مقدمة
   الفصل الأول: بداية الأزمة وأبعادها القانونية
   الفصل الثاني: الموقف السياسي لأطراف الأزمة وردود الفعل الإقليمية والدولية
   الفصل الثالث: تطور العلاقات الليبية مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا
   الفصل الرابع: تطور الأزمة وتصعيدها
   الفصل الخامس: الجهود المبذولة لحل الأزمة
   الفصل السادس: انعقاد المحكمة
   الفصل السابع: إصدار الحكم وردود الأفعال
   المتهمون
   سيناريو الأحداث وتطورها
   الملاحق
   الصور
   المصادر والمراجع

 

الفصل الأول: بداية الأزمة وأبعادها القانونية

مؤشرات ومبررات الاتهام ضد ليبيا، من جانب الولايات المتحدة الأمريكية

        أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، يوم الخميس الموافق 14 نوفمبر 1991، اتهامها لكل من عبدالباسط علي محمد المقراحي (انظر صورة عبدالباسط المقراحي)، والأمين خليفة فحيمة (انظر صورة الأمين خليفة فحيمة)، وهما من رجال المخابرات الليبية، بأنهما قد زرعا قنبلة مؤقتة، بجهاز توقيت معقد، داخل حقيبة “سامسونيت” أعدت في مالطة، يوم 20 ديسمبر 1988. وتمكنا من إرسال حقيبة بلا راكب إلى فرانكفورت، ومنها إلى لندن، حيث شحنت الحقيبة على الطائرة الأمريكية، في الرحلة الرقم 103 التابعة لشركة (PANAM)، وبداخلها الشحنة المتفجرة مجهزة داخل جهاز تسجيل. فانفجرت الطائرة البوينج 747، فوق اسكتلندا (لوكيربي) يوم 21 ديسمبر 1988، خلال رحلتها من فرانكفورت، عبر لندن، إلى نيويورك. وراح ضحية الانفجار 270 فرداً، من 21 دولة (انظر صورة عضد مثبت في شجرة ، وصورة سطح الطائرة ومقدمتها ).

وجاء في التحليل الجنائي للحادث ما يلي:

  1. وقع الانفجار في مخزن الحقائب الأمامي، في الطبقة الثانية من الحقائب، التي كانت موجودة في هذه الطبقة؛ ولم تُحمّل الطائرة في لندن، ولكن في مكان آخر، ويحتمل في فرانكفورت.
  2. الانفجار نتج عن قنبلة مصنوعة يدوياً، تم إخفاؤها في جهاز تسجيل ماركة توشيبا، واستخدمت في العبوة الناسفة متفجرات بلاستيك عالية الانفجار، محتمل أن تكون مادة “سيمتكس”. والمسجل مخفي في حقيبة ملابس “سامسونايت”، ولونها نحاسي، وتحتوي على بعض الملابس.

وقد عثر فريق التحقيق، على عدد من الأدلة، التي اتخذت ذريعة لتوجيه الاتهام إلى ليبيا، منها:

  1. جهاز التوقيت

تم العثور على جزء صغير من لوحة دائرة مطبوعة، ملتصقة في قطعة قميص تمزق أثناء الانفجار، وأظهر التحقيق أن الدائرة المطبوعة، هي الدائرة نفسها الموجودة في جهاز توقيت عُثر عليه في فبراير 1988، مع أثنين من مواطني ليبيا في توجو. وأن هذه الأجهزة من صنع شركة سويسرية، لصالح جهة رسمية ليبية في نهاية عام 1985، ولم تُصَنّع أي أجهزة من هذا النوع لصالح جهة أخرى.

  1. الملابس

تم العثور على قطعتي ملابس داخل الحقيبة، التي كانت تحمل القنبلة. وقد جرى التعرف على الشركة، التي صنّعت هاتين القطعتين في مالطة، وتعرّف صاحب الشركة على عبدالباسط المقراحي من صورة قدمت إليه، وذكر أنه يشبه الشخص، الذي أشترى الملابس، وقد أتضح من سجلات الزائرين إلى مالطة، أن المقراحي وصل من ليبيا إلى مالطة يوم 7 ديسمبر 1988، وتوجه إلى زيورخ يوم 9 ديسمبر 1988، ثم إلى طرابلس يوم 18 ديسمبر 1988، ثم مالطة يوم 20 ديسمبر 1988.

  1. الحقيبة

اكتُشفت حقيبة غير مصاحبة لراكب بالكابينة، على رحلة الطيران الرقم 180 يوم 21 ديسمبر 1988، والمتجهة إلى فرانكفورت. ونُقلت الحقيبة بعد ذلك، إلى الطائرة الأمريكية الرحلة الرقم 103. وتبين من التحقيق أن الحقيبة، التي أدت إلى تفجير الطائرة هي الحقيبة نفسها، التي نُقلت من مالطة إلى الطائرة الأمريكية المنكوبة. وقد أكد أحد الشهود، أنه شاهد الأمين خليفة وبصحبته الحقيبة السامسونايت، داخل دائرة  الجمارك (كان الأمين خليفة يعمل مديرا لمكتب الخطوط الجوية الليبية في مطار لوقا بمالطة، خلال الفترة من أكتوبر 1982 حتى أكتوبر 1988، وهو الرجل الثاني المتهم، من قبل جهات التحقيق الأمريكية).

  1. تحميل الحقيبة

أ. تم وضع الحقيبة السامسونايت، وإدخالها ضمن دورة التفتيش في مطار لوقا بمالطة، صباح يوم 21 ديسمبر، وعليها بطاقة تفيد بأنها ضمن الأمتعة، غير المصاحبة للركاب. وتم وضعها في كابينة الطائرة المالطية، الرحلة الرقم 180 المتوجهة إلى فرانكفورت، حيث ستنقل إلى الطائرة الأمريكية الرحلة الرقم 103، المتجهة إلى نيويورك.

ب. لم تُفحص الأمتعة في مطار مالطة، المتجهة إلى أوروبا بأشعة أكس، مما أتاح نقل الحقيبة بلا مشاكل، وتحميلها في مطار فرانكفورت على الطائرة الأمريكية.

ج. لم يشير التحقيق إلى تورط أشخاص آخرين من غير مواطني ليبيا، في هذه الجريمة.

مؤشرات ومبررات الاتهام ضد ليبيا، من جانب فرنسا

        فُجّرت الطائرة من نوع دي سي 10، التابعة لشركة (UTA) الفرنسية، يوم 19 سبتمبر 1989 فوق صحراء النيجر، خلال رحلة الطائرة من برازافيل إلى فرنسا. وراح ضحية الانفجار 170 فرداً، من جنسيات مختلفة.

        من وجهة النظر الغربية (فرنسا)، أن ليبيا موّلت تفجير الطائرة، بل تورطت فيها بواسطة جهاز المخابرات الليبي، رداً على دعم فرنسا لتشاد، خاصة خلال مرحلة المعارك التشادية الليبية وما نتج عنه من خسائر جسيمة في القوات الليبية (أفراد ـ معدات) ولذلك فقد توجهت الأنظار عقب انفجار الطائرة نحو ليبيا كدولة تمارس الإرهاب والإشارة إلى تورطها في هذا الحادث للانتقام من فرنسا.

        أستمر التحقيق في ملابسات هذا الحادث في المحاكم الفرنسية، حتى 30 أكتوبر 1991، حيث طلب القاضي الفرنسي إلقاء القبض على أربع شخصيات ليبية، والبحث عن شخصيتين، وكان القرار كالآتي:

  1. عبدالله السنوسي (زوج أخت القذافي وأحد كبار المسؤولين في جهاز المخابرات).
  2. عبدالله الرزاق (دبلوماسي في سفارة ليبيا في برازافيل، ويعمل لصالح جهاز المخابرات).
  3. إبراهيم نايلي (يعمل في جهاز المخابرات ويعاون عبدالله الرزاق في برازافيل).
  4. مصباح عرباس (يعمل في جهاز المخابرات).

أمّا الشخصيات المطلوب البحث عنها فهي:

  1. موسى كوسا (نائب وزير الخارجية الليبية وسبق له العمل في جهاز المخابرات).
  2. عبدالسلام الزاومه (أحد كبار رجال المخابرات).

        وطبقاً لقرار الاتهام، الذي أصدره قاضي التحقيقات الفرنسي، فإن عبدالله الرزاق سكرتير المكتب الشعبي الليبي في برازافيل، جَنّد ثلاثة من مواطني الكونغو، لوضع قنبلة في حقيبة ملابس على الطائرة، وقدم لهم القنبلة. ومتهمان من الثلاثة حالياً في السجن، أحدهما في الكونغو والآخر في زائير.

        وفرنسا، خلافاً لكل من الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا، لم تطالب بتسليم المتهمين الليبيين في حادث الطائرة (UTA) على الرغم من وجود قرائن قوية لدى قاضي التحقيقات، حول الدور الليبي في الحادث.

        وفقاً للقانون الفرنسي فان مجرد الاتهام الشخصي وحده، لا يعني بالضرورة أن الشخص مذنب، إنما يستتبع ذلك إجراءات الدعوة أمام المحاكم الفرنسية. وقد أرسلت ليبيا ملفاً للقاضي الفرنسي، على أنه خاص بالقضية. وأعلن قاضي التحقيقات الفرنسي، أن الملف لا يفيد بشيء، وأن به أوراقاً مزورة بدقة.

        هناك تقارير كثيرة توضح كيف تم الإعداد والتخطيط، لعملية تفجير الطائرة (UTA)، ولكن لم يصدر بعد بحث جنائي لهذه الحادثة، على الرغم من أن فرنسا جمعت، هي الأخرى حطام الطائرة وأعادت بنائها، وقامت بجهد أمني متقدم في دراسة لكل راكب، والخلفية الأمنية عنه، والتي توصلت من خلالها إلى الاتهام المبدئي للمسؤولين الليبيين من خلال تحميلهم لحقيبة بها قنبلة مع راكب من الكونغو، وجد ضمن الضحايا. وأن الآخران المسجونان في زائير والكونغو، طلبا مبالغ مالية من رجال المخابرات الليبية في مقابل السكوت، وتم إعطائهم المبالغ المطلوبة (شركاء للراكب الذي وجد ضمن قتلى الحادث).

الإطار القانوني لتسليم المُتْهَمين الليبيين

        من المسلم به أن الدول لا تسلم رعاياها المتهمين، إلى دولة أخرى. وهذه القاعدة مستقرة، منذ أن نشأت القواعد القانونية بصفة عامة. وإنما يثور موضوع التسليم، ومدى توافر شروطه، فقط إذا كان المتهم هاربا إلى دولة لا يتمتع بجنسيتها. وكذلك، فإن من القواعد المسلّم بها فقها وقانوناً، أن التسليم لا يجوز في الجرائم السياسية، وأن اتفاقية “طوكيو 1963” لا تلزم أي دولة بتسليم المتهم، كما لا تعطي أي دولة حق طلب تسلمه. وتركت الاتفاقية مسألة التسليم للقواعد العامة في القانون، وهي لا يجيز تسليم الرعايا، ولا تجيز التسليم في الجرائم السياسية.

        أمّا اتفاقية “لاهاي 1970″، فقد عالجت موضوع الاستيلاء غير القانوني على الطائرات، وانصبت نصوصها وموادها كلها على هذا الموضوع. وقد نصت المادة السادسة من هذه الاتفاقية، على عدة تدابير تتخذها الدولة التي يوجد المجرم أو المتهم في إقليمها وهي تدابير تنحصر في احتجاز المتهم وإجراء تحقيق ابتدائي وتمكين المتهم من الاتصال بحكومته ثم أخطار الدولة المعنية ومن الملاحظ أن هذه التدابير مشروطة ـ طبقا للاتفاقية ـ بعدة شروط:

  1. أن الدولة لا تتخذ هذه التدابير، إلاّ عند اقتناعها بأن الظروف تبرر ذلك.
  2. أن الدولة التي تتخذ التدابير تلتزم بقواعد الاختصاص الإقليمي، فلا تطبق إلاّ قوانينها الوطنية.
  3. أن الاتفاقية ألزمت الدولة، التي هبطت فيها الطائرة أو يوجد على أرضها المتهم، باتخاذ واحد من إجرائين: أمّا تسليمه، وأمّا محاكمته. وللدولة أن تختار محاكمه المتهم، طبقاً لقانونها الوطني إذا رأت ألاّ تسلمه، أي أنها مطلقة الحرية في التسليم من عدمه. لكنها عند عدم التسليم تلتزم بالمحاكمة.

        من البديهي أن الدول لا ترفض التسليم دون سبب، لأن هناك من القواعد العامة ما يجب أن تلتزم به في هذا الخصوص، وهي لا تلجأ إلى رفض التسليم طبقاً للقواعد العامة، إلاّ إذا توافرت شروط أساسية، منها على سبيل المثال:

  1. عدم وجود معاهدة تقضي بتسليم المجرمين، بين الدولتين.
  2. عدم تسليم المجرم السياسي.
  3. منح المتهم حق اللجوء السياسي.
  4. تبعية المتهم للدولة، التي يوجد عليها.

        وهنا نجد أن تسليم الرعايا لدولة أجنبية، مبدأ ترفضه كل القواعد القانونية، الدولية والوطنية. ومصداقاً لهذا فان المادة (8/3) من اتفاقية لاهاي تقرر، أن هذه الجريمة من الجرائم التي يجوز التسليم فيها. وبهذا خرجت الجريمية عن النطاق السياسي وعن ضرورة وجودة معاهدة. الأمر الذي يعني التزام الدولة بتسليم المجرم للدولة الطالبة، ما لم يكن من رعاياها. إلاّ أن هناك قيداً مهماً وخطيراً جاء بالمادة المذكورة، مؤداه مراعاة الشروط المنصوص عليها في قوانين الدولة المطلوب منها عملية التسليم. وهذا يعني أن القانون الوطني هو الفيصل في عملية التسليم؛ فان أجازه تلتزم الدولة بالتسليم، وأن منعه فإن الدولة في حل من التسليم. وكل هذا إذا كان المتهم “أجنبياً”، موجوداً في الدولة المطلوب منها التسليم. فإن كان وطنياً، فإن كل دول العالم تحظر تسليم رعاياها للدولة الأجنبية.

        أمّا اتفاقية “مونتريال 1971”  فقد جاءت في ست عشرة مادة، لتلافي أوجه النقص في اتفاقية “لاهاي”، حيث لم تقتصر على مواجهة فعل الاختطاف فقط، بل توسعت ليشمل مداها “الأفعال غير القانونية ضد سلامة الطيران المدني الدولي”، وهي أفعال تشمل “فعل التدمير” للطائرة، ولكن مسألة الاختصاص بالمحاكمة، ظلت كما هي، منعقدة للقوانين الوطنية.

        كذلك فان التنظيم الدولي قد أوكل اختصاص تنظيم شؤون الطيران إلى منظمة دولية متخصصة هي المنظمة الدولية للطيران المدني ـ 1947 والتي تصدت بالفعل لمكافحة ظاهرة العدوان على الطيران بالاتفاقيات الشهيرة. وقد عجزت هذه الاتفاقيات عن ردع ظاهرة الإجرام ضد الطيران، ولذلك لا يرجع إلى قصور من المنظمة، ولكن إلى رفض الدول عن التنازل عن اختصاصاتها القضائية، وتمسكها  بقوانينها الوطنية تحت مظلة السيادة.

الفصل الثاني: الموقف السياسي لأطراف الأزمة وردود الفعل الإقليمية والدولية

موقف الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة

        اعتباراً من منتصف شهر نوفمبر 1991، درست الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا (الأنجلوساكسون)، فكرة طرح هذه القضية على مجلس الأمن، مع احتمال أن تطلبان من المجلس فرض عقوبات اقتصادية على ليبيا، مثل فرض حظر على النفط الليبي.

        أعلنت الولايات المتحدة وفرنسا يوم 28 نوفمبر 1991، بياناً مشتركاً يطالب ليبيا الاستجابة لمطالب المحققين، وتسليم المتهمين الليبيين في هذه القضية، وأن تتعهد ليبيا بصورة جادة ونهائية عن التخلي لجميع أشكال الإرهاب وعدم تقديم أي دعم للمجموعات الإرهابية، مع دفع تعويضات لأسر الضحايا في حادث تفجير الطائرة الأمريكية، وإلاّ فإنهم سيبحثون معاً العقوبات وإجراءات الرد، التي ستمارس ضدها حالة الرفض.

        كان التنسيق كاملاً بين الدولتين، بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وباقي الدول الأوروبية، لتحديد الإجراءات الواجب اتخاذها ضد ليبيا، ودراسة بعض العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية (حظر البترول الليبي ـ فرض حصار اقتصادي كامل ـ إغلاق جميع السفارات الليبية في أوروبا). فضلاً عن التلويح بإمكانية استخدام الخيار العسكري أو العمل الخاص، انتقاماً من ليبيا لصلتها بتفجير الطائرة، مع التأكيد بأن المسؤولين في الولايات المتحدة، ينظرون في أمور أبعد من محاولة تقديم الليبيين المتهمين إلى المحاكم (تحذير ليبيا من خلال مسؤولين في الحكومة البريطانية، من عواقب رفض تسليم المتهمين).

        وكان ذلك كله، محاولة لتهيئة الرأي العام الدولي، بوجه عام، والداخلي بوجه خاص، في الولايات المتحدة الأمريكية، لقبول تنفيذ العقوبات ضد ليبيا، بما فيها العمل العسكري. والإشارة في ذلك إلى وعد الحكومة الأمريكية للشعب الأمريكي، بالتحقيق ومتابعة المسؤولين عن الحادث، والانتقام منهم.

        وفي بداية الأزمة، وعند رفض ليبيا تسليم المتهمين، بذلت كل من مصر والمغرب، جهود وساطة لدى للولايات المتحدة الأمريكية، لعدم القيام بضربة عسكرية ضد ليبيا.

        وقد برز دَوْرَيّ الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا، من خلال التحرك الدبلوماسي الدقيق، داخل الأمم المتحدة وخارجها، وعلى مستوى العلاقات الثنائية، لتأكيد موقفهما من أنهما سينفذان الوسائل السلمية، لدفع ليبيا للتجاوب بشأن حادث الطائرة. ولكن أدركت الدولتان، من خلال رد الفعل الليبي، أن الموقف سيتطور، وأنه لابد من إصدار قرار من مجلس الأمن، مع مراعاة الآتي:

صعوبة إصدار قرار في هذه المرحلة، علاوة على صعوبة تطبيقه. وأن فاعلية العقوبات تستلزم تطبيقاً ناجحاً، لحظر جوي وبري مصاحب له.

1.

تدرك الدولتان تعارض مطلب المتهمين للتسليم، مع القوانين الداخلية الليبية.

2.

تشجيع رجال القانون والبرلمانيين والشخصيات العامة، للقيام بمبادرات فردية غير رسمية، لحث القذافي على المرونة والتعاون.

3.

إحاطة السكرتير العام للأمم المتحدة بالسيناريو المقدم، والخطط البديلة، مع عدم الإفصاح عن ذلك حتى لا يضعف الضغط الدولي على ليبيا، وبما يعكس أي تراجع أو استبعاد، والتشدد إذا لزم الأمر.

4.

موقف فرنسا

        طالبت الحكومة الفرنسية، الحكومة الليبية، تقديم كل ما لديها من أدله مادية، لتسهيل الوصول إلى الحقائق. وكذا تسهيل الاتصالات واللقاءات اللازمة، حتى يمكن التعاون وبشكل فوري مع القضاء الفرنسي، للمساعدة على تحديد المسؤوليات في هذا العمل الإرهابي، وفي حالة ثبوت تورط ليبيا في تفجير الطائرة الفرنسية، فإنها ستتخذ الإجراءات العقابية ضد ليبيا، بما في ذلك قطع العلاقات الرسمية.

        وقد سعت فرنسا إلى تأكيد، أن المعلومات المتوفرة لديها حول حادث انفجار الطائرتين الأمريكية والفرنسية، تكفي للاقتناع بمسؤولية ليبيا المباشرة، بينما تكشف المخابرات الفرنسية عن صحة الادعاء بأن ليبيا على علاقة بحادث تفجير الطائرة الأمريكية، وأن تقاريرها تشير إلى تورط أطراف أخرى، وتطالب بضرورة تسليم المتهمين الليبيين، في كل من حادث انفجار الطائرة الفرنسية والطائرة الأمريكية، وتؤيد فرض عقوبات على ليبيا.

الموقف الليبي

        نفت ليبيا الاتهامات الغربية بشدة، ورفضتها رسمياً. وهو الأمر الذي اعتبرته الدول الغربية نوعاً من التشدد لسياسة دعم ومساندة الإرهاب. كما أعلنت ليبيا عن ضرورة تحويل ملفات التحقيق إلى جهات قضائية أخرى محايدة للنظر فيها. وجهت وزارة الخارجية الليبية مذكرة للأمم المتحدة يوم 26 نوفمبر 1991، تتهم فيها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بأنهما يثيران نزاعاً حول قضية الطائرة، كحجة لشن هجوم على ليبيا، وهذا يمثل تهديداً للسلام والأمن في كل أنحاء العالم.

        كما استدعت الخارجية الليبية سفراء الدول المعتمدين لديها، وعرضت عليهم وجهة نظرها ورفضها لهذه الاتهامات. وأعلنت القيادة الليبية عن استعدادها، لاستقبال لجنة دولية محايدة للتحقيق في الاتهامات الأمريكية ـ البريطانية. وطلب قاضي التحقيق الليبي، من واشنطن ولندن تزويده بصورة رسمية من الوثائق، والمحاضر، الخاصة بالتحقيق، أو إصدار أوامر لتمكينه من الاطلاع عليها.

        وفي الفترة من 25 ـ 29 نوفمبر 1991، أجرت ليبيا جولات مكثفة في العديد من الدول العربية، بهدف اطلاعها على آخر تطورات الموقف وسبل التصدي لها، مع اتخاذ عمل موحد للمجابهة. وتمثلت الزيارات في الآتي:

زيارة أبو زيد عمر إلى مصر يوم 25 نوفمبر،  وإلى سورية والأردن يوم 26 نوفمبر، وإلى لبنان يوم 27 نوفمبر، وإلى اليمن يوم 28 نوفمبر 1991.

1.

زيارة العقيد مصطفى الخروبي لكل من المملكة العربية السعودية يوم 24 نوفمبر، وسلطنة عُمان والكويت يوم 25 نوفمبر، والإمارات يوم 26 نوفمبر 1991.

2.

زيارة الخويلدي الحميدي لكل من المغرب يوم 22 نوفمبر،  وإلى الجزائر يوم 23 نوفمبر، وإلى تونس يوم 25 نوفمبر 1991، مع تقديم طلب رسمي إلى المغرب بصفته رئيس لاتحاد دول المغرب، للتدخل لدى أمريكا وبريطانيا، ضد الاتهامات الموجهة إلى ليبيا.

3.

زار أبو بكر يونس السودان يوم 25 نوفمبر، وعبدالرازق أبو بكر باكستان يوم 28 نوفمبر.

4.

زيارة رئيس المجلس الشعبي عبدالرازق سوسا إلى طهران يوم 27 نوفمبر، وإلى تركيا يوم 30 نوفمبر، وسلم رسائل إلى رؤساء الدولتين.

5.

التقى الرئيس معمر القذافي يوم 25 نوفمبر 1991 عدداً من الوفود الإسلامية (من الاتحاد السوفيتي، والهند، وباكستان، وأفغانستان) وأكدوا على دعم ليبيا.

6.

        وفي إطار تخفيف الضغط، وإظهار اهتمام ليبي للمطالب الغربية، اتخذت القيادة الليبية قراراً بتعيين العقيد يوسف عبدالقادر الديري رئيساً جديداً لجهاز المخابرات الليبي، بهدف تطوير الجهاز والتعاون الكامل مع القاضي المكلف بالتحقيق حول ادعاءات تورط الجهاز الليبي في حوادث الطائرة (كان المسؤول عن المكتب إبراهيم بشاري الذي عين وزيراً للخارجية).

        دعوة جامعة الدول العربية (من خلال اجتماع لوزراء الخارجية)، لبحث الاتهامات ضد ليبيا واتخاذ موقف عربي موحد، والاحتجاج لدى الأمم المتحدة على الاتهامات الأمريكية والبريطانية ضدها.

أظهرت القيادة الليبية اعتدالاً وتعقلاً في إدارة الأزمة، وذلك من خلال إعلانها عن الآتي:

إغلاق جميع المعسكرات، التي كانت تستخدم للتدريب داخل ليبيا (5 معسكرات).

1.

وقف جميع المساعدات إلى العناصر الإرهابية.

2.

تعاون الجهات الليبية مع بريطانيا بالنسبة للجيش الجمهوري الأيرلندي (أعلنت بريطانيا أن المعلومات مفيدة ولكن غير كافية)، ثم قالت بريطانيا بعد ذلك، أنها تسرعت في هذا الرأي.

3.

ترحيل المنظمات الفلسطينية المتطرفة من ليبيا، وعلى رأسها القيادة العامة بقيادة أحمد جبريل.

4.

إعلان ليبيا استعدادها لتسليم المتهمين إلى دولة محايدة، مثل مالطة، لإجراء المحاكمة لهم.

5.

إعلان ليبيا عن استعدادها لاستقبال قاضي التحقيق الفرنسي، الذي يباشر التحقيق في قضية سقوط الطائرة الفرنسية (UTA).

6.

أعلنت ليبيا عن استعدادها لتقبل الخطوات الآتية، لضمان جدية التحقيق ونزاهته، من خلال الآتي:

قبول التحقيق المشترك، بحيث يشترك في التحقيق والاستجواب قضاة من أمريكا وإنجلترا وفرنسا.

1.

قبول التحقيق الدولي، أي تشكيل لجنة تحقيق دولية من جانب الأمم المتحدة.

2.

دعوة منظمات حقوق الإنسان، ونقابات المحامين، وأسر الضحايا، لمتابعة التحقيق.

3.

قبول الرجوع لمحكمة العدل الدولية، لتحديد الجهة المختصة وتحديد الاختصاص.

4.

        كان التحرك الليبي لاحتواء الأزمة كبيراً وشاملاً، على المستوى الإقليمي والعربي، يواكبه تحرك على المستوى الأفريقي والأسيوي والأوروبي، من خلال المنظمات والهيئات العالمية (منظمة الوحدة الأفريقية ـ مجموعة عدم الانحياز ـ الأمم المتحدة).

ردود الفعل الإقليمية والدولية

الدول العربية

        أيدت بعض الدول العربية موقف ليبيا رسمياً وإعلامياً، مع اتخاذ موقف مضاد للتحرك والاتهامات الأمريكية (العراق، والسودان)، كما دعت دول عربية أخرى إلى ضرورة ضبط النفس، وعدم تصعيد الموقف إلى مرحلة الصراع المسلح (سورية، والأردن، والجزائر)، واكتفت دول أخرى بالإشارة إلى إجراء اتصالات للوساطة (المملكة العربية السعودية)، ورفضت بعض الدول الاتهام الأمريكي لليبيا، واتخذت خطوات واتصالات للوساطة، مع مطالبة الأطراف المعنية لحل الأزمة بالطرق السلمية (تونس، ومصر).

ويتلخص دور مصر في هذه المرحلة، في الآتي:

1. رفض مصر طلباً أمريكيا يقضي بإغلاق الحدود بين مصر وليبيا، وكذا رفضت وقف برامج التعاون في كافة المجالات بين مصر وليبيا تنفيذا للطلب الأمريكي.

2. قامت مصر بجهود وساطة كبيرة لمنع قيام عمل عسكري ضد ليبيا. وقد سافر الرئيس مبارك إلى فرنسا في محاولة منه لتصفية هوة الخلاف، والتأكيد على ضرورة عدم استخدام القوة ضد ليبيا (زيارة الرئيس لباريس يوم 26 مارس 1992).

3. أعلنت مصر عن ضرورة مقاومة الإرهاب، وإدانة أي عملية إرهابية.

4. ضرورة احترام الشرعية الدولية من ناحية، وحقوق ليبيا السياسية، من ناحية أخرى.

         كما قامت المغرب بدور سياسي كبير لحل الأزمة، وتمثل ذلك من خلال زيارة العاهل المغربي الملك الحسن، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، للوساطة في حل الأزمة.

الاتحاد السوفيتي

        اعلنت وزارة الخارجية السوفيتية، عن رغبة البلاد في أجراء دراسات دقيقة ومتأنية، حول حادث لوكيربي، قبل توجيه مثل هذه الاتهامات لليبيا، خاصة أن المتهم هو الدولة وليس أفراد أو منظمات (الجدير بالذكر أن الاتحاد السوفيتي لم يقوم بدور فعال في أي أزمة، منذ تفكك الاتحاد السوفيتي ولم يقم باستخدام الفيتو).

ألمانيا

        أعلنت وزارة الخارجية الألمانية عن اقتناعها بمسؤولية ليبيا، في الاعتداء على الطائرتين الأمريكية والفرنسية، ومطالبتها بتسليم المتهمين للمحاكمة. وقد استغلت وسائل الإعلام هذا الموقف، وجددت الحملة على امتلاك ليبيا إمكانية تصنيع الغازات الكيماوية، سواء في مصنع الرابطة أو في إنشاء مصنع جديد لذلك في منطقة سبها.

إيطاليا

        مطالبة ليبيا باتباع قواعد القانون الدولي (مطالبه غير مباشرة لتسليم المتهمين)، مع إلغاء زيارة زعيم الحزب الاشتراكي الإيطالي لليبيا، بصفته ممثلاً للأمين العام للأمم المتحدة، كاحتجاج ضمني، أو عدم موافقة على أسلوب ليبيا وموقفها.

مالطا

        أعلن رئيس وزراء مالطا أمام البرلمان، أن بلاده تعاونت بشكل جيد وكبير مع المحققين في حادث سقوط الطائرة الأمريكية (بان أمريكان)، وأثبتت أن رحلة طيران الخطوط الجوية المالطية التي توجهت إلى فرانكفورت من مالطا يوم 21 نوفمبر 1988، لم تكن بها أي حقائب مشحونة بلا راكب (يأتي ذلك عكس ما أعلنته بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، في مؤشرات دلائل الاتهام).

إيران

        رفضت الموقف الأمريكي وأشارت إلى أن الأسباب، التي أدت إلى الاتهامات المنسوبة إلى ليبيا وإظهارها في هذا الوقت، يرجع إلى رفض ليبيا انعقاد مؤتمر السلام، ورفضها أيضا التحرك الأمريكي في هذا الإطار.

إسرائيل

        أكد خبراء إسرائيليين أن عناصر من منظمة الجبهة الديموقراطية الفلسطينية، التي يتزعمها أحمد جبريل متورطة مع ليبيا في تفجير الطائرة الأمريكية، وأستند الخبراء في اعتقادهم على الآتي:

نتائج التحقيق التي قامت بها الجهات المختصة، سواء في واشنطن أو لندن، غير كاملة وغير دقيقة.

1.

الاعتقاد بأن جهاز التفجير الذي أدى إلى سقوط الطائرة، هو من خمسة أجهزة كانت لدى أفراد المنظمة، الذين اجتمعوا في ديسمبر 1988 في مدينة فرانكفورت الألمانية، الليلة التي سبقت تفجير الطائرة، وقد عُثر على عدد (أربعة) أجهزة فقط، ويعتقد أن الجهاز الخامس هو الذي استخدم في التفجير.

2.

منظمة حلف شمال الأطلنطي (الناتو)

        أعرب عن تأييده لمطالبة الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، للسلطات الليبية بتسليم المتورطين بتفجير الطائرتين الأمريكية والفرنسية، عامي 1988، 1989.

المؤسسات العربية والإسلامية

        أصدرت كل من الجامعة العربية، والأمانة العامة للمؤتمر الإسلامي (مقره جدة)، ومجلس الشورى لاتحاد المغرب العربي، والأمانة للقيادة الشعبية الإسلامية العالمية (مقرها ليبيا)، ما يفيد رفض الاتهامات الأمريكية والبريطانية، ومطالبة التعاون من خلال المحافل الدولية للبحث عن الحقائق، ومنع تنفيذ عمليات عسكرية ضد ليبيا.

الفصل الثالث: تطور العلاقات الليبية مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا

العلاقات الليبية ـ الأمريكية

        بدأ عدم التوافق في العلاقات والمصالح، بين ليبيا والولايات المتحدة الأمريكية، مع قيام الثورة الليبية عام 1969، وإعلان ليبيا تأييدها للحركات التحريرية في العالم، ودعوتها إلى إخلاء القواعد العسكرية، في دول العالم الثالث بصفة عامة، وفي منطقة البحر المتوسط، بصفة خاصة. فضلاً عن إدانة الموقف الأمريكي المؤيد لإسرائيل ضد العرب، فيما يخص القضية الفلسطينية.

        وقد جاء إعلان ليبيا في 10 أكتوبر 1973، مد المياه الإقليمية لها، لتغطي خليج سرت بالكامل، ورفض الولايات المتحدة الأمريكية ذلك، ليشير إلى بداية منحنى تدهور العلاقات بين البلدين.

        وبعد حرب أكتوبر، وبدء إجراءات وخطوات الاتفاقيات المصرية ـ الإسرائيلية، للفصل بين القوات، وخلال ما طرأ على العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية، إلى أن وصلت إلى توقيع اتفاقية “كامب ديفيد”، كان التحرك السياسي والإعلامي الليبي، يدير حملة إعلامية، ضد مصر والولايات المتحدة الأمريكية، مع إثارة باقي الدول العربية وتكوين جبهة للصمود والتصدي، والدعوة لمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى اتهمت ليبيا بدعم العمليات الإرهابية ضد المصالح المصرية والأمريكية في الوطن العربي وأوروبا، بالتعاون مع العناصر الفلسطينية المتطرفة وبعض الجماعات الإرهابية.

        في ضوء ذلك، ورغبة في إظهار رفض ليبيا، موقف الولايات المتحدة الأمريكية، خرجت تظاهرات في طرابلس في ديسمبر 1979، حرقت مقر السفارة الأمريكية. وقد جاء رد الفعل الأمريكي، بطرد بعض الدبلوماسيين الليبيين من واشنطن.

        وبسبب اتهام الولايات المتحدة ليبيا، بدعم ومساندة الإرهاب الدولي، قررت ليبيا في مايو 1981 إغلاق سفارتها في واشنطن، وقطع العلاقات بين البلدين مع تصاعد الحملات الإعلامية بينهما.

        وفي إطار الاستفزاز الأمريكي للموقف الليبي، جرت تحركات للأسطول الأمريكي، أمام خليج سرت في أغسطس 1981، وداخل المنطقة التي تعتبرها ليبيا مياهاً إقليمية. ونجحت طائرة أمريكية في إسقاط طائرتين ليبيتين، وأعقب ذلك في ديسمبر طلب الرئيس ريجان، من الأمريكيين المقيمين في ليبيا مغادرتها.

        وفي مارس 1982، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية حظر استيراد البترول الليبي، مع حظر تصدير التكنولوجيا الأمريكية المتطورة إلى ليبيا.

        وفي أعقاب حادث مطار روما وفيينا، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية في ديسمبر 1985 تجميد 2.5مليار دولار من السندات الليبية في أمريكا، وهو الأمر الذي دفع العقيد القذافي للإعلان عن عزمه تدريب فدائيين لشن هجمات انتحارية ضد المصالح الأمريكية في العالم. وفي الوقت نفسه زادت الحملات الإعلامية المتبادلة بين الدولتين. كما بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في تكثيف نشاط أساطيلها، أمام السواحل الليبية.

        وقد أدى انتهاء ليبيا من تجهيز قاعدة للصواريخ (سام ـ 5)، الموجه لردع النشاط الأمريكي، إلى تنفيذ غارات أمريكية على مدينتي طرابلس وبنغازي، في 15 أبريل 1986. وأعقب ذلك حظر أوروبي أمريكي على ليبيا، ودعم أمريكي للقوات التشادية بقيادة حسين حبري، في محاولة لاستنزاف قوى ليبيا، إضافة إلى كشف الولايات المتحدة الأمريكية لأنشطة ليبيا، في مجال الغازات الكيمائية في مصنع الرابطة.

        وتصعيداً للعداء بين الدولتين، اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية، من حادث تفجير الطائرة التابعة لشركة بان أمريكان، أثناء رحلتها من لندن إلى نيويورك، وتفجيرها فوق لوكيربي باسكتلندا، في ديسمبر 1988، ذريعة لتصعيد الموقف ضد الجماهيرية الليبية. فأعلنت أمريكا بدء التحقيق، وأنها لابد أن تثأر من مرتكبي الحادث، ومن ورائهم. وفي 15 نوفمبر 1991، توجهت أصابع الاتهام إلى الجماهيرية الليبية، بأنها وراء الحادث. وبدأت الأزمة الحقيقية، أو إذا صح التعبير، جاء وقت تصفية الحساب.

        ومن تباين الموقف الأمريكي في مواجهة تلك الأزمات، ما حدث في سبتمبر 1986، حين اختُطفت طائرة أمريكية مدنية في مطار كراتشي بباكستان، وترتب على اقتحام أفراد الكوماندوز الباكستانيين للطائرة بعد ستة عشر ساعة من اختطافها، مصرع 22 من ركابها وتدمير الطائرة. وقُدم المتهمون وهم خمسة من الفلسطينيين، إلى القضاء الباكستاني، حيث أصدر ضدهم في 6 يوليه 1988 حكماً بالإعدام، طبقاً للقانون الباكستاني. لكن الرأي العام بوجه عام، والعربي بوجهة خاص فوجئ ببيان صادر عن الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا، أيدته فرنسا، يُطالب ليبيا بتسليم مواطنين ليبيين، لاتهامهم بارتكاب حادث لوكيربي.

        ومن الواضح أن حادث باكستان، كان ضد طائرة أمريكية، وحادث لوكيربي كان ضد طائرة أمريكية، لكن الولايات المتحدة الأمريكية تركت للقضاء الباكستاني اختصاص محاكمة المتهمين، على الرغم من أنهم لا يتمتعون بالجنسية الباكستانية، اكتفاء بوجودهم على الإقليم الباكستاني. ثم رفضت أن تكيل بالكيل نفسه في حادث لوكيربي. وكذلك فرنسا، مع أن القضاء الليبي في هذه الحالة، هو الأوجب والأحق، لتوفّر عنصرين أساسيين هما:

  1. تمتع المتهمين بالجنسية الليبية.
  2. وجود المتهمين في الجماهيرية الليبية.

        وإذا كان تبرير هذا الموقف سياسياً، أن باكستان على صداقة وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، على عكس ليبيا، فيأتي السؤال عن المعيار الحقيقي للشرعية الدولية: هل هو القانون، أم المصلحة الخاصة؟

العلاقات الليبية ـ البريطانية

        كانت ليبيا حتى الحرب العالمية الثانية مستعمرة إيطالية، ثم تحولت بعد ذلك تحت الإدارة البريطانية والفرنسية، ثم حصلت على استقلالها ولكن بعد التوقيع على معاهدات تسمح بوجود قواعد عسكرية بريطانية فيها.

        وفي عام 1970 أغلق القذافي القواعد البريطانية، في وقت متزامن مع إغلاقه القواعد الأمريكية.

        كما ساعد العقيد القذافي الجيش الجمهوري الأيرلندي، بالأسلحة والمساعدات المالية. ويُعد الجيش الأيرلندي أحد أكبر المشاكل، التي تواجه بريطانيا إضافة إلى تعقبه المعارضة الليبية الموجودة في بريطانيا. ففي عام 1984 أطلق حرس السفارة الليبية في لندن النار على مجموعة من المعارضة الليبية، الذين كانوا يتظاهرون أمام السفارة الليبية، مما أدى إلى مقتل شرطية بريطانية كانت تحرس المتظاهرين، وجرح عشرة ليبيين. وعلى إثر ذلك قطعت بريطانيا علاقتها الدبلوماسية مع طرابلس.

        كان هذا موقف بريطانيا، وهي الدولة الثانية المعنية بالأزمة، علاوة على سقوط الطائرة على أرضها.

العلاقات الليبية ـ الفرنسية

        في عام 1980، هوجمت ونُهبت مكاتب السفارة الفرنسية وقنصليتها في بنغازي، احتجاجاً على المساعدات الإدارية، التي قدمتها فرنسا إلى تونس، خلال الهجوم على مدينة قفص. وعلى إثر ذلك استدعت فرنسا سفيرها في ليبيا.

        وهناك موقف آخر لليبيا ضد المصالح الفرنسية في تشاد، حيث دأبت ليبيا على التدخل وقامت بمساعدة جوكوني عويضي وهو مناهض للحكومة التشادية. وفي عام 1986، تدخلت فرنسا إثر هجوم مناهض للحكومة التشادية مدعوم من ليبيا. وهكذا أستمر التدخل الليبي حتى أسفر عن تولي الرئيس التشادي إدريس ديبي، وهو، بالطبع، حليف لليبيا.

        الموقف الذي لابد من إلقاء الضوء عليه، في سلسلة هذه الأحداث، هو سقوط الطائرة الفرنسية التابعة لشركة يوتا من نوع دي سي 10 فوق صحراء النيجر، ومقتل جميع ركابها البالغ عددهم 170 شخصاً من جنسيات مختلفة. ويبدأ التحقيق، وفي النهاية تشير أصابع الاتهام إلى ليبيا، في الوقت الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة الأمريكية اتهامها أيضاً ليبيا.

الفصل الرابع: تطور الأزمة وتصعيدها

الأزمة ومجلس الأمن

        سعت الدول الغربية المعنية بالأزمة، للتأثير على مجلس الأمن لإصدار أكثر من قرار، يتضمن فرض العقوبات الاقتصادية والسياسية والمعنوية ضد ليبيا، وبما يؤثر على الأمن القومي الليبي، حتى بلغ إلى حد تقليص الروابط الدبلوماسية مع الجماهيرية الليبية وتم تشديد هذه العقوبات في ديسمبر 1993 ويتم مراجعة هذه العقوبات في مجلس الأمن كل 120 يوماً.

        ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، إلاّ أن التشدد الحاصل مع بعض أطراف التحالف الغربي، ضد ليبيا، ولا سيما من الولايات المتحدة الأمريكية، ظهر واضحاً في تصريحات المندوبة الأمريكية، مادلين أولبريت، في ذلك الوقت، التي خالفت القواعد الخاصة بمجلس الأمن، وناقشت قضية تجديد العقوبات قبل موعدها لكي تتم أثناء رئاستها للدورة الحالية لمجلس الأمن. وأكدت أن أي اقتراحات بديلة لحل الأزمة، لن تكون مجدية. وهذا يعني ببساطة، سد الطريق أمام كل جهود دبلوماسية، أو مقترحات للتسوية، تقدمها أي من دول العالم أو المنظمات الإقليمية.

        تأتي هذه الأزمة في أعقاب أزمة الخليج الثانية، وما ترتب عليها من نتائج على المستوى العربي والإقليمي والدولي، وفي مرحلة تشهد تشكيل نظام دولي جديد، يستند إلى توازنات وتحالفات جديدة، ويسعى إلى بلورة مجموعة من القواعد الجديدة المنظمة للعلاقات، بين الدول. ومن ثم فهذه الأزمة تعد بمثابة أول مواجهة بين العرب والواقع الدولي الجديد.

        تم تكثيف التحرك الغربي للأزمة، من خلال إيفاد مندوبين لإجراء اتصالات على مستوى العواصم، أو في إطار الأمم المتحدة، وذلك لتمرير قرار من مجلس الأمن. ولقد تمكنت الدول الغربية، من إصدار القرار الرقم 731 ، بالإجماع، وتحت ضغط شديد من الولايات المتحدة الأمريكية حتى آخر لحظة قبل التصويت (كان احتمال كبير أن تمتنع الصين والهند والمغرب وزمبابوي) عن التصويت، وصدر القرار في 21 يناير 1992، ويتلخص في البنود الآتية:

  1. إدانة تدمير الطائرة الأمريكية، والطائرة الفرنسية.
  2. عدم استجابة الحكومة الليبية بصورة فعالة وكاملة لمطالب الدول الغربية.
  3. حث ليبيا على الاستجابة الفورية والكاملة للمطالب، وبما يساعد في القضاء على الإرهاب الدولي.
  4. يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة، أن يلتمس من ليبيا التعاون.
  5. حث جميع الدول على تشجيع ليبيا، للاستجابة للمطالب.

التحليل القانوني والسياسي لقرار مجلس الأمن

  1. جاء اعتماد القرار بالإجماع، تأكيداً لسطوة وسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على مقاليد الأمور في مجلس الأمن، وعلى قدرتها على حشد جميع أعضاء المجلس لتأييد الموقف، الذي تنادي به، سوء كان يدخل ضمن الإطار التقليدي لصلاحيات المجلس، أم لا؛ وهو ما يعكس قواعد التعامل الدولي في الظروف الراهنة.
  2. لم يكن اعتماد القرار بالإجماع أمراً سهلاً، على الرغم من التعاطف الدولي العام، من الناحيتين السياسية والإنسانية مع ضحايا الطائرتين، الأمر الذي يشجع على اتخاذ موقف جدي ضد الإرهاب، الذي يتعرض له الطيران المدني. وذلك أن الجوانب القانونية المحيطة بالموضوع، دفعت عدة دول لإبراز أن ما جاء في القرار، لا ينبغي أن يشكل سابقة يمكن استخدامها في المستقبل، لأن هناك احتمال امتناع الدول عن التصويت.
  3. يمثل صدور قرار مجلس الأمن الرقم 731 خطورة كبيرة، للأسباب الآتية:
إعطاء سلطة للدول للتصرف الفردي لحماية مواطنيها من أعمال الإرهاب (الفقرة الثانية من القرار)، وهذا يفتح الباب على مصراعيه، للتدخل في أمور تمس سيادة الدول.أ. 
مطالبة الدول المتهمة والمتهمين من مواطنيها، بالاستجابة لنتائج تحقيقات أجرتها سلطات الدول، التي توجه الاتهام.ب. 
تحويل مجلس الأمن إلى أداة لاتخاذ موقف قانوني وقضائي، في حين أنه جهاز سياسي في المقام الأول، يخضع لأحكام الميثاق، التي تنص صراحة على ضرورة إحالة الجوانب القانونية للمنازعات، إلى محكمة العدل الدولية للبت فيها.ج. 

        وقد مضت ليبيا تنفي الاتهامات الغربية بشدة، وترفضها رسمياً. كما أعلنت عن ضرورة تحويل ملفات التحقيق، إلى جهات قضائية أخرى محايدة للنظر فيها. وهو الأمر الذي اعتبرته الدول الغربية نوعاً من التشدد، واستمراراً لسياسة دعم الإرهاب ومساندته.

        بذلت ليبيا جهوداً مكثفاً على كافة الأصعدة، وتعاملت مع الأزمة، بنوع من عدم الانفعال والتعقل، رغماً عن الضغوط المتزايدة من قبل الدول الغربية، مما يساعد ليبيا في حشد رأي عام عربي وإسلامي وأفريقي، ضد اتهامات الدول الغربية. وبما يدعم موقفها ويخفف من حدة الأزمة. ولكن جانب القيادة الليبية حسن التقدير، من خلال رفضها الرسمي تسليم المتهمين، حيث أتاحت مناخاً مناسباً لباقي أطراف الصراع لتصعيد الموقف، على الرغم من أن طلب تسليم المتهمين، لم يكن مقيداً بفترة محدودة.

موقف الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا وفرنسا

  1. استمرار الضغوط وتزايدها، على ليبيا لحثها على الاستجابة للقرار الرقم 731، الصادر من مجلس الأمن.
  2. التلويح بإصدار قرار جديد من مجلس الأمن، يشتمل على العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية.
  3. إصرار كل من بريطانيا وفرنسا، على ضرورة تسليم المتهمين ورفضهما لأي حل وسط.
  4. تحرك دبلوماسي واسع للدول الغربية الثلاث، لإقناع مجلس الأمن بضرورة إصدار قرار ينص على عقوبات لإجبار ليبيا على تنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 731، وتسليم المتهمين. وجرى ذلك خلال اتصالات على مستوى العواصم، وفي إطار الأمم المتحدة، ولقاء بين السفراء.
  5. مارست الدول الغربية الثلاث، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، ضغوطاً شديدة على أعضاء مجلس الأمن، وخاصة الدائمين (الصين خاصة)، لحثها على عدم استخدام حق الفيتو، ويمكن الامتناع عن التصويت.
  6. تعاملت الدول الثلاث مع الأزمة ككيان واحد، بهدف تحقيق أكبر قدر من المطالب من النظام الليبي، وهي باختصار:

أ. نبذ الإرهاب وعدم التدخل لزعزعة الاستقرار، في الدول، وخاصة الأفريقية.

ب. الامتناع عن إرسال أي دعم مالي أو أسلحة أو تدريب إلى تلك الدول.

ج. قبول التفتيش على نشاطاته، في مجال أسلحة الدمار الشامل.

  1. نجحت الدول الثلاث، بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، في إصدار قرار مجلس الأمن الرقم 748 في 31 مارس 1992، والمتضمن فرض عقوبات جوية وعسكرية ودبلوماسية على ليبيا، يتم تنفيذها اعتبارا من 15 أبريل 1992.
  2. وقد امتنعت خمس دول عن التصويت، هي (الصين، والهند، وزيمبابوي، وجزر الرأس الأخضر، والمغرب) ويتلخص القرار في الآتي:
ضرورة امتثال ليبيا لقرار مجلس الأمن الرقم 731، وتسليم المتهمين، مع التزام ليبيا بوقف دعمها للإرهاب، واتخاذها إجراءات ملموسة لذلك.أ. 
فرض حظر جوي من وإلى ليبيا، مع إغلاق جميع مكاتب شركة الطيران الليبية في العالم، ومنع الدول من تقديم أي دعم  (فني ـ قطع غيار) للطائرات الليبية.ب. 
حظر توريد أي نوع من الأسلحة، أو تقديم معاونة فنية، أو تدريبات عسكرية، مع سحب جميع المستشارين العسكريين الأجانب من ليبيا.ج. 
تخفيض البعثات الدبلوماسية الليبية في الخارج، وتقييد ومراقبة الباقي منهم، واتخاذ الخطوات المناسبة لمنع دخول أو طرد المواطنين الليبيين، الممنوع دخولهم لأي دولة أخرى، أو سبق طردهم منها، بسبب أنشطة إرهابية.د. 
يستعرض مجلس الأمن، هذه القرارات كل 120 يوم، أو في وقت أقرب من ذلك، طبقاً لتطورات الموقف، في ضوء امتثال ليبيا للقرار الرقم 731.هـ. 
يمكن الموافقة على رحلات جوية للأغراض الإنسانية، أو عند الحاجة لها، بقرار من مجلس الأمن.و. 

موقف ليبيا

  1. أعلن القذافي في 5 أبريل 1992 رفضه لقرار مجلس الأمن الرقم 748، والإصرار على عدم تسليم المتهمين.
  2. قدمت ليبيا عرضاً جديداً أوضحت فيه، أنها مستعدة لتسليم المتهمين إلى دولة محايدة لمحاكمتهما، واستعداد ليبيا للتعاون مع فرنسا.
  3. عرضت ليبيا تسليم المتهمين إلى مالطة، لإجراء المحاكمة، ووافقت مالطة بعد زيارة عبدالسلام جلود لها يوم 12 أبريل 1992.
  4. هدد القذافي الدول، التي تطبق القرار بحرمانها من البترول الليبي، ومن أي عقود مع بلاده.
  5. طلبت السلطات الليبية رسمياً يوم 21 أبريل 1992 من الصحفيين الأجانب الموجودين في ليبيا، وقف نشاطهم ومغادرة البلاد، مع السماح ببقاء الصحفيين العرب.
  6. صرح القذافي في يوم 12 أبريل 1992، أن ليبيا أعلنت مجدداً موافقتها بأنه يمكن للمتهمين الليبيين أن يسلما نفسهما طوعاً لأي دولة محايدة، إذا أرادوا ذلك، وأنه لا تفريط في السيادة الليبية.
  7. صدر بيان من الخارجية الليبية في 15 أبريل 1992، حول قرار محكمة العدل الدولية، أشارت فيه إلى أنّ ما صدر عن المحكمة هو استشارة قانونية، ولا تؤثر على سير الدعوة الرئيسة. وأنّ المحكمة لا زالت مستمرة في نظر المطلب الليبي، بتفسير معاهدة مونتريال بشأن المتهمين، الأمر الذي يعكس الإصرار على عدم تسليم المتهمين.
  8. اقتراح ليبي آخر في 29 أبريل 1992، بأن تجرى محاكمة المتهمين في حادث الطائرة الأمريكية في ليبيا، على أن يكون القضاء من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، في إطار محاولة الخروج من مأزق تسليم المتهمين إلى أي منها.
  9. صرح وزير الخارجية الليبي في 27 أبريل 1992، بأن مئات الليبيين قد توفوا لتعذر نقلهم للعلاج في الخارج.
  10. في إطار أسلوب المعاملة بالمثل، الذي اتخذته ليبيا منذ تنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 748، طردت القيادة الليبية وأنذرت عدد (41) دبلوماسياً من (16) دولة، كانت قد طردت مؤخراً دبلوماسيين ليبيين من أراضيها.

وقد برز التحرك الليبي، لاستمرار سياسة الاعتدال، من خلال الآتي:

  1. حرص ليبيا على تنمية وتطوير العلاقات مع مصر من جهة، واستمرار التشاور والتعاون لإيجاد حل للأزمة، من جهة أخرى، خلال الزيارات المتبادلة بين الرئيس حسني مبارك، والعقيد الليبي معمر القذافي.
  2. حرص ليبيا على دعم العلاقات وتطويرها مع السودان (استكمال إجراءات التكامل)، ومع سلطنة عُمان، لدعم التعاون الثنائي.
  3. زيارة رئيس الوزراء الليبي لمالطة يوم 27 أبريل 1992، في إطار التنسيق مع الحكومة المالطية، لدعم وتطوير العلاقات بين البلدين، ومحاولة التخفيف من انعكاسات تنفيذ القرار الرقم 748.
  4. زيارة رئيس الوزراء الليبي للفاتيكان يوم 28 أبريل 1992، من أجل توطيد الروابط وتنمية العلاقات وتطويرها، وكسب مساندة الكنيسة في الأزمة الحالية.

برز من الدول الغربية الثلاث (أمريكا ـ إنجلترا ـ فرنسا) أثناء إدارة الأزمة الآتي:

  1. عدم اقتناع الدول الثلاث بتوقف الجانب الليبي، عن مساندة الإرهاب.
  2. هناك تشدد واضح تجاه المطالب، خاصة ما يتعلق بتسليم المتهمين.

أن هذه الدول الثلاث تعمل في إطار يصعب تجزئته، أو اختراقه (حاولت ليبيا التأثير على فرنسا لكي تنفرد عن أمريكا وإنجلترا، وفشلت في ذلك).

  1. تسعى الدول الثلاث إلى تحقيق أغراضها السياسية، أو فرض الأمر الواقع، بتوظيف الأمم المتحدة (مجلس الأمن)، ومن خلال الأغلبية التابعة للتوجه الغربي داخل مجلس الأمن، خاصة في ضوء ما أبدته الحكومة الليبية من مرونة نسبية، للبحث عن حل وسط لهذه الأزمة.

تصعيد الأزمة خلال عام 1993

        صدر قرار مجلس الأمن، بتمديد العقوبات لمهلة أخرى يوم 13 أغسطس 1993، تنتهي أول أكتوبر، وهو ما يعد أداه حقيقية للضغط على النظام الليبي، لكسر حاجز التردد والتحسب تجاه قرار تسليم المتهمين، خاصة وأنه أعقب هذا القرار إعلان من جانب الدول الغربية المعنية، بأنه سيتم تصعيد العقوبات بانتهاء هذه المهلة، التي تعد الفرصة الأخيرة أمام ليبيا لتنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 731.

        ولقد جاء هذا القرار ليشير إلى اتفاق الدول الغربية، على شكل ونوع العقوبات، التي ترى فرضها كتصعيد ضد ليبيا، بعد أن شهدت الفترة الماضية والسابقة لصدور هذا القرار، نوعاً من التباين والاختلاف، في تحديد هذه العقوبات ارتباطاً بالمصالح والتوجهات.

        حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على اتخاذ الموقف المتشدد تجاه ليبيا، في ضوء وعود الإدارة الأمريكية الحالية للرأي العام الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية، بالقصاص من مرتكبي الحادث، وما يمثله مطالبة عائلات الضحايا من ضغط على الحكومة الأمريكية لتنفيذ تلك الوعود، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تأكيد مصداقيتها في ظل النظام الدولي الجديد، خاصة فيما يتعلق بقضايا الإرهاب.

مواقف أطراف الأزمة

1. الموقف الليبي

ارتكزت المعالجة الليبية لإدارة الأزمة على عدد من المحاور، لتحقيق أهدافها، ويمكن إبراز ذلك من خلال الآتي:

أ. تأثير عنصر الزمن بزيادة مساحته على صعيد الأحداث، خاصة تجاه محاولات الاقتراب الليبية نحو الأزمة الغربية، من خلال إبداء مزيد من مظاهر المرونة والاعتدال في القضايا المختلفة (نبذ الإرهاب/ التقارب الغير مباشر لإسرائيل، وذلك من خلال الكف عن مهاجمة إسرائيل في وسائل الإعلام الليبية، وسماح الحكومة الليبية بقيام وفد ليبي كبير بالحج إلى بيت المقدس، خلال عام 1993)، فضلاً عن اتخاذ إجراءات داخلية عديدة ذات توجيهات اقتصادية غربية (الانفتاح الاقتصادي ـ اقتصاد السوق ـ بيع القطاع العام وتشجيع القطاع الخاص).

ب. دفع العديد من القوى الإقليمية والدولية، لبذل الجهود والوساطات وتكثيف الاتصالات والمشاورات عبر بعض الدول العربية والغربية، ذات العلاقات المتميزة بالدول المعنية بالأزمة، لتوضيح وشرح الرؤية الليبية لتلك الأزمة، بما يساعد على إيجاد أرضية يمكن انطلاقاً منها، لإيجاد حلٍ للأزمة.

ج. الاستفادة من القدرات الذاتية الليبية، المتمثلة في مواردها النفطية وإمكانياتها الاقتصادية، وتوظيفها لربط بعض مصالح الدول الغربية بليبيا، في محاولة لتوسيع الخلاف في الرأي بين تلك الدول، في مسألة تصعيد العقوبات ضدها، فضلاً عن اتخاذ إجراءات تقلل من فاعلية هذا التصعيد (حالة حدوثه)، من خلال تحويل أرصدتها إلى حسابات شخصية، بطريقة قانونية (يصعب تجميدها)، والتعاقد مع بعض المصارف الأوروبية على شراء الخام الليبي، من دون المرور على السوق البترولية (يحقق مميزات مادية للدول الأوروبية).

د. استثمار الصراعات الإقليمية والظروف الدولية (قضية البوسنة والهرسك ـ الصومال ـ العراق ـ مفاوضات السلام في الشرق الأوسط ـ …)، وانشغال دول الأزمة الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية بمعالجتها، إلى جانب تحسب الدول الغربية من أن تتهم بازدواجية المعايير، في تعاملها مع القضايا العربية والإسلامية.

هـ. سعت ليبيا إلى تكثيف الجهود والاتصالات على مختلف الأصعدة، وأيدت مزيداً من المرونة (الاستعداد لاستقبال لجنة دولية للتفتيش والتأكد من نبذ الإرهاب/ الاستعداد لدفع تعويضات لأسر الضحايا ـ استئناف التعاون مع بريطانيا حول الجيش الجمهوري الأيرلندي ـ …) فضلاً عن بيان القذافي في يوم 20 أغسطس 1993، الذي طالب فيه الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع بلاده، مؤكداً أن ذلك سيساهم في حل الأزمة.

و. تقدمت ليبيا إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة وبريطانيا، ببعض الإيضاحات وإثبات بعض الضمانات حول مسألة التسليم، بما يساعدهم على اتخاذ القرار في هذا الشأن، وكان أبرزها الآتي:

(1) يتم التحقيق بواسطة جهات قضائية، وليست أجهزة أمنية.

(2)     حضور المحامين، الذين يوكلهما المشتبه فيهما.

(3)     حضور مراقبين محايدين من الأمم المتحدة.

(4)     عدم محاولة الضغط على المشتبه فيهما أو اكراهمها، على قبول (صفقات) معينة لتخفيف الحكم إذا لم تكن هناك أدلة دامغة.

(5)     عدم تسليم أي من المشتبه فيهما، إلى دولة ثالثة.

(6)     الالتزام برفع العقوبات، فور تسليم المشتبه فيهما.

(7)     توضع ضمانات صريحة بعدم التفكير في المطالبة بتسليم أفراد آخرين، أو تقديم مطالبات أخرى، أو أن يكون هناك اتهامات أخرى توجه إلى ليبيين آخرين في المستقبل، تخرج عن قرارات مجلس الأمن، وتخضع للمبادئ العامة للتسليم وفقا للقانون الدولي.

(8)     اقتصار دور مجلس الأمن في الموضوع بعد التسليم على رفع العقوبات، وعدم تدخله في متابعة سير التحقيق، أو معاودة المطالبة بأشياء أخرى، لأن الموضوع لا يهدد السلام والأمن الدوليين.

2. الموقف الأمريكي

أ. استمرار تشدده تجاه محاولات الاقتراب الليبية، والرفض لأي حل وسط خاصة في مجال تسليم المتهمين، في ضوء الضغوط التي تمارسها عائلات الضحايا على الإدارة الأمريكية، ورفض الرأي العام الداخلي إبداء أي مرونة مع النظام الليبي.

ب. استمرار الضغط على القيادة الليبية، من خلال المتابعة الدقيقة لتنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 748، واتهام ليبيا باستمرار أنشطتها العسكرية، في مجال الأسلحة فوق التقليدية (النشاط الكيماوي ـ الصواريخ أرض/ أرض).

ج. مواجهة التحرك الليبي، الذي يسعى إلى توزيع استثماراته في الخارج، أو ربط المصالح الاقتصادية الليبية بالمصالح الأوروبية، حتى لا يسفر ذلك عن تشكيل عقبات أمام الدول الغربية المعنية بالأزمة في طريق حركتها، لفرض مزيد من العقوبات على ليبيا.

د. ممارسة نوع من الضغوط على كل من الجانبين البريطاني والفرنسي، لدفعهما إلى التجاوب مع الموقف الأمريكي بتصعيد العقوبات على ليبيا، في ظل تحسبهما من الانعكاسات السلبية لمردودات القرار على مصالحها المتميزة مع ليبيا من ناحية، واستثمار تأثيرها على باقي دول المجلس لتوفير الأغلبية اللازمة لتمرير قرار التصعيد في حالة طرحه.

هـ. إجراء اتصالات مع مختلف الدول، ذات العلاقات مع ليبيا، للعمل على دفعها للتجاوب مع قرارات مجلس الأمن، وتسليم المتهمين لمنع تصعيد الموقف.

و. إعطاء الموافقة لبريطانيا للاتصال مع النظام الليبي، للاتفاق معها على كل ما يتعلق بتوضيح أسلوب وإجراءات محاكمة المتهمين حالة تسليمهما إلى اسكتلندا وإعطائهما الضمانات الممكنة، التي لا تمس حرية القضاء، بما يشجع ليبيا على التسليم.

  1. الموقف البريطاني

أ. يتوافق الموقف البريطاني مع الرؤية والتحرك الأمريكي، وأن كان بصورة أقل تشدداً، حرصاً على الحصول على معلومات تخص الجيش الجمهوري الأيرلندي، لِما يمثله ذلك من أهمية، خاصة لاستقرار الموقف الأمني في بريطانيا.

ب. إعطاء ليبيا بعض الضمانات في محاكمة المتهمين، لتشجيعها على تسليمها إلى القضاء الإسكتلندي، انطلاقاً من إصرار ليبيا على عدم تسليم المتهمين إلى الولايات المتحدة الأمريكية تحسباً من احتمال استغلال الإدارة الأمريكية لذلك، في محاكمة النظام الليبي وإسقاطه.

ج. تشجيع بعض الشخصيات البريطانية، لإجراء اتصالات غير رسمية مع النظام الليبي، للتعرف على الرؤية الليبية عن قرب، وحث ليبيا على تنفيذ المطالب الغربية.

د. عدم الممانعة في اتصال بعض مكاتب الاستشارات القانونية، الخاصة بمثل هذه القضايا والاتفاق مع ليبيا، وتقديم المشورة القانونية إلى النظام الليبي، للتغلب على قلقه وتحسبه من التأثيرات السلبية، التي قد تنتج عن المحاكمة.

هـ. عدم التجاوب مع المطالب الأمريكية بفرض حظر بترولي، أو تجميد للأرصدة الليبية في الخارج، حرصاً على مصلحة بريطانيا ومصالح بعض الدول الأوروبية، التي يمكن أن تتأثر بذلك، تمشياً مع أهدافها في تبوء دور ريادي على الساحة الأوروبية.

  1. الموقف الفرنسي

أ. تأثر الموقف الفرنسي، بمجموعة من العوامل والاعتبارات أبرزها الآتي:

(1) استمرار الاتصالات الدبلوماسية المباشرة (على مستوى السفارة)، بينها وبين ليبيا.

(2) حرص الإدارة الفرنسية على استقلالية القرار، بعيداً عن التبعية الأمريكية، فضلاً عن دور فرنسا، الذي تسعى إليه على الصعيد الأوروبي.

(3) المصالح التي تربطها بدول المنطقة، بصفة عامة، ودول المغرب العربي، بصفة خاصة، وما تتميز به فرنسا من قدرة على إدارة حركتها مع الدول العربية، في ضوء تفهمها لطبيعة حكام المنطقة وشعوبها.

ب. تشير طبيعة العلاقات الفرنسية ـ الليبية، وأسلوب معالجة الحكومة الفرنسية للأزمة، إلى عدم رغبة فرنسا في تصعيد الموقف مع ليبيا، وإن كان التجاوب الفرنسي مع الإجراءات، التي اتخذتها كل من أمريكا وبريطانيا في توثيق وإيداع وثائق الاتهام ضد ليبيا في مجلس الأمن، قد جاء في إطار من الضغط من منطلق تأكيد الشرعية الدولية، ومتطلبات التحالف التقليدي للدول الغربية، وفي ظل النظام الدولي الجديد.

العقوبات ومواقف الدول منها

         صدر يوم 11 نوفمبر 1993، قرار مجلس الأمن الرقم 882 بتصعيد العقوبات ضد ليبيا، لعدم تسليمها المتهمين، وقد صوت لصالح لهذا القرار 11 دولة، وامتنعت أربع دول عن التصويت (الصين، والمغرب، وجيبوتي، وباكستان)، في حين لم تعارضه أي دولة . ويعد أبرز ما جاء في قرار تصعيد العقوبات الرقم 882 الآتي:

  1. تجميد جميع الأرصدة الحالية، التي تمتلكها الحكومة الليبية في الخارج، مع استثناء الأموال، التي ستحصل عليها ليبيا من مبيعات النفط، أو المواد الزراعية.
  2. حظر استيراد ليبيا لبعض المعدات، الخاصة بصناعة البترول وتكريره.
  3. إحكام تنفيذ العقوبات المفروضة على ليبيا، المنصوص عليها في القرار الرقم 748.
  4. تُنفذ هذه العقوبات اعتباراً من أول ديسمبر 1993، ما لم تسلم ليبيا المتهمين.
  5. إذا سلمت ليبيا المتهمين خلال تلك المهلة فأنه يتم تعليق جميع العقوبات لمدة 90 يوماً.
  6. لإلغاء العقوبات يشترط مجلس الأمن، أن يقدَّم الأمين العام للمنظمة (خلال فترة تعليق العقوبات) تقريراً يفيد بأن ليبيا قد امتنعت بشكل كامل عن دعم الإرهاب، ونفذت مطالب كل من أمريكا وإنجلترا وفرنسا.
  7. موقف ليبيا من القرار الرقم 882

أ. وصفت الخارجية الليبية القرار بأنه غير عادل، ويعكس سيطرة الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، على مجلس الأمن.

ب. سبق صدور القرار، إعلان مندوب ليبيا الدائم في مجلس الأمن، استعداد المتهمين للمثول أمام محكمة في دولة ثالثة (سويسرا)، وأشار لرفض الدول الغربية لذلك.

ج. أعلنت الخارجية الليبية، أنها مازالت تحاول إقناع المتهمين، للمثول أمام محكمة في اسكتلندا، ولكن في الوقت نفسه أعلن القذافي رفض تسليم المتهمين، ودعوته لمحاكمتهما في ليبيا.

  1. موقف الدول المعنية بالأزمة

أ. الموقف الأمريكي

رحب المتحدث الرسمي للبيت الأبيض بصدور القرار، وعدم رفضه من أي من الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وذلك في إطار الالتزام الدولي لمجابهة الإرهاب، مع الإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية، مصممة على تقديم المسؤولين عن عمليات القتل الجماعي، إلى العدالة.

ب. الموقف البريطاني

(1) اعتبرت العقوبات الجديدة كافية لحمل ليبيا على تسليم المتهمين، ودعتها إلى التعاون مع القضاء الفرنسي، في حادث تفجير الطائرة الفرنسية.

(2) أعلن سفير بريطانيا في الأمم المتحدة عن استعداد بلاده، لتقديم الضمانات للسلطات الليبية من أجل محاكمة عادلة، في اسكتلندا.

ج. الموقف الفرنسي

(1) أكد سفير فرنسا في الأمم المتحدة، على أن صدور القرار كان ضرورياً، بعد أن فشلت ليبيا في تنفيذ مطالب الدول الغربية الثلاث.

(2) أعلنت الحكومة الفرنسية عن أملها، في أن تستفيد ليبيا من المهلة، التي منحها لها مجلس الأمن لتنفيذ مطالب القضاء الأمريكي والبريطاني والفرنسي.

تطورات الأزمة خلال عام 1994

         قدمت ليبيا اقتراحاً بمحاكمة المتهمين أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي (لقاء وزير الخارجية الليبي مع الأمين العام للأمم المتحدة في جنيف يوم 15 يناير 1994) وهو ما رفضته الدول الغربية المعنية بالأزمة، التي طالبت بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وصياغة التعليمات الاسترشادية الخاصة بأسلوب تنفيذ قرار العقوبات الجديد الرقم 882، تمهيداً لتنفيذه من جانب المجتمع الدولي.

         ظهور مؤشرات تشكك في الاتهام الموجه لليبيا (تراجع شاهد الإثبات الرئيسي عن أقواله، تصريح مدير المخابرات الأمريكية السابق بأنه توجد أهداف سياسية وراء الاتهام، دعوة المدعي العام البريطاني لأي شاهد بالتقدم لتقديم ما لديه من أدلة) وفي مقابل ذلك، أكد جون ميجور رئيس الوزراء البريطاني في 12 يناير، أنه لم يتوفر أي دليل حتى الآن على تورط أي جهة أخرى خلاف ليبيا، بما يعكس الحرص علي تحجيم ما تردد مؤخراً عن تورط إيران وسورية في الحادث، واستمرار الضغوط على القيادة الليبية.

         في 17 فبراير، رفضت الدول الغربية المعنية بالأزمة المقترحات الليبية في شأن تسليم المتهمين ومحاكمتهم أمام محكمة إسلامية. كما تصاعدت موجات الاتهام لدور ليبيا في مساندة الإرهاب. (تصريحات الرئيس كلينتون أمام الكونجرس، اتهام الأردن بأنها تأوي عناصر متورطة في اغتيال الدبلوماسي الأردني في لبنان) فضلاً عن تصريحات وزير الدفاع البريطاني من أن لدى ليبيا، إمكانيات لامتلاك أسلحة نووية خلال عشر سنوات، هو الأمر الذي حرصت ليبيا على نفيه، وسلامة موقفها من جميع الاتهامات.

         في 13 فبراير، صدر قرار محكمة العدل الدولية لصالح تشاد، فيما يتعلق بالنزاع حول أحقية إقليم أوزو، الذي قابلته ليبيا بنوع من المماطلة (التشكيك في نزاهة المحكمة، المطالبة بعودة 500 أسير ليبي، معظمهم في الولايات المتحدة الأمريكية، لتسليم الإقليم.

         في 22 مارس، قدمت ليبيا مقترحاً، بمحاكمة المتهمين أمام محكمة العدل الدولية، بقضاة من اسكتلندا، ورفضت بريطانيا هذا الاقتراح. وفيما يخص الأزمة الليبية التشادية، أرسلت ليبيا وزير خارجيتها إلى أنجمينا يوم 4 مارس 1994 لبحث ترتيبات وآليات تنفيذ قرار الانسحاب من إقليم أوزو، بما يعكس اعتدال ليبيا ومصداقيتها أمام المجتمع الدولي.

         في 8 أبريل صدر قرار مجلس الأمن بتمديد العقوبات لمهلة أخرى (حتى نهاية يوليه 1994) وهو ما يعكس ثبات طرفي الأزمة على موقفهما، من دون تغيير أو قبول حل وسط.

         رفضت الدول الغربية المقترح الخاص بمحاكمة المتهمين في إحدى الجزر البريطانية، التي تتمتع بالحكم الذاتي (تشانل ايلانوز)، أو المقترح الخاص بتسليم المتهمين إلى مصر، على ألاّ تسلمهما مصر إلى أمريكا أو بريطانيا، مع ضمان تسليمهما، عند موافقة الأطراف الغربية في لاهاي.

         في 5 أغسطس صدر قرار مجلس الأمن، بتمديد العقوبات المفروضة على ليبيا، لتنتهي في ديسمبر 1994.

         رفضت الولايات المتحدة الأمريكية مقترح ليبيا، بتسليم المتهمين لأمين جامعة الدول العربية، أو اللجنة السّباعية لحين الاتفاق على مكان المحاكمة. مع الاستعداد لقبول محاكمتهم في مقر الأمم المتحدة، أو محكمة العدل الدولية.

         في 30 نوفمبر تم تمديد العقوبات من قبل مجلس الأمن على ليبيا، من دون تعديل الفترة، لتنتهي في مارس 1995.

         توجيه دعوة تبناها عضو مجلس العموم البريطاني، لزيارة وفد ليبي رسمي إلى بريطانيا، يضم كلاً من محامي المشتبه فيهما. وبالفعل كان هناك أعداد وترتيبات للزيارة خلال شهر ديسمبر 1994، ولكن السلطات البريطانية رفضت أخيراً إعطاء تأشيرة الدخول.

         ذكرت صحيفة “ذي ديلي ريكورد” الإسكتلندية، أن وثائق صادرة عن أجهزة الاستخبارات الجوية الأمريكية تؤكد أن إيران هي المسؤولة عن تفجير طائرة لوكيربي، وليست ليبيا. وأن مسؤولاً إيرانياً كبيراً، هو آية الله محتشمي وزير الداخلية السابق، دفع عشرة ملايين دولار نقداً وبالذهب، إلى منظمة “أبو نضال”، ومنظمات أخرى، للقيام باعتداءات تستهدف بلداناً غربية، من بينها عملية لوكيربي. وذلك لأن طهران أرادت الانتقام رداً على إسقاط طائرة مدنية إيرانية، فوق مياه الخليج في يوليه 1988، بواسطة صاروخ أطلقه الطيران الأمريكي “يو. أس. أس فنس”، عن طريق الخطأ، حسب الرواية الأمريكية.

         خلال شهر أكتوبر 1994، شهدت المشكلة تطوراً إيجابياً ملحوظاً تجاه الشق الفرنسي، حيث تمت مقابلة بين القاضي الفرنسي (الخاص باستكمال التحقيقات حول تفجير طائرة يوتا)، مع القاضي الليبي بمدينة جربة في تونس. ولم يتم التوصل إلى حل يرضي الطرفين، حيث طلب القاضي الفرنسي استكمال التحقيقات في باريس، ورفض القاضي الليبي هذا الطلب. وظهرت مؤشرات عن إعلان القاضي الفرنسي بمحاكمة المتهمين غيابياً، وفي حالة إدانتهم يمكن لجوء أسر الضحايا لمطالبة الحكومة الليبية بالتعويضات. وبذلك ينتهي الشق الفرنسي من الأزمة، وبما يعود بالإيجاب على الموقف الليبي، ويزيد من تفكك التكتل الثلاثي الغربي تجاه تصعيد العقوبات.

الفصل الخامس: الجهود المبذولة لحل الأزمة

الجهود المصرية

          عند ظهور الأزمة، حدث نوع من التنسيق بين مصر وليبيا في إدارة الأزمة، الأمر الذي قد يكون أحد العوامل المفسرة للسلوك الليبي، الذي اتسم بالمرونة في إدارة الأزمة.

          وقد أيدت الأجهزة السياسية المصرية الرسمية، وشبه الرسمية، والشعبية على كافة مستوياتها، الموقف الليبي، الذي أتسم بالمرونة. وقد طُرح العديد من الأفكار، التي يمكن من خلالها علاج الأزمة بالأسلوب السلمي، واستناداً إلى أحكام القانون الدولي، باعتبار أن هذه المشكلة قانونية في الأساس، ومن ثم يمكن التوصل إلى حل بشأنها، وفقاً إلى قواعد وأحكام القانون الدولي.

          بداً واضحاً أن الدبلوماسية المصرية سعت إلى تطويق الأزمة، وذلك من خلال حصرها في النقاط القانونية، بحيث لا تصل إلى مستوى الأزمة السياسية بين ليبيا والغرب. ولكن مع استمرار تصعيد الغرب لهذه الأزمة، وتحولها إلى أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وما يعنيه من إمكانية فرض عقوبات على ليبيا، تصل إلى حد استخدام القوة لإجبارها على تنفيذ هذا القرار، تغير الهدف المصري، وأصبح يدور في نطاق العمل من أجل الحد من تصعيد الأزمة، والتركيز على تجنب استخدام القوة ضد ليبيا، من قبل الغرب، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية. ومن ثم تركز الجهد المصري على إقناع الطرف الغربي، بالامتناع عن استخدام البديل العسكري تجاه ليبيا.

          في تصريح للرئيس مبارك، أشار إلى موقف مصر الواضح، لتسوية هذه الأزمة عن طريق الحوار والتفاهم، مع كافة الأطراف. مؤكداً أن مصر تنبذ كافة أشكال الإرهاب. كما أنها لا توافق على استخدام القوة لحل المشكلات بين الدول. وأوضح أن مصر تبذل جهودها المكثفة، ليكون الحوار والتفاهم وحل المشكلة بالطرق السلمية، بديلاً عن المواجهة ومخاطرها، وبما يتفق واحترام كافة الأطراف للشرعية الدولية.

          أكد وزير الخارجية المصري معارضة مصر، للقيام بأي عمل عسكري ضد ليبيا؛ مؤكداً أن مصر يهمها في المقام الأول الشعب الليبي، واستقرار ليبيا، ويهمها أيضاً تطبيق الشرعية الدولية.

          ومع استمرار الطرف الغربي في التصعيد، وظهور اتجاه لفرض عقوبات على ليبيا، أتجه الجهد الدبلوماسي المصري، في محاولة لتأجيل صدور قرار بفرض هذه العقوبات، بقدر الإمكان، حتى تتاح الفرص الكافية للحوار مع القيادة الليبية، من أجل التوصل إلى حل. وفي الوقت نفسه بذلت مصر جهداً كبيراً من أجل التخفيف من حدة العقوبات، في حالة صدور قرار في هذا الشأن، وهو ما حدث بصدور القرار الرقم 748. وقد استندت مصر في هذا الجهد، إلى الأضرار الاقتصادية الجسيمة إلى ستلحق بها في حالة فرض عقوبات شديدة على ليبيا، وإلى وجود تيار شعبي قوي يتعاطف مع ليبيا، وترتبط مصالحه وعلاقاته مع ليبيا. وقد قال الرئيس مبارك في هذا الشأن:

          “إنني أعتقد أن شعبنا لن يرضى بالعقوبات شديدة القوة ضد ليبيا، وبصفة خاصة الدول المجاورة التي ستتأثر بأي حظر يفرض على ليبيا”.

          بصدور القرار 748، اتجهت الدبلوماسية المصرية إلى تهدئة الأجواء المحيطة بالأزمة، من أجل تجنب فرض عقوبات جديدة على ليبيا، مع مواصلة الجهود من أجل التوصل إلى حل للأزمة. وقد أكد الرئيس مبارك أن مصر، ستواصل جهودها من أجل التوصل إلى  حل للأزمة، في إطار مجلس الأمن، وجامعة الدول العربية.

          وفي الوقت نفسه، أكدت مصر أنها تحترم الشرعية الدولية، وأن هناك علاقات وثيقة بين الشعبين المصري والليبي، وحركة مستمرة بينهما لا يمكن منعها. وأكدت على أن الحدود بينهما ستظل مفتوحة، ورفضت وقف برامج التعاون مع ليبيا، بناء على الطلب الأمريكي.

          استمرت الاتصالات والمشاورات بين القيادة الليبية والمصرية، على كافة المستويات، خاصة بعد تصاعد أزمة اختفاء المعارض الليبي (منصور الكيخيا) في القاهرة. وفي إطار الحرص على تنسيق المواقف، وتبادل الآراء، والحد من الاحتمالات تردي العلاقات بين البلدين جرت زيارة وزير الإعلام المصري إلى ليبيا يوم 17 يناير 1994، واتصال بين الرئيسين المصري والليبي يوم 22 فبراير 1994، ورسالة القذافي التي سلمها المندوب الدائم لليبيا في جامعة الدول العربية يوم 22 فبراير 1994 إلى الرئيس مبارك، والتي تناولت الموقف في المنطقة بشكل عام.

          أشاد الرئيس الليبي القذافي يوم 3 مارس 1994 بالعلاقات بين مصر وليبيا، ووصفها بأنها متميزة وأخوية، وأن التنسيق شبه مستمر ودائم مع الرئيس مبارك، من أجل التوصل إلى حل للأزمة الليبية الغربية.

          في أعقاب صدور قرار مجلس الأمن (8 أبريل 1994)، بتمديد العقوبات لمهلة أخرى، وفي إطار الحرص على التنسيق والتشاور مع القيادة المصرية، زار وزير الصناعة الليبي مصر تم خلالها الاتفاق على تنفيذ بعض المشروعات المشتركة (مشروع مشترك لتصنيع السيارات بين البلدين ـ إنتاج شاشات التليفزيون ـ استيراد 50 أتوبيس سياحي مصري/..)

          كانت زيارة الرئيس حسني مبارك لليبيا في (27 يونيه 1994)، للتباحث حول آخر تطورات الموقف، بخصوص أزمة لوكيربي، وبتنمية العلاقات الثنائية بين البلدين، في كافة المجالات، والاتفاق على تنفيذ كثير من المشروعات المشتركة (إنشاء خط سكة حديد يربط بين مصر وليبيا ـ إنشاء بعض الشركات المشتركة). كما صرح الرئيس مبارك خلال زيارته لفرنسا يوم 12 يوليه 1994، على ضرورة إيجاد حل سلمي وعادل للأزمة.

          اجتمعت اللجنة العليا المصرية ـ الليبية المشتركة في القاهرة، خلال الفترة  2 ـ 7 أغسطس 1994، برئاسة رئيسي وزراء البلدين، للتنسيق والتشاور السياسي، ودعم التعاون في جميع المجالات.

          تم اتصال هاتفي بين الرئيس مبارك والقذافي يوم 12 أكتوبر 1994، في إطار تبادل وجهات النظر حول تطورات الأزمة والموقف في المنطقة في ظل تصاعد الموقف على الحدود العراقية ـ الكويتية.

          كما استمرت الاتصالات والمشاورات على كافة المستويات، وفي مختلف المجالات. (زيارة وزير الصناعة الليبي لمصر خلال الفترة 12 ـ 14 نوفمبر 1994 للاتفاق على تصنيع عربة مشتركة بين كل من مصر وليبيا والمغرب، وصول قافلة إغاثة ليبية لمصر، لمساعدة ضحايا السيول في صعيد مصر) كذلك استمر الدعم المصري لليبيا في أزمتها مع الدول الغربية، وقد برز ذلك من تصريحات الرئيس مبارك لصحيفة التايمز البريطانية، ودعوته الدول الغربية لتفهم موقف العقيد القذافي، وإبداء مرونة مع الموقف الليبي الجديد (نبذ الإرهاب/ ..).

          سعت مصر إلى عقد اجتماع في القاهرة، خلال شهر ديسمبر 1994، يضم وفداً ليبياً مكوناً من كل من عبدالعاطي العبيدي سفير ليبيا في تونس، الذي بيده ملف الحوار البريطاني ـ الليبي؛ وإبراهيم البشاري، مندوب ليبيا في جامعة الدول العربية، ومن الجانب البريطاني السفير البريطاني في القاهرة، وأحد المسؤولين الأمنيين، إلاّ أن الاجتماع الغي قبل ساعات، من دون إبداء أسباب من الجانب البريطاني.

دوائر التحرك الدبلوماسي المصري

الدائرة الدولية

كان التحرك الدبلوماسي المصري في هذه الدائرة على مستويين، مستوى الاتصالات الثنائية مع الأطراف الغربية، ومستوى العمل من خلال الأمم المتحدة على صعيد الاتصال مع الأطراف الغربية. وكانت اتصالات مكثفة بين الرئيس حسني مبارك، والرئيس الأمريكي جورج بوش، ومن بعده الرئيس كلينتون. وكذلك اتصالات مكثفة مع الرئيس فرانسوا ميتران، الذي التقى مع الرئيس مبارك غير مرة. واستمرت المحادثات في محاولة لتقريب وجهات النظر الغربية والليبية بشأن الأزمة. وكذلك تعددت اللقاءات البريطانية المصرية بشأن هذا الموضوع، ويبدوا أن الهدف المصري من هذه الاتصالات، كان يتمحور حول ما يلي:

إقناع الأطراف الغربية بعدم استخدام الخيار العسكري ضد ليبيا.أ.
إتاحة مهلة من الوقت، تكفي للتوصل إلى أسلوب لتطبيق قرار مجلس الأمن الرقم 731، بما يحقق الشرعية الدولية، ويحافظ على السيادة الليبية.ب.
التخفيف من حدة العقوبات المفروضة على ليبيا، وتجنب فرض عقوبات جديدة لأطول فترة ممكنة.ج.
1.
الدائرة العربية

كان التحرك المصري في نطاق الدائرة العربية، على مستويات ثلاثة (مستوى الاتصالات الثنائية مع القادة العرب، ومستوى جامعة الدول العربية، ومستوى الدبلوماسية الشعبية).

على مستوى اللقاءات الثنائية تعددت اللقاءات والاتصالات المصرية ـ الليبية بين الرؤساء والمسؤولين المصريين والليبيين، من أجل التوصل إلى أسلوب لمعالجة الأزمة. وكان التحرك المصري يستهدف ما يلي:
إقناع القيادة الليبية بضرورة استعدادها لتنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 731 أو على الأقل بعض بنوده.(1)
تقديم العون الفني لإدارة الأزمة بما يحقق أكبر قدر من المصالح الليبية.(2)
إقناع القيادة الليبية بضبط النفس وعدم التسرع والانفعال في التعامل مع الأزمة.

وفي نطاق اللقاءات الثنائية العربية، للتوصل لحل لهذه الأزمة، كانت لقاءات الرئيس مبارك بالرئيس بالتونسي زين العابدين بن علي، والملك الحسن الثاني، ملك المغرب، من أجل تنسيق الجهود العربية. ويبدو كذلك أن القاهرة رأت إمكانية توظيف مثلث القاهرة ـ الرياض ـ دمشق من أجل زيادة فعالية التأثير على الأطراف الغربية وكان الهدف من التحرك على هذا المستوى ما يلي:

(3)
إقناع المملكة العربية السعودية بضرورة، المشاركة في التأثير على القيادة الأمريكية.(1)
إقناع الأطراف العربية بأن مصر، لا تريد الانفراد بحل هذه الأزمة وذلك نظراً لبعض حساسية هذه الأطراف من التحرك المصري تجاه ليبيا.(2)
أ.
التحرك من خلال جامعة الدول العربية

وقد استهدفت خلق موقف عربي موحد تجاه هذه الأزمة، يؤيد ليبيا ويلتزم، في الوقت نفسه، بقواعد الشرعية الدولية. وقد واجه التحرك الدبلوماسي المصري صعوبات كبيرة، خاصة أنه يتم في ظل مناخ عربي غير مناسب، وفي حالة من التفكك والضعف العربي لم يسبق له مثيل، بفعل تداعيات حرب الخليج الثانية. إضافة إلى أن موقف ليبيا من حرب الخليج، لم يكون مقبولاً من بعض الأطراف الخليجية. وعلى الرغم من الصعوبات، نجحت الجهود المصرية في نطاق جامعة الدول العربية، من تأييد الموقف الليبي. وتم الاتفاق على تشكيل اللجنة السباعية برئاسة الأمين العام لجامعة الدول العربية، ومشاركة مصر، ودول مجلس التعاون المغاربي وسورية، ويلاحظ عدم مشاركة دول الخليج في هذه اللجنة.

وقد واصلت مصر جهودها من خلال هذه اللجنة، التي يعتبر وجودها في ذاته، ذا دلالة رمزية على وجود جهد عربي، وموقف عربي تجاه الأزمة، في زمن عربي صعب.

ب.
التحرك من خلال الدبلوماسية الشعبية

شاركت مصر بوفود، من مختلف الهيئات والنقابات والأحزاب والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية، في كافة المؤتمرات والندوات، التي عقدت في ليبيا وعبّرت الوفود المصرية عن دعمها وتأييدها للشعب الليبي في هذه الأزمة، وهو أمر ذو قيمة معنوية، وأن كان قد أفتقد إلى فِعْلٍ مؤثر على أرض الواقع.

ج.
2.
  1. الجهود العربية

منذ ظهرت الأزمة، حدث تباين في درجة تأييد موقف ليبيا. فقد دعت دول إلى اتخاذ موقف مضاد للتحرك، والاتهامات الأمريكية (العراق ـ السودان). كما دعت دول عربية أخرى، إلى ضرورة ضبط تصعيد الموقف، حتى لا يصل إلى مرحلة الصراع المسلح (سورية، والأردن، والجزائر)، بينما اكتفت دول أخرى بالإشارة إلى إجراء اتصالات للوساطة (السعودية).

بعد صدور قرار مجلس الأمن الرقم 748، رفضته غالبية الدول العربية، واعتبرته تشدداً من جانب الدول الغربية لا مبرر له، خاصة أن الجانب الليبي أبدى تجاوباً لحل الأزمة. ولكن على الرغم من الاعتراض، إلاّ أن الجميع سارعوا إلى تطبيق القرار، تعبيراً وامتثالاً لاحترام الشرعية الدولية. وبذلت دول عربية مساعٍ حميدة، في محاولة منها لاحتواء الأزمة، والوصول إلى حل وسط (تونس، والمغرب، والمملكة العربية السعودية).

وقد عقدت اللجنة السباعية العربية اجتماعاً في الرباط، برئاسة الملك الحسن الثاني، ملك المغرب، قبيل بدء تطبيق العقوبات على ليبيا. ويبدو أن اللجنة لم تتوصل إلى نتائج إيجابية، في هذا المجال. وقد تعددت مساعي الملوك والرؤساء العرب، للتوصل لحل للأزمة من خلال الاتصال المباشر بالأطراف الغربية. وأبرز هذه الجهود ما بذله الرئيس زين العابدين بن علي، والملك الحسن، ولكن معظم هذه الجهود لم تحقق نتائج واضحة.

وعلى المستوى العربي أيضاً، تعددت مؤتمرات الاتحادات العربية، والنقابات المهنية العربية، التي عقدت في ليبيا، وفي بعض العواصم. وقد أصدرت هذه اللقاءات البيانات المؤيدة للموقف الليبي، وهو ما يعني أن  هناك تياراً واسعاً من الرأي العام العربي، يؤيد عدالة الموقف الليبي ولكن، ينقص تحويل هذا التأييد إلى موقف ملموس، وهو أمر قد لا تسمح به الظروف العربية الراهنة.

ولقد بدا واضحاً، من خلال استعراض جوانب التحرك الليبي على الساحة العربية، أن ليبيا تسعى لجعل قضية لوكيربي قضية عربية، وليست قضية ليبية. وتحاول جاهدة استغلال عنصر الوقت، لتحقيق هذا الهدف. ويبدو من وجهة النظر الليبية، أن فرض العقوبات على ليبيا من شأنه زيادة قدرتها على تحقيق هذا الهدف، خاصة أن أثار تطبيق هذه العقوبات سوف تصل إلى أقطار عربية أخرى، ذات روابط اقتصادية وإنسانية بليبيا. ويؤكد هذا الرأي ما ذكره إبراهيم البشاري في حديث صحفي إذ يقول إن الأزمة لم تعد تمس ليبيا ذاتها، فالعقوبات تركت آثاراً قانونية على مواثيق العمل العربي المشترك، كما تركت آثار نفسية على المواطن العربي. وإذا تصاعدت، فإنها ستنقل المنطقة العربية إلى وضعية جديدة، لأن هناك عدم استقرار وأزمات في كثير من المناطق العربية. فإذا ما أضيف إليها عامل جديد، يتمثل في تصعيد المواجهة بين ليبيا والغرب، فإن هذا سيلحق تداعيات بالغة الخطورة.

أصدرت كل من جامعة الدول العربية، والأمانة العامة للمؤتمر الإسلامي، (مقرها جدة) ومجلس الشورى لاتحاد المغرب العربي، والأمانة للقيادة الشعبية الإسلامية العالمية (مقرها ليبيا) ما يفيد رفض الاتهامات الأمريكية والبريطانية ومطالبة التعاون من خلال المحافل الدولية للبحث عن الحقائق ومنع تنفيذ عمليات عسكرية ضد ليبيا.

بعد صدور قرار مجلس الأمن الرقم 882، الخاص بتصعيد العقوبات ضد ليبيا، أعرب الأمين العام لجامعة الدول العربية عن أسفه، لصدور القرار. وأفاد بأن الجامعة العربية كانت تأمل أن تتاح الفرصة الكاملة أمام الاتصالات والوساطة لتحقيق تسوية سلمية للأزمة لتفادي تصعيد العقوبات وانعكاساتها السلبية عل ليبيا والدول الجوار كما أعلن عن أمله في أن تؤدي الجهود إلى ستبذل حتى موعد تنفيذ العقوبات إلى تسوية للأزمة في إطار من الشرعية الدولية وبما يحافظ على سيادة ليبيا.

زار وفد ليبي برئاسة العقيد مصطفى الخروبي سورية يوم 15 يناير 1994، لتسليم رسالة إلى الرئيس حافظ الأسد، وإجراء اتصالات بالمسؤولين السوريين تتعلق بتطورات الموقف، وبما يعكس الحرص على استثمار لقاء الرئيس الأمريكي كلينتون والأسد (16 يناير) في الوساطة لدى الجانب الأمريكي لإيجاد مخرج للأزمة.

طلبت ليبيا يوم 6 مارس 1994، بواسطة أمين عام اللجنة الشعبية العامة للوحدة، بانعقاد اللجنة السّباعية المنبثقة عن الجامعة العربية، لإجراء المباحثات والمشاورات اللازمة حول أزمة لوكيربي، في إطار التحسب من تصعيد الموقف ضدها، من جانب الدول الغربية المعنية بالأزمة، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي مازالت تعالج الأزمة بتشدد وإصرار على مطالبها.

في إطار مساعي الجامعة العربية، الرامية لإيجاد حل للمشكلة الليبية الغربية، زار الدكتور عصمت عبدالمجيد، أمين عام الجامعة، ليبيا في 30 أبريل 1994، يرافقه فيها إبراهيم البشاري، مندوب ليبيا الدائم في الجامعة. وأجرى مباحثات مع العقيد القذافي، والمسؤولين، تضمنت الوقوف على آخر تطورات أزمة لوكيربي، خاصة في ظل رفض الدول الغربية للمقترح، الذي تقدمت به الجامعة في 15 أبريل (كطلب ليبيا)، والعمل على حل الأزمة.

أعلن الأمين العام للجامعة العربية يوم 2 مايو في ختام زيارته إلى ليبيا، (التقى خلالها بالقذافي والمسؤولين) أن الجامعة لا تزال على اقتراحها، بمحاكمة المتهمين الليبيين أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، وبقضاء من اسكتلندا. ويعد ذلك دعماً للموقف الليبي، وإحياء لجهود الوساطة.

وفي إطار مشاورات الجامعة العربية، وبناء على طلب الأمين العام، اجتمعت اللجنة السّباعية (المعنية بتطورات الأزمة) في 5 مايو، وشارك فيها مندوبا كل من دولة جيبوتي وسلطنة عُمان (عضوا مجلس الأمن)، في إطار المساعي العربية للتوصل إلى حل للأزمة الليبية الغربية.

أعلن الرئيس الجزائري، الأمين زروال، عن تضامن اتحاد المغرب العربي مع الشعب الليبي، في مواجهة ظروف الحظر المفروض على البلاد. وجاء ذلك أثناء انعقاد مجلس وزراء خارجية اتحاد المغرب العربي، الذي عقد في الجزائر في 18 يونيه 1994، وهو ما يعكس استمرار إيجابية دور الاتحاد المغربي، ودعمه للموقف الليبي.

زار الرئيس الجزائري الأمين زروال في 30 أغسطس 1994 ليبيا، زيارة رسمية استغرقت يومان لحضور احتفالات الفاتح من سبتمبر. كما زار الرئيس السوداني عمر البشير ليبيا في 31 أغسطس. وتؤكد هذه الزيارات دعم بعض دول الجوار للموقف الليبي، في أزمته مع الدول الغربية.

زار الدكتور عصمت عبدالمجيد، الأمين العام لجامعة الدول العربية، بريطانيا خلال شهر ديسمبر 1994، وأجرى مباحثات مع وزير الخارجية البريطاني. وشرح الموقف العربي الموحد، تجاه أزمة لوكيربي بضرورة محاكمة المشتبه فيهما أمام محكمة اسكتلندية، وفي غرفة في محكمة العدل الدولية في لاهاي. وشرح الأسباب، التي دعت الجامعة إلى تبني هذا الاقتراح وأشار الدكتورعصمت عبدالمجيد، إلى أن الاقتراح وجهود الجامعة العربية تؤكد تطبيق القانون الدولي، والالتزام بالشرعية الدولية، مع تهيئة المناخ والأجواء المناسبة، لإجراء محاكمة عادلة للمشتبه فيهما.

وقد أشار وزير خارجية بريطانيا، إلى صعوبة تنفيذ اقتراح الجامعة، لأن الأمر يستدعي إصدار تشريعات من البرلمان البريطاني، حتى يتم إخراج المحكمة الاسكتلندية ونقلها إلى لاهاي. وطرح الدكتور عصمت عبدالمجيد، فكرة إصدار قرار من مجلس الأمن بتبني وجهة النظر العربية، وآلية الجامعة لحل الأزمة، وبهذه الطريقة يكون القرار صادر من أعلى سلطة دولية، يمكن من خلاله تجنب قرار السلطة المحلية. يتم الاستعاضة بهذه الطريقة، عن إصدار مثل هذا التشريع. إلاّ أنّ المسؤول البريطاني، التزم ـ في النهاية ـ بموقف الدول الغربية المعنية بالأزمة. وهذا هو ما يفسر حالة التشدد الغربي في الأزمة الليبية، ويفسر، أيضاً، السعي المصري الدائم لاستخدام عامل الوقت في إدارة هذه الأزمة، والتخفيض من حدة التوتر بين طرفيها، حتى تنخفض درجة نشوة النصر الغربي، ويستعيد الحق مكانته على حساب عاطفة نشوة الانتصار.

تظهر من آن لآخر تصريحات، من جهة غير رسمية غربية، بأن هناك أطرافاً أخرى غير ليبية، مسؤولة عن تفجير الطائرة الأمريكية. وترتكز هذه التصريحات حول تورط إيران، ووجود قرائن ودوافع لذلك. وفي الوقت نفسه، يوجد انفراج للأزمة الليبية الفرنسية، يبدو أنه سيصل إلى حل بالطرق السلمية، يرضي طرفي النزاع في المدى القريب.

وقد حدث الانفراج في هذا المناخ، فتسارعت الأحداث خلال الأسبوع الأخير من أغسطس 1998، ويمكن تقسيم الفترة من أغسطس 1998، حتى أبريل 1999، إلى مستويات ثلاثة متوازية:

أ. المستوى الأول

ضمان القبول المتبادل بين ليبيا، وكل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لفكرة محاكمة المشتبه فيهما الليبيين أمام محكمة اسكتلندية، تقام في هولندا. على أن يتم تسليم المشتبه فيهما إلى هولندا. وفي إطار هذا المستوى، يمكن القول بأن الاقتراح بدأ من ليبيا، من دون تحديد هولندا، ثم قبلت الدولتان الاقتراح ببعض التفاصيل، التي قبلتها ليبيا بدورها.

ب. المستوى الثاني

تأكيد الفكرة وتوثيقها بقرار مجلس الأمن الرقم 1192، في أغسطس 1998، المتضمن تبادل المقترحات الليبية، من خلال المسعى المشترك للمنظمات الإقليمية الثلاث (الأفريقية والعربية والإسلامية)، مع المقترحات الغربية في رسالة ممثلي بريطانيا والولايات المتحدة في الأمم المتحدة. ثم الانتقال إلى مرحلة التفاوض حول ترتيبات التسليم وضمانات المحاكمة، وهي عملية أشترك فيها الخبراء القانونيين، عن الأمم المتحدة وليبيا. كما شاركت فيها المملكة العربية السعودية وجنوب أفريقيا، لطمأنة ليبيا وتشجيعاً على التسليم، الذي تحدد له يوم السادس من أبريل 1999. وفي هذه الأثناء زار نلسون مانديلا، رئيس جنوب أفريقيا، ليبيا، وحضر اجتماعات اللجان الشعبية، التي أحيطت بهذه التحركات. وأعلن في 19 مارس، أمام مؤتمر الشعب العام، أن ليبيا سلمت مانديلا رسالة تتضمن استعدادها لتسليم المشتبه فيهما إلى الأمين العام للأمم المتحدة، في إطار اتفاق يتضمن ما يلي:

  • مثول المشتبه فيهما أمام محكمة اسكتلندية، تتخذ مقرها في هولندا، باتفاق خاص بين هولندا وبريطانيا، ويحضر المحاكمة مراقبون دوليون، يعينهم الأمين العام، بالتشاور مع المملكة العربية السعودية وجنوب أفريقيا.
  • إذا أدين المتهمان فسوف يقضيان العقوبة في اسكتلندا، تحت أشراف الأمم المتحدة، ويسمح لليبيا بفتح قنصلية لها في اسكتلندا لمتابعة ذلك.
  • فور وصول المشتبه فيهما إلى هولندا، يتم تجميد الجزاءات، ثم ترفع نهائيا خلال 90 يوماً من تقديم الأمين العام تقريراً، يخبر فيه مجلس الأمن بتمام التسليم.

ج. المستوى الثالث

وهو تسليم المشتبه فيهما في 5 أبريل 1999 إلى هولندا، بحضور ممثلين عن الأمم المتحدة والمملكة العربية السعودية وجنوب أفريقيا ومصر.

وقد أعقب ذلك إعلان عدد من الدول تعليق العقوبات، كما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية استمرار الحظر الأمريكي المفروض على ليبيا منذ عام 1986، وإصدار الاتحاد الأوروبي بياناً باستمرار حظر المعدات العسكرية. وفي 8 أبريل 1999 أصدر رئيس مجلس الأمن بياناً أوضح فيه حصيلة اجتماع مجلس الأمن في ذلك التاريخ، عن الموضوع وأهمها، أنه تلقى رسالة يوم 5 أبريل من الأمين العام بوصول المشتبه فيهما إلى هولندا، فضلاً عن رضا السلطات الفرنسية عن وفاء ليبيا لمتطلبات قرار مجلس المجلس الرقم 1192، في 27 أغسطس 1998، وهو التعاون مع فرنسا بشأن حادث الطائرة الفرنسية UTA  فوق النيجر، وشكر رئيس المجلس في بيانه، كل من ساعد على الوصول إلى هذه النتيجة، خاصة جنوب أفريقيا والمملكة العربية السعودية، ودور كل من المنظمات الإقليمية الثلاث في القضية، فضلاً عن حركة عدم الانحياز. وتضمن البيان، كذلك، تجميد العقوبات المفروضة على ليبيا بموجب قراري المجلس 748، و882، تنفيذاً للقرار 1192 عام 1998، بعد وفاء ليبيا بمتطلباته، ابتداء من تاريخ تسليم مذكرة الأمين العام بهذا الشأن يوم 5 أبريل 1999، إلى مجلس الأمن.

وهكذا انتقلت قضية لوكيربي من نزاع بين ليبيا، والولايات المتحدة الأمريكية، إلى العدالة البريطانية، وعند هذا الحد لا تزال المخاوف السابقة قائمة، وهي أن تجر القضية ليبيا الدولة إلى الإدانة، مما قد يجدد الأزمة في بعدها الدولي، في ظل مناخ أشد خطورة ضد ليبيا، ويتوازى مع المرحلة الثانية بدء الحوار الليبي البريطاني الأمريكي، حول تطبيع العلاقات بينهما. وإذا كانت الشرعية الدولية، التي أسسها مجلس الأمن في قضية لوكيربي، وإذا كان إنهاء أزمة لوكيربي في زاويتها الدولية، بعد سبع سنوات من الجزاءات، حدثاً مهماً في نهايات هذا القرن، فمن المناسب أن نبحث في الأسباب والعوامل التي أدت إلى هذه النتيجة. الإجابة الفورية من جانب الغرب (بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية) هي: أن استمرار صرامة الجزاءات ضد ليبيا، هو الذي أخضع تعنتها وأرغمها على التسليم إلى دولة ثالثة. ولكنه في النهاية تسليم المشتبه فيهما إلى ساحة العدالة إلى هولندا، بمؤسساتها وقوانينها الإجرائية والموضوعية. وقيمة هذا التحليل تكمن في أن الدولتين تريدان أن تضفيا الشرعية القانونية، والمبرر المنطقي، لتصرفهما ولنظام الجزاءات الدولية الذي ابتدع خصيصاً لهذه الحالة، خلافاً لفلسفة الجزاء في الميثاق. أما أجابتنا على هذا السؤال، فهي أن هناك عدداً كبيراً من العوامل، أسهم في تحقيق هذه النتيجة، وأهمها:

  • صمود ليبيا وحرصها على سيادتها، وتمسكها بالقانون الدولي، وبحقوقها، مع ميلها للمرونة وتحقيق التسوية السياسية.
  • مساندة العالم الثالث (العربي والإسلامي والأفريقي) للموقف الليبي، وجسارة الممارسات الأفريقية تجاه الحظر، خاصة موقف مانديلا الذي دافع بشجاعة عن سياسته تجاه ليبيا، في وجه الانتقادات الأمريكية.
  • انسحاب فرنسا، وتعاون ليبيا مع السلطات القضائية الفرنسية في حادث الطائرة الفرنسية، وكذلك دبلوماسية ليبيا إزاء أسر ضحايا لوكيربي.
  • استمرار الجزاءات بآثارها المدمرة مدة طويلة، من دون أن تقدم الدولة المدعية ما يدعم دعواها.
  • قرار محكمة العدل الدولية، نهاية فبراير 1998، باختصاصها دون غيرها بنظر النزاع، بموجب أحكام اتفاقية مونتريال.
  • وعندما يقدم الأمين العام إلى مجلس الأمن نتائج التحقيق، ترفع العقوبات ويسدل الستار على إحدى مآسي هذا القرن.

          ومنذ الخامس من أبريل 1999، تاريخ تسليم المتهمين الليبيين، ووصلوهما إلى هولندا، والعالم يحبس أنفاسه انتظاراً لما يسفر عن التحقيق، وعلى الرغم من ذلك بدأت بعض الشائعات تتسرب عن وجود صفقة بين الأمين العام للأمم المتحدة وليبيا.

الفصل السادس انعقاد المحكمة

         انعقدت في 5 أبريل 2000، بقاعدة زايست بهولندا، محاكمة الليبيين عبدالباسط المقراحي والأمين خليفة فحيمة، المشتبه فيهما بتفجير طائرة شركة “بان آم” الأمريكية، فوق بلدة لوكيربي الأسكوتلندية، في 21 ديسمبر 1988، قبل أحد عشر عاما.

         كان نحو 20 من أقارب المقراحي وفحيمة، و30 من أقارب الضحايا الأمريكيين، ومثلهم من البريطانيين، قد حضروا الجلسة الافتتاحية، إلى جانب المراقبين الدوليين الخمسة، الذين عينهم الأمين العام للأمم المتحدة، وعشرات من الصحفيين.

         وبعدما سوّيت بعض الجوانب الإجرائية، بين الدفاع والادعاء، وتُليت لائحة الاتهام بحق المقراحي وفحيمة، من قِبل كاتب المحكمة، الذي سجل، أيضاً، أن المشتبه فيهما ينفيان الاتهامات الثلاثة الموجهة إليهما.

         وفي مستهلّ مرافعته، قال محامي المقراحي، وليام تيلور، إنّ موكله يرغب في استدعاء عدد من الشهود، وأنه قدّم قائمة بهم. من جهته قال محامي فحيمة، ريتشارد كين، إنه، أيضاً، سلّم قائمة بالشهود، وأنه سيقدم لاحقاً قائمة بستة شهود إضافيين، بمن فيهم المدعو محمد أبو طالب المعتقل في السويد، والمشتبه في انتمائه لجماعة “أحمد جبريل ـ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة”، وآخرون يعملون في مخبز، في العاصمة المالطية.

         قال محاميا المتهمين الليبيين، إنّ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة، بزعامة أحمد جبريل، وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني المنشقة عنها، مسؤولتان عن هذا الاعتداء. وأنهما سيقدّمان إلى المحكمة، أدلة من شأنها تجريم، ما لا يقل عن عشرة من الأعضاء الناشطين في جبهة النّضال الشعبي الفلسطيني، وعدد من عناصر الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة.

         وتشتمل الوثيقة، أيضاً، على أسماء ثمانية مسؤولين آخرين، في هذا التنظيم. ولكن لم يقدم الدفاع أي تفاصيل، عن هؤلاء الأشخاص، باستثناء ثلاثة منهم.

         ويواجه المقراحي وفحيمة تهماً ثلاث، هي: “التآمر للقتل” و”القتل” و”انتهاك قانون السلامة الجوية”. وتتعلق التهمة الأولى، التي تشكل أساساً للتهمتين الأخريين، بحصولهما على أجهزة توقيت لتفجير القنبلة، والاحتفاظ بمواد متفجرة، ووضعها مع جهاز التوقيت داخل جهاز راديو / مسجل، ووضع الجهاز داخل حقيبة مع ملابس اشتراها المقراحي، حسبما يزعم الادعاء، من متجر في العاصمة المالطية، وأخيراً وضع الحقيبة على متن الطائرة المالطية، التي أوصلتها إلى فرانكفورت، حيث وضعت على متن طائرة تابعة لـ “بان آم”، أوصلتها إلى لندن، لتستقر على متن الطائرة المنكوبة، المتجهة إلى مطار كنيدي في نيويورك.

         وبعد الانتهاء من الإجراءات الرسمية، الخاصة بالمحكمة الأسكوتلندية، بدأ الادعاء، الذي عليه إثبات إحدى التهم الثلاث، باستدعاء الشهود. فاستمع إلى مسؤول المراقبة الجوية في مطار هيثرو، ريتشارد دوسن، الذي قدم شرحاً لتقسيمات نظام المراقبة الجوية الأربعة الرئيسية، للمجال الجوي البريطاني. وبعد انتهائه من شهادته، سأل القاضي، اللورد سذرلاند، الدفاع إن كان يريد استجواب الشاهد. فلم يرغب الدّفاع في ذلك. ثم استُدعى شاهد آخر، روبرت كورت، وهو مراقب جوي، كان يؤدي مهامه وقت وقوع الكارثة. وشرح الشاهد الارتفاع، الذي كانت تحلق عنده الطائرة واتجاهها. وكذلك لم يشأ الدفاع مساءلة هذا الشاهد أيضاً. ثم استدعى شاهد ثالث، جون توب، وهو مراقب للملاحة الجوية في أسكوتلندا. وشرح، أيضاً، ارتفاع الطائرة ومسارها قبيل الكارثة.

         وباستثناء بعض الأمريكيين، فإن جل الحاضرين قدّروا أن من السابق لأوانه، الحكم على سير المحاكمة ونزاهتها. وقد عيّن الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي أنان، خمسة دبلوماسيين مراقبين للمحاكمة. وقد قال أحدهم: “دورنا هو المراقبة فقط، والمحاكمة ما زالت في بدايتها، لكننا إذا وجدنا ما يقلقنا حيال سيرها، فإننا سنبلّغ فوراً الأمين العام للأمم المتحدة، وكذلك منظماتنا”.

         ومن جهة أخرى، قال الدكتور جيم سواير، المتحدث باسم الضحايا البريطانيين، إنه يشعر بارتياح بالغ لانعقاد المحكمة. وقال: “طيلة سنوات قال لنا السياسيون، إن المحاكمة مستحيلة، وها نحن الآن نحضرها. والقرار بات الآن بيد المحكمة”.

         واللافت أن ليبيا قررت حضور المحاكمة إعلامياً، بشكل مكثف. فقد أوفد التليفزيون الليبي بعثة لتغطية وقائعها. وتبث البعثة يومياً رسالة تليفزيونية إلى ليبيا، إضافة إلى تغطية مستمرة لصالح وكالة الأنباء الليبية “جانا”. ويذكر أن جلسة محاكمة لوكيربي، عُلقت فترة من الزّمن، للقيام بأعمال فنية عاجلة، بعد أن حالت مشاكل في نظام الصوت، دون سماع بعض أعضاء المحكمة لوقائع الجلسة، بشكل جيد.

المتهمان والادعاء

  1. عبدالباسط المقراحي

         ولد في طرابلس عام 1952، وكان موظفاً في الخطوط الجوية الليبية في مالطة، وقت انفجار طائرة “بان أمريكان” فوق لوكيربي. وتقول الشرطة الإسكوتلندية إن وظيفته كانت غطاء لعمله الحقيقي، كضابط استخبارات ليبي. وقد درس المقراحي في الولايات المتحدة في السبعينيات. ويقول الادعاء إنه كان يستخدم أربعة جوازات سفر. وعندما صدر قرار الاتهام ضده، في عام 1991، قال المقراحي: “إنه رجل يحب الحياة الهادئة، ولم يقع أبداً في مشاكل مع أحد”. ويدافع عن المقراحي المحامي ويليام تايلور.

2. الأمين خليفة فحيمة

         ولد عام 1956 في سوق جمعة في ليبيا، وكان مدير محطة الخطوط الليبية في مالطة، وقت وقوع انفجار لوكيربي. ينفي فحيمة، المتزوج ولديه خمسة أطفال، أن يكون قد عمل مع الاستخبارات الليبية، ويؤكد أنه رجل عائلي. ويدافع عنه المحامي ريتشارد كين.

المدعي العام الإسكوتلندي اللورد كولين بويد

         يمثل اللورد بويد الادعاء، في ما يتوقع أن يكون أطول وأغلى محاكمة في تاريخ القضاء البريطاني فقد تستغرق 18 شهراً، وتتكلف حوالي 100 مليون جنيه إسترليني (حوالي 160 مليون دولار). تسلم كولين بويد منصبه، بعد استقالة المحامي العام السابق، لورد هاردي، في فبراير 1999، في ظروف أثارت جدلاً. وفشل كولين بويد، أول توليه الإدعاء، في محاولة لتأجيل المحاكمة، بدعوى أنه لم يحصل على تفاصيل كاملة من الشهود الـ 119، الذين سيجلبهم الدفاع. ويساعده فريق يضم المحامي اليستر كامبل، والمحامي آلان ترنبول.  

دور منظمة أحمد جبريل في الحادث

         رفضت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ التي يتزعمها أحمد جبريل ـ الاتهام، الذي وجهته هيئة المحامين عن دور الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في حادث تفجير الطائرة. وقالت الجبهة، إنّ أصابع الاتهام في هذه الكارثة، تشير إلى المخابرات الإسرائيلية. وقال طلال ناجي، الأمين العام المساعد للجبهة، “إنّها أكدت، منذ بداية أزمة طائرة لوكيربي، عدم علاقتها إطلاقاً بهذه الحادثة، التي سبق لبعض الأوساط والجهات في بريطانيا والولايات المتحدة، أن حاولت اتهام الجبهة بها، بعد شهرين على وقوعها. وقد نفت الجبهة مراراً علاقتها بهذه الحادثة. وذلك أنّ الجبهة، لم يسبق لها أن نفذت عمليات، ضد أهداف مدنية، أو طائرات، وهي، منذ بداية انطلاقتها، تركز كفاحها ضد العدو الصهيوني، وأهدافه داخل فلسطين المحتلة”. واستغرب ناجي ما “ورد على لسان محامي الدفاع (عن الليبيين) في هذا الصدد. وقال: إن أصابع الاتهام يجب أن توجه إلى العدو الإسرائيلي، خاصة “الموساد”، بالتعاون مع بعض الجهات الخارجية”. ويعتقد ناجي أن لجوء هيئة الدفاع، إلى إلقاء اللوم على الجبهة، هو عودة للتهمة الأمريكية ـ البريطانية، التي ظلت توجه للجبهة لمدة ثلاث سنوات (1988 ـ 1991)، قبل توجيه الاتهام إلى ليبيا. وأكد ناجي أن الجبهة لا تعتقد، أن ليبيا تقف وراء هذه الحادثة.

         وعن الفلسطيني، محمد أبو طالب، الذي ورد ذكره في المحاكمة، قال ناجي: “إنّ (أبو طالب) لا علاقة له بالجبهة الشعبية، لا من قريب ولا من بعيد. ولم يكن يوماً عضواً في الجبهة. وهو معتقل الآن في السويد، ويمكن الاتصال به”.

         ومن المعروف، أن الجبهة تأسست عام 1964، تحت اسم “جبهة التحرير الفلسطينية من أجل تحرير فلسطين”. وبعد نكسة يونيه 1967، انضمت جبهة التحرير الفلسطينية، التي يتزعمها أحمد جبريل إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي أسسها الدكتور جورج حبش، في نوفمبر من العام نفسه، لكنها انشقت عن الجبهة عام 1968، باسم الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة. وقال جبريل في تبريره للانشقاق، إنه يريد التركيز أكثر على العمل العسكري، بدلاً من الإعلام والدعاية. وفي السبعينيات، انشق محمد عباس (أبو العباس) عن القيادة، ليشكل فصيلاً يحمل الاسم الأول للقيادة العامة. وتعدّ الجبهة من أشد الفصائل الفلسطينية معارضة للحلول السلمية، لا سيما اتفاقات أوسلو. وتقف موقفاً معادياً للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وخاضت ضد قواته معارك ضارية في لبنان، لا سيما في المخيمات الفلسطينية، في محيط مدينة طرابلس. ودعت إلى اغتيال عرفات أكثر من مرة، خاصة بعد أن وصفته بالخيانة، بعد توقيع اتفاق أوسلو في سبتمبر 1993.

         وتتخذ الجبهة من دمشق مقراً لها، فضلا عن قواعد عسكرية في لبنان. كما أن لها وجوداً محدودًا، في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد تخصصت القيادة العامة بالعمليات الخاصة، إذ نفذت عدداً من العمليات عبر الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية، مستخدمة وسائل غير مألوفة، مثل الطائرة الشراعية للتغلب على السياج الإلكتروني، الذي تقيمه إسرائيل على طول الحدود مع لبنان.

القذافي والمحاكمة

         أكد الزعيم الليبي معمر القذافي، أنه سيحترم الحكم، الذي ستصدره محكمة قضية لوكيربي. وقال: إنّ كل الأطراف اتفقت، على قبول حكم المحكمة. لكنه رفض افتراضاً بأن الليبيين المتهمين في تفجير الطائرة فوق لوكيربي، كانا يعملان وفقاً لتوجيهات مباشرة من ليبيا، وعدّه افتراضاً سخيفاً.

         وصرّح القذافي، في حديث لشبكة تليفزيون سكاي، أذيع قبل ساعات من بداية المحاكمة، أن الليبيين سيتحملان المسؤولية بشكل منفرد، إذا ثبت، بعد المحاكمة، أنهما مذنبان. فالأمر الآن في يد القضاء، ولم يعد مسألة سياسية بل قانونية. وأوضح، أنه لن يقبل إجراء المزيد من التحقيقات، المتعلقة بتفجير الطائرة في ليبيا، إذا ثبتت إدانة المتهمين. ولكنه استدرك أن ذلك، في الحقيقة، أمر غيرُ مرجّح أو محتمل. فالمحكمة ستحاكم هذين المتهمين فقط، وهي معنية بهما فقط، إلاّ أنها إذا تجاوزت ذلك، ستدور في حلقة مفرغة. وأضاف، أن المسؤولية في ما يتعلق بهذا الأمر منفردة، وأن المحاكمة ستجرى للحكم عليهما، وليس على ما إذا كانا من عملاء المخابرات الليبية، وأن المحكمة ستعقد لمعرفة ما إذا كانا مذنبين أم غير مذنبين، وما إذا كانا ارتكبا هذا العمل أم لا، والمحكمة غير معنية بما إذا كانوا من المخابرات الليبية أم لا. وقال القذافي: إنه لا يتحمل منذ عام 1977 أي مسؤوليات سياسية أو إدارية في البلاد، لأنه سلّم السلطة للشعب الليبي.

         وقد سعى القذافي لإلقاء المسؤولية، على أقارب أي من ضحايا الطائرة الإيرانية، التي اسقطتها  سفينة حربية أمريكية، في الخليج عام 1988. وقال إن هؤلاء الضحايا، الذين قتلتهم الولايات المتحدة، لهم أقارب وأسر، وربما أخذوا بالثأر. وأنّ هذا لا يعني أن إيران، كدولة أو الحكومة الإيرانية، مدانة أو متهمة، فمسألة لوكيربي، مسألة فردية.

موقف أُسَر الضحايا، مِنَ البريطانيين والأمريكيين

         منذ حادثة انفجار (الرحلة الرقم 103)، فوق بلدة لوكيربي بإسكوتلاندا، في 21 ديسمبر 1988، ووفاة كل من كان على متن الطائرة، توقفت شركة “بان أمريكان” عن العمل. وظهر العديد من نظريات المؤامرة والشكوك، منذ ذلك الحين وإلى الآن. والذي لا شك فيه، أن الحادثة ظلت حية في عقول وقلوب كثير من ذوي الضحايا، بينما سلّم عدد منهم بقضاء الله وقدره، واستسلم لما حدث. ولكن الطبيب جيم سواير، الذي عُدّ المتحدث باسم عائلات الضحايا البريطانيين، خصص وقته منذ وقوع الحادثة للتوصل إلى الحقيقة، في مقتل ابنته فلورا، التي كانت من بين ركاب تلك الرحلة.

         ولعل محاكمة الليبيين، الأمين خليفة فحيمة، وعبدالباسط المقراحي، التي بدأت في هولندا في 5 أبريل 2000، تمثل الخطوة الأولى العملية في تحقيق العدالة، والوصول إلى الحقيقة، لكنها، كما يقول سواير،” ستكون خطوة أولى فقط”. “وفي نهاية المحاكمة سنعرف، ما إذا كان المتهمان مذنبين، إلاّ أن المحاكمة لن تجيب عن الكثير من الأسئلة الرئيسية لدينا”، وأهمها السؤال، الأكثر أهمية، وهو: من الذي أمر بتفجير الطائرة”؟

         وقد أورد الُمدّعون الأمريكيون والبريطانيون، في معرض اتهاماتهم عام 1991، أن المتهمَين هرّبا حقيبة داخلها قنبلة، إلى داخل طائرة من مالطة متجهة إلى فرانكفورت، ثم حوّلت إلى مطار هيثرو في لندن، ثم إلى طائرة “بان أمريكان” (الرحلة رقم 103)، المتجهة إلى الولايات المتحدة. حتى إذا أدانت المحكمة المتهمَين، فإنهما لا يمكن أن يكونا قد أقدما على تدبير هذه العملية، بمبادرة شخصية منهما. بمعنى آخر، لا بد أن تكون هناك جهة أخرى وراء هذا الحادث.

         لذلك، فإنّ جورج ويليامز، ممثل أسر ضحايا الطائرة من الأمريكيين، لا يساوره أدنى شك في أن السلطات الليبية، أمرت بتدبير تفجير الطائرة وتنفيذه. وتأكيداً لوجهة نظره، يقول ويليامز، إن المتهميَن الليبيين من عناصر المخابرات، وأنهما تلقيا تعليمات بتنفيذ هذه العملية. أما جيم سواير، ممثل أُسر الضحايا البريطانيين، فيبدو أقل تأكيداً، فيما يتعلق بدور السلطات الليبية، كما أنه أكثر ميلاً نحو نظرية ضلوع إيران، وإلى حد ما منظمة فلسطينية بسورية، في تدبير الحادث. فقد أَسقطت سفينة حربية أمريكية، طائرة ركاب إيرانية، قبل ستة أشهر من حادثة لوكيربي، مما أدى إلى مصرع 290 شخصاً كانوا على متنها. ويرى سواير أن هذا يُعدّ دافعاً كافياً لإقدام إيران، على الانتقام. ويرى سواير، كذلك، أن الدافع يعدّ أهم جانب ينبغي النظر إليه، إذا أريد حل لغز الإقدام على تفجير الطائرة.

         ويعكس اختلاف النظريات، وتباين الاتهامات، مدى معاناة أسر ضحايا الطائرة، وبحثهم المستمر عن الحقيقة، وتطبيق العدالة، إذ لدى بعض أسر الضحايا شعوراً، أنهم يسبحون عكس تيار نظريات المؤامرة المتعددة، وإحساساً بعدم إبداء حكوماتهم الاهتمام اللازم بالقضية. فكل أسرة تعاملت مع موت أحد أفرادها، في هذا الحادث، بطريقتها الخاصة. فبعضهم انسحب، وحاول الاستمرار في الحياة بصورة عادية، فيما حوّل آخرون الحزن والغضب، إلى نشاط مستمر سعياً لمعاقبة الجناة.

         وهكذا اختار الطبيب البريطاني جيم سواير “64 عاما”، طريق البحث المستمر عن الحقيقة، وفرّغ نفسه لذلك. فَقَدَ سواير ابنته فلورا، وهي طالبة طب متفوقة، قُبلت لتلقي دراسات عليا في الطب، بجامعة كمبريدج البريطانية. وحصلت فلورا على تذكرة سفر في آخر لحظة، إذ كانت في طريقها إلى الولايات المتحدة لقضاء عطلة عيد الميلاد. إلاّ أنّ فلورا لقيت حتفها قبل يوم واحد فقط، من عيد ميلادها الـرابع والعشرين. وتملأ صور فلورا جدران غرفة استقبال الضيوف، بالمنزل الريفي الذي  يملكه جيم سواير، في فينستول، وهي لا تبعد كثيراً عن مدينة بيرمنجهام. كما أن جيم وزوجته جين، زرعا غابة من 4500 شجرة، أطلقا عليها “غابة فلورا”. وأصبح البحث عن تحقيق العدالة، قضية أساسية لسواير، الذي ترك عمله كطبيب، حتى يتفرغ لهذا العمل. واضطرت هذه المهمة سواير للسفر إلى دول عديدة، والاتصال بعدد كبير من الشخصيات، ابتداء من الزّعماء الأفارقة، إلى جامعة الدول العربية، إلى الرئيس معمّر القذافي نفسه.

         ثم زار سواير ليبيا مرتين، بعد زيارته الأولى، مما أثار غضب الكثير من العائلات الأمريكية. فقد أعربت الأمريكية سوزان كوهين، التي فقدت ابنتها ثيودورا، عن استيائها من سفر سواير إلى ليبيا، وقالت: إن المحاكمة ليست ثمرة سفر سواير إلى ليبيا، وأنها “لا تعدو (أي المحكمة) أن تكون اتفاقاً، بعد أن حصل القذافي على كل ما يريده”.

من وقائع المحكمة في اليومين الأولين

         كُرّست الجلستان الأوليتان، من المحاكمة، لسماع إفادات شهود، من سكان بلدة لوكيربي والمناطق القريبة منها، ووصف ما شاهدوه عندما انفجرت طائرة الـ “بان آم” الأمريكية، فوق البلدة الإسكوتلندية، مساء 21 ديسمبر 1988، مما أسفر عن مقتل جميع من كانوا على متنها، إضافة إلى 11 شخصاً، من أهل البلدة.

         وكان بين الشهود ستيفن تيجل، الذي كان عائداً في سيارته من مقر عمله، عندما وصل إلى قرية في الطريق، اسمها جرين هيد، وشاهد وميضاً في السماء، قرابة السّاعة السابعة مساء. فقال: “لم يخطر ببالي في حينه، أن ما شاهدته كان مصدره طائرة، ولكن بعد حين شاهدت جسماً برتقالي اللون، يهبط ككرة نارية نحو الأرض. وعندما ارتطم بالأرض شاهدت كتلة نارية على شكل (V). عرفت أن منطقة ارتطام الجسم بالأرض، كانت باتجاه لوكيربي”. وأضاف، “عندما وصلت إلى البيت، وبعد أن تناولنا طعام العشاء أنا وزوجتي وأطفالي، قطع التليفزيون برامجه ليقول إن طائرة سقطت”.

         وبعد شهادة تيجل، استجوب الادعاء روبرت بيكوك، وهو من سكان قرية هايتي، التي تقع على بُعد ستة أميال قرب لوكيربي. قال بيكوك، الذي كان يعمل آنذاك سائق شاحنة، “كنت في البيت مع زوجتي وابني وابنتي.. سمعت صوتاً فخرجت في حوالي الساعة السابعة مساء. زميلة ابنتي جاءت لزيارتنا، قالت: اسمعوا الرعد. قلت: هذا ليس رعد. خرجت ثانية بعد تواصل الصوت، فشاهدتُ طائرة ارتفاعها ما بين 8 آلاف و12 ألف قدم. عرفت أنها طائرة كبيرة، وشاهدت أحد محركاتها يحترق، والوقود يتدفق منه. الطائرة لم تكن كاملة، وبالتأكيد لم أشاهد ذيلها. شاهدت محركاً واحداً فقط، كان يحترق. واصلت النظر إلى الطائرة وهي تتجه هابطة نحو لوكيربي. تصورت أنها ارتطمت بمحطة الوقود في لوكيربي، لأنني شاهدت كرة نارية ترتفع من ذلك الموقع، وسمعت، أيضا،ً انفجاراً أضاء السماء، لمدة خمس إلى عشر دقائق”.

         أما الشاهد رونالد ستيفنسن، وكان آنذاك يعيش في دمفريس القريبة من لوكيربي، فذكر أنه وعائلته كانوا يتوقعون في ذلك اليوم، وصول ابنتهم لقضاء عطلة الميلاد، وكان مقرراً أن تنزل في محطة القطار بلوكيربي. قال ستيفنسن “أوقفت السيارة في ساحة وقوف السيارات، إلى جانب المحطة، واستغربت أن الساحة كانت خالية. بقيت داخل السيارة استمع إلى الراديو، في انتظار وصول القطار. فجأة سمعت صوتاً عالياً، تصورته صوت القطار، لكن الصوت ارتفع أكثر وأكثر، فخرجت من السيارة. كان الصوت قادماً من مكان بعيد إلى يميني، وارتفع أكثر إلى ما يشبه صوت الرعد. شاهدت جسماً عبارة عن كتلة سوداء، تتخلله ألسنة اللهب، قادماً من الشمال، باتجاه الجنوب. وكان ارتفاعه ما بين 400 قدم و500 قدم. بعدها بنحو ثماني ثوان ارتطم الجسم بالأرض. لاحظت جناحاً يهوي، ولكن من دون محرك. بعدها سمعت انفجاراً، ورأيت كرة من اللهب شعرت بحرارتها. شاهدت أجساماً صغيرة تتناثر أمامي، على شارع شيروود كريسنت، كما رأيت لوحة من أحد أبواب الطائرة، تتطاير فوق رأسي”. وأضاف ستيفنسن “ابنتي خرجت من القطار، وسألتني عما كان يجري. قلت لها: احتمي فأجسام متطايرة تسقط. توجهنا إلى السيارة، وقلت لها: لنغادر المدينة فوراً، خشية غلق مخارجها من قِبَل الشرطة. توجهنا إلى دمفريس ووقفنا على جسر يقطع الطريق الرئيسية، لمشاهدة ما يجري. فرأينا سيارات تحترق في الطريق، توقفنا عند أول قرية مررنا بها، وأبلغت شرطيها بما شاهدته”.

         وتعدّ الشهادة الأكثر مأساوية، هي تلك، التي قدمتها الشاهدة جاسمين بيل، التي كانت تعمل في مجال الخدمات الاجتماعية. قالت بيل “كنت في تلك الليلة في لوكيربي. ذهبت لزيارة منزل عائلة لأوصل لها رزمة طعام، في شارع دوجلاس تيريس. أخي كان يعيش في منزل في شارع شيروود بارك، غير بعيد من المنزل، الذي كنت أنوي زيارته. وقفت عند منزل أخي، وعندها سمعت صوتاً مرتفعاً قادماً من مكان بعيد. ذكرت ذلك لأخي، وسألته عن ذلك الصوت، فقال: يبدو أنه رعد. كان أخي يقف خارج منزله، بينما ارتفع الصوت تدريجياً. نظرنا إلى الأعلى، فقال أخي: إنها طائرة. اذهبي إلى داخل المنزل. عندها نظرت إلى الأعلى، فشاهدت ما بدا لي كطائرة صغيرة، تمر فوق رؤوسنا. ارتفاعها كان بارتفاع سطح المنزل”.

         وتابعت الشاهدة بيل: “أتذكر أنني شاهدت جسماً معدنياً، رمادي اللون ولمّاعاً. حنيت رأسي، بينما لجأ أخي إلى مرآب منزله. وخلال ثوان بدأت السماء تمطر لهباً. لم أشاهد الجسم يرتطم بالأرض، ولم أسمع سوى ما تنامي لسمعي، كصوت طائرة تمر فوق رؤوسنا. كانت الأجسام المشتعلة تتطاير من حولنا. تراجعت إلى أن أصبح ظهري مستنداً للجدار، واستمرت الكتل النارية ترتطم بالأرض. شعرت أنني سأحترق.. سحبني أخي إلى داخل منزله”. وتلتقط بيل أنفاسها، ثم تتابع “بعد ثوان خرجنا من المنزل، الذي كان بابه الرئيسي يطل على شارع شيروود بارك، فرأينا أن كل شئ كان يحترق. الحدائق الأمامية، وأسقف بيوت الشارع، شاهدت زوجين مع طفليهما قادمين باتجاهنا. الزوج استعار زوج أحذية من أخي، وخرجنا ثلاثتنا لمعاينة منازل الجيران لمساعدتهم في الخروج. بعد حين انضم إلينا ابني، البالغ من العمر 19 عاما. وبينما كنت أنا وهو نعاين الدمار، تعثرنا بشيء، فسأل ابني: ما هذا؟ قلت له: يبدو لي أنه مجرد قطعة لحم. لكننا بعد حين اكتشفنا أنها جثة. حديقة منزل أخي اكتست بقطع من القماش الأبيض، فقد حرص على تغطية الأشلاء، التي سقطت على حديقته”.

         ثم جاء دور الشاهد إيان وود، الذي كان يعيش، آنذاك، مع زوجته وابنتيه، في منزل بشارع روز بانك كريسنت، القريب من شارع شيروود كريسنت. قال إنه كان يعمل نهار 21 ديسمبر 1988، وعاد إلى منزله ليتسلّم رعاية ابنتيه من زوجته، التي كانت تعمل ليلاً. وجاء في شهادته “عند السابعة مساء وبينما كنت في غرفة المعيشة، وطفلتاي في إحدى الغرف بالطابق العلوي من المنزل، سمعت صوتاً مدوياً ورأيت انفجاراً. ذهبت إلى الباب الرئيسي، فكان ما شاهدته أشبه بقنبلة نووية. شعرت بحرارة الانفجار. خرجت إلى الشارع، وبعد ثوان شاهدت جسماً رمادياً، يسقط على أسقف أربعة منازل قبالة منزلي. عدت مسرعاً إلى البيت، قبل أن أخرج ثانية. عندها شممت رائحة وقود. تصورت أن طائرة حربية، أو طائرة صغيرة، ربما سقطت. السماء كانت تمطر قطعاً من زجاج، من نوافذ منازل الشارع. شاهدت جثة. أمضيت تلك الليلة في منزلي. ومنذ ذلك اليوم بدأ شعري يتساقط، وأنا الآن أتلقى العلاج”.

         أما الشاهد ستيوارت كيرك باتريك، فقد تحدث عن المشاهد المروّعة، التي شاهدها في تلك الليلة، برفقة شرطي، بينما كانا يفتشان في حطام الطائرة، في حقل قريب من منزله. قال: “شاهدنا بقايا حقائب ومقاعد.. تناثرت الجثث حول منزلي،  حادث لوكيربي كان صدمة كبيرة ظلت معنا سنوات، بل إن أحد شبان البلدة انتحر. لحسن الحظ بدأت حياتنا تعود إلى مجاريها الطبيعية نوعاً ما. لكن تلك الأحداث تعود لتؤرقنا، كلّما قرأنا أو سمعنا أو شاهدنا، شيئاً عنها”.

         وكذلك تحدث الشاهد وليام ولسون، الذي كان يعمل في ورشة لتصليح السيارات في لوكيربي، عن صديقه توماس فلانغان، الذي كان يعمل معه في الورشة نفسها، وترك العمل متجهاً إلى منزله في شيروود كريسنت، قبله بنصف ساعة، أي في حدود السادسة والنصف مساء. وذكر أنه لم ير صديقه بعد ذلك. فقد قضى فلانغان بين حطام منزله. و”في اليوم الثاني ذهبت لتفقد منزل فلايغان، لكن لم أجده فقد اختفى”.

         ثم جاء دور كيفين أندرسون، الذي قال: إن قمرة قيادة الطائرة المنكوبة، هوت في حقل أمام منزله. و”اتجهت نحو ذلك الجسم، فشاهدت قمرة القيادة وحولها جثث. عدت لأحضر حماي لمساعدتي في البحث عن أحياء، لكننا لم نجد أحداً حياً. نظرت داخل قمرة القيادة، فشاهدت طيارين ميتين”. كما تحدث الشاهدان جيمس ولسن، وجيمس بيتي، عن المشاهد نفسها، التي رواها أندرسون.

         أما المفاجأة الأولى في سياق استدعاء الشهود، فجاءت مع الشاهد الحادي عشر والأخير، مفتش الشّرطة السّابق في لوكيربي، جيفري كاربنتر، الذي قال: “كنت أشاهد التليفزيون مع طفلي، بينما ذهبت زوجتي إلى بيت أحد الجيران. سمعت صوتاً عالياً، لكنني تجاهلته في البداية، ظناً أنه صوت طائرة حربية.. بعدها بدأ منزلنا يهتز وارتفع الصوت، وأيقنت أن شيئاً ما حدث، وسمعت انفجاراً هائلاً”. وتحدث كاربنتر عن الإجراءات، التي اتخذها باعتباره رجل شرطة، فقال: “رد فعلي الأول كان استعمال الهاتف لطلب النجدة، لمنطقة شيروود كريسنت. لكن الهاتف كان صامتاً. ورد فعلي الثاني كان أن أقود سيارتي باتجاه المكان، وهذا ما فعلته”. وأضاف، أنه التقى في المنطقة العديد من رجال الشرطة، الذين يسكنون هناك، وأن الأولوية بالنسبة لنا، كانت ضمان أن الطرق للمنطقة سالكة، حتى تصل إليها أجهزة الخدمات من إسعاف وإطفاء وما شابه.  

         وخلافا لبقية الشهود، عندما سأل القاضي محامي المقراحي، بيل تيلور، إن كان يريد مساءلة الشاهد كاربنتر، أجاب المحامي: نعم، وبادر تيلور بسؤال كاربنتر عما إذا كان يتفق معه، بأن حطام الطائرة انتشر شرقاً حتى بحر الشمال، ومن ثم كان من الصعب ضمان الموقع، حفاظاً على ما فيه من أدلة. فأجاب الشاهد: نعم. وبسؤاله عن الوقت، الذي لاحظ فيه وصول وسائل الإعلام، إلى الموقع، أجاب كاربنتر: بعد الحادث بساعة ونصف الساعة تقريباً. وعما إذا لاحظ في الموقع ممثلي الوكالات الحكومية الأمريكية، أجاب كاربنتر: نعم. ثم سأله عما إذا كان بين هؤلاء ممثلو مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي “F B I”، فأجاب: نعم. وأشار إلى أن الأمريكيين أقاموا مركزهم الخاص في البلدة. ثم سأل تيلور الشاهد عما إذا كان بين الحاضرين شخص يدعى آل هندرشوت، فأجاب الشاهد: نعم. وكان ممثلاً لـ “F B I”. وسأله كذلك عما إذا كانت في حوزتهم معدات حديثة فقال: “نعم، كان لديهم نظام ستاليت”. ثم سأل تيلور الشاهد عما إذا كان أي منهم يحمل كاميرا رقمية، فأجاب: نعم.

         وهكذا انقضى اليومان الأولان للمحكمة، في سماع إفادات الشهود، أعقبتهما فترة توقف للمحاكمة، سببها عدد من العوامل والظروف.

استئناف جلسات المحكمة، بعد توقف

         كان من المقرر أن تُستأنف جلسات المحكمة، في 23 مايو 2000، في معسكر زايست في وسط هولندا. وكان اللورد رانالد ساذرلاند، رئيس المحكمة قد وافق، مع بعض التحفظ، في 11 مايو 2000، أي بعد ثمانية أيام من بدء المرافعات، على تعليق الجلسات من أجل تسريع متابعتها بعد ذلك. وجاء هذا الإرجاء بعد اتفاق، بين هيئتي الاتهام والدفاع، على استعراض أكثر من 250 من قطع الطائرة، مما يحتاج إلى بضعة أسابيع، ما لم تُعلق الجلسات. ويُفترض أن تُستدعى مجموعة جديدة من الشهود، أمام القضاة الإسكتلنديين الثلاثة. ويؤكد محضر الاتهام أن المتهمَين الليبيين وضعا في مالطة، القنبلة المصنوعة من مادة السيمتكس المتفجرة، في جهاز للتسجيل من نوع توشيبا. وبعد ذلك أخفيا الجهاز في حقيبة تحوي ملابس، أرسلت إلى فرانكفورت في ألمانيا، ومنها إلى مطار هيثرو في لندن، حيث وضعت في حاوية للحقائب من الألمنيوم على متن رحلة الطائرة التابعة لشركة بان آم، المتجهة إلى نيويورك. لكن صحيفة تايمز نشرت في 15 مايو 2000 تقريرا،ً أعده خبراء، شكك في فرضية الاتهام، بنفيه أن تكون القنبلة وضعت في جهاز للتسجيل داخل حاوية للحقائب. وأن الخبراء يرون في تقريرهم أن القنبلة، كانت مثبتة مباشرة داخل مستودع الحقائب في الطائرة.  

محقق بريطاني يشهد بخطأ نظرية تقرير الانفجار

         كشف مسؤول في مكتب التحقيق، في حوادث الطيران البريطاني، عندما مَثَلَ للشهادة في محكمة لوكيربي بهولندا، عن “خطأ خطير” في التقرير الرسمي عن سبب انفجار طائرة الـ “بان آم” الأمريكية، فوق بلدة لوكيربي الإسكوتلندية عام 1988، فقد نقلت وكالة رويترز عن شاهد الادعاء، كريستوفر بروثروي، وهو من كبار محققي مكتب التحقيق في حوادث الطيران، قوله، رداً على أسئلة محامي الدفاع عن الأمين خليفة فحيمة، أن الحسابات الصحيحة لتمدد الفقاعة الغازية، التي ولّدها الانفجار، تكشف أنه وقع في نقطة أقرب إلى قشرة بدن الطائرة، مما يوحي به التقرير الرسمي.

تأجيل جلسات المحكمة

         قرر رئيس محكمة لوكيربي الإسكوتلندية، اللورد رانالد سذرلاند، تأجيل جلسات المحاكمة، التي تجري في هولندا، حتى 30 مايو 2000، لإتاحة المجال أمام تركيب إحدى حاويات الأمتعة، على متن طائرة الـ “بان آم”، التي فُجرّت فوق لوكيربي، بناء على طلب من الدفاع. وهذا ثالث إرجاء للمحاكمة، التي بدأت في مطلع مايو 2000.

         وجاء القرار في ختام الجلسة، التي استمعت فيها المحكمة، إلى شهادة كبير المحققين في مكتب التحقيق في حوادث الطيران البريطاني كريستوفر بروثروي، الذي كشف عن أن “خطأ حسابياً مهماً”، وقع في إعداد التقرير الرسمي عن سبب الانفجار. وحسب نظرية الشاهد، فإن الانفجار وقع في مكان أقرب إلى بدن الطائرة، مما يوحي به التقرير الرسمي، مما يلقي ظلالاً على زعم الادعاء بأن الحقيبة، التي احتوت القنبلة، كانت موضوعة داخل حاوية، في مخزن الطائرة.

         وبناء على هذه المعلومات، طلب دفاع اللّيبيَين المشتبه فيهما في القضية، عبدالباسط المقراحي والأمين خليفة فحيمة، السماح بإدخال حاوية متضررة كانت على متن الطائرة المنكوبة، وأُعيد تجميع أجزائها، إلى داخل قاعة المحكمة.

         وقرر القاضي إرجاء المحاكمة حتى 30 مايو 2000، ليتمكن محققو مكتب التحقيق في حوادث الطيران، من تفكيك الحاوية، وإعادة تجميعها داخل المحكمة مرة أخرى. وكانت المحاكمة قد أرجئت 12 يوماً، اعتباراً من العاشر من مايو 2000، بناء على طلب الادعاء. وكان مقرراً أن تستأنف في الثالث والعشرين من مايو 2000، إلاّ أنها أُرجئت إلى اليوم التالي، لعطل في نظام الاختزال الإلكتروني، الخاص بوقائع المحكمة.

تحليل أدلة التفجير

         بعد يوم من انفجار الطائرة الأمريكية في “الرحلة الرقم 103″، فوق بلدة لوكيربي، باسكوتلندا، في 21 ديسمبر عام 1988، انطلق مئات المحققين لتمشيط المنطقة، لجمع الأدلة والقرائن. وقادتهم المواد، التي اكتشفوها، إلى الاستخلاص أن قنبلة قد انفجرت لتمزق جسم الطائرة، إلى قطع صغيرة. وتحول التحقيق إلى أكبر عملية سبر للإرهاب، في تاريخ البشرية، شمل نحو 40 بلداً. وبعد سنوات من العمل الدائب، المضني، وجد المحققون أن خيوط القنبلة تمتد إلى ليبيا، وإلى اثنين من ضباط مخابراتها، فصدر القرار بتوجيه الاتهام إليهما عام 1991، وهما الآن يمثلان أمام القضاء.

الدليل الذي عثر عليه المحققون

         وسط المئات من قطع الحطام، الذي جُمع عند لوكيربي، عثر المحققون على قطعة من حطام لوحة دائرة كهربائية لجهاز راديو / مسجل، من نوع توشيبا، وأنّ القطعة تحمل بقايا مواد بلاستيكية متفجرة. وكان هناك جهاز توقيت رقمي من صنع سويسري، داخل جهاز الراديو المسجل.

         ووجد محللو المخابرات الأمريكية، أن قطع وشظايا جهاز التوقيت، تشبه ذلك المستخدم عام 1986 في محاولة نسف السفارة الأمريكية في توجو، وكانت تلك المحاولة قد أُسندت إلى المخابرات الليبية. كذلك عُثر على علامات تجارية، وقميص ممزق، جرى لف الراديو الملغوم به.

         وتعقب المحققون أثر القميص، والعلامات التجارية، فوجدوا أنها تعود إلى متجر في مالطة، حيث اشترى أحد المتهمين ملابس منه، في 7 ديسمبر عام 1988. ونزل الليبي المقصود في فندق هوليداي إن، على مبعدة 300 ياردة من المتجر المذكور. وكذلك هناك قطع من حقيبة سامسونايت بنية اللون، لم يكن لها مالك. وكانت هذه الحقيبة على متن الطائرة في رحلتها رقم 103، من دون مرافق. وعند تحليل قطع من الحطام، عثر المحققون على حقيبة السامسونايت، التي حوت جهاز الراديو المسجل من نوع توشيبا، الذي حوى القنبلة. وقد شحنت الحقيبة في حاوية أمتعة خاصة، نقلت إلى الطائرة في فرانكفورت. وهناك دفتر ملاحظات يخص أحد المتهمين، يحوي إشارات حول سبل سرقة بطاقات شحن أمتعة المسافرين في مالطة، من أجل توجيه الحقيبة من مالطة إلى فرانكفورت، ثم إلى رحلة الطائرة الأمريكية. لذلك جزم المحققون أن الانفجار، وقع في مخزن الأمتعة الأمامية. وأنّ حاوية الأمتعة، التي نقلت حقيبة السامسونيات، وضعت في مقدمة مخزن الأمتعة في طائرة البوينج، خلال وجودها بلندن.

         وهناك قطع أدلة أخرى، عُثر عليها في لوكيربي، تحوي بقايا مادة سيمتكس التفجيرية. وتشبه المواد البلاستيكية المتفجرة، التي عُثر عليها في السنغال عام 1984، في خواص المواد التفجيرية، التي عثر عليها في لوكيربي. وقد أُلقي القبض على رجلين هناك في السنغال، وبحوزتيهما جهاز تفجير، يشبه الجهاز الموجود بين الحطام في إسكوتلندا. وربط خبراء التحقيقات الجنائية عملية توجو والسّنغال، بالمخابرات الليبية. كذلك ضُبط دفتر يوميات يحوي أسماء وملاحظات، يُعتقد أن الذي كتبها هو الأمين خليفة فحيمة. وعند ذلك برز اسم شريكه الضابط عبدالباسط المقراحي. أما كيف عثر المحققون على هذا الدفتر، فما يزال ذلك طي الكتمان. وقد عاد المتهمان إلى ليبيا، في وقت توجيه الاتهام إليهما عام 1991. وتطلب الأمر قوات أمريكية، وسنوات من التفاوض، قبل أن توافق ليبيا على تسليم المشبوهين، إلى المحاكمة في هولندا.

         ومن مفاجآت المحكمة، عقب استئنافها في 5 يونيه 2000، ما نسب إلى منشق إيراني يزعم أنه أشرف على “عملية الإرهاب الخارجي”، لإيران طوال عشرة سنوات، أن بلاده متورطة مباشرة في تفجير الطائرة. وأفادت شبكة التليفزيون الأمريكي “سي. بي. أس”، أنها أجرت مقابلة مع المنشق الإيراني، ويدعى أحمد بهبهاني، في تركيا، أبلغها في المقابلة أن لديه “وثائق” تؤكد ضلوع طهران في التفجير. وهذه ليست المرة الأولى، التي يجري فيها الحديث عن احتمال ضلوع إيران، في تفجير الطائرة. وهو ما نفته طهران مراراً.

الفصل السابع إصدار الحكم وردود الأفعال

          أصدرت المحكمة الاسكتلندية بهولندا، في 13 يناير 2001، في كامب زايست، المؤلفة من ثلاثة قضاة، يرأسهم لورد سازرلاند، حكمها ببراءة الأمين خليفة فحيمة، وأطلقت سراحه. فيما أدانت عبدالباسط المقراحي، بتفجير طائرة “بان أمريكان”، وأمرت بسجنه مدى الحياة (مدة لا تقل عن عشرين عاماً). وقد اختتم القضاة الثلاثة، التقرير الخاص بحيثيات حكمهم الواقع في 82 صفحة، بما يلي: “ندرك أن هناك تحفظات وعدم يقين بالنسبة لبعض جوانب القضية، وندرك أيضاً أن انتقاد أجزاء الأدلة يكمل بعضها الآخر، وفي المقابل إهمال الأجزاء، التي لا تبدو مكملة يشير إلى احتمال الخروج من الأدلة، باستنتاجات هي في الواقع ليست مبررة. لكننا بعد تمحيص الأدلة كلها، آخذين بعين الاعتبار التحفظات، والجوانب المثيرة للتساؤلات، وكذلك مرافعات المحامين، مقتنعون بأن الأدلة على شراء ملابس من مالطة، ووجود تلك الملابس في حقيبة، ونقل الحقيبة من مالطة إلى لندن، والتّعرف على المتهم الأول (وإن لم يكن حاسماً)، وتنقلاته باسم مستعار، وقت الكارثة، أو نحوه، والظروف الأخرى، مثل علاقته بالسيد بوليير، وبأعضاء في هيئة أمن الجماهيرية، أو في الجيش الليبي، الذين اشتروا موقتات “إم إس تي – 13″،مقتنعون بأن هذه الأدلة مجتمعة هي مقنعة. لا شيء في الأدلة أثار لدينا شكوكاً معقولة، فيما يتعلق بمسؤولية المتهم الأول. وعليه خلصنا إلى أنه مذنب”.

حيثيات الحكم

          ذكر رئيس القضاة، لورد رونالد ساذرلاند، في حيثيات الحكم عن ملابسات كارثة الرحلة الرقم 103 لشركة “بان أمريكان”، تحميل الإدعاء الليبيين، عبد الباسط المقراحي والأمين خليفة فحيمة، مسؤولية دس شحنة متفجرة في متن الطائرة. وقد ثبت أن تحطم الطائرة، كان نتيجة “انفجار”، وأنه لم يكن هناك خلاف (بين الإدعاء والدفاع) في أن المسؤول عن الانفجار “مُذنب بجريمة القتل”، لكن الخلاف أمام المحكمة يتعلق، هل بإمكان الإدعاء أن يُثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن أياً من المتهمين، أو كلاهما معًا، مسؤول “عمدًا”عن زرع الشحنة المتفجرة، في الطائرة المنكوبة؟

          ثم تناول عمليات جمع حُطام الطائرة، وطريقة تجميع الأدلة، وكيف تبين للمحققين أن الشحنة المتفجرة، كانت موضوعة “في جسم الطائرة”، وهو أمر “نُقبل صحته”. وأشار إلى أن المحققين حددوا، أيضاً، أن الشحنة المتفجرة كانت موضوعة في حاوية معدن من “ألومنيوم”، عثر فيها على بقايا مادة بلاستيكية متفجرة. ثم انتقل ساذرلاند إلى تحديد أنواع بقايا ملابس عُثر عليها، تحمل علامة “صنع في مالطة”، وأغراض كانت في حقيبة “سامسونايت” بنية اللون، تبين للمحققين أن عليها أثار مادة متفجرة. وتحدث، أيضًا، عن عثور المحققين على جزء صغير من جهاز إلكتروني، تبين أنه يعود إلى جهاز راديو ـ مسجلة، من نوع “توشيبا”. وأشار إلى أن المحققين انتقلوا إلى ألمانيا الغربية، لمعرفتهم أن أجهزة أمنها كانت صادرت في أكتوبر 1988م، أجهزة تفجير موضوعة في آلات تسجيل، من نوع “توشيبا”، كانت في حوزة أعضاء جماعة فلسطينية. ونقل عن أحد الشهود أنه تبين للمحققين، أن أجهزة “توشيبا”المصادرة في ألمانيا، تختلف عن بقايا الجهاز، الذي عُثر عليه، ضمن حطام طائرة “بان أمريكان”.

          وشرح ساذرلاند كيف انتقل المحققون إلى مالطة، في أغسطس 1989م؛ وكيف حددوا مصدر الملابس من “متجر ماري” (في منطقة سليما)، وتملكه عائلة جوشي، وقال : إن أحد أصحاب المتجر، أنتوني جوشي، أدلى بإفادة للمحققين شرح فيها ما يتذكره، عن رجل “يعتقد أنه ليبي”اشترى من محله ثيابًا، لم يهتم بمقاسها، قبل فترة قصيرة من كارثة لوكيربي. وشرح ساذرلاند طريقة العثور على بقايا جهاز توقيت المتفجرة، وكيف تبين أنه من نوع “أم. أس. تي. 13″، وهو أمر دفع بالمحققين إلى الانتقال إلى سويسرا، حيث استمعوا إلى إفادات إدوين بوليير، وإروين ميستر، الشريكين في شركة “ميبو”، التي تُصنّع أنواعًا مختلفة من الإلكترونيات.

          وقال القاضي: “إن الأدلة التي عُرضت علينا، حتى هذه المرحلة، تؤكد لنا ـ بما لا يدع مجالاً للشك ـ أن الكارثة كانت نتيجة حشوة متفجرة، موضوعة ضمن جهاز راديو/ آلة تسجيل، من نوع “توشيبا”، موضوع (بدوره) في حقيبة “سامسونايت” بنية اللون، تحوي ملابس تم شراؤها من محل “ماري هاوس” بمالطة، وأن الانفجار سببه جهاز توقيت “أم. آس. تي. 13”.

          ثم انتقل ساذرلاند إلى شرح كيفية انتقال حقيبة “السامسونايت”من مالطة، إلى فرانكفورت، ثم إلى لندن، قبل انفجارها في الجو فوق لوكيربي. وركز في هذا المجال على معلومات مأخوذة من أجهزة كمبيوتر، تسجل وجهة الحقائب لدى نقلها في المطارات. وقال إن القضاة مقتنعون بأن الحقيبة مصدرها مالطة، على الرغم من جهود الدفاع إلقاء ظلال من الشك، حول المصدر، الذي جاءت منه الحقيبة المفخخة.

          وأقر القاضي بأن المسؤولين في مطار فرانفكورت، كانوا تلقوا تحذيرات من محاولات لتمرير آلات تسجيل مفخخة، من نوع “توشيبا”، إلى إحدى الطائرات. وقال إن التحذير الأول والأساسي، صدر بعد عملية “أوراق الخريف”، ضد أعضاء الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة”، في حين أن التحذير الثاني كان يشير إلى احتمال أن تنقل امرأة من هلسنكي، جهاز تسجيل مفخخ”.

          وبعد فرانكفورت، انتقل القاضي إلى عرض الإجراءات الأمنية، في مطار لوقا المالطي. فقال إن المطار صغير، والإجراءات الأمنية فيه، ليست متطورة. ثم انتقل القاضي إلى تحديد الأدلة، ضد المتهم الأول المقراحي، وقال إنها تعتمد على ثلاثة شهود أساسيين، هم: عبد المجيد الجّعايكة، وإدوين بوليير، وأنتوني جوشي.

          وأعاد التذكير بعمل الجعايكة في الاستخبارات الليبية، وتعريفه بالمسؤولين عن هذا الجهاز الأمني (مثل عبد الله السنوسي، وعز الدين الهنشيري، وسعيد رشيد، وناصر عاشور)، وعن اتصاله بالسّفارة الأمريكية في مالطة في 1988م، عارضًا خدماته. وقال إن القضاة يوافقون على الرأي القائل بأن الجعايكة كان “يُضخم” للأمريكيين وضعه داخل الاستخبارات الليبية، لكنه قال: إن الجعايكة أخبر الأمريكيين، عندما سألوه في أكتوبر 1988م عن إمكان إخفاء الليبيين متفجرات في مالطة، أن ثمانية كيلوجرامات من المتفجرات جاء بها المقراحي إلى مالطة، في 1985م، وأنها كانت مخفية في جارور مكتب، وأنه طلب منه المساعدة في نقلها إلى المكتب الشّعبي الليبي. وأن الجعايكة أخبر الأمريكيين لاحقًا في 1991م، أن فحيمة هو مَن أخبره أن المقراحي جاء بالمتفجرات إلى مالطة. وأقر القاضي بأن ثمة تناقضًا في إفادة الجعايكة في هذا المجال. ثم تحدث عن أقوال الجّعايكة في شأن مشاهدته المقراحي وفحيمة، مع حقيبة “سامسونايت”في مطار مالطة، يوم 20 ديسمبر، عشية كارثة لوكيربي. وقال إن القضاة لا يمكنهم الوثوق بأقوال الجعايكة، في هذا المجال.

          ثم تناول القاضي مسألة ثالثة أثارها الجعايكة، وهي أن الاستخبارات الليبية كانت تُناقش في 1986م، إمكان نقل حقيبة مفخخة إلى “طائرة بريطانية”، وأنه تبين لليبيين أن ذلك ممكناً، وأنه ناقش الأمر مع المقراحي في مالطة، وأن الأخير رد عليه بأن “لا تستعجل الأمر”. وقال القاضي إن المحكمة لا يمكنها، أيضًا، قبول رواية العميل الليبي، في هذا الخصوص. وأضاف أن القضاة يقبلون فقط معلومات الجعايكة، عن هرمية جهاز الأمن الليبي.

          ثم انتقل رئيس القضاة، ساذرلاند، إلى موضوع شركة “ميبو”، وجهاز التوقيت “أم. أس. تي 13″فقال: إن بوليير وميستر أسسا الشركة في بدايات السبعينيات في زيوريخ، وإنها كانت تُنتج خصوصًا أجهزة إلكترونية، وأجهزة تجسس، وأن بوليير كان يتعامل مع الحكومة الليبية بشأن أجهزة أمنها، في وقت حصول كارثة لوكيربي. وقال إن القضاة استمعوا إلى إفادات ثلاثة شهود، في شأن نشاطات شركة “ميبو”، وتحديدًا أجهزة التوقيت، التي تصنعها من نوع “أم. أس. تي. 13″، و”إن شهادات الثلاثة، خصوصًا بوليير، أظهر أنهم لا يمكن الوثوق بهم”. التي جاء فيها: أن شهادة بوليير “ناقضت نفسها أكثر من مرة”. وأشار القاضي إلى أقوال بوليير، أنه عندما عاد من ليبيا إلى زيوريخ، يوم 20 كانون الأول 1988م، اكتشف أن جهاز توقيت ـ كان يحاول بيع أصناف منه إلى الليبيين ـ كان موضوعًا على توقيت تاريخ وقوع كارثة لوكيربي (بعد ذلك بيوم). فقال القاضي إن بوليير كان يكذب، إذ إن جهاز التوقيت، الذي تحدث عنه “من نوع أوليمبوس، ولا يُظهر تاريخ الأيام”. لذلك، فإن القضاة يرفضون ما ورد في شهادة بوليير، بخصوص لقائه عميلاً للاستخبارات الأمريكية، أمام مقر شركته في زيوريخ، وكذلك قوله: إن هذا “الرجل الغامض”، طلب منه أن يكتب رسالة إلى وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، يُورط فيها ليبيا في قضية لوكيربي.

          وقال القاضي إن بوليير لم يقل للمحققين، والشرطة السّويسرية، أنه باع في 1985م خمسة أجهزة توقيت من نوع “إم.إس.تي 13.”، إلى جهاز الأمن الألماني الشرقي “ستازي”، سوى في أواخر العام 1993م. ولذلك، فإن القضاة يرفضون روايته هذه، بل إن بوليير نفسه “لا يصدقها”. ومع ذلك فالقضاة يقبلون بعض ما ورد في شهادة بوليير، على الرغم من رفضهم قبول أجزاء كبيرة منها. وذكر القاضي، تحديدًا هنا، أجهزة توقيت “إم. إس. تي 13″، والاختبارات، التي أجراها الليبيون، في صحراء سبها.

          ثم تحدث القاضي عن شهادة جوشي، وكيف أنه أخبر المحققين بملامح الشّخص، الذي اشترى منه الملابس، وكيف أنه حدد ذلك الشخص، من خلال صور عُرضت عليه، بأنه محمد أبو طالب (الفلسطيني المسجون في السويد)، وكيف غير رأيه لاحقًا، ليقول إنه المقراحي، وهو أمر تمسّك به عندما شاهد المتهم الأول في المحكمة. وقال القاضي إنه وزميليه لاحظوا أن جوشي كان صادقًا في شهادته، ولم يزعم أنه متأكد “مائة في المائة”، من أن المقراحي، هو الذي اشترى منه الملابس.

          وتحدث القاضي عن “الدفاع الخاص”، الذي قدمه الدفاع في بداية المحاكمة. وقال: زعم الدفاع أن جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، و”القيادة العامة”، متورطتان في حادثة لوكيربي، وكذلك برويز طاهري (أحد شهود الإدعاء العام). ولكن محامي الدفاع تخلّوا عن اتهام طاهري، في مرافعاتهم الختامية.

          ثم قال إن الاتهام الخاص بتورط “القيادة العامة”، يقوم على أساس عملية “أوراق الخريف” الألمانية، التي يتبيّن من خلالها أن أعضاء هذه المجموعة الفلسطينية، كان يمكن أن يفجروا طائرة مدنية، من خلال جهاز تفجير مخفي في آلة تسجيل، وقال إن الأمن الألماني عثر مع حافظ دلقموني، زعيم خلية “القيادة العامة” في فرانكفورت، وأعضاء مجموعته، على أجهزة توقيت وتفجير وأسلحة وجداول مواعيد سفر طائرات شركة “لوفتهانزا”، وجدول واحد لطائرة “بان أمريكان”. لكنه أشار إلى أن أجهزة توقيت الخلية الفلسطينية، تختلف عن جهاز “أم أس تي 13″، إذا إنها تعمل بحسب ارتفاع الجو. واستبعد القاضي أن تكون خلية دلقموني، (الذي سجن 15 سنة لإدانته بتفجر قطار في ألمانيا في 1987م) استطاعت تجميع أعضائها، وتنفيذ الهجوم على طائرة “بان أمريكان”، بعد شهرين فقط من اعتقالها، ومصادرة معداتها في عملية “أوراق الخريف”. ثم تحدث عن شهادة أبو طالب وقال : إن القضاة مقتنعون بأن لا دخل له بلوكيربي.

          وانتقل القاضي إلى شرح الأدلة المقدمة ضد فحيمة، وتحديدًا ما ورد في مفكرته المصادرة في مالطة، التي ورد فيها “أحضر إشارات (تاغ) Tags من الخطوط المالطية”، وإشارة أخرى إلى أنه نفذ ذلك بالفعل OK. وقال إن محامي فحيمة، ريتشارد كين، جادل بأن موكله، لو كان بالفعل من أحضر إشارات “Tags” للمقراحي، من أجل نقل الحقيبة عبر “الخطوط المالطية”إلى فرانكفورت، فإن ذلك لا يُثبت أن الهدف من ذلك التصرف هو تفجير طائرة الـ “بأن أمريكان”. لهذا، قال القاضي إن الإدعاء تنازل في المحاكمة، عن إصراره على أن فحيمة مسؤول في الاستخبارات الليبية، وتمسك فقط بعلاقاته بالمقراحي. وقال: إن القضاة لا يمكنهم قبول شهادة الجعايكة ضد فحيمة، ولا يمكنهم اعتبار مزاعم الإدعاء، في شأن تصرفات فحيمة، سوى إنها “استنتاج”. ولذلك لم يجد القضاة أدلة كافية، على تورط فحيمة في قضية تفجير الطائرة، ويقررون على هذا الأساس تبرئته.

          وانتقل القاضي بعد ذلك إلى المقراحي، وقال: إن القضاة رفضوا قبول ما ورد في مفكرة فحيمة، وعلى هذا الأساس لا يمكنهم قبول ما ورد فيها كدليل إدانة ضد المقراحي. لكن المقراحي زُوّد في عام 1987م بجواز سفر، بناءً على طلب من الاستخبارات الليبية، باسم أحمد خليفة عبد الصمد، وأن المتهم زار دولاً عدة بهذا الجواز، ومن بين تنقلاته يوم 20/21 ديسمبر 1988م، زار مالطة.

          وأشار إلى أن من العوامل المهمة ضد المقراحي، شهادة غواشي ضده، وأن القضاة يقبلون أن المقراحي عضو في الاستخبارات الليبية”، بل هو مسؤول رفيع فيها”، وأنه تولى مسؤوليات عدة، بينها مسؤول أمن الطائرات، وأنه شارك في عمليات شراء أسلحة للقوات المسلحة الليبية، وأن له علاقة ببوليير (ليس بالضرورة في خصوص شراء أجهزة “أم. أس. تي 13″، وبشركة “ميبو”. ولفت القاضي النظر إلى أن المقراحي نفى في مقابلة تليفزيونية، علاقته بـ”ميبو”(مع بيار سالينجر)، ونفى أيضًا أنه زار مالطة عشية تفجير الطائرة، وأنه أستخدم جوازًا مزورًا باسم عبدالصمد. وقال: “إننا لا نقبل نفيه”.

          وهكذا أعلن رئيس المحكمة، اللورد ساذرلاند، بالحكم، حيث برأ قضاة المحكمة الثلاثة الأمين خليفة فحيمة، من تهمة المشاركة في تفجير طائرة الـ”بان آم”الأمريكية فوق لوكيربي باسكتلندا عام 1988م، لكنهم أدانوا مواطنه عبد الباسط المقراحي، بعقوبة السجن المؤبد. وكان رئيس المحكمة، قد أجاب عندما سأله كاتب المحكمة، عما إذا كان القضاة الثلاثة قد توصلوا إلى حكمهم، في التهم الموجهة ضد المقراحي (المتهم الأول) بقوله “نعم”. ثم سأله عما إذا كان الحكم بالإجماع أم بالأغلبية، فرد القاضي “بالإجماع”. ثم سأل كاتب المحكمة، رئيس المحكمة عن الحكم بحق فحيمة فرد: “البراءة”، وعن السؤال بشأن “الإجماع” أو “الأغلبية” رد القاضي: “بالإجماع”. ثم طلب الادعاء إنزال العقوبة الإلزامية المنصوص عليها في القانون الاسكتلندي لـ”جريمة القتل”، وهي السجن المؤبد ضد المقراحي. ثم سأل القاضي محامي المقراحي، بيل تيلور، إن كان لديه ما يقدمه من مبررات لتخفيف الحكم، فقال تيلور: إن موكله مصر على براءته من التهمة، وأنه سينتظر صدور نص الحكم (الوثيقة) ليعلق.

          وختم القاضي إعلان الحكم قائلاً: “ليس في الأدلة ما يدع مجالاً للشك في شأن إدانة المتهم الأول، وعلى هذا الأساس نجده مذنبًا، بما ورد في الاتهام ضده (القتل) “.

ردود الأفعال العربية والعالمية على إصدار الحكم

          خرج آلاف الليبيين في مظاهرة في شوارع طرابلس، احتجاًجا على حكم الإدانة، الذي أصدرته المحكمة الاسكتلندية الخاصة في هولندا، بحق عبد الباسط المقراحي. ووصفوا الحكم بالابتزاز، داعين رئيس المحكمة إلى “الانتحار”. وتجمع المتظاهرون أمام مكتب منظمة الأمم المتحدة في العاصمة الليبية، حيث شوهد شاب وهو يحز رقبته بشفرة، قبل أن يهوي على الأرض، والدم يسيل من رقبته، وحمل إلى داخل سيارة إسعاف، ونقل بسرعة إلى المستشفى. وقال شهود عيان آخرون، إن اثنين آخرين من المتظاهرين حزا رقبتيهما بالطريقة نفسها، إظهاراً للغضب، مما يصفه المحتجون بأنه حكم إدانة بإيعاز من الولايات المتحدة. ورفض مسؤول التعليق على الفور على حالة هؤلاء الأشخاص. وقال أحد المتظاهرين، واسمه علي العريف (63 سنة) إن الرجال الثلاثة حزوا رقابهم ليظهروا للعالم أن الدم الليبي يبذل رخيصًا، في سبيل الدفاع عن البلاد وكرامة الشعب.

          كما انفجرت المظاهرات في شوارع طرابلس، في 6 فبراير 2001، وتجمع الآلاف في الساحة الخضراء دعماً للزعيم القذافي واصفين حكم المحكمة بأنه مهزلة وردد المتظاهرون شعارات ضد الظلم الواقع على وطنهم ومنها “شرعية الأمم المتحدة هي شرعية الذل “و” ونرفض الحكم السياسي “ولتسقط أمريكا ولتسقط بريطانيا “ولا اله إلا الله… أمريكا عدو الله “وحاول متظاهرون آخرون اقتحام السفارة البريطانية تعبيراً عن غضبهم، إلا أن قوات الشرطة استخدمت القنابل المسيلة للدموع ومنعتهم من اقتحام السفارة كما ألقـت القـبض على حوالي 30 شاباً واحتجزهم لاستجوابـهـم.

          وفور صدور الحكم، جددت ليبيا نفي علاقتها، بتفجير الطائرة الأمريكية فوق لوكيربي. وقالت إن مواطنها عبدالباسط المقراحي سيستأنف ضد قرار إدانته، وألمحت إلى أنها ستطالب بتعويضات، عن فرض العقوبات والحصار عليها، منذ سنوات طويلة. ونفى أبو زيد دوردة، مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة، تورط ليبيا في تفجير الطائرة، وقال: “إن ليبيا كدولة، لا شأن لها إطلاقاً بهذه المسألة”. أما الأمين المساعد للشؤون الإعلامية، في اللجنة الشعبية للاتصال الخارجي والتعاون الدولي، حسون الشاوش، فدعا إلى ضرورة رفع العقوبات نهائياً وفوراً، بعد صدور حكم المحكمة. وشدد على أن بلاده ستطالب بتعويض عن الخسائر، التي مُنيت بها نتيجة العقوبات الدولية، التي فرضها عليها مجلس الأمن، في قضية قانونية لا علاقة لهذا المجلس بها.

          وقال الزعيم الليبي معمر القذافي، في حديث صحفي بثه التليفزيون الليبي والمصري على الهواء مباشرة “، يوم 5 فبراير 2001، إن عبدالباسط المقراحي رهينة “لدى القضاء الاسكتلندي واصفاً الحكم بالمهزلة. وأكد الزعيم الليبي ” إن عبدالباسط بريء، ولم يتم التوصل إلى أي أدلة ضده، ونحن نعتبره مخطوفاً ورهينة، بغية إرهاب الشعب الليبي وابتزازه”. وشدد القذافي على أن الحكم في تفجير لوكيربي ” حكم سياسي، وليس قضائياً”، وإنه جاء نتيجة إدانة سياسية لليبيا، من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، لـ”حفظ ماء الوجه”، بعدما عملا على إظهارها مركزاً للإرهاب. وأضاف “إن الذين استبعدوا عن المسؤولية في تفجير لوكيربي، سيأتي الدور عليهم في قضية تفجير أخرى، أو أي مبرر آخر، لأننا جميعاً في خندق واحد”. واشترط لتعويض عائلات ضحايا لوكيربي، أن تقدم تعويضات إلى “كل ضحايا الولايات المتحدة”. وأختتم القذافي كلمته بإصراره على أن تكون ليبيا مركز التحرر في العالم، وليس مركزاً للإرهاب، و”سنستمر في ذلك بإدانة أو غير إدانة”.

          وقد أرسل الزعيم الليبي معمر القذافي برسائل إلى رؤساء وأمناء، كل من منظمتي الوحدة الأفريقية، والمؤتمر الإسلامي، ودول عدم الانحياز، ورؤساء دول كل من الصين، وروسيا، وفرنسا، ورئيس المفوضية الأوروبية، أوضح فيها أن سياسة الضغط والابتزاز، التي تقوم بها الولايات المتحدة وبريطانيا، ليست في مصلحة السّلام وتعزيز العلاقات الدولية، وأن كل من واشنطن ولندن مازالتا ترفضان طلب ليبيا بمحاكمة منفذي ومدبري الغارات على ليبيا، في منتصف أبريل عام 1986م، وترفضان أي محاولة قانونية لمعالجة هذا الموقف.

          ولعل أشد ردود الفعل أثراً، كانت تلك التي عانى منها عبدالباسط المقراحي، الذي بدأ يوم 7 فبراير 2001، إضراباً عن الطعام، احتجاجاً على إدانته. وقالت عائشة زوجه، إنه أبلغها بإضرابه عن الطعام احتجاجاً وتعبيراً عن مدى الظلم الواقع عليه، وللفت انتباه العالم إلى هذا الظلم. وإنها حاولت إثناؤه عن ذلك لكنه أصر على الاستمرار في إضرابه عن الطعام، مما دفع ابنته الكبرى غادة إلى الانضمام إليه وأضربت هي الأخرى عن الطعام. وقد أنهى المقراحي، يوم 8 فبراير 2001، إضرابه عن الطعام، بعد ضغوط أسرته وابنته عليه.

          وقال الرئيس الأمريكي بوش، بعد وقت قصير من صدور الحكم: “إنني أقدر تقديراً عالياً المحكمة الاسكتلندية، لاتخاذها قرارها وإدانتها عضواً في الاستخبارات الليبية لتفجيره طائرة “بان إم” عام 1988، وأقدّر العمل الذي قام به فريق الحكومة الأمريكية، الذي أسهم في صدور حكم الإدانة. وقال ريتشارد باوتشر، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية: “يتعين على الحكومة الليبية أن تتحمل المسؤولية، عن عمل المسؤولين الليبيين”. كما أعلن الرئيس بوش أن الولايات المتحدة “ستمارس ضغوطًا” على ليبيا، لتعترف بمسؤولياتها في اعتداء لوكيربي وتوافق على دفع تعويضات لعائلات الضحايا. وقال للصحافيين، في بداية اجتماع في البيت الأبيض مع أعضاء في الكونغرس: “أريد طمأنة عائلات الضحايا، بأن الولايات المتحدة ستواصل ضغوطها على ليبيا، لتقر بمسؤوليتها عن هذا العمل، وتعويض العائلات”.

          أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش أن الولايات المتحدة لن ترفع الحظر على ليبيا، ما لم تعترف بمسؤولياتها في قضية لوكيربي، وتعرب عن أسفها عن ذلك. وأن العقوبات ستبقى قائمة حتى يقبل الليبيون، ليس دفع تعويضات عن اعتداء لوكيربي فحسب، بل ليقروا أيضًا بمسؤوليتهم، وتقديم اعتذار.

          كما رحّبت الحكومة الفرنسية بالحكم الصادر في قضية لوكيربي، وأعربت عن رغبتها في مواصلة “تطبيع” العلاقات بين باريس وطرابلس. وقال متحدث باسم الخارجية الفرنسية: “إننا نرحب بالحكم، فنحن نفكر في عائلات الضحايا، وشدد على أن العدل قد أُحل، كما حدث في قضية يوتا”.

          أما الحكومة البريطانية، فطالبت ليبيا بدفع تعويضات لأسر الضحايا. وقال ناطق باسم رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير: “إن إدانة مواطن ليبي بتفجير الطائرة، تؤكد شكوكنا الطويلة بأن مسؤولين ليبيين، كانوا وراء تفجير لوكيربي، وأن ليبيا يجب أن تقبل تحمل المسؤولية، وتلتزم بدفع التعويضات اللازمة.

          وأضاف “أننا ننتظر من الآن وصاعدًا أن تتحمل السلطات الليبية كامل المسؤولية عن العمل الذي ارتكبه أحد موظفيها الذي صدر حكم بحقه في اعتداء لوكيربي”. وقال المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني للصحافيين “إن ليبيا يجب أن تتقبل تحمل المسؤولية ودفع التعويضات اللازمة”، كما نتوقع منها أن تدفع التعويض الذي ستقرره المحاكم”وتابع أنه يعتقد أن المحاكم قضت بدفع 700 مليون دولار في هذه القضية وأردف قائلاً “نحن نأمل أن يتم دفع هذا المبلغ على الأقل”.

          أعلنت الخارجية البريطانية، أنه لا مجال لآية وساطات أخرى في قضية لوكيربي، معتبرة أن الاتصالات في الأمم المتحدة، بين بريطانيا وأمريكا من جهة، وليبيا من جهة أخرى، هي “الإطار الوحيد”لتسوية الملفات العالقة، بين الجانبين”.

          وفي الأمم المتحدة أعلن سفير سنغافورة إلى الأمم المتحدة، كيشور محبوباني، أن الدول الأعضاء في المجلس ليست مستعجلة لرفع العقوبات المفروضة على ليبيا وقال: “يجب أن لا نتسرع” بل أن تتم الأمور بتأنٍ، وهذا هو شعوري عندما تحدثت إلى الجميع”. كما أعرب كوفي أنان، الأمين العام للأمم المتحدة، عن أمله في أن يندمل جرح أهالي وأصدقاء ضحايا لوكيربي. وقال في بيان صدر في نيويورك: “إن العدالة أخذت مجراها، ويتعين احترام الشّرعية الدولية، والعملية القانونية”.

          بينما دعا الدكتور عصمت عبد المجيد، الأمين العام لجامعة الدول العربية، في بيان، إلى رفع العقوبات الدولية عن ليبيا. وقال: “على مجلس الأمن اتخاذ الإجراءات الفورية لرفع العقوبات نهائيًا عن ليبيا في أقرب فرصة، تقديرًا للموقف الليبي، وما أظهره من مرونة في التعامل مع أزمة لوكيربي. وفي الوقت نفسه غادر الدكتور عصمت عبد المجيد الأمين العام لجامعة الدول العربية القاهرة إلى نيويورك عبر باريس، لمطالبة الأمم المتحدة برفع العقوبات عن ليبيا بعد صدور الحكم في تفجير الطائرة الأمريكية فوق لوكيربي. وكانت الجامعة العربية طلبت من مجلس الأمن “الرفع الفوري”للعقوبات المفروضة على ليبيا. من جهة أخرى، أكد الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي تأييد المملكة لرفع العقوبات نهائيًا عن ليبيا.

          وفي بكين دعت الحكومة الصينية إلى رفع العقوبات عن ليبيا. وصرح الناطق باسم وزارة الخارجية زهو بانزاو ” بأننا نأمل في أن تسعى الأسرة الدولية إلى رفع العقوبات بالكامل عن ليبيا، لإحلال السّلام والاستقرار الإقليمي. واعتبر زهو، الذي أشار إلى أن قضية لوكيربي تعود إلى أكثر من عشر سنين، أن “العقوبات تسببت بخسائر كبيرة، وولدت شعورًا بالمرارة، لدى الشعب الليبي”.

          وفي باريس، أعربت الحكومة الفرنسية عن رغبتها في مواصلة، “تطبيع”العلاقات بين باريس وطرابلس، وأعلن متحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، أن “القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، طالبت بمحاكمة المشتبه فيهما الليبيين، وقد تم تحقيق هذا الهدف” وقال: إن “قيام مجلس الأمن الدولي في الخامس من أبريل 1999م، بتعليق العقوبات المفروضة على ليبيا، في أعقاب الحلول التي تم التوصل إليها في قضية لوكيربي، أفسح المجال أمام تطبيع تدريجي، وعلى مراحل، للعلاقات بين فرنسا وليبيا، لا سيما في المجال الاقتصادي والفني، ونحن نأمل في استمرار هذا التطور”.

          كما عقد أبو زيد عمر دوردة، ممثل الجماهيرية لدى الأمم المتحدة، يوم 3 فبراير 2001، اجتماعاً مع سفراء مجموعة دول عدم الانحياز في مجلس الأمن. وأوضح السفير الليبي أنه قدم إلى مجموعة عدم الانحياز، التي تضم تونس ومالي وجامايكا وسنغافورة وبنجلاديش وكولومبيا، الاتفاقات التي تم الوصل إليها بواسطة الأمم المتحدة، بين السلطات القانونية في ليبيا والولايات المتحدة وبريطانيا. وقدم أيضًا إلى المجموعة صورة من رسالة وجهها الأمين العام للأم المتحدة، كوفي أنان، إلى الزعيم الليبي، العقيد معمر القذافي. وأكد أبو زيد دوردة قائلاً: “إننا أوضحنا إلى مجموعة عدم الانحياز، أن رفع العقوبات عن ليبيا أمر ليس له أي علاقة، بالحكم النهائي للمحكمة.

          وبين دوردة أن قرار مجلس الأمن نص على أن العقوبات، يتم رفعها بعد 90 يومًا من تسليم المشتبه فيهما بحادثة تفجير طائرة “بان أمريكان”. وشدد قائلاً “إن رفع العقوبات لا يمكن ربطه بالمحكمة، ولا بالنتيجة، التي خرجت بها”.

          وقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي أنان، انتهاء مهمته في الملف الليبي، وأن “ما تبقى عائد إلى مجلس الأمن”. وأشار إلى التقرير، الذي قدمه إلى المجلس العام الماضي، ووصفه بأنه “التقرير النهائي، الذي عليّ أن أقدمه إلى المجلس، في الشأن الليبي”. وزاد: “إن المسؤولية الأخرى الوحيدة عليّ، كأمين عام بموجب ذلك القرار، هي ضمان تعيين مراقبين لأحوال السجين في اسكتلندا (المقراحي)، للتأكد من أنه يتلقى العناية طبقًا للقانون الدولي، وما تبقى عائد إلى مجلس الأمن”. وقال أنان: “علينا أن نقبل الواقع بأن ليبيا، في نهاية المطاف، تعاونت من خلال تسليم الشخصين، مما شكل خطوة كبيرة، لم يكن واردًا إجراء المحاكمة بدونها ولما كنا حيث نحن اليوم”.

          كما ذكرت منظمة الوحدة الأفريقية، في بيان لها حول الحكم، أن أمينها العام، سليم أحمد سليم، دعا إلى الرّفع الفوري والدائم للعقوبات الاقتصادية المفروضة على ليبيا، بعد صدور الحكم في قضية لوكيربي. وقال سليم “إن مجلس الأمن الدولي يجب أن يتخذ الإجراءات المناسبة، من أجل رفع فوري، وبطريقة دائمة، للعقوبات على الجماهيرية العربية الليبية، التي تعاونت بشكل كامل طبقًا لقرارات مجلس الأمن”. ودعا البيان إلى إيجاد حل سلمي وعادل، يستند إلى القانون الدولي للأزمة، بين ليبيا وكل من الولايات المتحدة وبريطانيا.

          وقد أكدت مصر وسورية دعمها ومساندتها لليبيا ضد ما وصفته بمحاولات الابتزاز، التي تتعرض لها. وطالبت بالرفع الفوري للعقوبات المفروضة على طرابلس، بعد صدور قرار المحكمة. كما أكدا ضرورة الرفع الفوري للحصار المفروض على الشعب الليبي الشقيق، لانتفاء مبررات استمراره، بعد صدور قرار المحكمة”. وأعربت معظم الدول العربية عن أملها في أن يتوقف العمل نهائيًا بالعقوبات الموجهة ضد الشعب العربي الليبي، “ولاسيما إنها تطبق بمعايير مزدوجة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضية الشرق الأوسط”.

          أصدر مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بيان أكد فيه أن الحكم الصادر ضد عبدالباسط المقراحي له توجه سياسي ضد مصالح الشعب الليبي، ودعا مجلس الوحدة الاقتصادية العربية المجتمع الدولي بضرورة رفع العقوبات فوراً دعماً للاستقرار والتنمية للشعب الليبي وشعوب المنطقة العربية.

          ووجه رئيس حركة دول عدم الانحياز، سفير جنوب أفريقيا، دوميساني كومالو، في 9 فبراير 2001، رسالتين إلى كل من رئيس مجلس الأمن لشهر فبراير، مندوب تونس، السفير سعيد بن مصطفى، والأمين العام للأمم المتحدة، كوفي أنان، أكد فيها ارتياح الحركة لوفاء ليبيا لكل التزاماتها، وفقاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. وطالب مجلس الأمن بأن ينظر بسرعة، في اعتماد قرار في شأن رفع العقوبات على ليبيا فوراً.

          كما التقى الرئيس السابق لجنوب أفريقيا نيلسون مانديلا في طرابلس عائلة عبدالباسط المقراحي وأقربائه وأكد لهم أنه “سيبذل قصارى جهده للتوصل إلى نتائج إيجابية، ومحاولة الإفراج عنه”.

          كذلك، قرر مجلس الأمن، في 13 فبراير 2001، تأجيل مناقشاته بشأن مشروع قرار يدعو لإلغاء العقوبات المعلقة، المفروضة على ليبيا. وقال متحدث باسم الخارجية البريطانية: إن حكومته متمسكة بأن تنفذ ليبيا ما هو مطلوب منها، في قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها “قبول المسؤولية”عن كارثة لوكيربي. كما شدد المسؤول البريطاني على أن المطلوب من ليبيا، سيبقى قائمًا بصرف النظر عن نتيجة الاستئناف، الذي تقدم به المقراحي. ورداً على هذا الموقف البريطاني المتعسف، قال روبرت بلاك، الخبير في القانون الاسكتلندي، إن هذا الموقف أقل ما يوصف به إنه “هراء”. وأضاف: إن محاكمة لوكيربي انعقدت لغرض محدد هو إثبات براءة الليبيين من عدمها، والاتفاق الخاص بشأنها يتضمن بنودا تتعلق بمرحلة الاستئناف، ومن ثم فإن إسقاط التهمة عن المقراحي، في حال نجاح الاستئناف، سيعني إسقاط التهمة عن ليبيا نفسها.

          وقد جاء في تقرير المراقب الدولي، هانز كوشلر، الأستاذ الجامعي، الذي عينه الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي أنان، لمراقبة سير محاكمة لوكيربي أن بعض جوانب المحاكمة، كانت “إساءة لقضية العدالة الجنائية الدولية”وغلبت الاعتبارات السياسية على التقييم القانوني الصرف، في هذه القضية.

          وأكد كوشلر في تقريره، أن مدة الحجز غير العادية للمتهمين، من وقت وصولهما إلى هولندا، في 5 أبريل 1999م، إلى بداية المحاكمة في 3 مايو،2000، شكلت مشكلة خطيرة فيما يتعلق بحقوق الإنسان الأساسية، للمواطنين الليبيين، وذلك بموجب المستوى الأوروبي العام، وعلى وجه الخصوص بنود حقوق الإنسان في المعاهدة الأوروبية. “وعمومًا فان الملابسات السياسية الضخمة المرتبطة بالقضية، والاعتبارات الأمنية الخاصة، المتعلقة بالطبيعة السياسية للقضية، أضرت بحقوق المتهمين، خصوصًا فيما يتعلق بمدة الحبس الإداري”. وعن سير المحاكمة وعدالتها، قال كوشلر: “كانت هناك مشكلة كبيرة تمثلت في وجود ممثلين، على الأقل، لحكومة أجنبية، داخل قاعدة المحكمة طيلة مدة المحاكمة، إذ كان هناك شخصان من مكتب المدعي العام، التابع لوزارة العدل الأمريكية، يجلسان إلى جوار فريق الادعاء طيلة الوقت. ولم يكونا مسجلين في أي من وثائق المعلومات الرسمية، المتعلقة بالأطراف المشتركة في المحاكمة، التي أعدّها قسم خدمات المحكمة الاسكتلندية. ومع هذا فقد شوهدا يتبادلان الحديث مع هيئة الادعاء، أثناء انعقاد جلسات المحاكمة، وكانا يقومان بفحص البيانات، وتمرير الوثائق. وكان هذا الأمر لمراقب محايد، يراقب سير المحاكمة من صالة الزوار، يعطي الانطباع بأنهما مشرفان يتوليان المهام الأساسية المتعلقة بإستراتيجية الادعاء، وتحديد نوعية الوثائق التي يمكن أن تُكشف للمحكمة، والاحتفاظ بأجزاء من المعلومات المتعلقة بوثائق معينة بعيدًا، وعدم كشفها للمحكمة”. وظهر هذا جلياً عندما تعلق الأمر ببرقيات وكالة الاستخبارات المركزية، المتعلقة بأحد شهود الادعاء الأساسين، (عبد المجيد جعايكة). وأضاف: “في البداية أصرت هيئة الادعاء على استبعاد تلك البرقيات، باعتبار أنها ليست ذات علاقة بالقضية، ولكنه ثبت أنها كانت ذات علاقة كبيرة، عندما كُشف عنها أخيرًا (على الرغم من أن الكشف كان جزئيًا)، وذلك تلبية للتحرك، الذي قام به فريق الدفاع في هذا الاتجاه. وبصرف النظر عن هذا الجانب خاصة، الذي أضر كثيرًا باستقامة وأمانة كل تلك الإجراءات القانونية، فقد بات واضحًا أن وجود ممثلين لحكومات أجنبية في قاعة المحكمة الاسكتلندية (أو في أي محكمة في ذلك الخصوص)، إلى جوار هيئة الادعاء، يعوق تحقيق استقلالية وسلامة وعدالة الإجراءات القانونية، ولا يتوافق مع الأسس القانونية العامة المتعلقة بسير المحاكمة وعدالتها”.

          وأكد كوشلر أن الجهود كانت تبذل دائمًا، “من أجل حجب معلومات أساسية عن المحكمة، وكان من أبرزها محاولات حجب برقيات وكالة الاستخبارات المركزية المتعلقة بالعميل الليبي المزدوج السابق عبدالمجيد جعايكة.. وكان واضحًا أن المحكمة اكتفت بما قُدم لها، وقبلت الوضع، وهذا أمر يصعب فهمه على مراقب محايد. وربما كانت هناك معلومات أخرى ذات علاقة بالقضية، قد أخفيت عن المحكمة”.

          وفي السّياق نفسه أشار كوشلر إلى إعلان الادعاء العام رسميًا، “بأنه تم تسلم معلومات مهمة جديدة من حكومة أجنبية (لم يسمها)، تتعلق بقضية الدفاع، ولم يتم الكشف عن مضمون تلك المعلومات على الإطلاق، ولم تقدم أي حكومة أجنبية الوثائق، التي طلبت منها بتاتًا. ونظرية الدفاع البديلة ـ التي تقود إلى استنتاجات الادعاء ـ لم يتم التحقيق فيها بالجدية اللازمة”. ونتيجة لهذه الحالة، فانه قد توصل إلى الاستنتاج، “بأنه ربما يكون قد سُمح ولو بطريقة غير مباشرة ـ لحكومات أجنبية، أو لوكالات حكومية (سرية)، بأن تقرر ـ إلى حد كبير ـ نوع الأدلة، التي تقدم للمحكمة.

          واستغرب كوشلر استراتيجية الدفاع، الذي أسقط فجأة “دفاعه الخاص”، وقرر عدم استدعاء أي شاهد، بالرغم من تصريحاته الطموحة، التي أطلقت في بداية المحاكمة. وقال إنه يعتبر موقف الدفاع، “غير مفهوم تمامًا”.

          ولاحظ كوشلر أن هناك نمطًا كان سائدًا في المحاكمة، تمثل في أن كل الأشخاص الذين قدمهم الادعاء كشهود أساسيين، قد ثبت أنهم يفتقدون المصداقية إلى حد كبير. “وفي بعض الحالات قدّم بعضهم أكاذيب مكشوفة للمحكمة، خصوصًا السيد (أدوين) بوليير، والسيد الجعايكة، حيث جاءت أقوالهما مليئة بالتناقضات والتضارب، وعدم الربط المنطقي. كما جاءت أقوال شهود آخرين متناقضة، مما خلق ارتباكًا يصعب معه الاستخلاص والفهم الواضح، لأي جزء من أقوالهم.. وعليه فان اختيار أجزاء من أقوالهم لتأسيس حكم قضائي، لا يكون ثمة مجال للشك فيه، يُعد أمرًا اعتباطيًا، وغير منطقي”.

          وخلص كوشلر إلى أن أجواء سياسة القوة الدولية، “كانت حاضرة في كل جوانب قرار قضاة المحكمة. وعلى الرغم من التحفظات العديدة الواردة من المحكمة، حول توضيح قرارها بنفسها، فان قرار إدانة المتهم الأول (المقراحي)، لم يكن مفهومًا، خاصة في ضوء اعتراف القضاة أنفسهم، بأن تعرف صاحب المتجر المالطي على المتهم الأول لم يكن أكيدًا، وأنه كانت هناك جملة من الأدلة المتناقضة. كما جاء حكم المحكمة مفتقدًا للربط المنطقي، والمصداقية القانونية، وذلك حينما شطب قضاة المحكمة أحد أهم عناصر الاتهام، وهي البيان الخاص بأن المتهمين الاثنين قاما في 21 ديسمبر 1988م بحمل حقيبة إلى داخل مطار مالطة”، يزعم الادعاء أنها استخدمت لإخفاء قنبلة بداخلها، فجرّت طائرة الـ “بان أم”. لذا فإن رأي المحكمة جاء مفتقدًا للربط المنطقي، في جانب أساسي: “فقد وجدت المحكمة المتهم الأول (مذنبًا)، والمتهم الثاني (غير مذنب)”.

          وهذا غير مفهوم تمامًا لأي مراقب عاقل، لا سيما أن الاتهام في أصله بني على اشتراك الشخصين المتهمين في الفعل في مالطة”وأضاف :إن قرار المحكمة “جاء مؤسسا بكامله، على أدلة ظرفية، وعلى سلسلة من الاستنتاجات والاستدلالات المشكوك فيها، وفي هذا الإطار نرى أن قرار الإدانة للمتهم الأول جاء اعتباطيًا، وغير عقلاني”.

          وانتهى كوشلر في تقريره، إلى أن هذه الحقائق جعلته يستنتج أن قرار المحكمة النهائي، “ربما حكمته اعتبارات سياسية، وجاء نتيجة لتأثير واضح، مارسته بعض الأطراف من خارج الإطار القضائي”.

أهم الندوات التي ناقشت الحكم

          وقد نظمت الجامعة العربية للعلوم بتونس، ندوة عن لوكيربي، في 16 فبراير 2001، أكد فيها الخبيران في القانون الدولي، الدكتور توفيق بوعشبة، المستشار القانوني للصليب الأحمر الدولي، وأستاذ القانون بالجامعة التونسية، مع الدكتور إدموند جوف، أستاذ القانون الدولي في جامعة باريس، أن هناك مخالفات قانونية وقعت في محاكمة الليبيين المتهمين في كارثة لوكيربي. واتفقا على أن المحكمة لم تأخذ بمبدأ قرينة البراءة، في تعاملها مع المواطنين الليبيين، وأنها ألصقت بهما التهمة قبل أن تحاكمهما، وهو ما يتعارض مع التشّريعات القديمة والحديثة. فالإنسان يبقى بريئًا حتى تثبت إدانته، وهو الأمر الذي تنص عليه المادتان،11 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وأضاف الدكتور توفيق بوعشبة إن هناك خروقات قانونية، ارتكبت أثناء المحاكمة، منها عدم تمتع المتهمين بقرينة البراءة، إضافة إلى فك المحكمة الارتباط بين المتهمين في الحكم الذي أصدرته، في حين أنه جرى تقديمهما ومعاملتهما على أساس تورطهما، في جريمة واحدة.

          وكذلك، نظمت الجامعة العربية واتحاد المحامين العرب، ندوة دولية عن: “لوكيربي بين القانون والسياسة”، في 8 أبريل، طالبت مجلس الأمن برفع العقوبات عن ليبيا فوراً، والعمل على الإفراج عن عبد الباسط المقراحي. وأكدت التوصيات، التي صدرت تحت عنوان “إعلان القاهرة”، عن دعم الموقف القانوني في قضية لوكيربي، وتغليبه على الجانب السياسي، والموقف المتعنت من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ومحاولة إيجاد حل سريع وعادل، يراعي أحكام القانون والحقوق الأساسية للإنسان، مع الإدراك لفداحة الأضرار الإنسانية والمادية، التي لحقت بالشعب الليبي، والشعوب المجاورة، بفعل عقوبات فُرضت خلال عقد من الزمان، جعلت من ليبيا رهينة من دون مبرر.

          وأعرب رجال القانون والسياسة، من مختلف قارات العالم المشاركون في الندوة، في إعلانهم، عن بالغ القلق إزاء سير القضية أمام المحكمة الاسكتلندية في هولندا، والمناخ الإعلامي المغرض، الذي تمت فيه المحاكمة، وطريقة تشكيل المحكمة، وسير أعمالها، والحكم الذي انتهت إليه، وجوانب القصور فيه، لاسيما في ضوء ما استمعنا إليه من تقارير مهمة مقدمة من قانونيين، عرب وأجانب، ومراقبين دوليين معينين من قبل الأمين العام للأم المتحدة، بشأن المحاكمة وإجراءاتها، وجوانب القصور التي تضمنتها.

          كما أقيمت ندوة حول محاكمة لوكيربي، في كلية الدّراسات الأفريقية والشرقية بجامعة لندن، في 28 مارس 2001، ترأسها المحامي الجزائري سعد جبار، وشارك فيها البروفيسور روبرت بلاك، أستاذ القانون الاسكتلندي في جامعة أدنبره، والبروفيسور تيم نبلوك، من جامعة اكسيتر، وجورج جوفي، من مركز دراسات شمال أفريقيا التابع لجامعة كمبريدج، بحضور السفير الليبي في لندن، محمد بلقاسم الزوّي، وعدد كبير من المهتمين بالشأن الليبي. وفي بداية الندوة كشف روبرت بلاك، عن وجود أدلة جديدة، من عملاء حاليين وسابقين لوكالة الاستخبارات المركزية، حصل عليها الدفاع يمكن أن تثار خلال الاستئناف، وأن هناك أدلة جديدة أيضاً حول آلية تفجير طائرة الـ (بان آم). وأكد أستاذ القانون الاسكتلندي هشاشة الأدلة، التي قدمها الادعاء، مع أن القضاة الاسكتلنديين الثلاثة قبلوها على علاتها. وتحدث البروفيسور تيم نبلوك عن العقوبات، التي فرضت على ليبيا بسبب أزمة لوكيربي، وقال إنه يخالف الرأي القائل بأن هذه العقوبات كانت مجدية، لأنها أرغمت ليبيا على تسليم مواطنيها إلى هولندا، لمحاكمتها أمام محكمة اسكتلندية. وأشار إلى أن التسوية تمت ليس بسبب العقوبات، بل بسبب التّغير الذي طرأ على الموقف البريطاني والأمريكي وقبول لندن وواشنطن فكرة المحاكمة في هولندا.

          وتناول جورج جوفي مستقبل العلاقات بين ليبيا والغرب، خاصة علاقاتها مع أمريكا. وقال إن أمام طرابلس مسار طويل، وصولاً إلى التطبيع، وأن من السذاجة الاعتقاد بأن قضية لوكيربي، نُظرت في إطار قانوني مستقل وشفاف. واستدرك: “لا أقول أن القضاة كانوا مسيسين، لكن الظروف، التي أحاطت بالمحاكم،ة كان لها دورها في تحديد نتيجتها”.

          وأخيراً، فقد ذكر ناطق باسم محكمة أدنبره العليا للقضاء، أن محامي عبد الباسط المقراحي كانوا قد منحوا مهلة إضافية، لتقديم مبررات استئناف الحكم بإدانة موكلهم، وقال: “مُنح المحامون مهلة لستة أسابيع، ابتداء من 21 مارس. وأعلن المقراحي في السابع من فبراير أنه سيستأنف الحكم بإدانته، ومنح مهلة قانونية مدته ستة أسابيع، بدءاً من ذلك التاريخ ليقدم الأسباب الكاملة للاستئناف مكتوبة.

المتهمون The accused

الأمين خليفة فحيمة، 42 سنة، يزعم انتمائه للمخابرات الليبية وأنه كان موظفاً بالخطوط الجوية الليبية في مالطة.

Al-Amin Khalifa Fhimah: 42-years-old, also alleged to belong to Libyan intelligence and to have been station officer of Libyan Arab Airlines in Malta.

عبدالباسط علي محمد المقراحي: 46 سنة، ويزعم أنه كان موظفاً كبيراً بجهاز المخابرات الليبي. ونظراً لأنه كان يعمل رئيساً للأمن بالخطوط الجوية الليبية في مالطة من ديسمبر 1988، فقد زعم أنه اشترى ملابس من أحد المحلات في مالطة، وكانت هذه الملابس في الحقيبة المفخخة على الرحلة 103.

Abdel Baset al-Megrahi: 46-years-old, is alleged to have been a senior officer of the Libyan Intelligence Services. Head of Libyan Arab Airlines security in Malta in December 1988. he is alleged to have bought clothes in a Maltese store that were contained in the suitcase bomb on board flight 103

 

سيناريو الأحداث وتطورها

5/12/1988

  • تلقت سفارة الولايات المتحدة في هلسنكي مكالمة هاتفية، تحذّر من أن قنبلة ستوضع على طائرة “بان أمريكان”، من قبل مجموعة أبو نضال الفلسطينية. وأُخطرت الشركة، التي ضاعفت إجراءات الأمن، كما مُررت المعلومات إلى سلطة الطيران الاتحادية الأمريكية، التي قررت أن توزيع المعلومات إلى جهات أكثر، يحتاج إلى موافقات معينة.

21/12/1988

  • بدأت أزمة لوكيربي، بانطلاق الرحلة المشؤومة رقم 103 لشركة (PANAM) الأمريكية على طائرة البوينج 747 من فرانكفورت إلى مطار “جون أوف كينيدي” بنيويورك، مروراً بمطار هيثرو في لندن، وغالبية الركاب كانوا في طريقهم لقضاء عطلة نهاية السنة وعيد الميلاد مع عائلاتهم، وبعد إقلاع الطائرة من مطار هيثرو وعبورها أجواء أسكتلندا، قرابة الساعة السابعة وخمس دقائق مساءً، انفجرت في الجو وتناثر حطامها فوق قرية “لوكيربي”، وقتل جميع من كان على متن الطائرة وعددهم 259 شخصاً، كما قتل 11 شخصاً من مواطني القرية على الأرض.

14/11/1991

  • أعلنت الخارجية الأمريكية والبريطانية أن عميلين من أجهزة الاستخبارات الليبية، وهما عبدالباسط المقرحي والأمين خليفة فحيمة، مسؤولان عن تفجير الطائرة، وذلك بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من التحقيقات ومتابعة المتهمين.

16/11/1991

  • أعلن متحدث باسم البيت الأبيض أن الرئيس جورج بوش يجري مشاورات مع عدد من قادة دول العالم، من بينهم جون ميجور، رئيس الوزراء البريطاني، بهدف الاتفاق على إجراءات عقابية دولية ضد ليبيا، مع احتفاظ واشنطن بحقها في العمل المنفرد. كما أعلن “برنت سكوكروفت”، مستشار الأمن القومي الأمريكي، “أن الولايات المتحدة ستطلب من ليبيا تسليمها المتهمين بتفجير الطائرة لمحاكمتهما”.

16/11/1991

  • استدعى “إدوارد جيرجيان”، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية المساعد لشؤون الشرق الأوسط، سفراء الدول العربية المعتمدين في واشنطن، وسلمهم قرار الاتهام لليبيين عبدالباسط المقرحي، والأمين خليفة، ووصفهما بأنهما من رجال المخابرات.

17/11/1991

  • سلمت السفارة الإيطالية في طرابلس، وهي التي ترعى المصالح البريطانية في ليبيا، المسؤولين الليبيين الطلبات الخاصة بتسليم المتهمين الليبيين، كما تسلم السفير الليبي في الأمم المتحدة طلبات مماثلة.

25/11/1991

  • التقى الرئيس الليبي معمر القذافي عدداً من الوفود الإسلامية، من دول غير عربية (روسيا، والهند، وباكستان، وأفغانستان)، وشرح لهم الموقف الليبي أمام الغطرسة الغربية، متمثلة في الولايات المتحدة وبريطانيا، وأكد الجميع دعمهم ليبيا.

25/11/1991

  • قام السفير الأمريكي في القاهرة روبرت بلليترو بزيارة للدكتور عصمت عبدالمجيد، الأمين العام لجامعة الدول العربية، وسلمه وثائق الاتهام الأمريكية ضد المواطنين الليبيين.

26/11/1991

  • احتجت الجماهيرية الليبية لدى الأمم المتحدة إزاء ما وصفته بلغة التهديد، التي تستخدمها الولايات المتحدة وبريطانيا ضدها، في إطار اتهاماتها لليبيا بمسؤوليتها عن حادث تفجير طائرة “بان أميركان”، لشن هجوم عسكري عليها، مما يهدد الأمن والسلام العالميين.

26/11/1991

  • أعرب عدد من أسر ضحايا الطائرة الأمريكية، “بان أميركان”، عن رفضهم استغلال الحادث لتصفية حسابات سياسية، بين الولايات المتحدة الأمريكية والجماهيرية الليبية.

28/11/1991

  • أصدرت فرنسا والولايات المتحدة بياناً مشتركاً، يطالب الجماهيرية الليبية بالاستجابة لمطالب المحققين، وتسليم المتهمين الليبيين، ودفع تعويضات لأسر الضحايا في حادث تفجير طائرة “بان أميركان”، وإلا فإنهم سيبحثون معاً العقوبات والإجراءات، التي ستتم ضد ليبيا.

25-29/11/1991

  • تحركت الجماهيرية الليبية دبلوماسياً، بصورة مكثفة، في محاولة منها لإيقاف أي تحرك من جانب أمريكا وبريطانيا وفرنسا على المستوى الدولي، فأرسلت وفوداً إلى المملكة العربية السعودية، والمغرب، وعمان، والكويت، واليمن، وسورية، والأردن، والمغرب، وباكستان، وتركيا، لحشد تأييد هذه الدول ضد أي إجراء يتخذه الغرب معها.

20/12/1991

  • اجتمع في واشنطن مسؤولون من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا؛ لفرض حظر على شركة الخطوط الليبية، والصادرات النفطية الليبية، إلى جانب حظر المبيعات العسكرية لليبيا، مع أن شركة الطيران الليبية تتمتع بسمعة دولية طيبة، ولم تخل بأي اتفاقات دولية.

03/01/1992

  • أعلن مسؤولون أمريكيون وأوروبيون أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، تعمل لاستصدار قرار من مجلس الأمن، يطالب بضرورة تسليم المتهمين في حادث سقوط طائرتين (“بان أميركان” الأمريكية فوق لوكيربي و”يوتا” الفرنسية فوق النيجر) وأكد هؤلاء أنه، في حال رفض ليبيا تنفيذ القرار، فإن الدول الثلاث ستطالب الأمم المتحدة بفرض عقوبات ضد ليبيا.

07/02/1992

  • نشرت جريدة الواشنطن بوست أن هناك مساعي عربية كثيرة لإقناع أمريكا وفرنسا وبريطانيا بمشروع قرار، يدعو ليبيا للرد على الاتهامات، وليس قراراً ينتهي بفرض عقوبات.

21/01/1992

  • صدر قرار مجلس الأمن الرقم،731، الذي يطالب ليبيا بالتعاون في التحقيقات الخاصة بحادث لوكيربي، وأكدت مصادر دبلوماسية في الأمم المتحدة اعتزام أمريكا وفرنسا وبريطانيا منح ليبيا مهلة لتنفيذ قرار مجلس الأمن، حتى نهاية فبراير 1992.

18/02/1992

  • أكدت الجماهيرية الليبية أنه لا يمكن، وفقاً للقوانين الدولية، تسليم المشتبه بهما إلى البلد، الذي يتهمهما بارتكاب الذنب.

03/03/1992

  • رفعت ليبيا القضية إلى محكمة العدل الدولية، وطلبت إجراءات تحفظية لتجميد قرار الأمم المتحدة، في انتظار صدور حكم قضائي. وانتقدت الولايات المتحدة وبريطانيا لانتهاكهما اتفاقية مونتريال الصادرة عام 1971م.

23/03/1992

  • اقترح سفير ليبيا لدى الأمم المتحدة، تسليم المشتبه بهما إلى جامعة الدول العربية، ورفض الغرب ذلك.

31/03/1992

  • صدر قرار مجلس الأمن رقم 748، الذي يفرض حظراً جوياً وعسكرياً على ليبيا يتم تنفيذه اعتباراً من 15 أبريل 1992م، وقد امتنعت خمس دول عن التصويت على هذا القرار هي (الصين، والهند، والمغرب، وزيمبابوي، وجزر الرأس الأخضر).

12/04/1992

  • أعلنت ليبيا مجدداً أنها مستعدة لتسليم المتهمين إلى دولة محايدة لمحاكمتهما، واستعدادها للتعاون مع فرنسا، ويمكن لمواطنيها أن يسلما نفسيهما طوعاً لأي دولة محايدة، مع عدم التفريط في السيادة الليبية.

15/04/1992

  • فُرضت العقوبات على ليبيا، على أن تجرى مراجعتها، كل 120 يوماً.

15/04/1992

  • رفض الرئيس الليبي معمر القذافي قرار مجلس الأمن الرقم 748، وهدد الدول، التي تطبق القرار بحرمانها من البترول الليبي، ومن أي عقود مع بلاده.

15/04/1992

  • أصدرت وزارة الخارجية الليبية بياناً، أشارت فيه إلى أن قرار محكمة العدل الدولية يبقى استشارة قانونية، وأن المحكمة مستمرة في نظر الطلب الليبي بتفسير معاهدة مونتريال، بشأن المتهمين، بما يؤيد حق الجماهيرية في عدم تسليم مواطنيها لأي دولة على رغمهما.

21/04/1992

  • طلبت السلطات الليبية من الصحفيين الأجانب وقف نشاطاتهم ومغادرة البلاد، مع السماح للصحفيين العرب، وصحفي الدول المتعاطفة مع الجماهيرية، بالبقاء.

27/04/1992

  • طردت السلطات الليبية 41 دبلوماسياً من أراضيها، من 16 دولة بدأت بتطبيق القرار 748 وطردت دبلوماسيين ليبيين من أراضيها، فردت ليبيا بالمعاملة بالمثل.

29/04/1992

  • اقترحت الجماهيرية الليبية أن تجري محاكمة المتهمين الليبيين في حادث طائرة “بانام” الأمريكية على أرض الجماهيرية الليبية، على أن يكون القضاة من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وذلك في إطار محاولة إنهاء أزمة المحاكمة.

13/08/1993

  • أوصى مجلس الأمن بتمديد العقوبات على الجماهيرية الليبية لمهلة تنتهي في أول أكتوبر؛ للضغط على الحكومة الليبية بتسليم مواطنيها للولايات المتحدة وبريطانيا اللتين هددتا بتصعيد العقوبات بانتهاء هذه المهلة.

20/08/1993

  • أصدر الرئيس الليبي معمر القذافي بياناً، طالب فيه الولايات المتحدة وبريطانيا بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع بلاده، مؤكداً أن ذلك سيساهم في حل الأزمة، وتقدمت ليبيا إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة وبريطانيا، بتوضيح الضمانات الكافية حول مسألة التسليم، بما يساعدهم على اتخاذ قرار لحل المشكلة.

29/09/1993

  • أزالت ليبيا اعتراضاتها، وقالت: إن المشتبه بهما يمكن أن يحاكما في إسكوتلندا، ولكن القرار متروك لهما.

11/11/1993

  • أصدر مجلس الأمن القرار الرقم 882، الذي يقضي بتصعيد العقوبات ضد ليبيا، وصوت لصالح هذا القرار 11 دولة، وامتنعت 4 دول عن التصويت (الصين، والمغرب، وجيبوتي، وباكستان)، ونص القرار على تجميد أرصدة الحكومة الليبية في الخارج، وحظر استيراد بعض المعدات الخاصة بصناعة البترول، وتنفيذ أحكام العقوبات المنصوص عليها في القرار 748.

15/01/1994

  • قدمت الجماهيرية الليبية اقتراحاً بمحاكمة المتهمين أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي، للأمين العام للأمم المتحدة في جنيف، ولكن الولايات المتحدة وبريطانيا رفضتا المشروع، وطالبتا بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية.

22/01/1994

  • قال الزعيم الليبي معمر القذافي، إن إجراء المحاكمة في لاهاي، يمكن أن يحل المشكلة.

17/02/1994

  • اقترحت ليبيا محاكمة مواطنيها (المتهمين في قضية لوكيربي) أمام محكمة إسلامية، بينما شددت بريطانيا والولايات المتحدة على ضرورة انصياع ليبيا لقرارات الأمم المتحدة، كما صعدتا من لهجتهما ضد الجماهيرية زعماً بأنها تساند الإرهاب.

06/03/1994

  • طالبت ليبيا بانعقاد اللجنة السباعية، المنبثقة عن الجامعة العربية؛ لإجراء المباحثات والمشاورات اللازمة حول أزمة لوكيربي.

22/03/1994

  • قدمت ليبيا اقتراحاً بمحاكمة المتهمين في أزمة لوكيربي أمام محكمة العدل الدولية، بقضاة من أسكتلندا، ورفضت بريطانيا هذا الاقتراح.

08/04/1994

  • صدر قرار مجلس الأمن بتمديد العقوبات لمهلة أخرى، حتى نهاية يوليه (120يوماً)، بعدما لم يقبل طرفا النزاع أي حل وسط، وثبت كل طرف على موقفه من دون تغيير.

30/04/1994

  • قام الدكتور عصمت عبدالمجيد أمين عام جامعة الدول العربية بزيارة للجماهيرية الليبية، يرافقه إبراهيم المشاري مندوب ليبيا الدائم في الجامعة، وأجرى مباحثات مع العقيد معمر القذافي والمسؤولين الليبيين عن آخر تطورات أزمة لوكيربي، وتعنت الولايات المتحدة وبريطانيا لحل الأزمة، حيث رفضتا كل المقترحات الليبية لحلها.

02/05/1994

  • جدد الأمين العام لجامعة الدول العربية، الدكتور عصمت عبدالمجيد، اقتراح الجامعة وليبيا بمحاكمة الليبيين أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، وبقضاء من أسكتلندا.

05/05/1994

  • اجتمعت اللجنة السباعيةالمعنية بتطورات أزمة لوكيربي وشارك فيها مندوبا دولة جيبوتي وسلطنة عمان، بصفتهما عضوين في مجلس الأمن لبحث آخر المستجدات في القضية.

05/08/1994

  • أصدر مجلس الأمن قراره بتمديد العقوبات المفروضة على الجماهيرية الليبية حتى أوائل ديسمبر (120يوماً)، في نفس الوقت، الذي رفضت فيه الولايات المتحدة اقتراحاً ليبياً بتسليم المتهمين لأمين عام جامعة الدول العربية أو اللجنة السباعية، مع الاستعداد لقبول محاكمتهم في مقر الأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية.

30/11/1994

  • تم تمديد العقوبات على ليبيا لفترة أخرى من دون أدنى تعديل، لتنتهي في مارس 1995.

07/01/1995

  • انتقد الأمين العام المساعد للشؤون السياسية في الجامعة العربية، السفير عدنان عمران، عدم استجابة الأطراف الغربية المعنية بأزمة لوكيربي للمساعي العربية والليبية، الرامية إلى إيجاد حل سياسي لهذه الأزمة ومحاكمة المشتبه فيهما، وإنهاء العقوبات المفروضة على الشعب الليبي منذ منتصف أبريل 1992م.

20/01/1995

  • تلقت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية مذكرة من المندوبية الليبية في القاهرة، تطلب عقد اجتماع استثنائي لمجلس الجامعة؛ لاتخاذ موقف حاسم حيال الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان، وتصريح رئيس مجلس النواب الأمريكي نويت غنغريتش في شأن القدس.

24/01/1995

  • أثار تقرير نشرته صحيفة “ديلي ريكورد” الأسكتلندية عن وجود ملفات لدى الاستخبارات الجوية الأمريكية، تثبت تورط وزير الداخلية الإيراني السابق آية الله محتشمي في تفجير لوكيربي، عاصفة من المواقف السياسية في عدد من العواصم المعنية، وجددت بريطانيا، في تعليق لها، ضرورة محاكمة الليبيين المشتبه فيهما في أسكتلندا أو الولايات المتحدة، ونفت إيران ما جاء في التقرير، فيما أكدت الولايات المتحدة أن “لا أدلة موثقة ضد إيران”.

27/01/1995

  • أكد رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور أنه ما زال مقتنعاً بمسؤولية ليبيا والليبيين المشتبه بهما في اعتداء لوكيربي (أسكتلندا). وقال ميجور في ردّ خطي إلى مجلس العموم عن هذه المسألة: “لا يوجد أي دليل يؤكد تورط أشخاص أو دول أخرى”. واعتبر أن الاتهامات الأخيرة، التي وجهتها صحيفة أسكتلندية إلى إيران، لا ترتكز على أي أساس من الصحة.

29/01/1995

  • لفت السيد إبراهيم الغويل، محامي الليبيين، المشتبه في أنهما وراء تفجير طائرة ” بان أميركان ” فوق لوكيربي عام 1988م، النظر إلى أن إيران “صاحبة مصلحة” في إسقاط الطائرة الأمريكية. وأضاف: “حادث الطائرة الأمريكية راح ضحيته 270 شخصاً وتزامن مع الاحتفال بأعياد الميلاد في شهر كانون الأول/ ديسمبر. وهذه الظروف تتشابه مع حادث الطائرة الإيرانية في وقت سابق من العام ذاته، الذي راح ضحيته 300 شخص وتزامن مع احتفالات المسلمين بعيد ديني.

30/01/1995

  • اجتمع الأمين العام للجامعة العربية الدكتور عصمت عبدالمجيد اليوم في القاهرة مع السيد أبو بكر يونس، أمين اللجنة الشعبية الليبية (وزارة) للدفاع وناقش معه تطورات أزمة لوكيربي، في ضوء المعلومات عن وجود وثائق أمريكية، تتحدث عن تورط إيران في تفجير الطائرة الأمريكية. وألتقي أبو بكر يونس أيضاً مع المستشار السياسي للرئيس المصري الدكتور أسامة الباز.

21/02/1995

  • أكد الدكتور عصمت عبدالمجيد، الأمين العام للجامعة العربية، تضامن الجامعة مع ليبيا في مواجهة الحصار المفروض على الشعب الليبي، منذ عام 1992 بسبب أزمة لوكيربي. وطالب في حديث أدلى به للتلفزيون الليبي: بإعادة فتح ملفات التحقيق في قضية لوكيربي. وقال: “الجهود الإيجابية، التي تبذلها الجامعة وليبيا للتوصل إلى حل سلمي لهذه المشكلة، لم تجد صدى لدى الدول الغربية المعنية بالأزمة”.

23/03/1995

  • رصد الـ ” F B I ” أربعة ملايين دولار مكافأة، لمن يُقدّم معلومات عن المشتبه بهما.

24/03/1995

  • وضعت إدارة الرئيس بيل كلينتون كلاً من عبدالباسط علي المقرحي والأمين خليفة فحيمة على قائمة المطلوبين العشرة الأوائل للعدالة في الولايات المتحدة وأعلنت عن مكافأة تصل إلى 4 ملايين دولار لكل من يساعد في القبض على المتهمين. وأعلن مكتب التحقيق الفيدرالي في مؤتمر صحافي أن المقرحي وفحيمة وضعا على قائمة أكثر المطلوبين الأكثر خطراً وإلحاحاً؛ لاتهامهما بتفجير طائرة “بان أميركان” ما أدى إلى مقتل 270 شخصاً، ينتمون إلى 21 دولة. ووصف البيان، الذي صدر عن مكتب التحقيق، الليبيين بأنهما يعملان لجهاز الاستخبارات الليبية. واعتبر أن المكافأة، التي تعرضها الحكومة الأمريكية للقبض عليهما هي الكبرى في تاريخها.

28/03/1995

  • بدأ ت في العاصمة الهولندية أعمال الطاولة المستديرة؛ لمناقشة الأبعاد القانونية والقضائية لقضية لوكيربي، وتستمر يومين بمشاركة اختصاصيين وقانونيين من دول عربية وأجنبية عدة. وكانت المبادرة إلى عقد الطاولة المستديرة جاءت من اتحادين عربيين: هما الاتحاد العام للحقوقيين العرب، واتحاد المحامين العرب، بالتعاون مع منظمات قانونية ليبية. ولكن الحضور الدولي المتخصص يبدو موجهاً إلى التفاصيل الدقيقة في القانون الدولي، لا سيما تلك، التي يمكن أن تلقي أضواء على الجانب الخفي من النزاع الدائر بين ليبيا وكل من الولايات المتحدة وبريطانيا، في شأن قانونية تسليم متهمين من الجنسية الليبية لمحاكمتهما أمام المحاكم البريطانية والأمريكية؛ للاشتباه في مسؤوليتهما عن تدبير حادث تفجير طائرة “بان أميركان” فوق قرية لوكيربي الأسكتلندية عام 1988 م.

30/03/1995

  • جدّد مجلس الأمن العقوبات المفروضة على ليبيا، التي طالبت المجلس بإجراء “تحقيق محايد من أجل الوصول إلى حقيقة حادث تحطم طائرة “بان أميركان” فوق لوكيربي؛ نظراً إلى ما رافق التحقيقات، التي جرت في الماضي من قصور وما يحيطها من شكوك”، وطالبت بـ”تعليق تطبيق العقوبات”، التي فرضها مجلس الأمن “إلى أن تظهر نتيجة التحقيق”.

30/03/1995

  • اختتمت في لاهاي أعمال الطاولة المستديرة المخصصة لدراسة الأبعاد القانونية لقضية لوكيربي، والنزاع الليبي مع الولايات المتحدة وبريطانيا على مشروعية طلب الدولتين الغربيتين تسلم المتهمين الليبيين؛ لمحاكمتهما في أميركا أو أسكتلندا. ودارت مناقشات قانونية صرفة، برزت فيها اجتهادات متعددة، منها ما يذهب إلى دعم الموقف الليبي الرافض للتسليم قبل الذهاب إلى التحكيم أمام محكمة العدل، كما جاء في مداخلة البروفيسور فرانسيس بويل الأميركي الجنسية، ومنها ما حض طرابلس ومحامي الدفاع برئاسة إبراهيم الغويل، الذي شارك في الطاولة المستديرة، على انتهاز الفرصة للتقدم بمبادرة مرنة، تسمح بتخفيف التوتر الدولي وتتيح لطرابلس فوائد، منها رفع الحظر والعقوبات.

31/03/1995

  • رفضت ليبيا مجدداً تسليم مواطنيها المتهمين بالاعتداء على طائرة الركاب الأمريكية فوق لوكيربي عام 1988م. وأكد الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي أن بلاده “لا تستطيع أن تسلم إلى دولة أخرى” المتهمين عبدالباسط المقرحي والأمين خليفة فحيمة. وجاء تأكيده بعد ساعات من قرار مجلس الأمن الإبقاء على العقوبات المفروضة على ليبيا منذ العام 1992.

01/04/1995

  • قال الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور عصمت عبدالمجيد، أن تمديد مجلس الأمن العقوبات المفروضة على ليبيا لن يحل أزمة لوكيربي. ودعا الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا إلى تفهم موقف ليبيا وقانونيته. وقال: “لا يوجد أي نص قانوني في القانون الدولي يجبر ليبيا على تسليم رعاياها إلى دولة أخرى، للمحاكمة لمجرد الاشتباه فيهما”.

19/04/1995

  • أقلعت طائرات ليبية حاملة الحجاج، عبر الأجواء المصرية، إلى السعودية قبيل موافقة مجلس الأمن على السماح للطائرات المصرية بنقل الحجاج إلى المملكة، ووافقت لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن في اليوم التالي، على طلب الحكومة المصرية بنقل الحجاج الليبيين على شركة مصر للطيران.

28/04/1995

  • ثبّتت المحكمة العليا الأمريكية حكماً، بأن ليبيا دولة ذات سيادة، ولديها حصانة من رفع قضية ضدها، من قبل ضحايا لوكيربي.

07/05/1995

  • قدمت البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة مشاريع رسائل إلى كل من المملكة السعودية، ومصر، وليبيا في شأن الحجاج الليبيين، تضمنت إدانة لليبيا لإرسالها الحجاج على متن الطائرات الليبية إلى المملكة، قبل موافقة لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن على السماح للطائرات المصرية بنقلهم. واحتوت الرسائل انتقاداً قوياً للأطراف المعنيين، لتعاملهم مع الطائرات الليبية.

13/05/1995

  • دان أمين الشؤون الخارجية في أمانة المؤتمر العام للشعب الليبي، السيد سعد مصطفى مجبر، استمرار الضغط الأمريكي على الشعب الليبي. وقال مجبر، الذي يرأس بعثة حجاج ليبيا: إن الولايات المتحدة “تهدف إلى تركيع الشعب الليبي والنيل منه عن طريق تكريس الحظر الدولي”.

19/05/1995

  • أعلن الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي أن الليبيين المتهمين بتفجير طائرة ركاب أمريكية لن يقدما للمحاكمة في الغرب إلا بعد أن تذعن إسرائيل لقرارات مجلس الأمن. وقال القذافي في تصريحات نقلتها “وكالة الجماهيرية للأنباء الليبية الرسمية” أن الرجلين، المشتبه في قيامهما بتفجير طائرة الركاب التابعة لشركة “بان أميركان” فوق لوكيربي في أسكتلندا عام 1988م، لن يقدما للمحاكمة في الغرب ما لم تنفذ إسرائيل نحو 40 قراراًَ أصدرها مجلس الأمن ضدها.

29/05/1995

  • كشفت صحيفة ” سكوتسمان” الأسكتلندية الصادرة في أدنبره أن رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور رفض طلباً لرئيس جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا بإعادة النظر في رفض محاكمة المتهمين الليبيين في حادث تفجير لوكيربي في دولة محايدة. وأضافت أن مانديلا حذر من “النتائج السلبية” لفتور العلاقات مع ليبيا في شأن مسألة لوكيربي، وتأثير ذلك على العلاقات الأفريقية. و ناشد ميجور إعادة النظر في إصرار بريطانيا على محاكمة المتهمين أما في أسكتلندا، وإما في الولايات المتحدة.

31/05/1995

  • عبّر مصدر ديبلوماسي ليبي في القاهرة عن أسفه لرفض بريطانيا وساطة رئيس جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا، والرامية إلى إيجاد حل سلمي لأزمة لوكيربي من خلال محاكمة المشتبه فيهما في دولة ثالثة، غير بريطانيا والولايات المتحدة. وأضاف المصدر أن الرفض البريطاني “يكشف مجدداً مدى التعنت، الذي يمارسه البريطانيون، ومخاوفهم من فضح الحقيقةفي حال محاكمة الليبيين المشتبه فيهما بصورة عادلة”.

02/06/1995

  • أكد سفير بريطانيا لدى مصر ديفيد بلازرويك إصرار بلاده على ضرورة محاكمة الليبيين المشتبه فيهما في قضية لوكيربي أمام المحاكم البريطانية، ومن دون شروط من جانب ليبيا. وقال بلازرويك، بعد لقائه الدكتور عصمت عبدالمجيد الأمين العام لجامعة الدول العربية في القاهرة إن عبدالمجيد أطلعه على قرار الجامعة الخاص بدعم الدول العربية لليبيا في أزمتها مع الغرب واقتراح محاكمة المشتبه فيهما في مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي وفي وجود قضاة أسكتلنديين.

03/06/1995

  • أكد مصدر ديبلوماسي أن بلاده بصدد “إعادة تقويم سياستها الخارجية والاقتصادية مع عدد من الدول الغربية، وفقاً لمواقف هذه الدول من أزمة لوكيربي”. وقال “إن هذا الموضوع سيعرض على المؤتمر الشعبي العام (البرلمان الليبي) خلال دورة الاجتماعات، التي سيعقدها قريبا”. وشدد على أن ليبيا “ترفض التعنت البريطاني والأميركي حيال الأزمة، باعتبار أن ذلك لا يتماشى مع الجهود، التي بذلتها لإنهاء أزمة لوكيربي، ورفع الحصار عن الشعب الليبي”.

10/06/1995

  • وجهت الحكومة الليبية، إلى مجلس الأمن، تقريراً تضمن تفاصيل عن حجم الأضرار البشرية والمادية والمالية وغيرها، والمترتبة على تطبيق العقوبات ضد ليبيا بموجب قراري مجلس الأمن 748 و883. وجاء في التقرير أن التأثير السلبي للقرارين ما زال “يتفاقم يوماً بعد يوم، وامتدت أضراره إلى كل القطاعات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية”. وأشار إلى أن مجموع حجم الخسائر، خلال الفترة من منتصف أبريل 1992 إلى نهاية 1994 يبلغ نحو 10 بلايين وتسعة ملايين دولار.

وأدرج التقرير تفاصيل الخسائر على النحو الآتي:

– قطاع الصحة والضمان الاجتماعي: 92 مليون دولار.

– قطاع الزراعة والثروة الحيوانية: 4 بلايين و679 مليون دولار.

– قطاع المواصلات والنقل: 905 ملايين دولار.

– قطاع الصناعة والمعادن: 2. 5 بليون دولار.

– قطاع الاقتصاد والتجارة: 2 بليونا دولار.

12/06/1995

  • قلد الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي قائد الطائرة الليبية، التي أقلت عدداً من الحجاج الليبيين إلى المملكة العربية السعودية، “وسام الشجاعة” لتحديه الحظر الجوي الدولي المفروض على ليبيا منذ 1992. وقلد القذافي الوسام نفسه لسعد مجبر رئيس بعثة الحجاج الليبيين، الذين كانوا على متن الطائرة، التي قامت برحلة بين طرابلس وجدة (غرب السعودية) في 20 أبريل 1995م.

7/07/1995

  • قال مدّعون ألمان، إن عميل استخبارات سابق أفاد، أن إيران وراء تفجير الطائرة.

10/09/1995

  • عقد لقاء في مكتب السيد محمد بجاوي رئيس محكمة العدل الدولية في لاهاي، ضم سفير ليبيا في لاهاي والاتحاد الأوروبي، حامد الحضيري، وممثل الحكومة الأمريكية كونراد هارير، وممثل بريطانيا فرانكلين دوبيرمان، للبحث في موضوع تحديد فترة زمنية، تقدم ليبيا خلالها ردها على اعتراضات الولايات المتحدة وبريطانيا حول صلاحية محكمة العدل الدولية في محاكمة المتهمين الليبيين بتفجير طائرة “بانام” فوق بلدة لوكيربي الأسكتلندية في كانون الأول/ ديسمبر 1989م.

21/09/1995

  • وافقت الدول العربية، أعضاء اللجنة السباعية المعنية بأزمة لوكيربي، دول الاتحاد المغاربي ومصر وسورية، على الاقتراح الليبي لعقد اجتماع للجنة في نيويورك مطلع أكتوبر المقبل على هامش أعمال الجمعية العامة؛ للبحث في وسائل جديدة، يمكن من خلالها تحريك أزمة لوكيربي باتجاه المقترح العربي. وعبّر أمين اللجنة الشعبية للوحدة الليبي (وزير)، جمعة الفزاني، عن ارتياحه للقرار، الذي صدر عن مجلس الجامعة العربية في شأن أزمة لوكيربي. ووجّه الشكر إلى الدول العربية، وإلى الجامعة؛ لموقفها الداعم لليبيا في تعاطيها مع الأزمة.

21/09/1995

  • جدد مجلس وزراء الخارجية العرب، في اختتام الدورة 104 لمجلس الجامعة في القاهرة، مساندته ليبيا في مواجهة “الإجراءات القسرية” المفروضة عليها منذ منتصف أبريل 1992م، داعياً الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إلى استجابة مبادرة الجامعة الخاصة، بمثول المتهمين الليبيين أمام محكمة أسكتلندية. ورأى أن هذا الاقتراح يمثل مخرجاً قانونياً مناسباً لحل الأزمة باعتبار أنه سيضمن المحاكمة، ويحافظ على السيادة الليبية.

17/10/1995

  • أفادت “أمانة اللجنة الشعبية العامة للاتصال الخارجي والتعاون الدولي” الليبية (وزارة الخارجية) أن الجماهيرية الليبية عدلت عن ترشيحها لشغل مقعد غير دائم في مجلس الأمن، اعتباراً من الأول من كانون الثاني 1996م، وأكد البيان أن طرابلس قررت “إرجاء” ترشيحها لهذا المقعد “إلى فرصة أخري مناسبة؛ رغبة منها في قطع الطريق أمام أي محاولة للسعي بالفتنة داخل المجموعة الأفريقية وبين هذه المجموعة والبلدان العربية”.

19/10/1995

  • أبلغت ليبيا رسمياً الأمانة العامة لجامعة الدول العربية سحبها طلب ترشيحها للعضوية غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي، وأنها سترشح مصر للحلول محلها في العضوية، التي ينتظر أن يتم التصويت عليها في الشهر المقبل. وأفادت مصادر ديبلوماسية في الجامعة أن ليبيا تنازلت عن ترشيحها لمصلحة مصر مع احتفاظها بحقها في الترشيح في سنة 2000 بدل مصر، التي يحين موعد دورها في المجلس وفقاً للحروف الهجائية.

08/11/1995

  • ناشدت ليبيا أسر ضحايا حادث تفجير طائرة الركاب الأمريكية فوق لوكيربي عام 1988م، مساندة اقتراح للجامعة العربية، يقضي بمحاكمة الليبيين، اللذين يشتبه في مسؤوليتهما عن الحادث في لاهاي. وحضت البعثة الليبية لدى الأمم المتحدة، في إعلان على ربع صفحة نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، عائلات الضحايا على الضغط على حكوماتهم لقبول اقتراح “إجراء محاكمة عادلة للمشتبه فيهما أمام قضاة أسكتلنديين، بمقتضى القانون الأسكتلندي في مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي”.

10/11/1995

  • انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة خمس دول للعضوية غير الدائمة في مجلس الأمن للعامين المقبلين، وهذه الدول هي مصر، وكوريا الجنوبية، وغينيا، بيساو، وتشيلي، وبولندا. بعد أن قررت الحكومة الليبية أن تتنازل لمصلحة مصر عن الترشيح لعامي 1996 و1997م لمقعد في مجلس الأمن في عامي 2004 و2005، في ظل تعهد الولايات المتحدة بإسقاطها في الترشيح. وحصلت مصر على 158 صوتاً من أصل 177 أدلت بها الدول الممثلة في الجمعية العامة.

22/11/1995

  • أعلن سفير بريطانيا لدى الأمم المتحدة، السير جان وستون، في أعقاب جلسة مغلقة لمجلس الأمن، أن المجلس “قرر أنه لا توجد ظروف لإجراء أي تغيير في نظام العقوبات” المفروضة على ليبيا، وبالتالي، قرر “الإبقاء” على نظام العقوبات “من دون أي تغيير”.

23/11/1995

  • نددت ليبيا بتجديد مجلس الأمن للعقوبات المفروضة على ليبيا، معتبرة أن هذا القرار يؤكد “استمرار هيمنة الولايات المتحدة على هذا المجلس” وأن “الأمم المتحدة ومجالسها فقدت مصداقيتها أمام شعوب العالم”. وأعربت ليبيا عن دهشتها لتمديد العقوبات ضدها لمدة 120 يوماً آخر “على رغم الموقف الإيجابي للجماهيرية العظمى وتعاملها الحضاري مع ما يسمى بأزمة لوكيربي”. وحضت ليبيا الدول العربية والأفريقية ودول عدم الانحياز على تجاهل قرار تمديد العقوبات.

14/12/1995

  • حض مساعد وزير الخارجية الأمريكي روبرت بلليترو ليبيا على العودة إلى التحادث مع الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي، حول سبل إنهاء العقوبات المفروضة عليها بسبب قضية لوكيربي، وكان بلليترو يتكلم، رداً على سؤال هل تباحث في قضية ليبيا مع المسؤولين التونسيين. ومعلوم أن ليبيا عللت رفضها طلب التسليم بأن المتهمين لن يلقيا محاكمة عادلة في الولايات المتحدة أو أسكتلندا. إلا إنها وافقت على مقترح من الجامعة العربية بإجراء المحاكمة في محكمة العدل الدولية في لاهاي، حسب القانون الأسكتلندي، وأمام قاض أسكتلندي. ورفضت الدول الغربية هذا الاقتراح.

17/12/1995

  • دعا مصدر ديبلوماسي ليبي في القاهرة الإدارة الأمريكية، إلى فتح حوار مباشر مع ليبيا لتسوية أزمة لوكيربي. وقال إن بلاده أبلغت الأمين العام للأمم المتحدة الدكتور بطرس غالي “استجابتها الكاملة لقرارات مجلس الأمن”. وأكد أن ليبيا “جادة في إيجاد حل لهذه الأزمة”. وأوضح أنه “ليس لدى ليبيا أي جديد يمكن تقديمه، وأن الإصرار الغربي، خصوصاً من بريطانيا والولايات المتحدة، لن يحل القضية ولن ينهي المشكلة”.

20/12/1995

  • اتُهم رجل أعمال أسكتلندي، أمام إحدى محاكم بوسطن، بانتهاك الحظر الأمريكي المفروض على طرابلس، ومحاولة تصدير أجهزة كومبيوتر قيمتها 250 ألف دولار إلى ليبيا. واتهم ديفيد مكيف (36 عاماً من غلاسكو) والشركة التي يعمل لحسابها “مكنيل إنترناشيونال أوف أدنبره” بتقديم معلومات كاذبة لشركة الشحن وإدارة الجمارك الأمريكية. وقال مكيف إن الشحنة كانت متجهة أولاً إلى قبرص، ثم إلى إثيوبيا. لكن المحكمة قالت إن المستورد الحقيقي للشحنة ليبيا، التي وضعت في القائمة الأمريكية للدول المفروض عليها حظر تجاري.

21/12/1995

  • أقر مجلس الشيوخ الأمريكي بالإجماع قانوناً، أيدته إدارة الرئيس بيل كلينتون، بتشديد العقوبات الاقتصادية الأمريكية على ليبيا. ويتوقع أن يثير القانون معارضة كبيرة من الدول الصناعية الأوروبية والآسيوية. وجاء شمل ليبيا بالقانون في تعديل أدخل في اللحظة الأخيرة. ويطلب القانون من الإدارة فرض عقوبات على كل الشركات، من ضمنها الأجنبية، التي تستثمر مبالغ تتجاوز 40 مليون دولار في أي من أقسام قطاعي النفط والغاز في إيران وليبيا.

المصادر والمراجع

أولاً: الكتب

  1. محمد إسماعيل علي، “كتاب من لوكيربي إلى طرابلس”، دار الحرية 1993.

ثانياً: المجلات والجرائد والدوريات

  1. أسامة عجاج، “أزمة لوكيربي تعود للاحتدام”، مجلة الحوادث، العدد الرقم 1993، بيروت، يناير 1995.
  2. جريدة “الحياة”، العدد الصادر في  16 أبريل 1992.
  3. جريدة “الشرق الأوسط”، العدد الرقم 7632، الصادر في 21 أكتوبر 1999.
  4. مجلة “الوسط”، العدد الصادر في 20 أبريل 1992.
  5. مجلة العلوم القانونية الليبية، العدد السادس، مارس 1992.
  6. محمد سعد أبوعامود، الدبلوماسية المصرية والأزمة الليبية الغربية، مجلة السياسة الدولية العدد الرقم 109، القاهرة، يوليه 1992.
  7. “لوكيربي تبحث عن متهم جديد”، مجلة الوسط، العدد الرقم 157، الصادر في يناير 1995.
Print Friendly, PDF & Email