة المحتملة والقوة الحقيقية، حيث لا تؤدي الموارد المكتسبة بالضرورة إلى تحقيق النتائج المتوقعة. ويجب أن يكتسب المرء القدرة على تحويلها إلى قوة حقيقية من خلال سياسات فعالة. يجب استخدام هذه الموارد للإقناع والإغراء والإكراه والعقوبات أو استخدام القوة لإنتاج نوع من القوة العلاقية أو لإصلاح قواعد اللعبة على الساحة العالمية لإنتاج القوة الهيكلية. فمن الضروري تحديد الأهداف، وتحديد الموارد المتاحة، وتحديد مواقف المجموعات المستهدفة وتفضيلاتها. القوة الذكية هي الاستخدام الاستراتيجي للإكراه والاختراع، فإنه يتطلب ليس فقط القدرة ولكن أيضا بعض المواهب. فيمكن لمجلس أوروبا أن يسعى إلى ممارسة القيادة على سبيل المثال، والإقناع والتفكير الإبداعي، وأن يرى أن افتقاره إلى موارد القوة الصلبة هو ميزة وليس مصدرا للضعف.
في الختام، يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي انتقل إلى تبن محدود لعناصر القوة الصلبة، وإن توصيفه للقوة الناعمة كان غير كاف، وإن الجيل الجديد وضع سلسلة من الاستراتيجيات الذكية التي تستخدم عناصر من كل من القوة الصلبة والقوة الناعمة، مع إعطائها القدرة على أن تكون “القوة الذكية” أو قوة ناعمة 2.0 كما التي وصفها Nye.

الاتحاد الأوروبي في حقبة القوة الذكية

  •  كريستين إسكندر 25/07/2018

  • القوة الذكية ـ المفهوم والأبعاد: دراسة تأصيلية

  •  يمني سليمان 12/01/2016
الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock