قراءة في تصاعد المشهد الإثني في إثيوبيا

تتفاوت التصريحات والبيانات الصادرة عن كل من: الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير تيجراي. وهما الطرفان الأساسيان في أتون الحرب الأهلية الدامية الجارية هناك منذ نوفمبر من العام الماضي، والتي تجددت في يوليو ٢٠٢١م. حيث امتدت رحاها ليس فقط إلى إقليمي: أمهرة وتيجراي.. ولكن إلى أقاليم أخرى في أورومو وعفر وبني شنجول وغيرهم، مما يزيد من تعقيد المشهد بأكمله.

وقد تصل جبهة تيجراي أديس أبابا “العاصمة الإثيوبية” تمامًا كما سبق وحدث حين اقتحمتها في عام 1991م, ولكن في ظروف وأوضاع مختلفة.

الموقف الحكومي: مواقف المنخرطين في المشهد

كانت الحكومة الإثيوبية قد أعلنت من جانبها وقف العمل باتفاق وقف إطلاق النار الصادر منها بشكل منفرد في يونيه الماضي، ودعت الجيش الفيدرالي إلى التصدي لجبهة تحرير تيجراي ومواجهتها.. وأعلنت الحكومة الإثيوبية في 10 أغسطس 2021م أنه تم توجيه الجيش والقوات الإقليمية والميليشيات لوقف تقدُّم المتمردين. بل ودعت إلى التعبئة، وانضمام كل من يستطيع حمل السلاح من الشعب الإثيوبي إلى قوات الجيش الفيدرالي.

وأعلنت الحكومة استعادتها لمناطق سبق السيطرة عليها من جانب قوات الجبهة سواء في إقليم تيجراي أو أمهرة.. وأكدت أنها كبّدت الجبهة خسائر فادحة سواء في قواتها أو معداتها.

وفي غضون ذلك، قلّل جيتاشو رضا المتحدث باسم جبهة تحرير شعب تيجراي من أهمية دعوة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للتعبئة الوطنية، قائلاً: إن مثل هذه الدعوة لن تغيّر شيئًا. وأضاف قائلاً: “لن تجلب التعبئة شيئًا سوى إظهار رغبة آبي أحمد في نقل النزاع إلى مستوى آخر من إراقة الدماء؛ حيث لم تنقذ هذه التعبئة حتى الزعيم الإثيوبي الشيوعي السابق منجستو هايلا مريام من السقوط.

موقف الجبهة:

أعلنت الجبهة من جانبها عن إحرازها لمزيد من التقدم على صعيد المناطق التي استولت عليها في إقليم الأمهرة.. وأعلنت عن استيلائها على منطقة لاليبيلا ‏التاريخية كنسيًّا، والمدرجة على قائمة منظمة اليونسكو للتراث الإنساني, وتعد تلك المنطقة موطن الكنائس المحفورة في الصخر، والتي بُنِيَتْ في القرن الثالث عشر. وفي تصعيد خطير، واصلت قوات تيجراي زَحْفَها نحو منطقة عفار، ذات الأهمية الاستراتيجية؛ لأنها تؤدي إلى الطريق الرئيسي والسكك الحديدية التي توصل إلى العاصمة أديس أبابا.

كما ادعت الجبهة أنها بصدد التوصل إلى اتفاق مع جبهة تحرير أورومو ذات الذراع المسلح والمنتمية إلى اقليم أورومو أكثر قوميات إثيوبيا تعدادًا سكانيًّا في تطوُّر جديد، وبالطبع فإن تحالف جماعة جيش تحرير أورومو مع قوات جبهة تحرير شعب تيجراي هو بالطبع ضد الحكومة الإثيوبية..

وتتهم الحكومة جبهة تحرير شعب تيجراي بتعبئة فصائل مختلفة بما في ذلك جيش تحرير الصومال لزعزعة استقرار إثيوبيا مما أدَّى إلى تصاعد العنف بين القبائل والنزوح الجماعي للسكان.. لتقلب بذلك الطاولة على الحكومة الفيدرالية والتي ينتمي إليها رئيسها آبي أحمد الذي وصل إلى الحكم في أبريل ٢٠١٨.

كما تُواصِل قوات دفاع تيجراي تقدمها العسكري في ثلاث جبهات قتالية، انطلاقًا من مساعيها لفرض الأمر الواقع على نظام آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، وتحقيق المزيد من المكاسب الاستراتيجية، وإعادة صياغة موازين القوة على الأرض؛ بهدف تغيير المشهدين السياسي والعسكري لصالحها؛ بغية إجبار حكومة أديس أبابا على قبول شروطها لوقف إطلاق النار، في حال انطلاق المفاوضات.

لذلك، فقد شرعت قوات دفاع تيجراي في تطبيق تكتيك شد الأطراف في حربها ضد القوات الإثيوبية؛ من خلال توسيع جبهات القتال فيما يُعرَف بحرب العصابات التي استفادت منها الجبهة في مقاومتها لنظام مانجستو هيلي ماريام في ثمانينيات القرن الماضي، وأدت إلى إسقاطه في 1991م. هذا وتنتشر قوات تيجراي على ثلاث جبهات قتالية هي: شرقية وغربية وجنوبية, وقد أعلن متمردو إقليم تيجراي الإثيوبي السيطرة الكاملة على العاصمة ميكيلى، مما يثير المخاوف من امتداد الصراع في تيجراي إلى أقاليم مجاورة, وخاصةً أنه بعد رفض جبهة تحرير تيجراي وقف إطلاق النار، استعانت حكومة إثيوبيا بقوات نظامية وميليشيات من مختلف الأقاليم مثل أوروميا وشعوب جنوب إثيوبيا والسيداما والصومال لمساندة الجيش وقوات أمهرة في التصدي لهجمات قوات تيجراي. وتؤكد قوات تيجراي أنها مستمرة في القتال بمنطقة عفار، وأنهم يعتزمون استهداف قوات أمهرة المجاورة التي تقاتل نيابة عن الحكومة.

الموقف الدولي:

موقف فرنسا والاتحاد الأوروبي:

أعلنت فرنسا الجمعة 13 أغسطس عن وقف تعاونها العسكري مع إثيوبيا بسبب النزاع المسلح الدائر منذ تسعة أشهر بين القوات الحكومية وإقليم تيجراي، حسبما ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية. يُذْكَر أنه خلال زيارة رسمية لإثيوبيا في مارس 2019م، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه أبرم اتفاقًا دفاعيًّا إطاريًّا مع أديس أبابا من أجل “دعم محدَّد من فرنسا” بشأن إنشاء بحرية إثيوبية في بلد لا يملك منفذًا على البحر.

من جانبه, وصف الاتحاد الأوروبي الانتهاكات داخل إقليم تيجراي في إثيوبيا بـأنها بمثابة جرائم حرب، كما طالب بضرورة توقيع العقوبات على النظام الإثيوبي.

موقف الولايات المتحدة:

رغم أنه من المؤكد أن دول العالم المهتمة بالقرن الإفريقي تقف مكتوفة الأيدي أمام مخاض الحرب الأهلية، إلا أن الولايات المتحدة قامت بتعيين الدبلوماسي المخضرم جيفرى فيلتمان مبعوثًا أمريكيًّا إلى القرن الإفريقي، ومع ذلك تواصل تدهور الوضع الإنساني في إثيوبيا؛ حيث فرَّ مئات الآلاف من مناطق النزاعات في عدد من الأقاليم الكبرى، في وقت سقط فيه آلاف القتلى جراء القتال في أقاليم: تيجراى وأمهرة, وعفر.

ومن المفارقات أن الولايات المتحدة التي كانت تروّج لمشروع القرن الإفريقي الجديد بعد نهاية الحرب الباردة اعتبرت الزعماء الجدد في ذلك الوقت مثل ميليس زناوي وأسياس أفورقي وجون جارنج بمثابة القوى الدافعة للتغيير.

موقف الصين:

 تأثرت الصين بما حدث في إثيوبيا لدرجة أن النزاع السياسي-الإثني في إثيوبيا بات يشكل ضربة مؤلمة للمصالح الصينية في هذا البلد الاستراتيجي بشرق إفريقيا, والتي أصبحت في مهب الريح.

ومن المعروف أن إثيوبيا تُعدّ قطبًا أساسيًّا في استراتيجية الصين المعروفة بـ: “الحزام والطريق”، أو “طريق الحرير”، الهادف إلى توسيع مجال نفوذ الصين عالميًّا بالاعتماد على تمويل الهياكل القاعدية في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية وربط مصالح دول هذه الجهة من الكوكب بالمصالح الصينية. لذلك، استثمرت بكين أموالًا ضخمة في إثيوبيا قبل أن تأتي التوترات المسلحة الأخيرة لتلقي بغموض كبير على آفاقها ومستقبل الاستراتيجية الصينية في هذا البلد.

وبشكل عام، تُقدَّر الأموال المستثمرة من طرف الصين في إثيوبيا حتى نهاية الصيف الماضي بـ 2,7 مليار دولار، على الأقل، موزَّعة على 1500 مشروع، فضلاً عن استيراد أديس أبابا معظم حاجاتها من الصين واقتراضها منها 16 مليار دولار، أي ما قيمته 50 بالمائة من الدَّيْن العام الإثيوبي.

لكل هذه الأسباب؛ فإن النزاع في إقليم تيجراي أضرَّ بالصين أكثر من غيرها. وإذا كان اليأس من عودة الاستقرار قد يدفعها إلى تحويل وجهتها الاستثمارية نحو دول الجوار كجيبوتي؛ حيث تملك بكين قاعدة عسكرية كبيرة، وإريتريا؛ حيث تنجز مشروع طريق رئيسي، وأمهرة، وهي كلها محطات أخرى مهمة في مشروع “الحزام والطريق” الصيني، إلا أن تمدُّد النزاعات المحلية لا يبشر بآفاق واعدة .

الخريطة الإثنية لإثيوبيا: 

يشكل الأورومو: حوالي 35% من عدد السكان, وتتركز قومية الأورومو في أوروميا بوسط إثيوبيا، وهم يتحدثون اللغة الأورومية، ويعملون بالزراعة والرعي. والأورومو أكبر جماعة عرقية في إثيوبيا، ويشكون منذ زمن طويل من تعرضهم للتهميش. وحيث كانوا فقط يتبوؤون بعض المناصب العسكرية مثل: قيادة الجيش والأركان، ثم بدأت سيطرتهم على السلطة تقل منذ أبريل ٢٠١٨م وتنتقل إلى “آبي أحمد” الذي أوهم الجميع بتحقيقه للمصالحة بين القوميات وحتى على مستوى الإقليم الجغرافي.

الأمهرة: يشكلون حوالى 27% من عدد السكان, ولقد اعتادوا السيطرة على الحكم تاريخيًّا منذ أيام الإمبراطور هيلا سلاسي.. ومن قبله الملك منليك.. وارتبطت السلطة بتولي الوظائف واقتناء الثروة, ولقد سادت ثقافة الأمهرة طوال عصور الحكم العسكري والملكي؛ حيث قامت كل من حكومة هيلا سيلاسي والديرج بنقل العديد من الأمهرة إلى جنوب إثيوبيا بما في ذلك منطقة أوروميا الحالية؛ حيث خدموا في الإدارة الحكومية والمحاكم والكنيسة، وحتى في المدرسة، حيث تم إلغاء النصوص الأوروموية واستبدالها بالأمهرية.

وتصاعدت التوترات العرقية إثر ذلك حيث قام كل من الأورومو والصوماليين والتيجراي والإريتريين بتشكيل حركات انفصالية مثل جبهة تحرير أورومو، وجبهة تحرير تيجراي، وجبهة التحرير الإريترية، والجبهة الوطنية لتحرير أوجادين التي كافحت للانفصال عن الإمبراطورية الإثيوبية والتي أدَّت فيما بعد إلى الحرب الأهلية الإثيوبية.

التيجراي: يشكلون حوالى 7% من عدد السكان, ولقد تولوا السلطة منذ عام ١٩٩١م وحتى عام 2018م تقريبًا، وكان التوهج مع حكم ميليس زيناوى “مهندس السياسة الإثيوبية”، والذي رحل عام 2012م.. وخلفه “هيلاماريام دسالين”.

ومنذ عام 1992م وحتى تعيين الأورومي آبي أحمد رئيسًا للوزراء 2018م؛ سيطرت جبهة تحرير تيجراي بالكامل تقريبًا على الحكومة التي تستفيد من سلطتها لتركيز الثروة والتنمية في منطقة تيجراي. والذى كان بمثابة رد فعل على الحكم المفرد للأمهرة لقرون. كما ساهم حكم الهيمنة لمجموعة عرقية واحدة في تهميش العديد من الجماعات داخل إثيوبيا وأدى إلى اتساع دائرة العنف والانتقام.

 الخلفية التاريخية لصراع الحكم في إثيوبيا: وأبعاد الصراع:

على الرغم من أن هذا الصراع مرتبط بالوضع السياسي القائم حاليًا في البلاد، إلا أن له جذورًا تاريخية تعود إلى تشكّل الكيان السياسي لإثيوبيا الحديثة، ونماذج الحكم التي سادت منذ القرن والنصف الماضيين، بدءًا من حكم الملك منليك الثاني في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وبالتزامن مع فترة بداية الاستعمار الأوروبي للمنطقة.

وقد استمر الحكم الإمبراطوري في إثيوبيا بزعامة الإمبراطور “هيلا سلاسى” إلى أن جاء النظام الشيوعي بقيادة “منجستو هيلا مريام”، الذي قاد انقلابًا دمويًّا في عام 1974م، ثم قادت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي عملًا مسلحًا ضده، واستولت على الحكم في عام 1991م، بقيادة ميليس زيناوي؛ حيث حكم البلاد تحت ائتلاف تقوده جبهته، التي تُسمى بالجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا. لكن مع وفاة زيناوي في عام 2012م، بدأ الائتلاف بالتصدّع؛ وهو ما أدخل البلاد في انقسامات إثنية وعرقية جديدة.

ولم يفلح خَلَفُه “هيلي مريام ديسالين”، في استعادة مصداقية الحزب الحاكم، واندلعت في فترته موجة اضطرابات شعبية في أنحاء البلاد، وهو ما أجبر حكومته على التنحي عن السلطة، ليترشّح بعدها آبي أحمد من المنظمة الديمقراطية لشعب أورومو من داخل الائتلاف الحاكم.

وحين وصل آبي أحمد إلى السلطة في عام 2018م، عمد إلى استهداف قادة التيجراي، وإبعادهم عن مؤسسات الدولة وملاحقتهم بتُهَم الفساد، واعتقل الكثير منهم، أو أجبروا على الفرار من العاصمة, وهو ما اعتبرته جبهة تحرير شعب تيجراي بداية الصراع لها مع آبي أحمد؛ خاصةً بعد التصالح الإثيوبي-الإريتري، وتجاهلها في عملية المصالحة.. وفي أواخر عام 2019م، حلَّ آبي أحمد الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا، ودمج الكيانات الأربعة المكوّنة لها في حزب واحد، أطلق عليه اسم حزب الازدهار.  وهو الأمر الذى كان بداية الاغتيالات وأعمال العنف التي شهدتها البلاد منذ ذلك الوقت.

وزاد من تأجج الصراع تأجيل الانتخابات: في يونيو 2020م، وفى أغسطس 2020م وعدم إجراء الانتخابات الأخيرة عام 2021م بشكل كامل أو بالنزاهة الكاملة.

مخاطر الحرب الأهلية في إثيوبيا:

لعل القلق ينبع من أن إثيوبيا هي متحف القوميات في إفريقيا؛ حيث تتضمن قرابة 80 قومية متنوعة في اللغة والدين والانتماء الإثني, ولذا فإن الحرب الأهلية من شأنها أن تفتح الباب أمام الإخلال بالدستور الفيدرالي الموقَّع منذ عام 1994م, والذى بدأ العمل به منذ عام 1995م.

 كما أن الحرب والاقتتال بين أهم وأقوى الأقاليم الإثيوبية في كل من: “أمهرة, وتيجراي والأورومو” كفيل بتفكيك أركان الدولة، “والتي تحتضن أكثر من 110 ملايين مواطن، وتشتيت أبناء هذه الأقاليم، والذي بدأ فعلاً بنزوح أبناء إقليم التيجراي هربًا من القتال الدائر.

 كما أنه من شأنه نقل العدوى لباقي دول الجوار، خاصة “إريتريا والسودان”، وكذا باقي دول القرن الإفريقي ودول حوص نهر النيل صاحبة التعددية البالغة في كافة مناحي الحياة, وهو ما يمهّد للخلاف على السلطة والثروة في هذه الدول, فعدم الاستقرار السياسي والأمني في دولة محورية ومهمة مثل: إثيوبيا, والتي هي مقر أيضًا للاتحاد الإفريقي واللجنة الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة, والعديد من المؤسسات الدولية والإقليمية, وتعد عاصمتها “أديس أبابا” والتي تُلقب بالزهرة الجميلة؛ أهم مراكز المؤتمرات في القارة -ليس في مصلحة أي طرف في قارة مليئة بالمشكلات والنزاعات والأوبئة وموجات التطرف والإرهاب.

ولا شك أنه توجد تأثيرات اقتصادية واجتماعية محلية وحتى إقليمية ودولية لتلك الحرب ومن آثار الحرب الاجتماعية المدمرة أنه يعيش حوالي 400 ألف شخص في ظروف شبيهة بالمجاعة، ويحتاج 4.8 مليون آخرون إلى مساعدات عاجلة.

صراع القيادات وما آل إليه الصراع:

 فشل آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، خلال السنوات الثلاث الماضية في إحداث تحول جذريّ بشأن إدارة معضلة التعددية العرقية في البلاد التي تضم أكثر من 80 مجموعة عرقية، والتي انعكست بدورها على تدهور العلاقات بين معظم الأقاليم الإثيوبية التي تطورت إلى مواجهات عسكرية بسبب تفاقم الخلافات الحدودية بينها والصراعات على الموارد الطبيعية والأراضي والمياه والغذاء؛ مما يؤثر سلبًا على حالة الاستقرار والأمن في الداخل الإثيوبي.

هناك أيضًا دبراصيون جبراميكائيل “زعيم الجبهة” الرجل الذي يقف في قلب الصراع في تيجراي بإثيوبيا. لكن من الضروري العودة إلى العامل الإريتري والطموح الجيوسياسي لأسياسي أفورقي الذي يمكن وصفه بأنه: “راسبوتين الإفريقي”. لقد احتفظ لنفسه بمنصب رئيس الدولة بلا منازع منذ عام 1991م، وتمكَّن من خلال تغيير تحالفاته وسياساته المتقلبة أن يتغلب على خصومه السياسيين في القرن الإفريقي لمدة ثلاثة عقود.

والحقيقة أن إثيوبيا اليوم تواجه تحديًا سياسيًّا وجوديًّا؛ حيث أصبح الجيش الوطني خارج الخدمة، وهو ما دفع برئيس الوزراء إلى إعلان التعبئة العامة على أساس إثني. لقد قلبت قوات دفاع التيجراي الطاولة عسكريًّا.. وباتت النية المعلنة لحكومة تيجراي هي إجبار الحكومة الفيدرالية على التفاوض بشأن النقاط السبع التي أعلنت عنها في 4 يوليو 2021م.

وإذا فشلت الحكومة الفيدرالية في التفاوض بجدية؛ فقد يتجه التيجراي إلى أديس أبابا. واللافت في ذلك كله هو موقف أسياس أفورقي الذي يلعب على كل التناقضات، فقد عزَّز تحالفه العسكري مع منطقة أمهرة، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج كارثية إذا قامت إريتريا بتسليح قوات الأمهرة الإقليمية على نطاق واسع؛ فإنها سوف تصبح أكثر قدرة من الجيش الوطني وتُغيّر أيضًا ميزان القوى في النزاع الحدودي مع السودان, خاصة في ظل حالة العجز التي يعيشها المجتمع الدولي.

سيناريوهات الأزمة الإثيوبية:

نستطيع الحديث عن أربعة سيناريوهات في المدى القصير على النحو التالي:

هناك سيناريو الفوضى القادمة التي يتعرض فيها أهالي التيجراي للتمييز العرقي وللعنف الموجه.

أما السيناريو الثاني فهو احتمال تصادم القوميات الإثنية المشحونة للغاية عبر خطوط الصدع في الاتحاد. وقد ظهر ذلك واضحًا في اشتعال الصدام بين العفر والصوماليين وتعطيل خط التجارة السريع بين جيبوتي وأديس أبابا.

أما السيناريو الثالث فهو الصراع داخل المؤسسة السياسية حول من يجب أن يحكم وبأي شروط، ولا يُستبعد في هذه الحالة فرضية الانقلاب بمعانيه المختلفة.

وأخيرًا السيناريو الرابع وهو التصعيد السريع للصراع في المناطق الحدودية، ولا سيما مع السودان، مما قد يؤدي إلى تطور الحرب الأهلية في إثيوبيا لتصبح صراعًا إقليميًّا واسع النطاق.. وَمن ثَمَّ فهو صراع داخلي تمدَّد وأصبح إقليميًّا وقد يتحوَّل ليكون دوليًّا ويجذب أطرافًا أخرى في المنطقة.

_____________________

مصادر المقال:

خريطة الأزمات ومستقبل الدولة في إثيوبيا.

إلى أين يتجه الصراع في إقليم تيجراي الإثيوبي؟

الملك السابع و”راسبوتين” الأفريقي.

اتجاهات خطيرة في القرن الأفريقي: إثيوبيا والصعود إلى الهاوية.                    

 – مخاطر الحرب الأهلية في إثيوبيا

– ‎ تداعيات استمرار الحرب الأهلية في إثيوبيا

فوضى النار والدم في إثيوبيا أحمد عبد الخالق

تضييق الخناق على نظام آبي أحمد ..هل يضع التحرك الفرنسي نهاية لحكمه؟

هل تمزق الصراعات العرقية إثيوبيا؟

إثيوبيا.. الحرب الأهلية أقرب من أي وقت مضى

– جوزيف رامز أمين، الحروب الإثنية في إفريقيا, مركز زايد للتنسيق والمتابعة, أبوظبي, 2003م.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14307

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *