قضايا أمنيةقضايا سياسية

قراءة في العلاقة بين الأمن قومي والديمقراطية في أوقات الأزمات

 مقدمة:

   يهدف هذا البحث إلى التأصيل النظري للمفاهيم الأساسية التي تستخدمها الدراسة، وهي مفاهيم الأمن القومي والديموقراطية والأزمة. ويهدف الباحث من التأصيل النظري لتلك المفاهيم إلى التعرف على العلاقات المحتملة فيما بينها، خاصة فيما يتعلق بتأثير الوضع الديموقراطي في بلد ما على الأمن فيه، ومدى إمكانية أن يؤدي رسوخ الديموقراطية في بلد ما إلى استطاعة ذلك البلد التغلب على ما قد يحدث فيه من صراع بين الاعتبارات الأمنية ومبادئ حكم القانون في أوقات الأزمات.

 خطة البحث:

المبحث الأول: تعريف مفهوم الأمن القومي وتحديد أبعاده

المبحث الثاني: تعريف مفهوم الديموقراطية وتحديد أبعاده

المبحث الثالث: تعريف الأزمة وتحديد أهم مصادرها

   يشمل هذا البحث على ثلاثة مباحث: المبحث الأول بعنوان: “تعريف مفهوم الأمن القومي وتحديد أبعاده”، ويتم فيه دراسة الأسباب التي أدت إلى زيادة الاهتمام بالأمن القومي الذي أصبح فرعاً جديداً في العلوم السياسية، واستعراض التعريفات المختلفة التي أوردها الباحثون لمفهوم الأمن القومي، والتمييز بين مفهوم الأمن القومي وبعض المفاهيم التي يختلط معها، مثل مفهوم المصلحة القومية، ومفهوم الإستراتيجية القومية. كما يتم في هذا المبحث دراسة عناصر قوة الأمن القومي، وعوامل تهديده، وخصائص المفهوم، ومن ثم توضيح النظريات أو المدارس الأساسية للتفكير في العلاقات الدولية فيما يخص القضايا الأمنية، والمفهوم الذي تتبناه الدراسة.

   أما المبحث الثاني فهو بعنوان: “تعريف مفهوم الديموقراطية وتحديد أبعاده”. ويتم في هذا المبحث استعراض أهم التعريفات التي ذكرها الباحثون فيما يتعلق بمفهوم الديموقراطية، واستعراض الأشكال الدستورية والتنظيمية المرتبطة بالديموقراطية، بالإضافة إلى دراسة المداخل الرئيسية لتحليل العملية الديموقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية، والمتمثلة في أن الولايات المتحدة دولة فيدرالية، وأن هناك توازناً ورقابة متبادلة بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية. كما يشمل هذا المبحث دراسة النظام الحزبي في الولايات المتحدة، وتوضيح الدور الكبير الذي تلعبه جماعات المصالح في الحياة السياسية الأمريكية.

   أما المبحث الثالث، فيتم فيه تعريف الأزمة، واستعراض المحاولات التي جرت لتجميع تعريفات الأزمة في مجموعات فكرية معينة، وتوضيح أهم سمات الأزمة، مع التطبيق على أزمة 11 سبتمبر التي بدت لأول وهلة أزمة داخلية، إلا أنها مثلت في واقع الأمر نقطة تحول جذرية نحو تكريس نظام دولي جديد اتسم بالانفرادية في اتخاذ القرار في الأزمة الدولية.

المبحث الأول: تعريف مفهوم الأمن القومي وتحديد أبعاده

   كان قيام الدراسات المهتمة بالأمن القومي متوافقاً مع ظروف عالمية سياسية وعسكرية جديدة أعقبت الحرب العالمية الثانية والتوازنات والتكتلات والمحاور التي نتجت عن الحرب بين القوى الدولية، بالإضافة إلى الانتشار الكثيف للأسلحة والتطور النوعي الذي شهدته هذه الأخيرة، والذي أدى إلى تعديلات في النظام الدفاعي العالمي وثوابته التقليدية الموروثة، وفرض رؤية جديدة للأمن، وتحديداً جديداً للمجال الأمني للدول[1]. وقد تحمّل المفهوم في نشأته الغربية الأمريكية بأهداف سياسية، حيث برز كمحور للسياسات الخارجية للدول العظمى في فترة الحرب الباردة والاستقطاب الدولي.

   وعلى الرغم من أن مصطلح الأمن القومي قد شاع بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن جذوره تعود إلى القرن السابع عشر، وبخاصة بعد معاهدة وستفاليا عام 1648 التي أسست لولادة الدولة القومية أو الدولة – الأمة Nation – State وشكلت حقبة الحرب الباردة الإطار والمناخ اللذين تحركت فيهما محاولات صياغة مقاربات نظرية وأطر مؤسساتية وصولاً إلى استخدام تعبير “إستراتيجية الأمن القومي”، وسادت مصطلحات الحرب الباردة مثل الاحتواء والردع والتوازن والتعايش السلمي كعناوين بارزة في هذه المقاربات بهدف تحقيق الأمن والسلم وتجنب الحروب المدمرة التي شهدها النصف الأول من القرن العشرين.

   نشأت تبعاً لذلك مؤسسات أكاديمية مهتمة بمسائل الأمن القومي: مصادره، مقوماته، إجراءات ضمان حمايته، من معاهد ومراكز بحث تنتمي إلى جامعات ومؤسسات علمية وإعلامية ومجلات متخصصة وإدارات مؤسسات مرتبطة بالقرار السياسي الرسمي. ويشكل مجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة الأمريكية النموذج الأول والأمثل لهذه المؤسسات، حيث جسّد هذا المجلس التعريف الذي طرحه والتر ليبمان عن الأمن القومي بأنه ( قدرة الدولة على تحقيق أمنها بحيث لا تضطر إلى التضحية بمصالحها المشروعة لتفادي الحرب، والقدرة على حماية تلك المصالح إذا ما اضطرت عن طريق الحرب)[2].

   وقد بدأ التشكيل التنظيمي المؤسسي لمصطلح الأمن القومي بصدور قانون الأمن القومي لعام 1947 عن الكونجرس الأمريكي، أما بقية دول العالم فقد وضعت عنواناً آخر هو “الدراسات الإستراتيجية” على الأدبيات التي عالجته بوصفها اجتهادات في التخطيط السياسي النشط حول المستقبل، بدلاً من اجتهادات تعني ضمنياً محاولة لصياغة أجوبة أو ردود فعل بقصد حماية السيادة. وكأي مصطلح أو مفهوم، فإن مفهوم الأمن القومي لا يمكن التوصل إلى تحديد دقيق له خارج نطاق المكان والزمان الذي يتحرك من خلاله، وهو يخضع دائماً للتعديل والتطوير انسجاماً مع المتغيرات والعوامل التي تؤثر في بروزه إلى مسرح التداول.[3]

   وهكذا أصبح الأمن القومي فرعاً جديداً في العلوم السياسية، حيث امتلك ثقافة وتوفرت له المادة والهدف العلمي (تحقيق الأمن) وإمكانية الخضوع لمناهج بحث علمية، بالإضافة إلى كونه حلقة وصل بين علوم عديدة، فالأمن القومي ظاهرة مركبة متعددة الأبعاد تربط في دراستها بين علوم الاجتماع والاقتصاد والعلاقات الدولية ونظم الحكم وغيرها، كما تتطلب الاستفادة من المناهج المختلفة وقدراً أكبر من التكامل المنهاجي. وقد انتقل الاهتمام بظاهرة الأمن القومي من الغرب إلى دول الجنوب. ويذكر الباحثون عدة أسباب لزيادة الاهتمام بدراسة الأمن القومي في مختلف دول العالم، بما يمكن اعتباره ظاهرة، ومن أهم تلك الأسباب:[4]

1- التوسع في مفهوم المصلحة القومية ليشمل مسألة ضمان الرفاهية بما يعنيه ذلك من تأمين لمصادر الموارد، ومن ثم برز مفهوم الأمن القومي كتعبير عن كل من الرفاهية من ناحية، ومحاولة ضمان مصادرها الخارجية من ناحية أخرى، وحماية الترتيبات الداخلية التي تدفع إلى زيادة معدل الرفاهية من ناحية ثالثة.

2- ازدياد معدل العنف وتصاعد حدة الصراعات المباشرة والتي قد تتطور إلى حروب، ومن ثم سار الاهتمام بالأمن القومي في موجات ارتبطت بتزايد الصراعات على المستويين الإقليمي والدولي.

3- ازدياد الشعور لدى دول الجنوب بنوعين من التهديدات المتصلة بأمنها القومي. فمن ناحية، تُعد الديون الخارجية المستحقة عليها تهديداً لأمنها السياسي والاقتصادي، وتحد بالضرورة من حرية اتخاذ القرارات الإستراتيجية. ومن ناحية أخرى، تخشى الدول الصغرى من احتمالات قيام الدول الكبرى بإساءة توظيف المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ليس فقط لتحقيق مصالحها، ولكن للإضرار بمصالح الدول الصغرى وأمنها القومي.

4- تزايد الإحساس بالقلق والتوتر الداخلي والذي يمكن أن يتحول إلى مظاهر عديدة من عدم الاستقرار وعدم الأمن في الدول الصغرى، فلا تزال تلك الدول تعاني من مشكلات كبرى في عملية الإنتاج وكذلك عملية التوزيع.

5- يُثار الاهتمام بظاهرة الأمن القومي عند التحول من نظام الدولة القومية إلى نظام أوسع وأكثر شمولاً كالنظام الفيدرالي، أو التجمعات الاقتصادية الدولية.

6- يُثار موضوع الأمن القومي في حالة تفكك الدول الكبرى وخاصة الفيدرالية إلى دول قومية مستقلة ذات سيادة.

   يتم في الجزء التالي دراسة مختلف الجوانب المتعلقة بتعريف مفهوم الأمن القومي وتحديد أبعاده، وذلك من خلال دراسة عدة موضوعات، من بينها تعريف مفهوم الأمن القومي، واستعراض أهم مدارس الأمن القومي، أي النظريات والمدارس المختلفة التي تناولت دراسة الأمن القومي من زوايا مختلفة: (عسكرية، اقتصادية، مجتمعية ….الخ)، بالإضافة إلى دراسة المستويات المتعددة للأمن القومي، سواء على المستوى الداخلي أم على المستوى الخارجي (الإقليمي والعالمي)، وحدود التداخل والتشابك بين تلك المستويات.

أولاً: ضبط مصطلح الأمن القومي وخلفياته:

   يتم فيما يلي تقديم تعريف إجرائي لمفهوم الأمن القومي وذلك من خلال التعريف اللغوي والاصطلاحي للكلمتين اللتين يتكون منهما المفهوم:

1- التعريف اللغوي والاصطلاحي لمفهوم الأمن:

   الأمن في اللغة هو نقيض الخوف. والفعل الثلاثي أمِن أي حقق الأمان. قال ابن منظور: “أمنت فأنا آمن، وأمنت غيري أي ضد أخفته، فالأمن ضد الخوف، والأمانة ضد الخيانة، والإيمان ضد الكفر، والإيمان بمعنى التصديق، وضده التكذيب، فيقال آمن به قوم وكذب به قوم”.[5] وقد ورد المفهوم في القرآن الكريم بقوله تعالى: “فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”[6].

   تتفق معظم الأدبيات التي قامت بتعريف مفهوم الأمن على أن المفهوم يشير عموماً إلى تحقيق حالة من انعدام الشعور بالخوف، وإحلال شعور الأمان ببعديه النفسي والجسدي محل الشعور بالخوف، والشعور بالأمان قيمة إنسانية كونية مرغوبة لا تقتصر على فئة اجتماعية معينة أو مرتبطة بمستوى الدخل، فالفقير مثل الغني يحتاج إلى الشعور بالأمان ويسعى إلى تحقيقه وإن اختلفت درجات المتمتع به، ونظراً لصعوبة تحقيق الأمان الكامل، فقد أصبح يُنظر للأمن على أنه مسألة نسبية مرهونة بالسعي لتعزيز أفضل الشروط لتوافره.[7]

2- التعريف اللغوي والاصطلاحي لمفهوم القومية:

   المادة اللغوية لكلمة القومية هي (ق.و.م)، والقوم يعني الرجال دون النساء، وهو لفظ جمعي لا واحد له، وربما يدخل النساء فيه على سبيل التبع، وجمع القوم أقوام. أما الفعل الثلاثي منها قام، والرباعي أقام، ومنها يأتي معني الارتباط بالمكان، والقوم هم الجماعة التي ترتبط بمكان ما وتقيم فيه. وعندما يوجد قوم من الناس في أرض واحدة ويمارس أفراده الحياة بثقافة واحدة توجد بينهم علاقات أخرى قوية تدور حول المصلحة المشتركة والتضامن والنسب، وعلاقات اجتماعية تجعلهم يداً واحدة. وتلك الروابط هي التي توجد ما يُسمى بالقومية.

   وفكرة القومية قديمة قدم الاجتماع البشري. وقد عبّر عنها ابن خلدون بفكرة العصبية. وعناصر القومية لدى أغلب مفكري القومية العرب هي الأرض المشتركة، والتاريخ، والثقافة المشتركة، والمصالح المشتركة، أما قضية تأسيس القومية أو بالأحرى بناء الدولة القومية فهي القضية محل الاختلاف، فهناك رأيان حول علاقة القومية بالدولة، الأول يرى أن الدولة تجسيد لمعنى القومية[8]. والرأي الثاني يفصل بين القومية والدولة القومية[9]. ويرجع ذلك الخلاف إلى أن القومية كيان اجتماعي تتوافر فيه المقومات الأساسية السابقة. ومن الطبيعي أن يتجه ذلك الكيان إلى إنشاء نظام سياسي يصبح وعاء له، إلا أن ذلك لم يحدث دائماً بالضرورة في كل القوميات، فهناك قومية مجزأة، أو مستوعبة بجانب أخرى في دولة واحدة، وهناك قومية بلا دولة. فالقومية تنتمي إلى طائفة من الظواهر التي تتعلق بعملية تحديد هوية أو انتماء جماعات من الناس. وتتمايز عملية تكوين الهوية أو الانتماء إلى مستويين: ذاتي وموضوعي. ويشير المستوى الذاتي إلى اللغة والتاريخ والمصالح المشتركة. ويشير المستوى الموضوعي إلى الإقليم السياسي ونظام الدولة، وعندئذ تنشأ الدولة القومية، تعبيراً عن كيان اجتماعي تجسد في وعاء سياسي هو الدولة.

3- أهم تعريفات الأمن القومي:

   على الرغم من استخدامه على نطاق واسع، فإن مفهوم “الأمن القومي” يعني أشياء مختلفة لأشخاص مختلفين. فتقليدياً كان يتم تعريف الأمن القومي على أنه الحماية من الهجوم الخارجي، وبالتالي فقد تم النظر إليه بشكل أساسي على أنه يعني دفاعات عسكرية في مواجهة تهديدات عسكرية. وقد ثبت أن هذه الرؤية ضيقة جيداً، فالأمن القومي يتضمن ما هو أكثر من تجهيز قوات مسلحة واستخدامها.

   والأكثر من ذلك، فإن مثل تلك الرؤية قد تجعل المرء يعتقد بأن أفضل طريق لزيادة الأمن هو زيادة القوة العسكرية. وعلى الرغم من أن القوة العسكرية هي مكون مهم جداً في الأمن، فإنها تُعد جانباً واحداً من جوانب الأمن. فالتاريخ ملئ في واقع الأمر بأمثلة لسباقات تسلح تسببت في إضعاف الأمن وليس في تقويته.

   تبدأ مثل هذه السباقات عادة بقيام دولة بتقوية قوتها العسكرية لأغراض دفاعية من أجل أن تشعر أنها أكثر أمناً. ويؤدي هذا الفعل بالدول المجاورة إلى أن تشعر بأنها مهددة، وترد على ذلك بأن تزيد من قدراتها العسكرية، مما يجعل الدولة الأولى تشعر أنها أقل أمناً فيستمر السباق.

   أدى ذلك إلى بروز الحاجة إلى صياغة تعريف أوسع للأمن القومي يتضمن الأبعاد الاقتصادية والدبلوماسية والاجتماعية، بالإضافة إلى البعد العسكري. وقد قدم أرنولد ولفرز مثل هذا التعريف عندما قال: (يقيس الأمن بمعناه الموضوعي مدى غياب التهديدات الموجهة للقيم المكتسبة، ويشير بمعناه الذاتي إلى غياب الخوف من أن تتعرض تلك القيم إلى هجوم).[10]

   يوضح هذا التعريف أنه على الرغم من أن الأمن مرتبط مباشرة بالقيم، فإنه ليس قيمة في حد ذاته، وإنما موقف يسمح لدولة ما بالحفاظ على قيمها، وبالتالي فإن الأفعال التي تجعل أمة ما أكثر أمناً ولكنها تحط من قيمها لا نفع لها. ومن الصعب قياس الأمن بأي طريقة موضوعية، ولذلك فإن الأمن يصبح تقييماً مبنياً على مفاهيم لا تتعلق بالقوة والضعف، وإنما أيضاً بالقدرات والنوايا الخاصة بالتهديدات المدركة.

   ويقود عدم الثقة بشأن المستوى الحقيقي للتهديد إلى التخطيط للبديل الأسوأ بسبب النتائج القاسية للفشل الأمني، وحتى إذا كانت المفاهيم دقيقة، فإن الأمر يتحدى القياس المطلق، لأنه موقف نسبي. فالأمن يتم قياسه نسبة إلى التهديدات القائمة والمحتملة، ولأنه من غير الممكن تحقيق أمن مطلق ضد كل التهديدات المحتملة، فيجب تحديد مستويات عدم الأمن التي يمكن أن تكون مقبولة. وأخيراً، فمن المهم إدراك أن الأمن القومي ليس موقفاً جامداً يوجد في فراغ، وإنما يتم تحديده في ضوء كل من البيئتين الدولية والمحلية، وكل منهما يتغير بشكل دائم.

   يعرف تريجر وكرننبرج الأمن القومي بأنه “ذلك الجزء من سياسة الحكومة الذي يستهدف خلق الظروف المواتية لحماية القيم الحيوية”.[11] ويعرفه هنري كيسنجر بأنه يعني “أية تصرفات يسعى المجتمع – عن طريقها – إلى حفظ حقه في البقاء[12]. أما روبرت ماكنمارا فيرى أن “الأمن هو التنمية، وبدون تنمية لا يمكن أن يوجد أمن، والدول التي لا تنمو في الواقع، لا يمكن ببساطة أن تظل آمنة[13].

   ويوضح تنوع تعريفات مفهوم الأمن القومي أن هناك قدراً من التخلف النظري للمفهوم. ويذكر باري بوزان عدة أسباب لذلك التخلف، وهي[14]:

أ- الأمن القومي مفهوم معقد ومركب لدرجة يصعب معها جذب الدارسين إليه، حيث انصرفوا إلى مفاهيم أكثر مرونة، أي أنه مفهوم مثير للخلاف والاختلاف.

ب- التشابك بين الأمن القومي ومفهوم القوة، لاسيما بعد بروز المدرسة الواقعية التي رسمت فكرة التنافس من أجل القوة في العلاقات الدولية، وبحيث يُنظر للأمن على أنه مشتق من القوة وأنه أداة لتعظيمها.

ج- ظهور موجة من المثاليين ترفض المدرسة الواقعية وتطرح هدفاً بديلاً للأمن القومي وهو السلام.

د- غلبة الدراسات الإستراتيجية في مجال الأمن القومي واهتمامها بالجوانب العسكرية للأمن، وتكريسه لخدمة المتطلبات الدفاعية والحفاظ على الوضع القائم، مما أسهم في تحجيم الأفق التحليلي والبعد النظري للمفهوم.

هـ- دور رجال السياسة في تكريس غموض المفهوم، لتوفير فرصة أكبر من المناورة عليه سواء في أغراض الاستهلاك الداخلي أم الصراع الخارجي.

4- التمييز بين مفهوم الأمن القومي وبعض المفاهيم المشابهة له:

     يُعد مفهوما المصلحة القومية والإستراتيجية القومية من أكثر المفاهيم التي يتم الخلط بينها وبين مفهوم الأمن القومي ولذلك يسعى الجزء التالي من الدراسة إلى وضع حدود بين مفهوم الأمن القومي ومفهومي المصلحة القومية والإستراتيجية القومية.

أالتمييز بين مفهوم الأمن القومي والمصلحة القومية:

    تُستخدم المصلحة القومية كأداة تحليلية لوصف وشرح وتقويم مصادر السياسة الخارجية للدولة،  ومدى كفاءتها. ويتم توظيف المصلحة القومية كأداة للعمل السياسي في تبرير أو استنكار أو اقتراح سياسة ما. وغالباً ما يتم الربط بين المصلحة القومية والقوة، والنظر إلى المصلحة القومية على أنها هي التي تقرر السياسة الخارجية، وذلك أن تلك السياسة يتم رسمها بهدف تعزيز المصالح القومية وليس فقط مصالح كل فرد على حدة.

   إن المصلحة القومية، وفقاً لما سبق، هي الأوضاع التي ترى الدولة في وجودها واستمرارها ما يحقق أهدافها، وهي تتضمن الحفاظ على قيم الدولة وصيانة استقلالها وكيانها وحرياتها في علاقاتها الخارجية ودعم هيمنتها الاقتصادية. وغالباً ما تستخدم الدولة هذا المفهوم في محاولتها  للتأثير على البيئة الدولية لصالحها.

   كما أن هناك من يرفض قبول مفهوم المصلحة القومية كأداة تحليلية في مجال السياسة الخارجية على أساس ضخامة المفهوم وافتقاره إلى التحديد الكلي والتصنيف الجزئي لمكوناته، بالإضافة إلى غياب الوسائل الإجرائية لتجسيد المفهوم بعد تحديده. كما أن ارتباط المفهوم بالقيم يجعله كياناً أضخم من مكوناته[15].

   وإذا انتقلنا إلى التعرف على العلاقة بين الأمن القومي والمصلحة القومية، فسنجد أن هناك اتجاهاً يستخدم كلا المفهومين كمرادف للآخر. وهناك اتجاه آخر يرى وجود علاقة تأثير متبادل بين المفهومين، فنظرية الأمن القومي لدولة ما تعكس مصلحتها القومية، وكذلك فإن تحديد المصلحة القومية للدولة ينطلق من مفهوم واضح لأمنها وما يمكن أن يشكل خطراً أو تهديداً للأمن القومي.

بالتمييز بين مفهوم الأمن القومي والإستراتيجية القومية:

   المقصود بالإستراتيجية أساساً فن القيادة، وهي مفهوم عسكري أساساً تطور وأصبحت له مضامين سياسية واجتماعية، فصارت الإستراتيجية هي تلك العملية التي يتم فيها الصهر الكامل لكل مصادر القوة في الجسد السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة من أجل تحقيق المصلحة القومية العليا، والأهداف المطلوب إنجازها في إطار فلسفة الأمن القومي.

   يصعب تحديد كيفية تشكيل الإستراتيجية القومية وتنفيذها. وتنبع المصالح القومية من التفاعل بين القيم والبيئتين المحلية والدولية. ونظرياً يجب أن تُقدم هذه المصالح القومية الأهداف لإستراتيجية قومية. وفي الممارسة هناك صعوبتان مهمتان تتسببان في إعاقة تشكيل مثل هذه السياسة:[16]

الأولى: تتمثل في أن العناصر التي تؤثر على البيئة قد تكون غير مؤكدة أو غامضة. وعلى سبيل المثال فإن طبيعة ودرجة التهديدات للقيم الواضحة قد لا تكون واضحة أو قد يتم إدراكها بشكل مختلف.

الثانية: لا يوجد ميكانيزم يمكن من خلاله وضع إستراتيجية للأمن القومي تنبع من المصالح القومية. وكنتيجة لذلك فبدلاً من أن تكون هناك خطة متكاملة تخدم لتحقيق المصالح القومية وتقود تشكيل سياسة الأمن القومي، فإن الإستراتيجية تميل إلى أن يتم تشكيلها من خلال المفاهيم والمعتقدات لصانعي القرار كل على حدة، والهياكل والعمليات لصنع قرار الأمن القومي. وتشكل هذه الهياكل والعمليات نظام الأمن القومي.

   ويتطلب تنفيذ الإستراتيجية القومية استخدام الإمكانات القومية المتاحة تحت جميع الظروف من أجل إنتاج أقصى سيطرة ممكنة على العدو عن طريق التهديدات بهدف تحقيق مصالح الأمن القومي للدولة، فهي منظومة الأساليب والوسائل العلمية والعملية القائمة على الاستخدام الأمثل للقوى والمصادر القومية من أجل تحقيق أهداف الأمن القومي، أو أنها مجموعة الخطط والمبادئ التي تحدد الأهداف القومية للدولة في جميع المجالات في نطاق التعاون الدولي وإدارة تلك الخطط والمبادئ لتحقيق أهدافها القومية في حدود القوة المتاحة، وفي إطار المبادئ والقواعد التي تحدد طبيعة النظام الدولي المعاصر.

    ولاشك أن زيادة القوة القومية للدولة (عناصر ومكونات القوة القومية مادياً ومعنوياً) تؤدي إلى زيادة الشعور بالأمن القومي والعكس  بالعكس. وهنا نجد اختلافاً في وجهات النظر حول طبيعة العلاقات بين الدول، حيث يوجد رأي يذهب إلى أن الصراع هو النمط الرئيسي والوحيد للعلاقات بين الدول، ولابد أن تقوم سياسات واستراتيجيات الأمن القومي على افتراض مؤداه أن الأمة لا تكون آمنة إلا عندما تزيد من قوتها الذاتية إلى أقصى حد مقارنة بالدول الأخرى.

   وهناك رأي آخر يرى أن التكامل والتعاون هو أساس العلاقات بين الدول ولابد من إنقاص قوة الدولة لكي يزداد شعور الدول الأخرى بالأمن. وتنتهي مصادر التهديد فيزداد التعاون والتكامل والاعتماد المتبادل فيما بينها  فينشأ مفهوم الأمن القومي الجماعي فيما بين هذه الدول فيحقق في إطاره الأمن القومي الخاص بكل دولة.

   وهكذا تتحدد علاقة الأمن القومي بالإستراتيجية القومية في أن مفهوم الإستراتيجية القومية يشير إلى تعبئة وتوحيد موارد المجتمع ويتضمن في ثناياه عدداً من الاستراتيجيات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تسعى كل منها وفي مجالها إلى تحقيق الأهداف القومية، وهذه الإستراتيجيات رغم تخصصها إلا أنها تترابط فيما بينها بحكم أنها تسعى لتحقيق الأهداف ذاتها ولكن في مجالات مختلفة. وبالتالي فإن الإستراتيجية القومية تجسد مفهوم الأمن القومي بما يتضمنه من خطط ومبادئ تعكس مكوناته.[17]

  ثانياً: عناصر قوة الأمن القومي وعوامل تهديده:

   تعني عناصر القوة تلك الأسس التي تشارك في تحديد الأمن القومي للدولة وتمثل قاعدة عمل لها ويمكن تحديدها في العنصر الجيوبوليتيكي والديموجرافي والاقتصادي والسياسي والعسكري، في حين أن عوامل التهديد هي كل ما من شأنه تهديد القيم الداخلية للدولة وكيانها بفعل عوامل داخلية أو عوامل خارجية، فهي عوامل تشكل جوانب الضعف في كيان الدولة ويمكن أن تستغلها القوى المعادية لتهديد الأمن القومي للدولة. والأمن القومي للدولة ينبع أساساً من معرفتها لمصادر قوتها ونقاط ضعفها والعمل على تنمية مصادر القوة والتغلب على عوامل الضعف.

1- عناصر قوة الأمن القومي:

   تتمثل أهم عناصر قوة الأمن القومي فيما يلي:

 أ-  العنصر الجيوبولتيكي:

     يمثل هذا العنصر أهمية قصوى بالنسبة لسياسات الأمن القومي. وقد ظهرت العديد من النظريات التي حاولت الربط بين تلك الطبيعة والأمن القومي، ومن بينها:

نظرية قلب الأرض  The Heart Land   

   ملخص هذه النظرية التي وضعها ماكيندر عام 1904 أن المستقبل لقوى البَر، حيث يجعل ماكيندر من اليابس قلباً للأرض يتحكم في الأطراف، ويرى العالم القديم قارة واحدة ذات ثلاثة فصوص ملتحمة يجمع بينها البحر المتوسط وتضم ثلثي اليابس وأسماها جزيرة العالم. ويوجد لهذه الجزيرة محور ارتكاز أسماه قلب الأرض  The Heart Land  والذي يمتد في تصور ماكيندر من حوض الفولجا غرباً إلى سيبيريا شرقاً وقلب إيران جنوباً. وتبلغ مساحته 21 مليون ميل.[18]

    وعلى الطرف النقيض من قلب الأرض تعرّف ماكيندر على نطاق ساحلي محيطي يغلف الجزيرة العالمية على شكل هلال وأطلق عليه اسم الهلال الخارجي والذي يضم بريطانيا وكندا وأمريكا وجنوب أفريقيا واستراليا واليابان، وهو مهد القوة البحرية، ويتمتع بحرية الملاحة على أوسع نطاق في المحيط العالمي.

   ويضع ماكيندر نطاقاً ثالثاً بين قلب الأرض والهلال الخارجي أسماه الهلال الداخلي ويضم ألمانيا والنمسا وتركيا والهند والصين، فهو منطقة بينية بمعنى أنها برية وبحرية جزئياً. ويرى ماكيندر أن اتحاد قلب الأرض مع الهلال الداخلي معناه السيطرة العالمية، فإذا كان شرق أوروبا هو مفتاح قلب الأرض ، فإن النتيجة هي أن من يحكم شرق أوروبا يسيطر على قلب الأرض ، ومن يحكم قلب الأرض يسيطر على جزيرة العالم، ومن يحكم جزيرة العالم يسيطر على العالم.

   وقد كان ماكيندر يغير باستمرار في حدود قلب العالم ونظرته للعالم ككل. وكان ماكيندر، كجغرافي، على علم تام بأن استغلال الإنسان لمحيطه الطبيعي كان دائم التغيير وأن المحيط الطبيعي كان أيضاً يتغير، وإن كان ذلك يسير ببطء.[19]

نظرية القوة البحرية لـ ماهان:

    يرى ماهان أن المستقبل لقوى البحر وأن الدول البحرية هي المؤهلة لامتلاك القوة البحرية التي هي سبيل السيادة العالمية. وهناك العديد من العناصر التي تؤثر في القوة البحرية، من بينها الموقع الجغرافي بمعنى تعدد الجبهات في الدول التي تطل على البحار، والتكوين الطبيعي للدولة، ويقصد به خطوط الأعماق في المنطقة الساحلية، ومدى امتداد الإقليم البحري ثم حجم السكان وقدرة الدولة على بناء السفن، وأخيراً طبيعة الحكومة وسياساتها تجاه تقوية أسطولها.[20]

 نظرية النطاق الهامشي لـ سبيكمان:

   تأخذ هذه النظرية على ماكيندر تقديره الزائد لإمكانات نظرية قلب الأرض، وترى أن القوة الحقيقية تكمن في الدول التي تسيطر على ما أسماه سبيكمان بالنطاق الهامشي، ويرى سبيكمان أن التاريخ السياسي لم يكن صراعاً بين قوى البر وقوى البحر، بقدر ما كان نضالاً بين بريطانيا وقوى هامشية من ناحية ضد روسيا وقوى هامشية من ناحية أخرى، أو بين بريطانيا وروسيا معاً وقوى هامشية. وهكذا يعدل سبيكمان نبوءة ماكيندر إلى أن “من يسيطر على النطاق الهامشي يحكم أوراسيا ومن يحكم أوراسيا  يتحكم في مصير العالم”.

ب- العنصر الديموجرافي:

   يعد العنصر الديموجرافي أحد عناصر قوة الأمن القومي، حيث يلعب العنصر البشري دوراً أساسياً في الأمن القومي لأية دولة، فعدد سكان الدولة يشكل عصب القوة البشرية اللازمة للحرب وللإدارة في الأجهزة المدنية، ولكن كبر حجم السكان ليس ضماناً في كل الأحوال لامتلاك قوة عسكرية كبرى، فهناك عوامل  كيفية أخرى أهمها القدرات القتالية ونوعية التسليح والتدريب.

   كما تعتبر المناطق ذات الكثافة السكانية العالية من العوامل التي تجعلها صعبة الاختراق والسيطرة عليها، ومن ثم فإن محاولة الاحتفاظ بها تعني تجميد نسبة كبيرة من قوات الاحتلال فيها. وخلاصة القول فيما يتعلق بالعنصر البشري إن تعداد السكان يعتبر من العوامل المهمة نسبياً في تكوين قوة الدولة، خصوصاً كلما اتسع نطاق فئات العمر في التكوين السكاني للدولة، و تخلق ضخامة السكان مع توافر عوامل أخرى قوة عسكرية للدولة، كما تجعل من الصعب على أية قوة أجنبية أن تسيطر عليها، بشرط أن يرتبط ذلك بالحد الأمثل للسكان.[21]

  ج- العنصر السياسي:

      يشمل هذا العنصر كلاً من السياسة الداخلية والسياسة الخارجية والمؤسسات السياسية.

السياسة الداخلية:

      يُقصد بالسياسة الداخلية في هذا السياق كل من المكونات السياسية والديناميكية والتطور السياسي. تعني المكونات السياسية التعرف على الأفكار والاتجاهات والقيم التي تسيطر على الحياة السياسية ومدى وجود جماعات المصالح وقوتها وأوزانها النسبية، وأسلوب تنظيم الأحزاب السياسية، والأهداف المعلنة وغير المعلنة والتي يمكن استنباطها عن طريق تحليل السياسات السابقة، وأثر ذلك على أسلوب صنع القرار واتخاذه والتماسك السياسي.

    أما الديناميكية السياسية فتهتم بالتعرف على شخصية القيادة السياسية وأسلوبها ومدى سلطتها في اتخاذ القرار والقواعد المنظمة لصنع القرار واتخاذه.

      ويعني التطور السياسي التعرف على مدى إمكانات التطور، وقدرة النظام السياسي على التنسيق بين إمكانيات الوحدة الجغرافية، والمشاركة الجماهيرية والقيادة وحل المشاكل واتخاذ القرارات والتحرك الجماهيري.

السياسة الخارجية:

    السياسة الخارجية هي الأداة الأولى للدولة التي تستخدمها في الدفاع عن مصالحها العليا وفي حماية أمنها والذود عن كيانها ومعتقداتها وقيمها ونظام الحياة فيها في وجه ما قد يواجهها من أخطار وتهديدات من هذا المصدر الخارجي أو ذاك. وتتوقف فعالية السياسة الخارجية لدولة ما على الجهاز الدبلوماسي للدولة وإمكانياته، وأسلوب استخدام الدولة لمصادر قوتها والمنظمات السياسية الدولية والرأي العام الدولي وسياسات الدول الأخرى ذات المصالح الحيوية في المنطقة، وتأثير ذلك كله على قدرة الدولة على شرح أهدافها للمجتمع الدولي، وقدرة الدولة على مد نفوذها  في الخارج.[22]

المؤسسات السياسية:

     من الأمور المهمة في دراسة المؤسسات السياسية التعرف على اتجاهات القيادة السياسية وخبراتها، وحدود قدرتها في التأثير على الجماهير، ودراسة التنظيمات السياسية ومدى قدرتها على تحريك الجماهير وتعبئتها، ودور وسائل الإعلام في شرح أهداف الحكومة، وأثر ذلك كله على مدى قدرة الدولة على حشد الجماهير خلف سياساتها.

د- العنصر الاقتصادي:

   يُعد العنصر الاقتصادي أحد أهم عناصر قوة الأمن القومي. وتوجد ثلاثة أنواع من الموارد الاقتصادية التي تؤثر على مستوى الأمن القومي، وهي:

– الموارد الغذائية:

   لا توجد دولة في العالم كله تحقق اكتفاءً ذاتياً من الموارد الغذائية، فلا يوجد أمن غذائي بالكامل، ومن ثم فإن كل دول العالم تعتمد بدرجة أو بأخرى على استيراد المواد الغذائية وهو عامل له اعتباره بصدد الأمن القومي لأي دولة.

الموارد المعدنية:

   لا توجد دولة على الإطلاق تمتلك الاكتفاء الذاتي من الموارد المعدنية. وتستحوذ موارد الطاقة على أهمية خاصة بصدد سياسة الأمن القومي، ثم تأتي الموارد الإستراتيجية في المرتبة الثانية خصوصاً في فترات الحرب.

الموارد الصناعية:

    يُعتبر النمو الصناعي للدولة سبباً مؤثراً في قوتها. ولا يمكن لأية سياسة دفاعية كانت أم هجومية أن تكون ذات أثر فعال إذا لم تساندها  قدرة على تصنيع آلات الحرب.

   وتتنوع أساليب التوظيف السياسي لعناصر القوة الاقتصادية لدولة في مواجهة الدول الخارجية، ومن أهم تلك الأساليب: [23]

  • الأسلوب القائم على تقديم الإغراءات والحوافز الاقتصادية للدول الخارجية.
  • الأسلوب القائم على توقيع العقوبات والجزاءات الاقتصادية.

هـ- العنصر العسكري:

      يوجد عدد من المؤشرات التي يمكن الاستناد إليها كمقياس لتحديد قوة الأمن القومي من وجهة النظر العسكرية. ومن بين تلك المؤشرات: حجم وتكوين القوات، وتنظيم القوات وتسليحها، والمرونة، والخبرة القتالية، والتعبئة، والإنتاج الحربي ، والأحلاف العسكرية[24].

   أما عن الكيفية التي يمكن من خلالها أن تستخدم الدولة قوتها العسكرية كأداة محققة لأهداف أمنها القومي، فإن هذا الاستخدام يمكن أن يتمثل في أي من الصور التالية:[25]

– الاستخدام الهجومي للقوة العسكرية:

   يوفر الاستخدام الهجومي للقوة العديد من المزايا للدولة التي تلجأ إلى استخدام تلك الوسيلة، رغم ما تتعرض له من إدانة دولية واسعة بسبب عدم مشروعيتها ولا أخلاقياتها. ومن هذه المزايا أنها تمتلك وحدها زمام المبادأة في كل ما يتعلق بمكان هذا الاستخدام وزمانه، مما قد يربك خصومها. ومن مظاهر الاستخدام الهجومي للقوة العسكرية: انتهاك السيادة الإقليمية لدولة من الدول أو إهدار استقلالها السياسي، وتغيير الوضع الدولي القائم لاستحداث علاقات قوية جديدة تعمل لصالح الدولة المهاجمة، والسعي إلى تحقيق بعض المصالح الاقتصادية الحيوية على حساب الآخرين.

الاستخدام الدفاعي للقوة العسكرية:

   ومفاده أن الدولة لا تستخدم قوتها العسكرية إلا إذا اضطرتها الظروف إلى ذلك إما دفاعاً عن نفسها أو دفعاً للتهديد الذي تستشعره لمصالحها. ومن مشكلات الأسلوب الدفاعي أنه قد يفقد الدولة زمام المبادرة، وأن التخطيط الدفاعي لا يضمن للدولة دائماً الحماية الفعالة ضد القدرات الهجومية المتفوقة لأعدائها المحتملين.

استخدام القوة المسلحة كأداة للردع:

   ثمة اعتقاد بأن الردع الفعال يُعد أفضل بكثير من الاعتماد على أسلوب الدفاع مهما كانت كفاءة الدفاع وفعاليته، والسبب هو أن الردع المؤثر والفعال قد يؤدي إلى إحباط الهجوم دون أن تضطر الدولة إلى تكبد الخسائر التي تترتب على دخولها في مواجهات عسكرية فعلية ضد خصومها. ولكي يكون الردع مؤثراً وفعالاً، لابد أن يكون بحوزة الدولة الرادعة إمكانات كافية من القوة تتيح لها المقدرة على مواجهة التهديد الذي تمثله الدولة المهاجمة، وكذلك لابد وأن يتوفر لديها التصميم على استخدام الإمكانات المتاحة لها من القوة إذا ما تجاوز الاستفزاز كل طاقة لها على احتماله. وإدراك الطرف الآخر لهذه الحقيقة هو الذي يجعله يحجم عن الإقدام على هجومه الذي قد يكلفه الكثير، وينتهي به إلى خسارة محققة.[26]

2- عوامل تهديد الأمن القومي:

   يُقصد بعوامل تهديد الأمن القومي كل ما من شأنه تهديد القيم الداخلية وكيان الدولة وفقدان ثقة الجماهير في النظام السياسي، سواء بفعل قوى خارجية أم داخلية، وسواء تم ذلك التهديد بطريق مباشر أم غير مباشر. وعلى اعتبار أن الأمن القومي بمفهومه الشامل السابق الإشارة إليه هو ظاهرة متعددة الجوانب ولا تقتصر على الجانب العسكري، بل تتعداه إلى الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن إمكانية استغلال نقاط الضعف في كل هذه الجوانب كثيرة.

   تختلف الدول من حيث رؤيتها لنوع الأخطار المهددة لأمنها القومي وحدودها، وذلك باختلاف وضعية تلك الدول، فالعوامل التي تهدد الأمن القومي تختلف من دولة لأخرى، بل إن ما يحقق الأمن القومي لدولة ما قد يهدد الأمن القومي لدولة أخرى. وهناك حد أدنى يمكن أن تقبله كل دولة في نطاق تحركها الخارجي، ومن ثم فإن أي تصرف من قبل الدول الأخرى يخرج عن هذا النطاق لابد وأن يواجه من جانب الدول التي تهدد أمنها مواجهة تتناسب ودرجة التهديد، بما يقودها إلى فكرة الدوائر الأمنية التي بتهديدها يتهدد الأمن القومي للدولة. وفيما يلي استعراض لعوامل التهديد المختلفة على كل من المستويين الداخلي والخارجي:

أ- المستوى الداخلي:

   يتصل المستوى الداخلي بالتهديدات القائمة أو المحتملة داخل مجتمع ما. وقد تكون تلك التهديدات ذات طبيعة سياسية مثل عدم الاستقرار السياسي وضعف شرعية السلطة، واتجاه الحياة السياسية إلى علاقات العنف بين مكونات المجتمع، وكثرة القوى المؤثرة في صنع القرار، والتخلف السياسي، وعدم وجود مشاركة شعبية في النظام السياسي، وعدم تعميق الشعور بالولاء والانتماء السياسي، إضافة إلى وجود جماعات مصالح لها نفوذ قوي وتسيطر على عملية اتخاذ القرار، إضافة إلى ضعف نفوذ السلطة التنفيذية، وإهدار كرامة القضاء وهيبته، وعدم وضوح الأهداف وتعارضها[27].

   أما بالنسبة لعوامل التهديد الداخلية ذات الطبيعة العسكرية، فمن أهمها ضعف القوة العسكرية للدولة، كما يعد الاعتماد على دولة واحدة كمصدر للسلاح والمعدات وقطع الغيار من أهم عوامل التهديد، كما أن الطبيعة الاجتماعية داخل بنية الجيش، وخلفياته الاجتماعية يمكن أن تُستغل لإيجاد الفرقة والصراع والحرب الأهلية بين قطاعات الجيش. ويزيد من تلك المخاطر وجود ميليشيات عسكرية لا تخضع لسيطرة جهاز الدولة. وهناك مؤشرات يمكن عن طريقها قياس عوامل التهديد العسكرية، منها تدخل القوات المسلحة في السياسة، ومدى وجود قوات شبه عسكرية غير خاضعة لسيطرة الدولة، وعدم كفاية الإنتاج الحربي لسد حاجة القوات المسلحة من الأسلحة والمعدات وقطع الغيار، إضافة إلى انخفاض المستوى العلمي والصحي للأفراد، وانخفاض المستوى التكنولوجي للأسلحة والمعدات، ويزيد على ذلك وجود قواعد عسكرية أجنبية على أرض الدولة ولا تخضع لرقابتها، وعدم قدرة الدولة على التعبئة السريعة لإمكاناتها العسكرية والمدنية.

   وتوجد عوامل تهديد داخلية للأمن القومي ذات طبيعة اقتصادية، حيث يعتبر التخلف الاقتصادي والوضع المنهار اقتصادياً من أهم تلك العوامل. ويمكن قياس عوامل التهديد الداخلية ذات الطبيعة الاقتصادية بدرجة الفقر وانخفاض مستوى المعيشة، ووجود فوارق كبيرة في الدخل بين الطبقات وارتفاع نسبة البطالة، إضافة إلى عدم توافر المواد الأولية والطاقة اللازمة للصناعة، وضعف الإنتاج الصناعي والزراعي والحيواني وعدم كفايته لتلبية احتياجات الجماهير، وعدم وجود اكتفاء ذاتي في المواد الغذائية والإستراتيجية، وضعف مستوى الخدمات والمرافق والبنية الأساسية للدولة، والاعتماد على الشركات متعددة الجنسيات وعلى البنوك الأجنبية، وارتفاع معدلات الاستهلاك مقابل انخفاض معدلات الادخار والاستثمار.

   أما بالنسبة لعوامل التهديد ذات الطبيعة الاجتماعية على المستوى الداخلي، فيمكن القول إن الجبهة الداخلية تعد من الأمور الحاسمة لصد أية تدخلات خارجية، وأصبحت الجماهير العادية تؤثر بشكل مباشر، ليس فقط على السياسة الداخلية، بل على السياسة الخارجية للدولة. ولهذا فإن إمكانيات الدعاية والحرب النفسية للتأثير على هذه الجماهير ممكنة وتقود إلى نتائج وخيمة، حيث يمكن لدولة ما أن تستغل الوضع في دولة أخرى تتقاسمها طوائف متصارعة ومتعددة. وقد كانت مشكلة حماية الأقليات والتدخل الخارجي لحمايتها من أهم ذرائع الاستعمار. وبالتالي فإن تلك العوامل يمكن قياسها من خلال إثارة النعرات الطائفية والقبلية والدينية ودرجة وجود خلل في التركيب الاجتماعي وانخفاض مستوى التعليم والصحة والإدارة والانضباط أو وجود خلل بين السكان والنمو الاقتصادي.

ب- المستوى الخارجي:

   وفيه يمكن التمييز بين مستويين فرعيين:[28]

– مستوى إقليمي:

   يتصل بمجال العلاقة بين الدولة “أو الدول” وبين محيطها الجغرافي أو الإقليمي أي مجال ما يعرف بـ “النظام الإقليمي”، وما يدخل تحت هذا الإطار من علاقات التهديد أو التعايش أو التعاون، وأحكام ذلك كله.

ب- مستوى عالمي:

   يتصل بمجال العلاقة بين الدولة وبين المحيط العالمي، وخاصة القوى الدولية الكبرى المتحكمة فيه، وما يدخل تحت ذلك الإطار أيضاً من علاقات التبعية أو الاستقلال أو التحالفات، وما يتبعها من أوضاع ونتائج.

   توجد مؤشرات متعددة لعوامل التهديد الخارجية، من بينها:

عوامل تهديد ذات طبيعة سياسية:

   من أهم عوامل التهديد ذات الطبيعة السياسية فصل الدولة أو تجميد عضويتها في المنظمات السياسية الدولية وقطع العلاقات الدبلوماسية مع دول ذات أهمية دولية وفرض العقوبات الرادعة على الدولة ووجود أحلاف وتكتلات تتعارض ومصلحة الدولة، على أن أخطر المؤشرات هي عمليات التجسس وهي عبارة عن محاولات للحصول بطريقة سرية أو بوسائل التزييف على معلومات حكومية ما لصالح حكومة أخرى. وبعبارة أخرى هي تلك الجهود التي تضطلع بها أجهزة مخابرات الدولة، بهدف التفتيش السري على جهود الدولة الأخرى للتأكد من حقيقة قوتها، وتحركها وخططها المستقبلية.

   وقد اتسعت مجالات الجاسوسية إلى كل من: الجاسوسية العسكرية، والتي تتركز حول معرفة القدرات العسكرية للدولة، وما تقتضيه من محاولة الحصول على معلومات عن طريق التنظيم والتدريب والتسليح والنظريات الإستراتيجية التكتيكية للقيادات، والجاسوسية السياسية التي تهدف إلى التعرف على النوايا الخفية للقادة السياسيين وطبيعة القوى الداخلية ومدى الصراع بينها، والجاسوسية الاقتصادية التي تهدف لمعرفة القدرات المالية والإنتاجية للدولة وقدراتها الصناعية ومراكز الإنتاج الاقتصادي المؤثرة، وجاسوسية علمية تهدف إلى توضيح المستوى العلمي للدولة ومعرفة أنواع الأبحاث الإنتاجية وأهدافها.[29]

عوامل تهديد ذات طبيعة عسكرية:

   أما بالنسبة لعوامل التهديد للأمن القومي ذات الطبيعة العسكرية فتتمثل في الهجوم المسلح أو حشد القوات المسلحة على الحدود أو القيام بمناورات وتدريبات عسكرية على الحدود في أوقات التوتر أو امتلاك دولة مجاورة لقوات مسلحة متفوقة في الأسلحة ذات الطابع الهجومي، أو إذا دخلت دولة مجاورة في حلف عسكري لا تتفق أهدافه ومصالحه مع أهداف الدولة ومصالحها، أو إذا وجدت قواعد عسكرية لدولة كبرى على أراضي دولة مجاورة أو تم فرض حظر على الإمداد بالأسلحة والمعدات وقطع الغيار. ولا شك أن أخطر تلك التهديدات هو الهجوم المسلح، والذي استمر كأحد أدوات تحقيق السياسة الخارجية للدولة وأحد عوامل تهديد الأمن القومي للدول المجاورة. ومن ثم فالعدوان العسكري هو ظاهرة مستمرة، الأمر الذي يتوجب على الدول أخذه في الحسبان وقياس القدرات العسكرية الأمنية والقدرات المستقبلية التي تتحدد على أساسها قدرة الدولة على حماية أمنها القومي.

عوامل تهديد ذات طبيعة اقتصادية:

   أما بالنسبة لعوامل التهديد ذات الطبيعة الاقتصادية، فتوجد عدة مؤشرات لقياس التهديدات الاقتصادية أهمها: فرض حصار اقتصادي على الدولة أو مقاطعتها، والتكتلات الاقتصادية التي تتعارض مع مصالح الدولة إضافة إلى إيقاف المساعدات الاقتصادية.

عوامل تهديد ذات طبيعة اجتماعية:

   أما بالنسبة لعوامل التهديد ذات الطبيعة الاجتماعية فتتمثل في تصدير إيديولوجيات لا تتفق وقيم المجتمع ومبادئه، واستخدام الحرب النفسية عن طريق الإذاعات المضادة.

ثالثاً: خصائص مفهوم الأمن القومي:

   استناداً إلى التحليل السابق، يمكن القول إن هناك عدة خصائص تميز مفهوم الأمن القومي تتمثل في:

1- الأمن القومي هو خلاصة التفاعل بين عوامل داخلية وإقليمية ودولية:

   تتعلق العوامل الداخلية بحماية المجتمع من التهديدات الداخلية المدعومة بقوى خارجية وبشرط أن تكون أهداف النظام السياسي معبرة عن القيم الحقيقية للشعب، وأن تسمح المؤسسات السياسية بتوفير قنوات المشاركة. والعوامل الإقليمية هي الخاصة بعلاقات الدولة مع الدول المجاورة لها في الإقليم أو المنطقة الجغرافية. والعوامل الدولية بمعنى أبعاد علاقات الدولة في المحيط الدولي وطبيعة تحالفاتها الدولية وطبيعة علاقاتها بالقوى العظمى.[30]

2- الأمن القومي له جانبان:

– جانب موضوعي يمكن تحديد مكوناته وعناصره والتعبير عنها كمياً.

– جانب معنوي يتعلق بالروح المعنوية ومدى ارتباط الشعب بالنظام السياسي، وأي دراسة متكاملة لابد وأن تأخذ كلا الجانبين في الاعتبار.

3- الأمن القومي ظاهرة ديناميكية حركية:

   يتسم الأمن القومي كظاهرة بالحركة والتغيير، فهو ليس مرحلة تصلها الدولة وتستقر عندها، فلا يمكن اعتبار الأمن حقيقة ثابتة تحققها الدولة مرة واحدة وإلى الأبد، فلا يمكن لأي دولة أن تتوقف عند مجموعة من الإجراءات والأعمال ترى أنها حققت من خلالها أمنها القومي، بل هي تتابع باستمرار ما يدور فيها وبينها وحولها إقليمياً ودولياً لتعدل من أوضاعها وتحركاتها، وتطور من قوتها لتحافظ على درجة الأمن التي ترغب في تحقيقها، أي أنه إذا كان الأمن القومي يعرف مجموعة من الثوابت فإن هناك أيضاً العديد من المتغيرات التي تكسب الأمن القومي خاصية الديناميكية.[31]

4- الأمن القومي حقيقة نسبية وليست مطلقة:

   لم يذكر التاريخ دولة تمكنت من السيطرة على مقدرات العالم، وأحكمت سيطرتها عليه، ومن ثم حققت لنفسها الأمن المطلق، وهذا يعود لسبب واحد وهو أن الأمن المطلق لدولة ما يعني التهديد المطلق لأمن كل الدول المجاورة، بل حتى الدول التي اختارت طريق الحياد لا تعيش في أمن مطلق، بل يمكن تهديد أمنها بفعل القوى ذاتها التي حافظت على حياد تلك الدول. ويكون سعي الدول لزيادة هامش أمنها دافعاً للأطراف الأخرى لسد الفجوة، أو تعويض النقص، وبالتالي تدخل كل الأطراف في تسابق أمني هائل ليس له سوى نتيجة واحدة وهي الإخلال بالأمن. ومن ثم فإن ما تسعى إليه كل الدول عادة هو تحقيق الأمن القومي النسبي لها آخذة في الاعتبار أمن الدول المجاورة، أو تلك التي تدخل معها في علاقات وثيقة، كما أن مفهوم الأمن القومي نسبي من الناحية الإيديولوجية، فتغير نظام الحكم في دولة ما بشكل أساسي، أو تغير الإيديولوجية التي تأخذ بها النخبة الحاكمة، كلها تطرح تأثيراتها على مفهوم الأمن القومي.

رابعاً: النظريات الأساسية في العلاقات الدولية فيما يخص القضايا الأمنية:

   انطلاقاً من نسبية الأمن القومي، على المستوى النظري كمفهوم، وعلى المستوى العملي كإطار استراتيجي، تعددت المدارس والاتجاهات في تحليل ماهية الأمن القومي، أبعاده ومؤشراته. وبرغم عدم وجود تصنيف حاسم لكتابات الأمن القومي، إلا أن هناك ثلاث نظريات أو مدارس أساسية للتفكير في العلاقات الدولية فيما يخص القضايا الأمنية لكل منها رؤى متعارضة وهي: النظرية الواقعية، والنظرية الليبرالية، والنظرية الثورية. وفيما يلي عرض لأهم مقولات تلك النظريات:

 1- النظرية الواقعية:

   تركز النظرية الواقعية على البعد الإستراتيجي. ووفقاً لها فإن الدولة هي الفاعل الدولي الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، أما النظام الدولي فيتسم بالفوضويةAnarchy  لغياب سلطة دولية مركزية آمرة، ولذلك تتولى الدول فرادي أمر أمنها، وتدافع عن مصالحها وذلك من خلال استحواذ القوة Power واستخدامها.[32]

   ووفقاً لهذه النظرية الواقعية فإن الأمن هو أمن الدولة State Security ، أي ينصرف إلى التكامل الإقليمي والتماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي للدولة، وهو بذلك يجب أمن الفرد والجماعة ويحتويه. ويزدهر هذا المفهوم للأمن في ظل مناخ وعلاقات الصراع والتوتر والحرب، ولذلك فقد ازدهر في أعقاب الحرب العالمية الثانية بعدما ظهر من انقسام دولي وبداية الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي. وبرز الاهتمام بسياسات الأمن Security Policies ، أكثر من الاهتمام بمفهوم الأمن  Concept of Security ، وانعكس ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية في إنشاء مجلس الأمن القومي الأمريكي National Security Council  ، ليلعب دور المنسق بين استراتيجيات الدولة. ومنذ ذلك الحين انتشر استخدام مفهوم الأمن القومي بمستوياته المختلفة حسب طبيعة الظروف المحلية والإقليمية والدولية.

   وقد أدت الحرب الباردة إلى تحمل مفهوم الأمن القومي بأهداف الاستقطاب ومظاهره النفسية والإيديولوجية في الصراع بين الشيوعية والرأسمالية، حيث اهتم أنصار هذا الاتجاه بالحفاظ على النمط الرأسمالي والنظام الليبرالي في مواجهة الاشتراكية الصاعدة في الكتلة الشرقية، منذ خروج الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى عقب الحرب العالمية الثانية مقابل تدهور مركز الزعامة الغربية التقليدية في بريطانيا وفرنسا.

   كان من المنطقي في مواجهة ما سمي بالمد الشيوعي أن توظف دراسات الأمن القومي وهي غربية النشأة لصالح خدمة الأهداف الغربية الأمريكية في الصراع الدولي مع الشرق الاشتراكي. وهكذا أصبح الأمن القومي يكمن في الحفاظ على الليبرالية ومحاربة الشيوعية، الأمر الذي ظهر في سياسات التطويق والاحتواء والردع والاستقطاب وحافة الهاوية.

   اعتبرت النظرية الواقعية أن القوة العسكرية هي الدرع الذي يحمي الوطن والردع الذي يصد العدوان والذراع القوية التي تتجسد فيها هيبة الدولة، حيث كانت العلاقات الدولية محكومة بالتوازنات العسكرية، وكان خيار الحرب على الصعيد التكتيكي أو الإستراتيجي ما يزال قائماً. وبذلك أقامت هذه المدرسة علاقة ترابط بين الأمن والقدرة العسكرية[33].

   وتتمثل أهم عناصر مفهوم الأمن القومي لدى النظرية الواقعية فيما يلي:

– أن مفهوم الأمن يرتبط بالقدرة العسكرية للدولة، كما يرتبط بمفهومي الردع  Deterrence  والقوة  Power.

– أن التهديدات التي تواجه الدولة ذات طابع عسكري بالأساس ومصدرها خارجي.

– أن مسئولية تحقيق الأمن تتولاها الجيوش وأجهزة المخابرات التابعة للدولة.

   ومن أنصار المفهوم العسكري للأمن القومي في الأدبيات العربية د. حامد ربيع الذي يرفض إطلاق مفهوم فضفاض على كلمة الأمن القومي، فالاصطلاح في رأيه يتجه أساساً إلى تلك الحماية الذاتية المرتبطة بحدود الدولة وأوضاعها الإستراتيجية والجيوبوليتيكية، وبالتالي فالأمن القومي وفقاً له هو “تلك المجموعة من القواعد الحركية التي يجب على الدولة أن تحافظ على احترامها وأن تفرض على الدول المتعاملة معها مراعاتها لتستطيع أن تضمن لنفسها نوعاً من الحماية الذاتية الوقائية الإقليمية[34].

الانتقادات التي توجه للنظرية الواقعية:

– تضع هذه النظرية الأمن القومي كقيمة عليا، مما يتطلب تحويل الموارد القومية وتخصيصها في أغراض الدفاع، ويرفع من نفقة الفرصة البديلة لهذه الموارد على حساب التنمية. وقد يقود ذلك أيضاً إلى نموذج الدولة البوليسية.

– تزداد تلك المعضلة خطورة وتعقداً في الدولة النامية، والتي لا تتمتع بدرجة عالية من درجات الإجماع والاندماج والتكامل القومي، فهناك تحديات مجتمعية وليست عسكرية.

– اقتصار مفهوم الأمن على الأبعاد الخارجية خاصة التهديدات العسكرية من جانب دول منافسة، وإهمال الأبعاد الداخلية للمفهوم.

– نمو القوة العسكرية لدولة ما لا يؤدى إلى تعزيز أمنها القومي، بل ربما يؤدي إلى تقويضه، لأن الخصم سيعتبر ذلك تهديداً له، مما يحفزه على أن يقوم هو الآخر بزيادة الإنفاق العسكري.

2- النظرية الثورية:

   يسعى أنصار النظرية الثورية إلى تغيير النظام وليس إلى مجرد إصلاحه، ويرون أن التغيير واجب لأن النظام يعاني من حالة ظلم واضح، ومن هنا فمن الضروري القيام بتغيير سريع وثوري. وقد وجدت هذه الرؤية صدى كبيراً في دراسة علاقات الشمال والجنوب والتنمية في عالم الجنوب، وذلك بسبب الفقر المدقع الذي تعانيه أغلبية شعوب العالم.

   وتعلي النظريات الثورية من شأن قيمة العدالة، وترى الحرب كمحصلة للاستغلال الاقتصادي من دول الشمال لدول الجنوب، وترى التغيير في هذه العلاقات الاقتصادية مفتاحاً لحل مشكلة الحرب.[35]

3- النظرية الليبرالية:

   ترفض النظرية الليبرالية فروض النظرية الواقعية، فالدولة لدى الليبراليين ليست الفاعل الوحيد في علاقات الأمن الدولية، كما أن الدولة تتألف من عديد من المؤسسات والجماعات التي قد تتباين مصالحها وتدخل في مساومات للوصول إلى اتفاق عام حول تلك المصالح. وبالتالي فإن مفهوم الأمن لدى النظرية الليبرالية لا يقتصر على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أبعاد اقتصادية وثقافية واجتماعية ذات أهمية.

   وتركز هذه النظرية على حرية المعاملات والفوائد المتبادلة التي يمكن للمجتمعات أن تجنيها من وراء الاعتماد المتبادل.

   وقد ظهرت روافد متعددة للنظرية الليبرالية من بينها:[36]

  • المدرسة الاقتصادية:

      أوضحت الحربان العالميتان أن القوة الاقتصادية تقع في قلب قدرة الدولة على ولوج الحرب وحماية أمنها القومي عموماً لتزايد الاهتمام بالظاهرة الاقتصادية (ظاهرة الندرة)، مما انعكس في تعبيرات مثل السلع الإستراتيجية والأمن الغذائي، واهتمامات تجميع وتصنيف الثروات القومية وكيفية تخصيصها بين القطاعات العسكرية وغير العسكرية. وبرز السؤال المهم: ما هو الجزء المتطلب من الموارد لحماية القيم الداخلية من التهديد الخارجي وتلك القيم هي الأساس والغاية بالنسبة للأمن القومي؟. وأكد أنصار المدرسة الاقتصادية على أن الأمن الحقيقي يعتمد على استقرار وازدهار الاقتصاد القومي والعالمي.

  تشكل المصالح القومية في تلك المدرسة العمود الفقري لمفهوم الأمن القومي. وهذا التيار يُسمى الأمن القومي المصلحي، بل إن هناك من يرى أن هدف الدولة من الأمن القومي هو تحسين قوتها النسبية، الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

   وتتمثل أهم افتراضات المدرسة الاقتصادية حول الأمن القومي فيما يلي:

– معالجة قضايا الأمن القومي من منظور التكلفة- العائد فهي لا تحبذ زيادة الإنفاق العسكري باعتباره يهدد الأمن الاقتصادي.

– الاهتمام بتأمين الموارد الاقتصادية الإستراتيجية واقتصاديات الحرب.

– ويعتبر روبرت ماكنمارا أبرز رواد تلك المدرسة، حيث جعل من التنمية مرادفاً للأمن، ورأى أن هناك علاقة مباشرة بين درجة الاستقرار وبين الوضع الاقتصادي للدول. فإذا كانت القوة العسكرية توفر النظام، فلابد علاوة على ذلك من توفير القاعدة الصلبة للقانون والنظام في المجتمع النامي حتى تصبح درعاً تتحقق وراءه التنمية، وهي الحقيقة الأساسية للأمن. وكلما تقدمت التنمية ترسخ الأمن، فالأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة.[37]

   وقد وُجهت عدة انتقادات للمدرسة الاقتصادية، من بينها:

– تنطلق المدرسة من فكرة الرفاهية الاقتصادية، مما يشكك في مصداقيتها بالنسبة للجنوب الفقير من العالم، حيث ينصب الاهتمام أساساً على إشباع الحاجات الأساسية Basic Needs

– وبالنسبة لاقتصاديات الحرب أو الوظائف الاقتصادية الإيجابية للحرب فهي غير متحققة في العالم النامي حيث تواجه الدول النامية معضلة المفاضلة بين الخبز والمدفع.

– ارتبطت جذور المدرسة الاقتصادية بالنظم الرأسمالية الصناعية في الغرب الأوروبي والولايات المتحدة أساساً، الأمر الذي يثير الحفيظة من جراء الأخذ بمفاهيمها مباشرة في العالم النامي خشية تفضيل التنمية الاقتصادية على الاعتبارات الإستراتيجية في نسق الأولويات.

ب- الليبرالية الجديدة:

   يرى أنصار هذا الاتجاه أن التعاون بين الدول يمكن أن ينشأ من خلال بناء معايير ومؤسسات وأنظمة Regimes، ومن هنا نشأ مفهوم الأمن الجماعي الذي يعني اتفاق عدد من الدول على الرد الجماعي على أي عدوان تقوم به إحدى الدول المشاركة في النظام.

ج- التيار النسوي:

   يركز هذا التيار على الفروق بين الرجل والمرأة في النظر إلى قضايا الأمن الدولي، ويرى أن حدوث زيادة ملحوظة في المشاركة النسوية يمكن أن تغير من طبيعة النظام الدولي بجعله أكثر أمناً.

د- مدرسة دراسات السلام:

   تقر المدرسة بانحيازها الإيديولوجي إلى السلام باعتباره شيئا طيباً، أما الحرب فهي شئ ردئ،  وترى المدرسة أن العسكرية Militarism في عديد من الثقافات تسهم في ميل الدول للجوء إلى استخدام القوة Force في المساومة الدولية.

   وقد أدى ظهور تلك المدرسة إلى توسيع نطاق دراسات الأمن لتشمل العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تجاهلتها المدرسة الواقعية. كما أنها أسهمت كذلك في وضع النظرية موضع التطبيق من خلال مشاركة جماعات السلام وحركاته في العملية السياسية.

   وإذا كان السلام لدى المدرسة الواقعية سلبياً، ويعني غياب الحرب، فإن السلام الإيجابي لدى مدرسة دراسات السلام يتجاوز ذلك الموقف إلى البحث في الظلم والفقر باعتبارهما من شروط قيام العنف، ومن ثم فإن العنف، بمعنى نبذ القوة، يمكن أن يكون أداة فعالة للتأثير خاصة لدى الشعوب الفقيرة أو المقهورة “حركة المقاومة المدنية بقيادة المهاتما غاندي في الهند”.[38]

   وقد تم توجيه عدد من الانتقادات إلى النظرية الليبرالية، من أهمها:

– تنطلق المدرسة من فكرة الرفاهية الاقتصادية، مما يشكك في مصداقيتها بالنسبة للجنوب الفقير من العالم، حيث ينصب الاهتمام على إشباع الاحتياجات الأساسية Basic Needs.

– بالنسبة لاقتصادات الحرب أو الوظائف الاقتصادية الإيجابية للحرب، فهي غير متحققة في الدول النامية التي تواجه معضلة المفاضلة بين الخبز والمدفع.

– تجعل النظرية من الأمن القومي مفهوما طارئاً وليس تعبيراً عن عملية تطورية طويلة الأجل، ومن ثم فهو يتأرجح بين الصعود تارة والهبوط تارة أخرى تبعاً لإدراك صانعي القرار للوقائع الصراعية، ولذلك عيوب خطيرة ليس أقلها أهمية تعطيل تطور الأمن القومي إلى حقل علمي متكامل له أدواته المستقلة، وهكذا تأرجح الأمن القومي ما بين حقلي العلاقات الدولية والشئون الدفاعية.

– الأمن القومي طبقاً لهذه النظرية المصدرة للعالم الثالث أمن دولة أكثر منه أمن مجتمع.

توسيع مفهوم الأمن القومي في إطار النظرية الليبرالية:

   أدت نهاية الحرب الباردة إلى زيادة المطالبة بتوسيع مفهوم الأمن القومي. والاقتراب الجديد الذي تبنته النظرية الليبرالية ينتقد المفهوم التقليدي للأمن الذي يركز على التحديات الخارجية خاصة التهديدات العسكرية من الدول المنافسة، ويرى أن مصدر التهديدات الأمنية المعاصرة ينبع من الداخل أساساً، كالمشاكل المتعلقة بشرعية النخب والنظم السياسية، والمشاكل المتعلقة بشرعية الدولة وحدودها من جانب الانفصاليين أو الوحدويين. كما يري أنصار هذا الاقتراب أن التهديد الأمني الأساسي قد ينبع من النظام الحاكم ذاته إذا قام بانتهاك حقوق الإنسان، وفرّق بين المواطنين على أساس العرق أو العنصر أو النوع.

   تعتمد هذه الانتقادات على الدراسات المتعلقة بمفهوم الأمن القومي في العالم الثالث، والتي أظهرت أن معظم الحروب في الأعوام الأخيرة كان مصدرها محلياً وليس دولياً، وحتى التدخلات الخارجية لم تتم من خلال جيوش تعبر الحدود الوطنية، وإنما بواسطة ميليشيات ومنظمات فدائية أو جماعات انفصالية أو إرهابية تجد مأوى لها في دول مجاورة. وبالتالي يتبنى المنتقدون مفهوماً أكثر شمولاً للأمن ويعرفونه “بالأمن الإنساني” حتى يكون قادراً على مواجهة التهديدات المتنوعة، بما فيها التهديدات الناجمة عن تلوث البيئة والأمراض وسوء التغذية.. الخ. وقد ركزت التعريفات الجديدة للأمن القومي على تقديم رؤية شاملة متعددة الأبعاد للمفهوم، وذلك من خلال التركيز على خمسة أبعاد رئيسية للمفهوم وهي الأبعاد العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية. [39]

   يعتبر الداعون إلى توسيع مفهوم الأمن القومي أن المشاكل غير العسكرية هي مصدر الصراعات العسكرية، كما أن المشاكل غير العسكرية هي التي تهم معظم الناس في الدول المتقدمة والدول النامية على حد سواء. ففي الدول المتقدمة يهتم الناس بمشاكل من قبيل: انخفاض الأجور، الهجرة غير الشرعية، اللاجئين، تهريب المخدرات…الخ. أما في الدول النامية فيعانى الناس من مشكلات اقتصادية خطيرة تهدد مستوى معيشتهم بل وبقاءهم ذاته بسبب النقص في الاحتياجات الأساسية كالغذاء والصحة والإسكان. ويرى الداعون إلى توسيع مفهوم الأمن القومي أن تلبية تلك الاحتياجات الأساسية تعد من الأمور الحيوية للأمن القومي.

   يضيف هؤلاء أن الإنفاق العسكري يأتي على حساب النمو الاقتصادي والإنفاق على الحاجات الإنسانية، ولذلك ينبغي إيجاد حلول مدنية غير عسكرية للمشاكل الأمنية من بينها التحول الديمقراطي، وبناء الدولة، وتنمية المجتمع المدني، والنمو الاقتصادي، والاعتماد المتبادل. أما المسئولية عن الأمن فلا ينبغي في رأيهم أن تكون مسئولية الدولة القومية، وإنما تقع على عاتق المؤسسات الدولية ونظام الأمن الجماعي. أما بالنسبة للقيم المحورية للمفهوم الجديد فلا تشمل القيم التي كان المفهوم التقليدي يركز عليها مثل الاستقلال القومي والتكامل الإقليمي والسيادة وقدسية الحدود، وإنما تتضمن حقوق الإنسان وتوفير احتياجاته الأساسية والرخاء الاقتصادي وحماية البيئة.

   وقد أطلقت عدة مسميات على ذلك الاتجاه الحديث الذي يدعو إلى توسيع مفهوم الأمن القومي، ومن بينها: المدرسة المجتمعية، الاتجاه الشمولي/ الكلي في التحليل، المدرسة الحديثة، المدرسة الإجرائية، تحليل النسق، المدرسة التنموية. ومن بين التعريفات التي تأخذ بالاتجاه الكلي أو التكاملي في تعريف الأمن القومي في الأدبيات العربية تعريف د.علي الدين هلال الذي يرى أن “الأمن القومي هو تأمين كيان الدولة أو عدد من الدول من الأخطار التي تهددها في الداخل ومن الخارج، وتأمين مصالحها الحيوية، وخلق الأوضاع الملائمة لتحقيق أهدافها وغاياتها القومية والتي تتمثل في الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي والتنمية الشاملة”[40]، وتعريف اللواء/ عدلي سعيد للأمن القومي بأنه: “تأمين الدولة من الداخل، ودفع التهديد الخارجي عنها بما يكفل لشعبها حياة مستقرة توفر لها استغلال أقصى طاقاتها للنهوض والتقدم”[41]

   لا يحصر هذا الاتجاه النظر في بعد أو آخر من أبعاد ظاهرة الأمن القومي، وإنما يتسع ليشملها كلها في منطق تحليلي يقبل التعديل والتطوير حسب الظروف المجتمعية محل البحث. فهو من ناحية يتفق مع نسبية مفهوم الأمن وأبعاده، ويواكب التطور العصري والمنهاجي في الدراسة، كما أنه قادر على استيعاب المتغيرات الجديدة في ظاهرة الأمن القومي من ناحية أخرى، إذ أن كتاب هذا الاتجاه ينطلقون من افتراض مؤداه أن الأمن ظاهرة مجتمعية Societal تتفاعل في تحريكها عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية داخلية وخارجية. ومن شأن تلك الظاهرة المركبة أن تتسم بقدر كبير من النسبية، فباختلاف قدر وثقل عامل على آخر في لحظة ما تختلف تركيبة ظاهرة الأمن، كما تختلف منظومة سياسة الأمن الناتجة عنها.

   ويرى أنصار هذه المدرسة أن تهديدات الأمن القومي لا تنحصر في الجوانب العسكرية، فهناك عوامل داخلية يمكن استغلالها لتهديد الأمن القومي لدولة ما، وأهمها:

– الجانب السياسي، حيث إن عدم الاستقرار السياسي وتصارع الثقافات والإيديولوجية السياسية، أي غياب درجة مناسبة من الإجماع القومي، يُعتبر من أهم العوامل التي تهدد الأمن والاستقرار، خاصة إذا كان البنيان الاجتماعي يعضد هذا الانقسام وتلك التناقضات.

– الجانب المؤسسي الذي يشير إلى قدرة الدولة على التدخل والحركة، فالتخلف السياسي يعني مؤسسات غير قادرة على ربط القمة بالقاعدة في الجماعة السياسية. ويمثل ذلك جانب ضعف قابل للاختراق الخارجي، حيث أصبحت القاعدة الاجتماعية والجبهة الداخلية عموماً من الأهداف المباشرة لتهديد الأمن القومي.

– الجانب الاقتصادي، فالتخلف الاقتصادي من العوامل التي تهدد الأمن القومي، فالتبعية الاقتصادية قد تؤدي إلى تبعية سياسية.

– الجانب الاجتماعي، ويمثل عصب الجبهة الداخلية لأي دولة، حيث أصبحت الجماهير تؤثر بشكل مباشر على السياسات الداخلية والخارجية، وأصبحت هدف الحرب النفسية والدعائية.

   مفهوم الأمن القومي لدى المدرسة المجتمعية إذن هو مفهوم مجتمعي يتعلق بالمجتمع بكافة جوانبه، كما أنه مفهوم متعدد الجوانب والأبعاد، وتتطلب دراسته منهاجية متعددة المسالك والأدوات البحثية، كما تتطلب الاستفادة من مقولات وأدوات وإسهامات مختلف العلوم الاجتماعية كالاقتصاد والاجتماع والسياسة وعلم الإنسان، إلى جانب العلوم العسكرية وعلم العلاقات الدولية، علاوة على ذلك فالأمن القومي ظاهرة حركية Dynamic  وهو عملية Process وليس حالة سكونية يصل إليها المجتمع ويقف عندها، وهو محصلة التوازن الذي يقف على حجم هذه التفاعلات وحدتها ونوعها.

   ويحدد أنصار فكرة شمولية المفهوم المجتمعي للأمن القومي الضوابط التالية لتأكيد فكرتهم:[42]

  • أن أمن أي دولة هو خلاصة التفاعل بين عوامل داخلية وإقليمية ودولية أيضاً.

– أن مفهوم الأمن القومي له جانبان: موضوعي يمكن تحديد مكوناته والتعبير عنها كمياً مثل حجم التسليح والقدرة الاقتصادية، وآخر نفسي يشير إلى أمور مثل الروح المعنوية. وأي دراسة متكاملة للأمن ينبغي أن تدخل كلا الجانبين في الاعتبار.

– أن الأمن القومي ظاهرة ديناميكية وليست استاتيكية جامدة، ولهذا ينبغي تحليل ظاهرة الأمن في إطار التوازن الحركي النسبي.

– أن الأمن القومي حقيقة نسبية وليست مطلقة، أو أن له جانبين: الأول مستمر وهو مرتبط بالحقائق الجغرافية أو الاجتماعية، والثاني متغير نسبي وهو مرتبط بالإيديولوجية أو العقيدة السياسية للدولة، والتي تفرض مصالح واهتمامات وغايات للسياسة الخارجية تتطلب تحقيقها والدفاع عنها.

– أن نظريات الأمن القومي تختلف حول كيفية تحقيق أمن الدولة، وتتراوح بين موقفين رئيسيين: الأمن من خلال الصراع، والأمن من خلال التعاون الدولي. فالنظريات الأولى تنطلق من مفهوم القوة وتناقض المصالح القومية، والنظريات الثانية لا ترى حتمية تناقض الأهداف بين الدول، وهي الأساس النظري لمفاهيم الأمن الجماعي والحد من التسلح.

– أن مفهوم الأمن القومي ذو طبيعة مجتمعية شاملة، تدخل في تكوينها اعتبارات متعددة منها الداخلي والخارجي

   يتضح مما سبق أن المفهوم التقليدي للأمن يركز على العوامل الخارجية خاصة العسكرية التي تؤثر على الأمن، ويغفل العوامل الداخلية التي يمكن استخدامها لتهديد الأمن القومي لدولة ما سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم مؤسسية أم اجتماعية. وفي الوقت ذاته فإن الداعين لتوسيع مفهوم الأمن القومي يتجاهلون ما تبقى من صراعات مسلحة عقب انتهاء الحرب الباردة، كما أنهم يقوضون الترابط المنطقي لمفهوم الأمن القومي بتوسيعه إلى ما لا نهاية.

   ولذلك يفضل الباحث أن يستمر إدخال الصراعات المسلحة والعنف في نطاق دراسات الأمن القومي مع عدم قصر تلك الدراسات على البعد العسكري، وإنما يجب أن يتم توسيع مفهوم الأمن القومي حتى يشمل الأبعاد المختلفة (الخارجية والداخلية، العسكرية وغير العسكرية) لمفهوم الأمن، مع عدم المبالغة في توسيع مفهوم الأمن القومي إلى ما لا نهاية، وإنما يجب أن يتم ذلك التوسيع وفق منطق تحليلي يقبل التعديل والتطوير حسب الظروف المجتمعية محل البحث، مما يتفق مع نسبية مفهوم الأمن وأبعاده، ويواكب التطور العصري والمنهاجي في الدراسة، ويمكن من استيعاب المتغيرات الجديدة في ظاهرة الأمن القومي.

   وبناء على ما سبق، يأخذ الباحث في هذه الدراسة بالمفهوم الشامل للأمن القومي كما تم توسيعه في إطار النظرية الليبرالية، بما يسمح بأن يتم الأخذ في الاعتبار الأبعاد الداخلية للمفهوم، مع مراعاة عدم المبالغة في توسيع المفهوم. ووفقاً لما سبق يمكن تقديم التعريف الإجرائي التالي للأمن القومي: “ينطوي الأمن القومي لأي دولة على السعي الدءوب لتحقيق الأمن النفسي والجسدي لمواطنيها، عبر استخدام جميع عناصر ومصادر القوة المتنوعة التي تمتلكها للحيلولة دون تعرضها لمخاطر خارجية أو داخلية تهدد وجودها وحياة مواطنيها ونمط معيشتها، والعمل المستمر على تنمية قدرات الدولة وإمكاناتها على كافة المستويات”.

المبحث الثاني: تعريف مفهوم الديموقراطية وتحديد أبعاده

   يتم في هذا المبحث التعريف اللغوي والاصطلاحي لمفهوم الديموقراطية، وتوضيح أهم أبعاده، واستعراض الأشكال الدستورية والتنظيمية المرتبطة بالديمقراطية، واستعراض الأشكال المؤسسية للحكومات الديموقراطية، بالإضافة إلى المداخل الرئيسية لتحليل العملية الديموقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية.

أولاً: التعريف اللغوي والاصطلاحي لمفهوم الديموقراطية:

   الديموقراطية من الناحية اللفظية في الأساس كلمة يونانية مركبة من جزأين، الجزء الأول Demos وتعني الشعب، والجزء الثاني Kratos وتعني حكم أو سلطة. وبذلك تصبح الديموقراطية مصطلحاً يُطلق على شكل للحكم يتولى فيه الشعب الحكم، وبعبارة أوضح هي حكومة الشعب أو الحكم بواسطة الشعب. [43]

   لا تختلف عن هذا التعريف غالبية دوائر المعارف والقواميس. فالقاموس السياسي الأمريكي يذهب إلى أن “الديموقراطية هي نظام للحكومة تُمارس فيه السلطة السياسية بواسطة الشعب”.[44]

   الديموقراطية تصبح حسب تعريف القواميس ودوائر المعارف مصطلحاً يُطلق على حكم الكثرة كمقابل لحكم القلة أو حكم الفرد، حيث لا يمكن وصف النمطين الأخيرين بالديموقراطية. وتوجد مئات التعريفات لمفهوم الديموقراطية الذي أُطلق في استخدامه الأصلي على أحد أشكال الحكم، ويرجع ذلك إلى أن الديموقراطية لا تعني نفس الشيء للشعوب والدول المختلفة، فالديموقراطية كمفهوم وكمؤسسة نبعت من الحضارة الغربية ثم امتدت إلى مناطق أخرى من العالم وأصبح لها الآن استخدام عالمي[45].

   وقد عرّف لنكولن Lincoln الديموقراطية بأنها “حكم الشعب للشعب وبالشعب”، بينما عرفها لويل  Lowell بأنها تجربة في الحكومة، في الوقت الذي عرفها سيلي Seely بأنها “الحكم الذي يملك فيه كل فرد نصيباً[46]. وتوجد تعريفات أخرى متعددة للديموقراطية، من أشهرها ما طرحه شومبيتر من أن جوهر الديموقراطية يتمثل في وجود آلية سياسية لاختيار القيادة السياسية. وهذه الآلية هي الانتخابات التنافسية الحرة. ويعرف شومبيتر الديموقراطية بأنها “التدابير المؤسسية التي تتخذ من أجل التوصل إلى القرارات السياسية التي يكتسب من خلالها الأفراد سلطة اتخاذ القرار عن طريق التنافس على الأصوات”. وبالتالي فالمواطنون وفقاً لهذا التعريف لهم حرية الاختيار ما بين متنافسين على أصوات الناخبين، لكن ما بين انتخابات وأخرى يتخذ القادة السياسيون القرارات. وفي الانتخابات التالية يمكن للمواطنين الناخبين أن يتخلصوا من القيادات الموجودة ويحلوا محلها قيادات أخرى تتفق ومصالحهم بصورة سلمية.[47]

   يوجد تعريف آخر للديموقراطية أكثر اتساعاً طرحه ديفيد هيلد لا يقصر الديموقراطية على وجود انتخابات تنافسية كما فعل شومبيتر، وإنما يذهب إلى أن الديموقراطية تتضمن العناصر التالية:[48]

1- وجود قواعد أساسية لما يُطلق عليه هيلد مبدأ “الاستقلال الديموقراطي”، بمعنى أن يتمتع الأفراد بحقوق متساوية، ومن ثم يكون عليهم التزامات متساوية في تحديد الإطار الذي يولد الفرص المتاحة لهم أو يحد منها شريطة ألا يُستخدم هذا الإطار في تجاهل حقوق الآخرين.

2- ضرورة توافر حقوق وحريات أساسية يتمتع بها المواطنون جنباً إلى جنب مع الحقوق السياسية ليتحقق مبدأ الاستقلال الديموقراطي. فبدون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن التمتع بالحقوق السياسية. وبدون التمتع بالحقوق السياسية فإن أشكالاً جديدة من عدم المساواة في توزيع السلطة والثروة والمكانة يمكن أن تظهر لتنتهك تطبيق وإقرار الحريات الاقتصادية والاجتماعية.

3- توافر درجة عالية من المساءلة لجهاز الدولة.

4- توافر فرص متساوية للمشاركة السياسية.

   ويرى هوارد وياردا أنه لابد للباحثين من الحرص عند تعريف الديموقراطية، فالديموقراطية ليست مجرد إجراء انتخابات، على الرغم من أن هذه خطوة أولى جيدة، فإذا كانت الديموقراطية تعني مجرد إجراء انتخابات، فيمكن وصف دول مثل نيكاراجوا والسلفادور وروسيا بأنها دول ديموقراطية. إن الديموقراطية تتطلب إلى جانب إجراء انتخابات حرة وبصفة دورية وجود العديد من المؤسسات التي يجب أن تعمل بكفاءة، مثل وجود برلمان قوي ومستقل، ووجود نظام قضائي مستقل، وأحزاب سياسية قوية، وجماعات مصالح قوية قادرة على التعبير عن وجهات نظرها، ومشاركة سياسية واسعة. ووفقاً لهذا التعريف، يمكن القول إن العديد من الدول التي تم ذكرها لا تزال ديموقراطيات جزئية غير كاملة، أو ديموقراطيات في طور التشكيل.[49]

   وبالإضافة إلى ما سبق، فإن الديموقراطية تتطلب التسامح واحترام وجهات النظر المختلفة، والتعبير الحر، وهو ما يطلق عليه “الثقافة المدنية”، ولذلك فإنه إلى جانب دراسة عمليات التحول الديموقراطي، يجب الاعتراف بأنه توجد أنواع ودرجات مختلفة من الديموقراطية.[50]

    وفي هذا الإطار يرى الدكتور محمد عبد المعز نصر أن “الديموقراطية ليست مجرد شكل من أشكال الحكم فهي ليست أساساً شكلاً من أشكال الحكم، فالحكم الديموقراطي يعني دولة ديموقراطية، ولكن الدولة الديموقراطية لا تعني بالضرورة حكومة ديموقراطية، فالدولة الديموقراطية تتسق مع أي نوع من الحكومة، ديموقراطية أو أوتوقراطية أو ملكية، وقد توضع السلطة العليا في أيدي ديكتاتورية كما تفعل الولايات المتحدة من الناحية الواقعية في أوقات الأزمات فيما يتصل برئيس جمهوريتها، فكل ما تعنيه الدولة الديموقراطية هو أن المجتمع ككل يملك سلطة السيادة ويحتفظ بالسيطرة النهائية على الأمور العامة، فالديموقراطية كشكل من أشكال الدول هي مجرد طريقة لتعيين الحكومة والإشراف عليها وعزلها[51]. أما كارل وشميتر فقد ذهبا إلى أن الديموقراطية هي الكلمة التي يتردد صداها في عقول الناس، وتنشأ من رغبتهم وكفاحهم من أجل الحرية وإيجاد سبل أفضل لحياتهم.[52]

   يتضح مما سبق أن مفهوم الديموقراطية يدور في معظم التعريفات حول الأبعاد الرئيسية التالية: توفير ضمانات احترام حقوق الإنسان، والقبول بالتعدد السياسي والفكري، واحترام مبدأ تداول السلطة طبقاً للإرادة الشعبية، وتوسيع المشاركة السياسية التي تعني قدرة مختلف الفئات الاجتماعية على التأثير الفعال – وليس الشكلي – في السياسات والقرارات بأشكال معينة بشكل اختياري تطوعي.

