بقلم Hakima Khedi

الاعتقالات التي خصّت ميدان الجوسسة أثارت الكثير من التساؤلات لدى العامة و الطبقة المثقفة، و من بين هذه التساؤلات لماذا لم يتم توقيف هؤلاء الأشخاص مباشرة بعد ظهور اسمائهم في وثائق “ويكيليكس” و لماذا اختيار هذا الوقت بالضبط لاعتقالهم؟
إنّ المطّلع على أدب الجوسسة يعلم أن أفضل الطرق للاستفادة من العملاء هو كشفهم و المحافظة على نشاطهم لأن استمرار نشاطهم يوصلك للجهات التي يتصلون بها و عن نوعية المعلومات المطلوبة و من خلال معرفة بما يهتم به خصمك تسطيع تخمين أو الوصول لمعرفة أهدافه و يمكنك في مرحلة من مراحل السيطرة على المعلومة انتقاء ما تريد تسريبه و تتمكن بذلك من تحييده أو السيطرة عليه وهي بحد ذاتها مكتسبات نوعية لا يجب التفريط فيها لأي دائرة من دوائر الاستعلامات و لا يتم توقيف العملاء أو سجنهم إلا إذا أصبح خطرهم “imminent” بمعنى يتجاوزون مرحلة تبادل المعلومات لمرحلة تنفيذ مخطط إما بالتوقيع على معاهدة سياسية أو اقتصادية او انقلاب عسكري ففي هذه الحالة يكون توقيفهم بمثابة احباط المخطط لأنهم تجاوز ما يعرف بعتبة القبول “le seuil de tolérance”.
ما يهمنا نحن العوام من توقيف هؤلاء الجواسيس أنّ مخططات الجهات التي كانوا على اتصال بها قد تجاوزت الحد المقبول و أصبحت على وشك التنفيذ و لربط هذه الاعتقالات بالوضع السياسي الدّاخلي فإنها إن دلّت على شيء فإنها تدل على حجم الضغط الخارجي و التحرك على أكثر من صعيد، إذ أنّ توقبف المجموعة التابعة لفرنسا و اسقاط التابعين للولايات المتحدة الأمريكية في نفس التوقيت تقريبا يعني ان مجموعات مختلفة هي بصدد التحرك و العمل على التنفيذ الفعلي لقلب الأوضاع مع العلم أن هؤلاء العملاء لم تكن تربطهم علاقات شراكة و إنما تنافس محموم يعكس التنافس الأمريكي- الفرنسي على النفوذ، و هذا يجعلنا نتصور حالة الاستنفار الواقعة داخل المؤسسات الأمنية و درجة البارانويا التي يمكن ان تجتاح العاملين بها.
يبدو من خلال هذا الصراع أن مؤسسات الدولة لاتزال تحتاج لغطاء شعبي واسع يوفر لها مشروعية التحرك و يقدّم مبررات موضوعية لاتخاذ القرارات السياديّة و هذا ما قد يفسر عدم سقوط الحكومة و الابقاء عليها كنوع من الحفاظ على الضغط.
هذه الأحداث تنبؤنا أيضا بأن المرحلة في غاية الحرج و الحساسية، فالاستمرار بالمطالبة بالتغييرات السياسية أمر ضروري و محوري لكن مهاجمة قيادة الجيش لا يبدو لي في هذه المرحلة أمر عقلاني بل بالعكس هو أمر يقترب من قلّة الوعي بخطر المرحلة و ينبئ عن قراءة خاطئة للمشهد الجيوبوليتكي للجزائر.
هذا لا يعني بأي حال من الاحوال تفويض كلي لاتخاذ القرار أو التوقف عن الاحتجاجات لكن لا يجب ان نخطئ الهدف و الهدف الآني على ضوء هذه المعلومات هو القضاء على نظام الفساد الذي باع نفسه للشرق و الغرب و العمل على تقوية المطالب السياسية المتعلقة بضرورة بناء دولة القانون و العدالة الاجتماعية و احترام الحريات مع الحفاظ على استقرار مؤسسات الدولة و على رأسها مؤسسة الجيش.