   يعني ما سبق أن الديموقراطية هي مجموعة من القواعد التي تحكم العملية السياسية بحيث تحقق قدراً أكبر من المشاركة في السلطة والثروة: رأسياً (بين الحاكم والمحكومين) وأفقياً (بين القوى والجماعات السياسية). وعلى الرغم مما قد يُذكر في ديباجة دستور دولة ما أو في مواده الأولى من أن الدولة ديموقراطية أو دستورية فإن الممارسة وحدها أو الأسلوب الذي يُطبق في ممارسة السلطة هو الذي يحدد النمط الذي تسير عليه الدولة، فإذا كان النظام يتيح بشكل أو بآخر مجالاً لممارسة السلطة أُطلق عليه صفة الديموقراطية التي هي أصلاً تعني حكم الشعب، فالديموقراطية إذن هي جوهر قبل أن تكون مظهراً، أو هي توصيف لطبيعة النظام السياسي وليست شكلاً لنظام الحكم، فقد يكون النظام السياسي “الديموقراطي” ليبرالياً أو اشتراكياً يستند إلى التعددية الحزبية، أو يتسم بوجود حزبين كبيرين أو حتى حزب واحد مسيطر والأمثلة التطبيقية عديدة على ذلك. وتعد المشاركة آلية النظام الديموقراطي وقاعدته النظرية وإطاره الحركي. والمشاركة تكون في القيم النادرة – مادية وغير مادية – في المجتمع.

   ويدعي الغربيون على اختلاف لغاتهم وبلدانهم أنهم يطبقون الديموقراطية بشتى الوسائل من خلال أنظمة حكمهم وتنظيماتهم السياسية وفلسفتها، وظل الشرقيون لفترة طويلة وعلى اختلاف إيديولوجياتهم يسمون نظمهم السياسية بالديموقراطية أو الديموقراطية الشعبية تمييزاً لها عن الديموقراطية الغربية والتي تعتبر ديموقراطية برلمانية. وأمثلة تلك النظم الغربية والشرقية كثيرة في عالمنا المعاصر. وبين أولئك وهؤلاء نجد دول العالم الأخرى من ساعية إلى النمو ونامية ومتخلفة نجدها جميعاً تفخر بأنها تطبق الديموقراطية سواء بالميل يميناً أو بالميل يساراً.

   وقد اتبعت كثير من دول العالم التي نالت استقلالها النمط الغربي للديموقراطية وذلك إما لأسباب تاريخية أو سياسية أو عسكرية، هذا وإن اتفقت تلك الدول في اتباع ذلك النمط من الديموقراطية، إلا أنها لم تسلك جميعها مسلكاً واحداً وإنما تعددت الاتجاهات فهناك من بين الدول ما اتجه نحو تطبيق النظام البرلماني ومنها ما طبق النظام الرئاسي ومنها ما طبق نظام الجمعية الوطنية، ومنها أخيراً ما جمع بعض خصائص الأساليب الثلاثة في نظام واحد.[53]

   تتيح الديموقراطية، كنظام سياسي، قدراً أكبر من المشاركة السياسية من جانب المواطنين عن طريق ممارستهم لعدد من الحقوق السياسية والمدنية مثل حق التصويت والترشيح للمجالس النيابية، وحرية التعبير والمساواة أمام القانون، أي أن هناك قواعد عامة موضوعية لا تقيم أي مركز متميز لأية فئة أو جماعة على أساس انتمائها العرقي أو الديني أو القبلي.

   يُعد غياب الديموقراطية العائق الأكثر أهمية أمام ممارسة الحقوق والحريات. فالديموقراطية هي المناخ الطبيعي الذي يوفر للمواطنين حقوقهم وحرياتهم. وهي، كما سبقت الإشارة، ليست مجرد شكل للنظام السياسي، وإنما هي جوهر للعملية السياسية الاجتماعية التي تحقق المشاركة والعدالة الاجتماعية. وتفترض الديموقراطية احترام حقوق الإنسان وفي مقدمتها المشاركة السياسية. وتستلزم ممارسة ذلك الحق التمتع بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية أولاً كالكفاية وعدالة التوزيع وإشباع الحاجات الأساسية Basic Needs  . ولا ينفصل إشباع تلك الحاجات الأساسية أو يقل أهمية من منظور الاستقرار الداخلي والأمن القومي عن التنمية الاقتصادية وتحقيق الطموحات القومية والحضارية والدفاع عن الحدود ضد الأخطار الخارجية.

   وبعبارة أخرى، فإن جوهر الديموقراطية هو المشاركة والمساواة. فإذا كانت المشاركة ذات دلالات سياسية، فالمساواة تشير للعوامل الاقتصادية الاجتماعية بما يؤكد أهمية الجوانب الاقتصادية الاجتماعية للمشاركة السياسية. وترتكز الديموقراطية على نظام موضوعي في توزيع الثروة والسلطة في المجتمع، على أساس العدل الاجتماعي وعن طريق المشاركة السياسية، وترتبط تلك المشاركة مع الأنساق المجتمعية الأخرى: اقتصادية، اجتماعية، ثقافية في علاقة اعتماد متبادل. كما تشكل تلك الأنساق- في مجموعها وتفاعلاتها- البيئة الاجتماعية أو الداخلية للاستقرار الداخلي.

ثانياً: الأشكال الدستورية والتنظيمية المرتبطة بالديمقراطية:

   مصطلح الديموقراطية مشتق من الكلمتين الإغريقيتين: الشعب والحكم كما سبق توضيحه, وهنا يثار التساؤل عن كيفية قيام الشعب بالحكم، وهناك نماذج عديدة شهدها التاريخ، من أهمها:[54]

1- الديموقراطية المباشرة:

   تعتبر الديموقراطية المباشرة Direct Democracy أول أنواع الديموقراطية التي تعرف عليها الإنسان في حياته السياسية، وهي تشير إلى نظام ما لاتخاذ القرارات في الشئون العامة يشارك فيه جميع المواطنين بصورة مباشرة.[55]ومن هنا فإن الديموقراطية المباشرة تصبح من حيث المبدأ تعبيراً عن سيادة الشعب. وتتمثل شروط قيام تلك الديموقراطية في صغر عدد المواطنين، والتوزيع المتساوي للملكية والثروات، وتجانس المجتمع ثقافياً، وعدم السماح للقائمين على تطبيق القانون بمباشرة وظائف خاصة أخرى مستقلة عن الإرادة الشعبية صانعة القانون في المقام الأول، وتتمثل الظروف المواتية لهذا النوع من الديموقراطية في وجود مجتمع زراعي صغير العدد وغالبية من الفلاحين.

   وتدل الخبرة التاريخية على بعض النماذج المحدودة لهذا النوع من الديموقراطية (بعض أجزاء اليونان القديمة “دولة المدينة”، وبعض المقاطعات في سويسرا).[56]وقد ضمت دولة المدينة تنظيمات سياسية هي المؤتمر العام ومجلس الخمسمائة والمحاكم. وعلى الرغم من أن المؤتمر العام يتكون من جميع المواطنين الذكور الذين بلغوا سن العشرين في أثينا وهو يعتبر تطبيقاً للديموقراطية المباشرة، إلا أنه يمكن القول إن ما طبق من ديموقراطية في أثينا لم يكن تطبيقاً صحيحاً للديموقراطية المباشرة، وذلك لسبب مهم وهو تقسيم مجتمع المدينة إلى طبقات ثلاث متميزة، وهي:[57]

أ- طبقة المواطنين، والذين لا يعملون شيئاً سوى المحاكم واعتلاء أعلى المراكز في دولة المدينة.

  • طبقة الأجانب، وهم لا يملكون صفة الاستقرار وبالتالي ليس لهم حقوق سياسية ويطبق عليهم قانون خاص بهم.
  • طبقة العبيد، وهي تلك الطبقة التي لم تنل من الحقوق شيئاً بل عليها كل الواجبات.

   ويشير تاريخ الديموقراطية المباشرة إلى عدم قدرة النظم التي اتبعت هذا النوع على الصمود في ظروف أزمات الحروب أو التهديد بها، كما أنه من المحتمل أن يزول بفقدان المجتمع لخاصيته الزراعية لصالح التجارة، وظهور عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية بين المواطنين.

2- الديموقراطية النيابية:

   أصبحت الديموقراطية في معناها الحديث ومع تعقد الحياة الاجتماعية وزيادة عدد السكان تقوم على مبدأ التمثيل النيابي بدلاً من مبدأ المشاركة المباشرة المعروف في النمط الأثيني. فالديموقراطية في معناها الحديث تفترض تفويض ممارسة السلطة وفي هذه الحالة تظهر آليات معينة لسد الفجوة التي قد تظهر بين المعنى الأثيني القديم للديموقراطية ومعناها الحديث. وتتمثل تلك الآليات في عمليات الانتخاب.[58]

   يعني ما سبق أن هذا النوع من الحكومات الديموقراطية يستند على أساس قيام الشعب بانتخاب نواب يمارسون السلطة باسمه ونيابة عنه، وذلك لفترة زمنية معينة يحددها الدستور. ويتطلب إقامة هذا النموذج من الحكومات الديموقراطية إضافة إلى ذلك، وبوجه خاص توافر مجموعة من المبادئ المهمة التي تتضمن ما يلي:[59]

أ- وجود برلمان منتخب:

    يقوم الشعب بانتخاب أعضاء البرلمان، الذي قد يتكون من مجلس واحد أو مجلسين.

ب- اختصاصات محددة للبرلمان:

   يكون للبرلمان اختصاصات أو وظائف أساسية محددة، كالاختصاصات التشريعية، والتي تتمثل في قيامه بسن القوانين، واختصاصات مالية كالموافقة على الميزانية، فضلاً عن اختصاصاته السياسية المتعلقة بمراقبة السلطة التنفيذية.

ج- تمثيل الأمة ككل:

   يصبح عضو البرلمان، بمجرد انتخابه، ممثلاً لمصالح الأمة بأسرها، فلا يقتصر تمثيله واهتمامه على مصالح ناخبيه أو دائرته فقط، بل يصبح متمثلاً في خدمة الصالح العام ككل، حتى لو تعارض ذلك مع المصالح الضيقة لدائرته أو ناخبيه.

د- استقلالية البرلمان:

   بمعنى أن يصبح البرلمان، وبمجرد انتخابه وطوال مدته النيابية صاحب السلطة القانونية ولا يجوز للشعب التدخل في أعماله.

   ويرى البعض أن البرلمان أو الحكم النيابي لا يعبر عن الأغلبية بل هو يمثل الأقلية. وغالباً ما تكون الأقلية ذات نفوذ اقتصادي أو اجتماعي. وكثيراً ما يحدث أن يوافق البرلمان على قانون مهم بأغلبية نسبية لا تتجاوز نسبة ما تمثله من الناخبين عن عشر عدد السكان.[60]

   وقد اعتبر جان جاك روسو أن الأسلوب النيابي يتنافى مع الحرية، فالسيادة لا يمكن تمثيلها لأنها لا تنتقل، فهي تكمن في الإرادة العامة والإرادة لا يمكن تمثيلها. ونواب الشعب ليسوا ولا يمكن أن يكونوا ممثلين له، فهم ليسوا إلا مجرد مندوبين عنه، ولا يمكن أن يبتوا في أي شئ، وكل قانون لم يوافق عليه الشعب بنفسه باطل ولا يمكن أن يكون قانوناً أبداً.[61]وفي الإطار ذاته يرى البعض أن فكرة الوكالة التمثيلية بالإضافة إلى فكرة الفصل بين السلطات اللتين تشكلان معاً الجوهر التقليدي للديموقراطية الغربية واللتين هدفتا إلى حل التناقض بين السلطة والحرية لم يوجدا ذلك الحل، وذلك لأن شكل الحكومة النيابي لم يذب الحواجز بين الحاكمين والمحكومين.

   كما أن الفصل بين السلطات لم يتحقق في الواقع على الإطلاق. ويخلص أنصار ذلك الرأي إلى أنه نظراً لتلك التجاوزات في الديموقراطية النيابية، فيمكن القول إن تلك الصورة من صور الديموقراطية قد لا تعبر عن الديموقراطية في صورتها المثلى وهي سلطة الشعب التي يمارسها دون نيابة. فقد تكون هذه الصورة نتيجة طرق غير سليمة يمارسها من في الحكم لتثبيت مركزه في الحكم.[62]

3- الديموقراطية شبه المباشرة:

   تمثل الديموقراطية شبه المباشرة بوجه عام نموذجاً يتوسط بين الديموقراطية والديموقراطية النيابية، حيث ينتخب الشعب برلماناً ينوب عنه، كما يستند كذلك إلى الإيمان بحق الشعب في التدخل بشكل مباشر في الشئون العامة، والتشريع في ظل توافر شروط معينة. وبالتالي فإن هذه الديموقراطية ليست مباشرة لأن المواطن لا يُعتبر ممارساً للسياسة بصفة دائمة، كما أنها ليست ديموقراطية نيابية لأنه في تلك الممارسة لا ينوب شخص عن شخص وإنما يتطلب إسباغ تلك الصفة على هذا النوع من الديموقراطية حق اشتراك جميع المواطنين في تلك العملية السياسية. وتتحقق الديموقراطية شبه المباشرة بطريقتين:[63]

أ- طريقة الاقتراح الشعبي:  وهي تجعل للشعب حق اقتراح القوانين، فيلزم المجلس التشريعي بإصدارها.

ب- طريقة الاستفتاء الشعبي: وهو يُلزم الحكومة بطرح مشروعات القوانين على الشعب لإبداء الرأي فيها.

   يتضح مما سبق أن الشعب أو الهيئة الناخبة تتمتع في ظل هذا النظام بممارسة بعض الحقوق التي لا تتوافر في ظل الديموقراطية النيابية. وتتحدد تلك الحقوق من خلال حق الشعب في مراقبة البرلمان أو المجلس النيابي، والاعتراض على القوانين التي يقرها البرلمان، واقتراح القوانين التي يرغب فيها، وتمتد سلطة الشعب لتشمل حق إقالة النواب قبل انتهاء مدة إنابتهم، ويكون من حق الشعب أيضاً الاقتراع على حل البرلمان كله قبل انتهاء مدته المقررة.

ثالثاً: الأشكال المؤسسية للحكومات الديموقراطية: 

   يُقصد بها التمييز بين الأنواع المختلفة للحكومات طبقاً لطبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وما يترتب على ذلك من آثار تنعكس بدورها على تكوين كل من تلك المؤسسات ووظائفها. وطبقاً لذلك يمكن التمييز بين أكثر الحكومات شهرة وذيوعاً على النحو التالي:

  • الحكومة البرلمانية:

   تتميز النظم البرلمانية بوجود علاقة وثيقة بين المؤسسات التنفيذية والتشريعية في الحكومة. وفي هذه النظم تتنافس الأحزاب السياسية من خلال برامجها الحزبية المعلنة للحصول على أعلى الأصوات للوصول إلى مقاعد البرلمان، ومن خلال انتخابات عامة ومفتوحة أمام المواطنين. ولا تتم عملية المنافسة الانتخابية أو التصويت بهدف الاختيار المباشر لشخص بعينه كرئيس للسلطة التنفيذية، حيث يتم تكليف الحزب الفائز في الانتخابات بتشكيل الحكومة، ومن هنا يصبح رئيسه رئيساً للسلطة التنفيذية، وعليه أن يقوم باختيار وزرائه ومساعديه.[64]ومن بين النظم السياسية المعاصرة يُعد النظام البريطاني النموذج التقليدي للنظام البرلماني.

   وبوجه عام، فإن وجود حكومة برلمانية لا يعد في حد ذاته مؤشراً على ديموقراطية أو حتى سلطوية دولة معينة. وبصورة عامة، فإن من أهم خصائص الحكومات البرلمانية ما يلي:[65]

أ- التقارب الكبير بين أفراد السلطة التنفيذية وسياساتها ومن توزيع الرأي العام والمصالح التي تمثلها السلطة التشريعية. ومن ثم فإن استمرارية الحكومة في السلطة تعد رهناً بحصول سياساتها وبرامجها على تأييد الأغلبية البرلمانية، الأمر الذي قد يؤدي أحياناً إلى عدم الاستقرار السياسي نتيجة لكثرة أو لتقارب الفترات الزمنية بين التغييرات الوزارية. وهنا يجب أن يُنظر إلى ذلك على أنه نتيجة طبيعية لطريقة عمل الحكومة أو النظام البرلماني، كما أن الاستقرار الذي قد يبدو للبعض كميزة يتمتع بها النظام البرلماني قد لا يكون سوى مؤشر على الركود والكساد السياسي.

ب- في حالة الأزمات السياسية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، فإن من حق الأولى أيضاًَ أن تقوم بحل الثانية والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة.

ج- تتيح العلاقة الوثيقة بين السلطة التنفيذية والبرلمان وبين أعضاء الحزب الحاكم ككل فرصة أكبر لفتح المجال أمام تطوير قدرات الحكومة، وتعظيم فرص تغلبها على المشكلات والأزمات السياسية التي تواجهها. ويكمن أحد الأسباب الرئيسية لهذه الخاصية في كون رئيس الوزراء، وهو رئيس السلطة التنفيذية، هو في نفس الوقت زعيم حزب الأغلبية في البرلمان، الأمر الذي يكسب حكومته ووزارته خبرة أكثر في السياسات الحزبية والمناقشات البرلمانية ويتيح له فرصة أكبر في التنسيق مع ممثليه بصدد المشروعات والبرامج التي يتم تقديمها للبرلمان.

د- الطبيعة المنفتحة نسبياً للصراع السياسي في النظم البرلمانية، حيث يتمتع رئيس الوزراء أو وزراؤه بفرصة الدفاع عن مصالح حزبية بصورة مباشرة خلال المناقشات البرلمانية المباشرة وضد معارضيهم أو منافسيهم من الأحزاب الأخرى.

2- النظم الرئاسية:

   يتميز النظام الرئاسي بالفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتعد الولايات المتحدة الأمريكية من الأمثلة المتميزة لهذا النظام. وبالإضافة إلى ما يتميز به هذا النظام من وجود قنوات رسمية للاتصال ما بين السلطة التنفيذية وبين السلطة التشريعية، فإن هذا النظام يتميز بوجود مجموعة قنوات غير رسمية للاتصال بين الفرعين التنفيذي والتشريعي، ومن أهمها الاجتماعات الخاصة بين الرئيس وقادة الهيئة التشريعية، بالإضافة إلى إطار من الولاء الشخصي بين المشرعين والإدارة.[66]

   وتبرز أهمية هذه القنوات غير الرسمية بصفة خاصة عندما يسيطر حزب المعارضة على الهيئة التشريعية، بينما تقتصر سيطرة حزب الرئيس على السلطة التنفيذية. وفي مثل هذه الظروف، فإن هذه القنوات غير الرسمية توفر إطاراً هاماً يساعد في صنع السياسة العامة من خلال عمليات التوفيق والمساومة السياسية. وبوجه عام، فإن من أهم خصائص وسمات النظام الرئاسي ما يلي:

أ- يتم انتخاب الرئيس – رئيس السلطة التنفيذية – بواسطة الشعب وليس من خلال الهيئة التشريعية كما هو الحال بالنسبة للنظم البرلمانية.

ب- يقوم الرئيس باختيار مساعديه ومعاونيه (الوزراء)، ومحاسبتهم وعزلهم، ويكونون مسئولين أمامه مباشرة. وعادة ما يتم اختيارهم بعد موافقة روتينية من السلطة التشريعية.

ج- تتمتع هذه النظم بوجود مبدأ الرقابة والتوازن بين السلطات، خاصة السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. ويكون للرئيس طبقاً لهذا المبدأ الحق في الاعتراض وعدم الموافقة أو رفض التعيينات التي يقدمها الرئيس وكذلك بعض مشروعات القوانين التي يتقدم بها.

د- لا تستطيع السلطة التشريعية عزل الرئيس أو الحكومة إلا في الظروف الاستثنائية وفي ظل ظروف غير عادية مثل اتهام الرئيس واتخاذ إجراءات عزله تمهيداً لمحاكمته Impeachment  (كما في حالة الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون 1974، والتي استقال فيها حتى لا يتخذ ضده الإجراء السابق). وفي هذه العملية فإن من غير المحتمل أن يتم التغيير في إطار من الولاء الحزبي أو الخلاف المؤسسي حول السياسة العامة.

هـ- لا يجوز للوزراء أن يكونوا أعضاء في البرلمان، ولا أن يحضروا جلساتهم بصفتهم هذه.

و- على ذلك، فإن الرئيس في كل الأحوال يكون مطمئناً عادة لاستمراره في منصبه، على الأقل حتى موعد الانتخابات التالية، مما يتيح قدراً هاماً من الاستقرار السياسي من ناحية، كما أنه يقدم أيضاً أحد المؤشرات المهمة على ديموقراطية النظم الرئاسية، حيث تتحول السيطرة الحزبية على مكتب الرئاسة. وتظل هناك ملاحظة أساسية يثيرها البعض بصدد الارتباط بين النظام الرئاسي وبين وجود انقسام حزبي ومؤسسات سياسية ضعيفة أو كليهما معا.[67]

   وبالطبع فإن الولايات المتحدة تستثنى من هذه الملاحظة. كما أن الارتباط يثار أيضاً بصدد الدول حديثة الاستقلال ذات الاقتصاديات المختلفة، والتي تحتاج إلى تركيز للسلطة يسمح لها بالقيام بمهام ومتطلبات عمليات تحديث الأبنية الاقتصادية والاجتماعية الأمر الذي اتجهت معه معظم هذه الدول التي تنظمها حكوماتها في إطار النظام الرئاسي.

   وعلى أية حال، فإن التجربة الأمريكية مع النظام الرئاسي، كما سيجري دراستها تفصيلاً، والتطور الكبير الذي حدث في وظيفة ودور الرئاسة ومؤسساتها وتحولها إلى دور المبادرة بدلاً من الاكتفاء بالتنسيق بين الفروع الثلاثة للحكومة (تشريعية، تنفيذية، قضائية)، كل هذا يقدم مؤشرات واضحة الدلالة فيما يثار بشأن التفكك والانقسام الحزبي وضعف المؤسسات السياسية. وبوجه عام فإنه لا يمكن إنكار تأثير وأهمية شكل الحكومة على المجريات السياسية العامة وعلى صنع السياسات العامة، ومن يحكم ومن لا يحكم، وما يتم أو لا يتم تنفيذه، وعلى أنماط التفاعل السياسي وإدراك الاحتياجات والفرص المتاحة والقدرة على المساومة والمفاوضة ..الخ. ومن هنا يصبح من المهم أيضاً تناول الخصائص الهيكلية للدولة وتأثيرها على شكل حكوماتها بين الحكومات الموحدة أو الفيدرالية.

3- حكومة الجمعية:

   جوهر هذا النظام هو إدماج السلطتين التشريعية والتنفيذية مع التسليم للأولى بالغلبة والهيمنة على الثانية، فالحكومة تمارسها هيئة منتخبة عن الشعب تُعرف بالجمعية النيابية لا يقف دورها عند مجرد اقتراح القوانين وإمرارها، وإنما تباشر كذلك تنفيذ هذه القوانين، غير أن التطبيق العملي يفيد قيام الجمعية بتكوين لجنة صغيرة تتولى التنفيذ وتكون مسئولة أمامها. وللجمعية حق عزل هذه اللجنة وإلغاء أو تعديل ما يصدر عنها من قرارات.

   من تطبيقات هذا النظام فرنسا فيما بين عامي 1792، 1795، وعقب ثورة 1848 وعقب الحرب السبعينية في 1871، إذ كانت هنالك جمعية وطنية تجمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية مع إسناد مهمة تنفيذ السياسات إلى مجموعة من اللجان. وطبقت تركيا هذا النظام عام 1924، وأخذت به استونيا في الفترة 1920-1933. كما يأخذ به النظام السويسري، حيث يتولى البرلمان الاتحادي السلطة العليا في الدولة، مع إسناد السلطة التنفيذية إلى مجلس الاتحاد المكون من سبعة أعضاء ينتخبهم البرلمان لمدة أربع سنوات.

   ويأخذ البعض على نظام حكومة الجمعية احتمال استبداد المجلس المنتخب على نحو يهدد الديموقراطية ذاتها، لذا يُقال إن هذا النظام قد يسمح للديموقراطية بأن تتحقق شكلاً لا موضوعاً.[68]

4- الديموقراطية التوافقية Consociational Democracy

   يأخذ بهذا النظام الديموقراطي عدد من النظم التعددية الصغيرة في أوروبا مثل هولندا والنمسا وبلجيكا. كما أن هناك دولاً أخرى مشابهة خارج أوروبا تأخذ به مثل لبنان.[69]

   يقوم الجوهر المميز لهذا النظام على إدراك وجود ميول صراعية متأصلة في البنية التعددية الاجتماعية، أي تواجد طوائف أو جماعات دينية ولغوية وعرقية تقابلها ميول تعاونية أو تصالحية على مستوى زعماء هذه الجماعات. وتكمن أهمية هذا الاتجاه التصالحي النخبوي في كونه يعمل على “كبح جماح العنف على صعيد الجماهير وبالتالي تحقيق الاستقرار السياسي”.[70]

  وتنهض الديموقراطية التوافقية على الأسس الأربعة التالية:[71]

  • الائتلاف الكبير:

يضم الائتلاف الكبير ممثلين لمختلف المجموعات التي يتكون منها المجتمع. وبشكل يضمن أن تكون السياسة مقيدة لكل الأطراف، وبما يقلل إلى حد كبير من فرصة قيام أحد الأطراف بخداع بقية الأطراف الأخرى، وبما يشكل حافزاً مهماً لها لكي تعمل معاً في إطار من الاعتدال والتوفيق.

   وقد يتخذ هذا الائتلاف إطاراً مؤسسياً في شكل مجلس تنفيذي على نحو “المجلس الفيدرالي” القائم في سويسرا، والمكون من سبعة أعضاء يمثلون الأحزاب السياسية واللغات والمناطق المختلفة. كما يتخذ الائتلاف شكل لجان أو مجالس دائمة أو مؤقتة على نحو ما تقدمه الخبرة الهولندية، والتي لا تأخذ بالتالي شكلاً تنفيذياً مؤسسياً مماثلاً للنمط السويسري.

  • الفيتو المتبادل:

هو حق مقرر لسائر المجموعات في الائتلاف الكبير، ومن ثم فهو يُعد بمثابة الضمانة الأساسية لحماية مصالح الأقلية، كما يشكل مصدراً للشعور بالأمن باعتباره سلاحاً متاحاً أمام كل من المجموعات أعضاء الائتلاف. وبالتالي فإن تكرار استخدامه من قبل إحدى المجموعات يُعد بدوره أمراً مستبعداً نظراً لوجود الفرصة أمام باقي المجموعات لاستخدامه ضدها، مما سيترتب عليه إلحاق الضرر بمصلحة تلك الجماعة.

ج- التناسب: Proportionality

   يُقصد به توزيع المناصب السياسية والإدارية والموارد المالية على كل المجموعات حسب أوزانها العددية، ومن ثم فإنه، وفي حالة تشكيل صنع القرار على أساس مبدأ التناسب، تبرز مشكلة ضمان تحقق التأثير النسبي إذا كان القرار يحتمل القبول أو الرفض- غياب الإجماع في هذه الحالة- وعلى نحو ما تذكر موسوعة العلوم السياسية، ويؤدي ذلك بالضرورة إلى وجود رابحين وخاسرين. وهنا تبرز البدائل ممثلة في التنازلات المتبادلة من جانب، وفي معالجة عدة موضوعات معاً فيما يُعرف باتباع أسلوب الحزمة، وتفويض قادة الائتلاف في القرارات المصيرية.

د- الاستقلال الطائفي: Segmental Autonomy

   يشير الاستقلال الطائفي إلى تولي كل طائفة سلطتها النهائية على شئونها الخاصة، وخارج إطار الموضوعات والمسائل ذات الاهتمام المشترك.

   يتضح مما سبق أن استقرار وفعالية النظام يظل رهناً بتوافر عدة خصائص محددة لابد وأن تتوافر في القادة وأن تميز ممارساتهم السياسية. وتتضمن تلك المتطلبات: الوعي بمخاطر التعددية الاجتماعية وإدراك سلبياتها على التماسك والاستقرار السياسي، والالتزام التام والدائم بالحفاظ على الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي باعتبارهما المصدر الجوهري لبقاء الاتحاد وفعاليته، وكذلك التمسك بروح الاعتدال والتسامح والقدرة على التوفيق وصياغة الترتيبات المؤسسية وإجراءات التوفيق بين مصالح مختلف الجماعات. وفي المقابل، فإن من أبرز المخاطر التي تواجه هذا النوع من الديموقراطيات انتشار روح واتجاهات العزلة الطائفية، اختلال التوازن الداخلي، التدخلات والتهديدات الخارجية.

رابعاً: المداخل الرئيسية لتحليل العملية الديموقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية:

   سعى الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية إلى تأسيس حكومة شعبية تكون مستقرة وعادلة وحرة، في الوقت الذي تضمن فيه الأمن للمواطنين والممتلكات. ومن هنا فإن ادعاء القادة الشرعية لا يرجع فقط إلى أنهم انتخبوا كمسئولين، وإنما إلى أن سلوكهم وصفاتهم كانت ممتازة. وقد استخدموا مصطلح “حكومة شعبية”، وليس “ديموقراطية”، حيث كانوا مدركين للمشاكل التي واجهت النظم الديموقراطية القديمة التي كانت أقل استقراراً، ولم يكن النظام الديموقراطي هو النظام الذي يحظى بأكبر قدر من الاهتمام آنذاك.[72]

   ويمكن القول إن هناك أربعة مفاتيح رئيسية لتحليل آليات عمل النظام الأمريكي، وهي:

1- الولايات المتحدة دولة فيدرالية:

   تعتبر الفيدرالية من أهم المفاتيح التي يمكن من خلالها الاقتراب من التفاعلات السياسية. فمنذ كتابة الدستور الأمريكي وحتى هذه اللحظة، لم يتوقف الجدل حول حدود الدور المنوط بالحكومة الفيدرالية مقابل ما ينبغي أن يظل من اختصاص حكومات الولايات، وهو الجدل الذي يتخلل الخطاب العام بشأن كل القضايا تقريباً ويلعب دوراً محورياً في صناعة القرار بشأن كل منها.

   ومن ثم أنشأ الدستور الأمريكي نظاماً فيدرالياً يقوم في جوهره على مبدأ الرقابة والتوازن Checks & Balances كان هدفه الرئيسي هو تقييد كل المؤسسات السياسية عبر إعطاء غيرها صلاحيات واسعة للرقابة عليها وقمعها إذا ما تمادت في استخدام تلك الصلاحيات أو سعت لابتلاع صلاحيات غيرها. فتم إنشاء حكومة فيدرالية مكونة من مؤسسات ثلاث “تشريعية وتنفيذية وقضائية” توزعت صلاحيات كل منها على نحو لا يسمح لها بالانفراد بصنع القرار، هذا فضلاً عن تنظيم العلاقة بين تلك الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات على نحو يجعل كلاً منها رقيبة على الأخرى، ومشاركة لها في صنع القرار في نفس الوقت. فقد ذكر الدستور صلاحيات بعينها للحكومة الفيدرالية وأخرى لحكومات الولايات، وصلاحيات ثالثة يتقاسمها الطرفان، ثم نص على أن كل ما لم يرد ذكره من صلاحيات يظل من اختصاص الولايات. وعلى ذلك، فقد أرسى الدستور علاقة جعلت كل طرف رقيباً على الآخر قادراً على ردعه عند اللزوم، بما لا يمكن أياً منهما من انتهاك الحريات الفردية.[73]

   وعلى الرغم من المد والجزر المستمر في طبيعة التوازن بين الطرفين، تظل العلاقة في جوهرها علاقة شراكة، فالحكومة الفيدرالية لا يمكنها في الواقع تنفيذ القوانين التي تصدرها دون تعاون حكومات الولايات، وحكومات الولايات لا يمكنها تنفيذ سياستها دون الأموال الفيدرالية التي تأتي إليها في شكل “منح” بعضها مشروط بانصياع الولايات لقواعد بعينها تفرضها الحكومة الفيدرالية. وربما تكون طبيعة العملية الانتخابية هي أحد أهم تجليات الطابع الفيدرالي للدولة، فهي عملية بالغة التعقيد والتشابك، لأن القواعد والقوانين الحاكمة لها تختلف اختلافات كبيرة من ولاية لأخرى.

   نص الدستور الأمريكي على انتخاب الرئيس انتخاباً غير مباشر عبر ما يُسمى المجمع الانتخابي، والمجمع الانتخابي عبارة عن مجموعة من المنتخِبين Electors يتم وفق شروط يحددها المجلس التشريعي في كل ولاية، ويساوي عددهم عدد أعضاء هذه الولاية في مجلسي النواب والشيوخ معاً. ومن ثم فإن مجموع عدد أعضاء المجمع الانتخابي 538 منتخِباً، وهو عدد ثابت، لأنه مساو لعدد أعضاء مجلس الشيوخ “100 عضواً” ومجلس النواب “435 عضواً”، فضلاً على ثلاثة أصوات لواشنطن العاصمة.

   ويقوم انتخاب الرئيس عبر قاعدة الفائز يحصل على كل شئ Winner Takes All بمعنى أن المرشح الذي يحصل على أعلى نسبة من الأصوات الشعبية في الولاية “أي أصوات الناخبين” يفوز بكل أصوات تلك الولاية في المجمع الانتخابي، بينما لا يحصل منافسه على شئ على الإطلاق، ولا يُشترط أن تكون النسبة الأعلى هذه أغلبية بالضرورة. ومن هنا يأتي التباين الكبير بين الأصوات “الشعبية” التي يحصل عليها المرشح والأصوات “الانتخابية”.

   أما الكونجرس فيتكون في إطار الصيغة الفيدرالية من أعضاء يمثلون ناخبيهم بالدرجة الأولى، سواء كان ذلك التمثيل للولاية بأكملها “في مجلس الشيوخ” أم أحد دوائرها “في مجلس النواب”. وتؤثر الفيدرالية أيضاً على طبيعة المؤسسات السياسية نفسها، فالصيغة الفيدرالية وحدها هي التي تشرح طبيعة الاختلاف بين مجلس النواب ومجلس الشيوخ. فقد نشأ مجلس الشيوخ لحماية الولايات الأصغر التي قد تجد نفسها في موقع الأقلية في مجلس النواب الذي يقوم التمثيل فيه على أساس عدد السكان. ومن ثم عكست كل القواعد الحاكمة لعمل مجلس الشيوخ ذلك الطابع، فصار المجلس يعطي حقوقاً هائلة للأقلية – أية أقلية – خصوصاً من الناحية العددية. فعلى سبيل المثال، فإن الكثير من عمل مجلس الشيوخ يتم عن طريق أغلبية الثلثين، لا الأغلبية البسيطة، كما هو الحال في مجلس النواب، الأمر الذي يعطي ثقلاً كبيراً للأقلية، حيث يصبح بإمكانها إبطال ما تريده الأغلبية، إذا لم تكن هذه الأغلبية قوية متماسكة.

2- طبيعة التوازن بين المؤسسات السياسية الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية:

   لم ينشئ الدستور الأمريكي فصلاً بين السلطات، وإنما أنشأ مؤسسات منفصلة تتقاسم السلطات، فالعلاقة بين المؤسسات الفيدرالية الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، تقوم على التوازن والرقابة المتبادلة، أي تمكين كل من هذه المؤسسات من صلاحيات بعينها في مجالها، ثم إعطاء المؤسستين الأخريين ما يجعل كلاً منهما قادرة على ردع الأولى، إذا ما توسعت في تلك الصلاحيات أو سعت للانفراد بصنع القرار.[74]

   فعلى سبيل المثال، فإن سلطة التشريع من اختصاص الكونجرس، ولكن الدستور أعطى الرئيس الحق في أن يقترح على الكونجرس مشروع قانون إذا ما وجد في ذلك ضرورة وأولوية. وللرئيس أيضاً أن يستخدم حق الفيتو ضد مشروعات القوانين التي تصدرها المؤسسة التشريعية، والتي تحتاج إلى توقيع الرئيس. ولكن يجوز للكونجرس أن يلغي فيتو الرئيس إذا ما صوت ثلثا أعضاء كل من المجلسين على ذلك، وعندئذ يصبح القانون سارياً دون توقيع الرئيس. أما إذا امتنع الرئيس عن التوقيع في غضون عشرة أيام من وصول المشروع له رسمياً، يصبح القانون نافذاً دون توقيعه، كما هو الحال في مشروع قانون القدس، باستثناء واحد هو حالة فض الدورة. ففي هذه الحالة، إذا لم يوقع الرئيس يصبح القانون لاغياً، وهو ما يُعرف بفيتو الجيب Pocket Veto وللرئيس أيضاً أن يصدر قرارات تنفيذية لها قوة القانون، وهي التي جرت العادة أن تكون ذات طابع إجرائي لتنظيم العمل في إحدى هيئات الجهاز التنفيذي، إلا أن بعض الرؤساء قد توسعوا في استخدامها لتشمل قضايا تقع في اختصاص الكونجرس، مما جعل هذه القرارات موضع صراع دائم بين المؤسستين وصل في بعض الأحيان للمحاكم للبت في الأمر.

   وبينما وضع الدستور السلطة التنفيذية في يد الرئيس، إلا أنه أعطى لكل من المؤسستين التشريعية والقضائية من الصلاحيات ما يمكنها من ردع الرئاسة عند اللزوم. ولعل أهم ما يمتلكه الكونجرس على الإطلاق هو ما يُسمى بنفوذ المحفظة The Power of the Purse ، إذ لا يمكن للرئيس إنفاق دولار واحد دون موافقة الكونجرس، ومن ثم للرئيس أن يُعد السياسة العامة للدولة ولكنه لا يملك تنفيذها دون موافقة الكونجرس الذي يوفر التمويل اللازم لها. وللرئيس أن يعين رموز إدارته وقضاة المحكمة العليا والمحكمة الفيدرالية في المستويات الأدنى، إلا أن أياً من هؤلاء لا يتسلم مهام منصبه إلا بعد تصديق مجلس الشيوخ. وللرئيس أن يعقد المعاهدات ولكن على مجلس الشيوخ أيضاً التصديق عليها. ويمكن للكونجرس من خلال هذه الصلاحيات أن يتسبب في شل الجهاز التنفيذي وتعويق قدرة الرئيس على أداء مهامه.[75]

   أما المؤسسة القضائية، فصحيح أن الرئيس هو الذي يعين قضاة المحكمة العليا، إلا أن القاضي بمجرد تعيينه يتولى منصبه مدى الحياة ولا يمكن للرئيس عزله. وصحيح أن مجلس الشيوخ وحده هو الذي يصدق على تعيين القضاة وهو الذي يعزلهم ،إلا أن القضاة يمكنهم الحكم بعدم دستورية القوانين التي يصدرها الكونجرس. وفي هذه الحالة يمكن للكونجرس، إذا أراد، أن يعدل الدستور وهي عملية بالغة الصعوبة، حيث تتطلب موافقة ثلثي أعضاء كل مجلس، ثم ثلاثة أرباع الولايات الخمسين على التعديل.

3- طبيعة النظام الحزبي في الولايات المتحدة الأمريكية:

   لا يوجد في الدستور الأمريكي كلمة واحدة بخصوص الأحزاب السياسية، فهو لم ينص على وجودها ولم ينظم عملها، ومع ذلك نشأت الأحزاب الأمريكية منذ فترة مبكرة من عمر الدولة الأمريكية. فالحزب في الولايات المتحدة هو بالأساس عبارة عن كيان مصمم خصيصاً بغرض الفوز في الانتخابات، دون أن يعني ذلك أن لهذا الحزب أجندة سياسية ثابتة وواضحة المعالم تعبر بالضرورة عن كل من ينتمون إليه ويفوز بموجبها الحزب بأصوات الناخبين، وهو في ذلك يختلف عن الأحزاب الأوروبية التي تقدم إيديولوجية واضحة أو توجهات متماسكة، ثم تفوز على أساسها في الانتخابات. لذلك فإن البرنامج العام للحزب الأمريكي والذي يصدره الحزب كل أربعة أعوام لا يتحول بالضرورة إلى برنامج عمل سياسي عند فوز رموز الحزب سواء بالرئاسة أم بالكونجرس أم حتى بالاثنين معاً.[76]

   ولا يقوم الانتماء الحزبي لدى المواطنين في الولايات المتحدة على عضوية مسجلة أو دفع رسوم سنوية أو حضور اجتماعات دورية. والحزب السياسي في الولايات المتحدة لا يقوم على تسلسل واضح يخضع لقيادة مركزية مثلاً يتم من خلالها تصعيد الكوادر المختلفة عبر أروقة الحزب ومستوياته التنظيمية. ولأي مواطن أن يرشح نفسه رافعاً شعار أحد الحزبين، دون استشارة الحزب بالضرورة، ثم يخوض المعركة الانتخابية بأموال يجمعها بنفسه وبشكل مستقل عن الحزب، ثم يتوقف حصوله على ترشيح الحزب على نسبة أصوات الناخبين التي يحصل عليها في أصوات شعبية، أي دون أن يعني ذلك مساندة تنظيمية من ذلك الحزب.

   بعبارة أخرى، فإن المرشح الذي يخوض المعركة الانتخابية لاحقاً باسم الحزب ضد الحزب المنافس إنما يفوز بالترشيح، دون أن يعني ذلك أي تأييد من ذلك الحزب، وهو التأييد الذي يأتي بعد فوزه بالترشيح لا قبله.

   وحين يفوز هذا المرشح بالمنصب، فإنه لا يوجد ما يلزمه بمواقف حزبه. ومن ثم فإن من الطبيعي تماماً أن نجد عضواً في الكونجرس يصوت بانتظام ضد الأغلبية في حزبه، ومع ذلك يعود لدائرته الانتخابية، ويعيد ترشيح نفسه لفترة تالية باسم نفس الحزب فيفوز مرة أخرى.

   والحزب في الولايات المتحدة هو عبارة عن ائتلاف واسع يتسم بالسيولة، ويضم في داخله قوى وتيارات عدة. هذه القوى والتيارات لا تتفق بالضرورة على مواقف موحدة إزاء كل القضايا العامة، إذ توجد فيما بينها تباينات كثيرة تتسع في بعض الأحيان لتضم طرفي النقيض. بعبارة أخرى، فإن الحزب الأمريكي هو بمثابة مظلة واسعة تضم تحتها تيارات عدة لها مواقف متباينة بل ومتعارضة في بعض الأحيان، فلا توجد للحزب في الولايات المتحدة منظومة واحدة من المصالح القومية التي يدافع عنها ويسعى لتحقيقها، إذ أن فروع الحزب في الولايات المتحدة تحدد أولويات مختلفة على أساس المصالح المحلية وحسابات المكسب والخسارة في الولاية، ومن ثم فإن الخطوط العامة العريضة التي يعبر عنها الحزب تكون بمثابة توليفة من هذه المصالح مجتمعة، لا تنعكس كلها بالضرورة على المستوى الفيدرالي للحزب.

   إن وجود حزبين كبيرين هما الحزب الجمهوري والحزب الديموقراطي لا يعني عدم وجود أحزاب أخرى، ولكن معناه أن هذين الحزبين وحدهما دون غيرهما هما اللذان يمتلكان فرصة موضوعية للفوز بالمناصب العامة.

4- جماعات المصالح ودورها في العملية السياسية:

   تتقدم الولايات المتحدة نظم العالم السياسية من حيث الحيوية التي تتمتع بها أنشطة جماعات المصالح وتعدديتها المذهلة، وهي تعددية تتناسب مع التعددية الكبيرة التي يتسم بها المجتمع الأمريكي إثنياً وجغرافياً وثقافياً ودينياً ..الخ، إلا أن الفترة منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين وحتى الآن شهدت تزايداً مطرداً في عدد جماعات المصالح نتج عن مجموعة من العوامل. فقد أدى تشابك القضايا وتعقيدها في مجتمع ما بعد صناعي كالمجتمع الأمريكي إلى بروز مجموعة جديدة من القضايا صار هناك اهتمام بها لدى فئات بعينها من المواطنين. فنشا نوع جديد من جماعات المصالح لم يكن معروفاً من قبل ، وهو ما يُسمى جماعات المواطن Lobby Group ويختلف هذا النوع عن غيره في أنه عبارة عن جماعات لا تسعى في الواقع إلى تمثيل مصلحة فئة بعينها، وإنما تسعى إلى حماية الصالح العام مثل جماعات المستهلكين أو تلك التي تسعى إلى وضع قيود على نفوذ جماعات المصالح التقليدية. ومن ثم فإن هذه التنظيمات تكون صاحبة قضية، لا تقوم العضوية فيها على أساس وظيفي أو فئوي وإنما على أساس الإيمان بتلك القضية. فأهدافها لا تعود بنفع مباشر على أعضائها وحدهم وإنما على المجتمع ككل. وقد وصل عدد هذه الجماعات إلى أكثر من 30 ألف منظمة أدى انتشارها السريع إلى زيادة عدد الفاعلين المهتمين بكل قضية من القضايا العامة، أي إلى فك احتكار جماعات المصالح التقليدية لممارسة النفوذ على صانع القرار.[77]

   وقد أدى كل ذلك إلى حدوث تعددية مذهلة في جماعات المصالح التي تسعى كلها للتأثير على صنع القرار عبر القنوات المختلفة، الأمر الذي يؤدي إلى إغراق صانع القرار بالمعلومات المتضاربة والمتناقضة أحياناً، وهو ما وصفه أحد الباحثين بأنه يؤدي إلى ما يشبه تصلب الشرايين أو ما صار يعرف بانسداد شرايين الديموقراطية لأن كلاً منها تسعى للحفاظ على مكتسباتها بغض النظر عن فاعليتها للمجتمع ككل.

   وتتيح جماعات المصالح في الولايات المتحدة أساليب عدة للتأثير على صنع القرار وهي أساليب تحكمها مجموعة من القوانين  وإن كانت هذه المنظمات قد برعت في استغلال ثغرات تلك القوانين والالتفاف حولها. ومن هذه الأساليب:

أ- تمويل الحملات الانتخابية

   تنفق جماعات المصالح ببذخ على الحملات الانتخابية لكل المناصب الفيدرالية، الأمر الذي يفرز فيما بعد قرارات سياسية تستجيب لمصالح هؤلاء على حساب مصالح الجماهير غير المنظمة والتي لا تملك الأموال للدفاع عن رؤاها ومطالبها، إلا أن كل هذه الأموال وهذا النفوذ الذي تمارسه جماعات المصالح إنما يتم في واقع الأمر في إطار الشرعية، وهو في معظم الأحوال يحدث دون انتهاك للقوانين.

ب- الاتصال المباشر والمستمر

   يعتبر الاتصال المباشر من أهم الأساليب التي تستخدمها جماعات المصالح، وأكثرها شيوعاً، وهو المعروف تقليدياً بالضغط Lobbying وحتى تقوم أية جماعة بهذا الدور، فإن عليها أن تختار ممثلاً لها يتم تسجيله رسمياً لدى مجلسي الكونجرس بهذه الصفة. وفي بعض الأحيان تقوم بعض هذه التنظيمات بفتح مكاتب لها في واشنطن لتقوم بهذه المهمة، بينما تقوم جماعات أخرى بالتعاقد مع محام أو مكتب محاماة للقيام بهذا الدور لصالحها.

ج- العمل على مستوى القاعدة:

   تسعى جماعات المصالح إلى التأثير في الدائرة الانتخابية لعضو الكونجرس، والتي تقوم بالضغط على العضو الذي صار يستجيب لمثل هذه الضغوط أكثر مما يستجيب في حالة اتصال ممثلي جماعات المصالح المباشر به، فالعضو يفضل أن يستمع إلى ناخب واحد في دائرته عن الاستماع لعشرات من ممثلي اللوبي في واشنطن. ولذلك تقوم جماعات المصالح بحملات تعبئة ضخمة داخل الدوائر تشرح فيها مواقفها وتسعى لاستمالة أكبر عدد ممكن من المواطنين، عبر توضيح أهمية هذا الموقف بالنسبة للكونجرس وتأثيره على حياتهم، ثم تطلب من هؤلاء الاتصال بممثل الدائرة في الكونجرس.[78]

المبحث الثالث: تعريف الأزمة وتحديد أهم سماتها

أولاً: مفهوم الأزمة في اللغة والاصطلاح:

1- مفهوم الأزمة في اللغة:  

   كلمة أزمة ليست حديثة العهد، فقد عُرفت الكلمة منذ العهد الإغريقي في القرن الرابع قبل الميلاد، بمعنى نقطة التحول الحرجة في حياة المريض، واستخدمها العرب كذلك بنفس المعنى. وفي القرن السادس عشر شاع استخدام هذا المصطلح في المعاجم الطبية، وتم اقتباسه في القرن السابع عشر للدلالة على ظهور مشكلات اجتماعية خطيرة أو لحظات تحول فاصلة في تطور العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتم استعمال المصطلح بعد ذلك في مختلف فروع العلوم الإنسانية وبات يعني مجموعة الظروف والأحداث المفاجئة التي تنطوي على تهديد واضح للوضع الراهن المستقر في طبيعة الأشياء.[79]

   تفيد كلمة الأزمة في اللغة العربية معنى الضيق والشدة، يقال أزَمَت عليهم السنة أي: اشتد قحطها، وتأزَم أي أصابته الأزمة. وكلمة أزمة باللغة الإنجليزية هي Asthma وتعني نفس المفهوم الطبي. وعلى الرغم من أن أدبيات بحوث السلام استخدمت كلمة Crisis إلا أن المعنى الطبي هو الغالب في التسمية من ناحية المضمون لا من ناحية الاسم.[80]ويعرف معجم ويبستر Webster الأزمة بأنها “نقطة تحول إلى الأفضل أو الأسوأ، وهي لحظة حاسمة، أو وقت عصيب، أي وضع وصل إلى مرحلة حرجة”.

2- مفهوم الأزمة اصطلاحاً:

   توجد تعريفات متعددة للأزمة في الأدبيات العربية، فيذهب أحد تلك التعريفات إلى أن الأزمة هي “خلل يؤثر تأثيراً مادياً على النظام كله، ويهدد الافتراضات الرئيسية التي يقوم عليها النظام”[81]، ويذهب تعريف آخر للأزمة بأنها (حدث مفاجئ “غير متوقع” يؤدي إلى صعوبة التعامل معه، ومن ثم ضرورة البحث عن وسائل وطرق لإدارته بشكل يحد من آثاره السلبية).[82]

ثانياً: تعريف الأزمة السياسية وتحديد أهم سماتها:  

   تعني الأزمة السياسية في أوسع معانيها “موقفاً مفاجئاً يُهدد بتحول جذري في الوضع القائم بسبب المفاجأة وضيق الوقت المتاح لاتخاذ القرار، والتهديد القائم للمصالح الحيوية”. وبهذا المعنى تحدث الأزمة للفرد، كما تحدث للجماعة والدول.[83]

   وتتسم الأزمة بعدة سمات، من بينها:[84]

1- أنها نقطة تحول جوهري في تطور الأحداث الجارية.

2- موقف يتطلب عملاً عاجلاً، يستدعي التدخل الفوري لمنع تدهور الأمور.

3- موقف يهدد أولويات النظام القائم، أو يهدد النظام في وجوده.

4- من المتوقع أن تقود إلى نتائج مهمة ذات آثار محورية على أطرافها.

5- وجود أحداث محورية تفرز مجموعة نتائج جديدة تماماً.

6- تشكل موقفاً عصيباً يتزايد فيه الغموض بشأن طبيعة الموقف المطروح والبدائل المتاحة.

7- عدم القدرة على التحكم في الأحداث أو في نتائجها.

8- الإحساس بالأهمية القصوى لما يجري Urgency)) مما يشكل ضغطاً على الأطراف المسئولين عن إدارتها.

9- قلة المعلومات الصحيحة المتاحة (وبالذات في الدول المتخلفة حيث لا توجد برامج محاكاة الأزمات: منع الأزمة والتحذير من وقوعها وإدارة الأزمات)، أو برامج الإنذار المبكر للأزمات.

10- الضغوط المفروضة بسبب ضيق الوقت.

11- ارتفاع حدة التوتر بين أطراف الأزمة.

ثالثاً: مدارس دراسة الأزمة:

   نظراً لتعدد تعريفات الأزمة بتعدد الباحثين، فقد جرت محاولات لتجميع تلك التعريفات في مجموعات فكرية معينة، من أهمها مدرسة النظم، مدرسة صنع القرار، مدرسة بحوث السلام. وترتبط تلك المدارس ببعضها البعض، ولكنها تتميز من حيث التركيز على حيز معين. وعلى سبيل المثال تركز مدرسة النسق ومن أنصارها كينيث بولدنج وأوران يونج وكورال بيل وتشارلز ماكليلاند على أن الأزمة الدولية هي نقطة تطور في نظام دولي ما عام أو فرعي، وأنها تزيد من احتمالات الحرب واللجوء إلى استخدام القوة العسكرية بدرجة تُهدد باختلال وظيفي للوضع القائم.[85]

   أما مدرسة صنع القرار فقد اهتمت بتحديد خصائص موقف الأزمة كالمفاجأة والتهديد وقصر الوقت المتاح، كما ركزت على الأزمة من خلال اتخاذ القرار. ومن أهم رواد مدرسة صنع القرار هيرمان كان وجيمس روبنسون وأنتوني فينر وتشارلز هيرمان ومارجريت هيرمان ورايموند كوهين.

   وقد اتخذت مدرسة بحوث السلام اتجاهاً توفيقياً يجمع بين بعض عناصر تعريف الأزمة كما جاءت في مدرستي النظم وصنع القرار.

   وقد عرّف جيمس روبنسون وتشارلز هيرمان ومارجريت هيرمان الأزمة بأنها “موقف أو حدث يشكل تهديداً لشئ موضع اهتمام طرف آخر بدرجة كبيرة”. وقد قسموا الأزمة إلى نوعين هما:[86]

1- الأزمة الشديدة The Most Loaded Crisis

   يكون الفعل فيها مفاجئاً وغير متوقع ويتضمن درجة عالية من التهديد للأهداف ويتوجب على صانع القرار الرد الفوري.

2- الأزمة الأقل شدة The Least Crisis

           تشبه الموقف الروتيني حيث الفعل متوقع من قبل صانع القرار، ويتضمن درجة أقل من التهديد في إطار وقت قراري متسع.

   ومجمل تركيز هذه المدرسة أن الأزمة الدولية نابعة من موقف يتسبب في حدوث تغيير في البيئة الخارجية أو الداخلية التي تؤثر على القرار السياسي من ثلاث زوايا رئيسية:

أ- وجود تهديد لقيم وأهداف ومصالح أطراف الأزمة.

ب- محدودية الوقت المتاح لاتخاذ القرار.

ج- وجود عنصر المفاجأة، بحيث يفاجئ تصاعد الأحداث صانع القرار ومتخذه على حين غرة.

  حاول رواد هذه المدرسة قدر طاقتهم إيجاد اجتهادات خاصة نحو تدقيق اتخاذ القرار وقت الأزمة فيما يتعلق بعناصر التهديد، وضيق الوقت والمفاجأة من خلال عدة وسائل منها توفير المعلومات من خلال برامج المحاكاة Simulation Program والتحذير من الأزمة Crisis Warning . وعلى الرغم من التشابه بين مدرسة النظم ومدرسة صنع القرار في دراسة الأزمة، إلا أن مدارس صنع القرار تركز على مواقف معينة في أوقات معينة وتدرس حالات محددة في أزمات أنظمة الحكم المقارنة.

رابعاً: إدارة الأزمة:

   تعني إدارة الأزمة التعامل مع عناصر موقف الأزمة باستخدام مزيج من أدوات المساومة الضاغطة والتوفيقية، بما يحقق أهداف الدولة ويحافظ على مصالحها الوطنية، وهي أيضاً عبارة عن محاولة لتطبيق مجموعة من الإجراءات والقواعد والأسس المبتكرة، تتجاوز الأشكال التنظيمية المألوفة وأساليب الإدارة الروتينية المتعارف عليها، وذلك بهدف السيطرة على الأزمة والتحكم فيها وتوجيهها وفقاً لمصلحة الدولة. وبالتالي فإن إدارة الأزمة Crisis Management تعني معالجتها على نحو يمكن من تحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف المنشودة والنتائج الجيدة.

   ومن بين التعريفات التي قدمت لمفهوم إدارة الأزمة أنها نظام يُستخدم للتعامل مع الأزمة، من أجل تجنب وقوعها، والتخطيط للحالات التي يصعب تجنبها، بهدف التحكم في النتائج، والحد من الآثار السلبية”، وبالتالي فلابد أن تشتمل على خطوات لتقليل مخاطر حدوث الأزمة. وتختلف إدارة الأزمة بالمعاني السابقة عن مفهوم “الإدارة بالأزمة” Provocation of Crisis والذي يعبر عن “آلية تقوم على خلق الأزمة وإثارتها والإعداد المسبق لها والتخطيط المبكر لوقوعها بهدف تحقيق مصالح محددة، وهي قدرة لا تتوفر إلا لعدد محدود من الدول والمنظمات التي تمتلك من القوة والوسائل ما يمكنها من خلق الأزمة وإدارتها بما يحقق أهدافها.[87]

   كانت أزمة الصواريخ الكوبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق عام 1962 نقطة التحول المركزية نحو تحويل إدارة الأزمة إلى حقل علمي مستقل، وبالتالي بحوث السلام. وقد أدرك الجميع، ومن بينهم وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت مكنمارا أنه من الآن فصاعداً لم يعد هناك ما يُسمى بالإستراتيجية بل إدارة الأزمة. ومنذ ذلك الحين، صارت ألفاظ وأدبيات إدارة الأزمة وإدارة الصراع هي اللغة السائدة في العلاقات الدولية.

  حددت أدبيات دراسة الأزمة الدولية بعض العوامل التي تُعتبر مصادر للأزمات الدولية، ومن بينها العوامل الاقتصادية، النزعة العسكرية، أنظمة الأحلاف، إلا أن أحد الدارسين وجد من تحليله لسبع حالات دراسية تتمثل في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وحرب 1967 بين العرب وإسرائيل، وأزمة فيتنام، وأزمتي الخليج الأولى والثانية أنه لم يكن لأي من العوامل السابقة دور في اندلاع تلك الأزمات، وأن شخصيات القادة والبيئة النفسية لهم كانت أكثر حسماً.[88]

خامساً: تأثير أزمة 11 سبتمبر 2001 على دراسة الأزمة الدولية:

   بدت أزمة 11 سبتمبر 2001 لأول وهلة أزمة داخلية، إلا أنها مثلت في واقع الأمر نقطة تحول جذرية نحو نظام دولي جديد، سعت الولايات المتحدة إلى تكريسه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، ويتمثل في العمل على بقاء الوضع الفريد للولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة، حيث استغلت الإدارة الأمريكية أحداث 11 سبتمبر وحولتها إلى أزمة طاحنة تمسك بخناق النظام الدولي، وتم تصعيد الأزمة إلى حربين ضد أفغانستان والعراق في إطار الحرب الشاملة على “الإرهاب” التي شنتها الولايات المتحدة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001م.

   كانت أزمة 11 سبتمبر 2001 أيضاً عاملاً مهماً في تكريس العديد من المتغيرات ذات التأثير على الأزمة الدولية، والتي أدت إلى تغير النظرة إلى دراسة الأزمة الدولية في الشكل والمضمون والمنهج. ومن أهم تلك المتغيرات ذات الصلة بموضوع الدراسة:[89]

1- الانفرادية في اتخاذ القرار في الأزمة الدولية Unilateralism :

   اعتبرت الولايات المتحدة وحلفاؤها لأول مرة منذ حرب الخليج الثانية أن الشرعية الدولية لم تعد تسعفها في إدارة الأزمة العراقية، وهو ما مثّل نقلة نوعية في العلاقات الدولية وفي التنظيم الدولي عموماً, وكانت دراسات كثيرة عن الأزمة الدولية قد تنبأت بمثل هذه الانفرادية في اتخاذ القرار الدولي، لتنفيذ السلام الأمريكي على العالم من خلال وسائل الاستعمار القديم كروما وبريطانيا، وذلك من خلال السير في عدد من الاتجاهات بهدف السيطرة على العالم في فترة ما بعد الحرب الباردة، وخصوصاً بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وتعرضت تلك الأفكار لانتقادات من جانب معارضي هذا التوجه من خلال تصويره بأنه يسعى إلى تكريس الانفرادية والتوجه العسكري والرئاسة الاستعمارية، في ظل الافتقاد إلى رؤية موضوعية للأمور.

2- استمرار أحادية القطبية Polarity:

   المعنى المقصود بالقطبية Polarity هو تأثير الدولة المسيطرة على النظام الكوني على الأزمة الدولية، أي العلاقات الارتباطية القائمة بين عدد القوى الكبرى والعظمى في مركز صنع القرار في النظام الدولي عند انفجار الأزمة وإدارتها.

3-صعود السلام الأمريكي Pax Americana

   وهو ما يعكس الرؤية الأمريكية لسلام العالم وبالتالي للأزمة الدولية، كما حدث في السلام الروماني والسلام البريطاني من قبل، فالعديد من الأزمات التي نشبت في أعقاب الحرب الباردة تمت بتخطيط أمريكي سواء في البداية أم في النهاية أم في إدارة الأزمة، وكلها تمت وفق المفهوم الأمريكي لسلام العالم، ومن هنا كان تدخل الولايات المتحدة كطرف ثالث في أزمات العالم يستهدف أساساً إنجاز المصالح الأمريكية.

   وسواء أكانت الولايات المتحدة تستخدم الإدارة بالأزمات أم إدارة الأزمة الدولية، فالأرجح أنها ستظل لسنوات قادمة تطبع الأزمات الدولية بطابعها القومي (ما هو في صالح الولايات المتحدة لابد أن يكون في صالح العالم بالضرورة). وبمعنى أصح نشر السلام الأمريكي على العالم. وسوف ينعكس ذلك بالضرورة على دراسة الأزمات الدولية مستقبلاً، وبالذات في المدرسة الأمريكية لدراسة الأزمة.

4- التحويل Transformation

   يعني التحويل تأجيل أو نقل وضع الأزمة إلى منطقة أخرى أو مجال آخر أو زمان آخر. وُيقصد به أنه لعجز بعض الدول عن إنهاء أو حل مشاكلها المحلية تتجه لتحويل صراعاتها لأزمات خارجية قد تتسبب في أزمة دولية قد تقود إلى حرب كحرب الخليج الثانية على الجانب العراقي عام 1990 أو النموذج اليوغسلافي خلال التسعينيات.

   إن الانكفاء للخارج لتغطية مشاكل الداخل هو مبدأ معروف في علم السياسة منذ فترة طويلة، ولكن الجديد هو استخدامه خلال العقد الماضي بطريقة مكثفة. والنتيجة غير المتوقعة أن يزداد عدد الأزمات الدولية للأطراف محل الدراسة بسبب حالة الاستضعاف الهيكلي في النظام الدولي وحالة السيولة التي تتجه إلى الاستقرار النسبي فيه. ومن هنا تتعرض هذه الدول لأن تكون حقل تجارب للعبة الصراع بين الأمم نحو نظام دولي ما. وتنطبق على الولايات المتحدة نفس القاعدة “الانكفاء للخارج”. وبما أنها هي العنصر الأقوى والمسيطر في النظام الدولي، فيمكنها التلاعب بمصير هذه البلدان لقاء مكاسب محلية للرئيس في الانتخابات أو لحل مشاكله الداخلية التي يتعرض لها.[90]

   وهناك أزمات لا يشعر بها الطرف الآخر المقصود، خصوصاً إذا كانت دولة عظمى، فقد لا يهم مصالحها في شئ أن تتصاعد هذه الأزمة، وربما تستخدمها لأغراض أخرى تحولت إليها على الساحة المحلية أو الدولية، وهو ما يُطلق عليها أحياناً “الأزمة ذات الجانب الواحد” One- Sided Crisis ولاشك أن تحول الأنظار عن الفشل في “الحرب على الإرهاب”، كما حدث في أفغانستان ونقل الأنظار إلى الحرب على العراق قد يقدم نموذجاً يمثل هذا التحول في السلوك المتعلق بالأزمة.

5- ازدياد حدة العنف Violence

   العنف هو المحدد الرئيس لحدة الأزمة. وقد شغلت هذه المسألة جانباً لا بأس به من أدبيات الأزمة الدولية. ويمكن القول إن حدة العنف قد زادت بصورة ملحوظة في الأزمات الدولية منذ حرب الخليج الثانية مع قلة عدد الأزمات التي تحولت إلى حروب. وهناك عدة أمثلة على ذلك، من بينها حرب الصومال، وحصار العراق ويوغسلافيا وضربهما في التسعينيات من القرن العشرين، والحرب التي خاضها التحالف الأنجلو أمريكي على أفغانستان والعراق في العامين 2001، 2003 على التوالي.

   تختلف إدارة الأزمة الدولية حسب عدة أبعاد، من بينها نظام القطبية السائد، والموقع الجغرافي ونوع النظام السياسي ونوع الصراع (ممتد أو غير ممتد)، ولكن أهم هذه الأبعاد على الإطلاق هو حدة العنف المستخدم وكثافته عند تصعيد الأزمة إلى حرب. وقد ركزت أدبيات إدارة الأزمة المعاصرة على ثلاث مراحل “تخص صانع القرار” هي على التوالي: العنف في بداية الأزمة، التيقن من مصدر العنف. وبما أن المصدر هو المحور الأساسي في إدارة الأزمة، فقد تركزت حوله معظم الدراسات كمصدر لهذا العنف.

6- ازدياد دور الطرف الثالث:

   دور الطرف الثالث من الأدوار المعروفة في إدارة الأزمة. وثمة علاقة طردية طوال عقد التسعينيات من القرن العشرين بين سرعة حل الأزمات والتدخل الأمريكي كطرف ثالث للحل. ويمكن التمييز هنا في إدارة الصراعات والأزمات بين عدة مستويات مختلفة، أولها عمليات الحل والتسوية والتأجيل والتجنب والإنهاء، وثانيها تدخل الطرف الثالث، الذي يأخذ أشكالاً متعددة، منها الإكراه بالقوة، التفاوض، المساومة، الوساطة، التحكيم، المساعي الحميدة، ورش العمل ..الخ، وثالثها وسائل الحل مثل القوات متعددة الجنسيات أو قوات طرف ثالث، أو لقاءات المتخصصين في ورش عمل مشتركة، وإجراءات بناء الثقة، ولقاءات القمة ..الخ.[91]

   وعادة ما يكون الطرف الثالث في أي صراع أو أزمة له مصلحة في الحل عن طريق توفير الموارد المالية أو البشرية، كما أنه عادة ما يكون مقبولاً من الطرفين وموثوق به، ومن ثم له القدرة على التأثير نحو الحل. ومن هنا يكون للطرف الثالث عدة مزايا، من بينها:

أ- المشاركة الإيجابية الفعالة للوصول إلى اتفاق يرضي الطرفين من خلال برنامج حد أدنى يتجنب المسائل الصعبة الحل، وجدول أعمال زمني لتطوير الاتفاق المشترك.

ب- تخفيف حدة القيود المفروضة على الأطراف الرئيسية للحل.

ج- تخفيض مدة الوصول إلى اتفاق وتكلفته من خلال بعث المرونة في الموقف التساومي بين الأطراف.

   وقد لعبت الولايات المتحدة في فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة دور الطرف الثالث سواء بمفردها أم مع آخرين أم من خلال المنظمة الدولية كما في يوغسلافيا السابقة والعراق وأفريقيا وغيرها. ومن خلال متابعة أدبيات الصراع والتعاون منذ نهاية الحرب الباردة، يمكن التأكيد على نتيجتين أساسيتين، فيما يتعلق بالطرف الثالث الأمريكي، كما يلي:

أ- أن الدراسة المقارنة لإدارة الأزمات في فترة ما بعد الحرب الباردة تعطي الانطباع بإعادة تدوير دور مجلس الأمن “وبالتالي السكرتير العام” في ظل النظام الأحادي القطبية ليكون في خدمة الرؤية الأمريكية لسلام العالم “السلام الأمريكي” للتدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء بشكل مستمر.

ب- أن تعاون القوى العظمى والكبرى في التدخل لحل الأزمة الدولية ربما يتم في المراحل الأولى لكنه ينقطع في أعلى درجات الأزمة كما حدث في حرب الخليج الثانية 1991، والاتفاق على منطقة حظر الطيران في العراق بين الولايات المتحدة وروسيا في عام 1992. وفي الأخيرة وقفت روسيا مع أمريكا، ولكنها لم تمارس أي نشاط من شأنه تنفيذ القرار. أما التجاوز الأخطر، فتمثل في استغناء الولايات المتحدة وحلفائها عن الأمم المتحدة لتشن حربها على العراق عام 2003، مثلما فعلت ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية.

7- تخطي الشرعية الدولية والتحول إلى فرض سياسات الأمر الواقع:

   تشكل الحرب الأمريكية على العراق نقطة تحول جوهرية في تاريخ العلاقات الدولية، وبالذات في الشق المتعلق بالتنظيم الدولي، فقد درج النموذج الأمريكي على الارتكاز على الأمم المتحدة في التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى دون إذنها، وذلك بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، سواء فيما يتعلق بتبني قضية عادلة من قضايا الميثاق، أم أخذ قرار من الشرعية الدولية، غالباً من مجلس الأمن، ثم بتفويض منها أيضاً تتكون قوات متعددة الجنسية تحت علم الأمم المتحدة وبقيادة أمريكية. تخطت الولايات المتحدة هذه المرة هذا السقف، وذلك على الرغم من محاولة إضفاء شرعية لاحقة على الغزو.

   ومن الملاحظ أن الحرب على العراق ستشكل متغيراً محورياً في شكل العلاقات الدولية وجوهرها مستقبلاً، ومن ثم دراسة الأزمة الدولية. ويُلاحظ هنا أن الولايات المتحدة في إدارتها للأزمة قد تخلت عن العديد من السلوكيات السابقة عبر ما يزيد عن عقد، ويتضح ذلك فيما يلي:

  • عدم الحرص على أخذ قرار بالحرب أو الالتزام بقرارات من مجلس الأمن الدولي.
  • محاولة إضفاء الشرعية على العدوان بقبول التدخل الإنساني للمنظمة بأثر رجعي.
  • عدم قبول وساطة أية أطراف ثالثة.
  • عدم الاهتمام بمواقف الحلفاء التقليديين المعارضين في الناتو أو غيرهم.
  • عدم قبول مبدأ توازن المصالح مع الدول الأخرى الذي كان سائداً قبل العدوان.
  • عدم الاكتراث بالرأي العام العالمي المعادي للحرب.
  • القبول بمبدأ تغيير الأنظمة من الخارج.
  • القبول بتراجع دور الأمم المتحدة إلى الصفوف الخلفية في إدارة الأزمة الدولية.
  • القبول بعودة الاستعمار التقليدي في تسيير الجيوش لشن العدوان على الدول الأخرى.

   ومن المتغيرات المعاصرة الأخرى التي أثرت على الأزمة الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة ازدياد أزمات الصراع الممتد Protracted Conflict- Crisis Model ، والارتفاع المضطرد في الصراعات الإثنية “أو العرقية” Ethnicity ، واستمرار أهمية الموقع الجغرافي.[92]

       ولا شك أن ذلك كله سوف يكون تحدياً ثقيلاً، ليس فقط لتحولات النظام الدولي بل لبحوث السلام الدولية، التي أصبح عليها تغيير العديد من النظريات والنماذج والمناهج التي طبقت خلال عقد التسعينيات من القرن العشرين.

خاتمة الفصل الأول:

   تم في هذا الفصل تعريف المفاهيم الأساسية التي تستخدمها الدراسة، وهي: مفاهيم الأمن القومي والديموقراطية والأزمة، وذلك في إطار هدف الدراسة المتمثل في التعرف على أسباب حدوث صراعات بين الاعتبارات الأمنية ومبادئ حكم القانون في أوقات الأزمات. وقد توصلت الدراسة إلى أن مفهوم الأمن القومي قد تحمل في نشأته الغربية الأمريكية بأهداف سياسية، حيث برز كمحور للسياسات الخارجية للدول العظمى في فترة الحرب الباردة والاستقطاب الدولي، والتي واكبتها مظاهر عدم استقرار وعدم أمن في الدول الصغرى، وأدى ذلك إلى زيادة الاهتمام بالأمن القومي في مختلف دول العالم، وأصبح الأمن القومي فرعاً جديداً في العلوم السياسية، وظهرت نظريات ومدارس مختلفة تناولت دراسة الأمن القومي من زوايا مختلفة (عسكرية، اقتصادية، مجتمعية ..الخ)، بالإضافة إلى دراسة المستويات المتعددة للأمن القومي، سواء على المستوى الداخلي أم على المستوى الخارجي (الإقليمي والعالمي)، وحدود التداخل والتشابك بين تلك المستويات، وهو ما أوضحه الفصل الأول بالتفصيل إلى جانب التمييز بين مفهوم الأمن القومي والمفاهيم الأخرى الشبيهة به، ودراسة عوامل قوة الأمن القومي وعوامل التهديد، وتوضيح أهم مدارس التفكير في العلاقات الدولية فيما يخص قضايا الأمن القومي، وهي النظرية الواقعية والنظرية الثورية والنظرية الليبرالية.

   تبنت الدراسة المفهوم الواسع للأمن القومي الذي لا يقصره على دراسة البعد العسكري، بل يشمل أيضاً الأبعاد المختلفة (العسكرية وغير العسكرية، الخارجية والداخلية) لمفهوم الأمن، مع مراعاة عدم توسيع المفهوم إلى ما لا نهاية وإنما وفق منطق تحليلي يقبل التعديل والتطوير حسب الظروف المجتمعية محل البحث، مما يتفق مع نسبية مفهوم الأمن وأبعاده، ويواكب التطور العصري والمنهاجي في الدراسة، ويمكن من استيعاب المتغيرات الجديدة في ظاهرة الأمن القومي.

   أما المبحث الثاني فقد تم فيه التعريف بمفهوم الديموقراطية وتوضيح أهم أبعاده، واستعراض أهم الأشكال الدستورية والتنظيمية المرتبطة بالديموقراطية، ودراسة المداخل الرئيسية لتحليل العملية الديموقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية.

   أما المبحث الثالث فقد تم فيه تعريف مفهوم الأزمة وتوضيح أهم سماتها، والمحاولات التي جرت لتجميع تلك التعريفات في مجموعات فكرية معينة، من أهمها مدرسة النظم، ومدرسة صنع القرار، ومدرسة بحوث السلام. وقد كانت أزمة 11 سبتمبر من أهم المتغيرات التي أثرت على دراسة الأزمة الدولية، نظراً لما تسببت فيه من تأثيرات متعددة، من بينها الانفرادية في اتخاذ القرار في الأزمة الدولية.

   ووفقاً لما سبق، يركز الفصل الثاني من الدراسة على عدد من القضايا النظرية المرتبطة بعملية المواءمة بين اعتبارات الأمن ومتطلبات الديموقراطية، واختلاف تلك العملية من دولة لأخرى، خاصة في أوقات الأزمات، وفقاً لدرجة التطور الديموقراطي فيها، بالإضافة إلى التحقق من الفرضية التي تذهب إلى أن النظام الديموقراطي أقل ميلاً إلى استعمال العنف في الداخل، كما أنه أقل ميلاً إلى استعمال الأدوات العسكرية في السياسة الخارجية، وأنه أقدر من النظام التسلطي على التصدي لأزمات الأمن القومي.

1 عبد الله بلقزيز، الأمن القومي العربي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب)، 1989.

2 علي الصاوي، مرجع سبق ذكره.

3 منذر سليمان، مرجع سابق، ص 29.

4د. عبد المنعم المشاط، “الإطار النظري للأمن القومي العربي” في د. عبد المنعم المشاط (محرر)، الأمن القومي العربي: أبعاده ومتطلباته (القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية، 1993)، ص ص 14-17

5 ابن منظور، لسان العرب، تحقيق عبد الله علي الكبير (القاهرة، دار المعارف، دت)، ص140.

6  سورة قريش، الآيتان 3-4.

7  منذر سليمان، مرجع سابق، ص 30.

[8] George Sehwar Zenberger, Power Politics: A Study of World of Society (London:Stevens & Sons Limited, 1964).

[9]Anthlny Giddens,” Nation States and Violence” in Walter W.Powel and Richard Robbins (eds), Conflict and Consensus (New York: The Free Press, 1984).

[10] Arnold Wolfers, Discord and collaboration, Essays on International Politics (Baltimore: John Hopkins University Press, 1962), P.150.

[11] Frank Trager and Philip Kronenberg (eds.), National Security and American Society (Kansas: Kansas University Press, 1973), p35-36.

[12] Henry Kissinger, Nuclear Weapons and Foreign Policy (London: Wild Field and Nicholson, 1969), p 46.

[13] .McNamara, The Essence of Security (New York: Harper Press, 1966), p149.

[14] Barry Buzan, People, States and Fear (London: Wheatsheaf Books, LTD, 1983), PP 6-10

[15] Keith Krause and Michael William, (ed.), Critical Security Studies : Concepts and Cases, (Mineapolis: University of Minnesota Press, 1987).

[16] Daniel J.Kaufman& Jeffrey S.Mctrick& Thomas J.Leney, U.S. National Security A Framework for Analysis (Toronto: Lexington Books, 1985), p.15.

17 د. محمود محمد خليل، (الأمن في الإسلام، القاهرة، دن، 2000)، ص 24.

18  د.جمال حمدان، إستراتيجية الاستعمار والتحرير (القاهرة، دار الشروق، 1983) ، ص 214.

19 د. محمد نصر مهنا، الجغرافيا السياسية والسياسة الجغرافية، (أسيوط: جامعة أسيوط، كلية التجارة، 2007)، ص ص 79 – 87.

20 د. محمود محمد خليل، الأمن في الإسلام، مرجع سابق، ص 25.

21 المرجع ذاته، ص 25.

22 د.إسماعيل صبري مقلد، أصول العلاقات الدولية إطار عام (أسيوط: جامعة أسيوط، كلية التجارة، 2007) ص 114.

23 د.إسماعيل صبري مقلد، المرجع السابق، ص ص 210 – 212

24 د. محمود محمد خليل، الأمن في الإسلام، المرجع السابق، ص 27.

25  د.إسماعيل صبري مقلد، المرجع السابق، ص ص 213.

26 المرجع السابق، ص ص 214 – 215.

27 د. محمود محمد خليل، الأمن في الإسلام، مرجع سابق، ص ص 27-28.

28 د. عبد الخبير محمود عطا، الإعلام وقياس الرأي العام (أسيوط: جامعة أسيوط، كلية التجارة، 2004) ، ص ص 50-52.

29فيكتور مارشيل ماركس، الجاسوسية تتحكم بمصائر الشعوب (بيروت: الدار المتحدة للنشر، دت)، ص 27.

30د. محمود محمد خليل، الأمن في الإسلام، مرجع سابق، ص 29.

 31المرجع ذاته، ص 30.

32 د. مصطفى علوي ، “ملاحظات حول مفهوم الأمن”، مرجع سابق، ص ص 123-124.

33 أمين ساعاتي، الأمن القومي العربي (القاهرة: المركز السعودي للدراسات الإستراتيجية، 1993).

34د. حامد ربيع، نظرية الأمن القومي العربي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط (القاهرة: دار الموقف العربي، 1984).

35 د. مصطفى علوي، “ملاحظات حول مفهوم الأمن”، مرجع سابق، ص 125.

36 المرجع ذاته، ص ص 124-125.

[37] R. McNamara, The Essence of Security, op.,cit, p.149.

38 د. مصطفى علوي، “ملاحظات حول مفهوم الأمن”، مرجع سابق، ص 125.

[39]Benjamin Miller,“The Concept of Security: Should it be Redefined”?, The journal of Strategic Studies, Vol. 24, No. 2, June 2001, pp.19-21.

40  د.علي الدين هلال، “الأمن القومي العربي دراسة في الأصول”، شئون عربية، العدد 35، يناير 1984، ص 12.

41 لواء/ عدلي سعيد، الأمن القومي العربي وإستراتيجية تحقيقه (القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 1978)، ص 17.

42 د. محمود محمد خليل، الأمن القومي العربي المصري وحرب أكتوبر، مرجع سابق، ص ص 10-25.

[43] Philip P.Wieiner, Dictionary of the History of Ideas (New York: Charles Seribners Sons, 1973), p.652.

[44] Jack Plano & Milton Greenberg (eds), The American Political Dictionary ( New York: Halt Rinehart and Winston Inc, 1967) p.6.

45 حول التطبيقات المختلفة للديموقراطية أنظر: د. إكرام بدر الدين، الديموقراطية الليبرالية ونماذجها التطبيقية، (بيروت: دار الجوهرة للطبع والنشر، 1986)، ص ص 36-50.

46 نقلاً عن: د.علي أحمد عبد القادر، مقدمة في النظرية السياسية (القاهرة: مكتبة نهضة الشرق، 1986)، ص 63.

[47] Joseph Schumpeter, Capitalism, Socialism and Democracy (London: Allen and Unwin, 1950), p.250.

[48] David Held, “From City States to a Cosmopolitan Order” in David Geld, ed., Prospects For Democracy (Oxford: Blackwell Publishers, 1993), p.15.

[49] Howard J.Wiarda, Introduction to Comparative Politics (Philadelphia, Harcourt College Publishers, 2000), p.101.

[50] Ibid.

51 د. محمد عبد المعز نصر، في النظريات والنظم السياسية (بيروت: دار النهضة العربية، 1972)، ص 163-164

[52] Terry Karl and Philippe Schmitter “What Democracy is and is not? Journal of Democracy, No.2, Summer 1991, p.73.

53  د. بطرس غالي، ود.محمود خيري عيسى، المدخل في علم السياسة (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1976)، ص ص 244-251.

54 د. منير محمود بدوي، مبادئ العلوم السياسية (أسيوط: جامعة أسيوط، كلية التجارة، 2003)، ص ص 131-137

[55] David Held, From City States to a cosmopolitan Order in David Held, ed., Prospects for Democracy (Oxford: Blackwell Publishers), 1993, p.15.

56 لمزيد من التفاصيل حول تطبيق أو ممارسة الديموقراطية المباشرة في بعض المقاطعات السويسرية انظر كتاب د. أحمد سويلم العمري، السياسة والحكم في ضوء الدساتير المقارنة (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، دت)، ص ص 347-350.

57 جورج سباين، تطور الفكر السياسي، ترجمة حسن جلال العروسي، الكتاب الأول (القاهرة: دار المعارف، 1963)، ص ص 5-12.

58  حسن محمد سلامة السيد، التحولات الديموقراطية وشرعية النظام السياسي في مصر 1981-1993، رسالة ماجستير غير منشورة (القاهرة: جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1997)، ص ص 17 – 20.

[59] George Sorenson, Democracy and Democratization (Boulder: Westview Press, 1993), p.3.

60 د.عبد الحميد متولي، المفصل في القانون الدستوري (القاهرة: مطبعة دار نشر الثقافة، 1953)، ص 352.

61 د. ثروت بدوي، النظم السياسية (القاهرة: دار النهضة العربية، 1975)، ص 201.

62 د. محمد طه بدوي، أصول علم السياسة (الإسكندرية: المكتب المصري الحديث للطباعة والنشر، 1967)، ص ص 370 – 374.

63  د.بطرس غالي، ود.محمود خيري عيسى، المدخل في علم السياسة، مرجع سابق، 446.

64 د.محمد محمود ربيع، ود.إسماعيل صبري مقلد (محرران)، موسوعة العلوم السياسية (الكويت: جامعة الكويت، 1994)، ص ص 517- 518.

65 د. منير محمود بدوي، مبادئ العلوم السياسية، مرجع سابق، ص ص 139- 140.

66 د.محمد محمود ربيع، ود.إسماعيل صبري مقلد (محرران)، موسوعة العلوم السياسية، مرجع سابق، ص ص 520-521.

67 د. منير محمود بدوي، مبادئ العلوم السياسية، مرجع سابق، ص ص 140 – 142.

68 د. كمال المنوفي، النظم السياسية المقارنة (الكويت: جامعة الكويت، 1985)، ص ص 216-217.

69 د.محمد محمود ربيع، ود.إسماعيل صبري مقلد (محرران)، موسوعة العلوم السياسية، مرجع سابق، ص ص 518-519.

70  المصدر ذاته.

71  د. منير محمود بدوي، مبادئ العلوم السياسية، مرجع سابق، ص ص 142 – 144.

[72] Irving Kristol, Neoconservatism The Autobiography of an Idea (Chicago: Ivan R.Dee Publisher, 1999), pp316-317.

73 د. منار الشوربجي، “المداخل الرئيسية لتحليل آليات عمل النظام الأمريكي” في رضا هلال (محرر)، الإمبراطورية الأمريكية (القاهرة: مكتبة الشروق، 2002م)، ص ص 171-183.

[74] Jean Reith Schroedel, “Legislative Leadership Over Time”, Political Research Quarterly, Vol.47. No.2, June 1994, pp.439-465.

75 د. منار الشوربجي، منار، “المداخل الرئيسية لتحليل آليات عمل النظام الأمريكي”، مرجع سبق ذكره، ص 184-190.

76 المرجع ذاته، ص ص 191-198.

[77] Allan Ciglar and Burdett Loomis, Interest Group Politics (Washington DC: Congressional Quarterly Press, 1995), p 10.

[78] Ibid, p.11.

79 ولاء البحيري، “إدارة الأزمة”، القاهرة، المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية، مفاهيم، العدد 38، فبراير 2008.، ص 9.

80 د. حسن بكر، إدارة الأزمات الدولية بين النظرية والتطبيق (أسيوط: جامعة أسيوط، كلية التجارة، 2007)، ص 96.

81 محمد رشاد الحملاوي، إدارة الأزمات (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث، 1997)، ص ص 5-10.

82 د. أحمد عامر، مقدمة في إدارة الأزمات (الإسماعيلية: كلية التجارة، جامعة قناة السويس)، 1989، ص ص 2-11.

[83] Saad Eddin Ibrahim, “Crisis, Elites, and Democratization in Arab World”, Middle East Journal, Vol.27, No.2, Spring, 1993.

84 د.حسن بكر، المرجع السابق، ص ص 100-101

85 لمزيد من التفاصيل راجع مصطفى علوي، سلوك مصر الدولي خلال أزمة مايو – يونيو 1967، رسالة دكتوراه غير منشورة (القاهرة: جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1981)، ص ص 4-28.

[86] James A. Robinson, Charles F.Hermann & Margaret G.Hermann, Search under Crisis in Political Causes of War ( New York: N.J.Prenic-Hall INC, Englaood Cliffs, 1980), p. 80.

87  ولاء البحيري، “إدارة الأزمة”، مرجع سابق، ص ص 17-23.

[88] John G. Stoessinger,  Why Nations Go to War (New York: The Macmillan Press, 1993), pp, 211-218.

89 د.حسن بكر، إدارة الأزمات الدولية بين النظرية والتطبيق، مرجع سابق، ص ص 181-209

90 لمزيد من التفاصيل أنظر د. سيد عليوة، إدارة الأزمات والكوارث، حلول عملية – أساليب وقائية، سلسلة دليل صنع القرار (2) (القاهرة: مركز القرار للاستشارات1997)& د. محمد نصر مهنا، إدارة الأزمات السياسية: قراءة في المنهج (أسيوط: جامعة أسيوط، كلية التجارة، 2001).

91 د.حسن بكر، إدارة الأزمات الدولية بين النظرية والتطبيق، مرجع سابق، ص ص 205 – 208.

92 لواء د. أحمد محمود عبد الحليم، الأساليب الكمية لتحليل وإدارة الأزمة السياسية، رسالة دكتوراه غير منشورة (القاهرة: أكاديمية ناصر العسكرية/ كلية الدفاع الوطني، 1996).

 

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock