شوكت سعدون

في إطار الخطة الثقافية لمنتدى الفكر الاشتراكي، فرع اربد وضمن أنشطة اللجنة الثقافية المتعددة والتي من ضمنها تقديم قراءة كل شهر كتاب وتحت عنوان:( كتاب الشهر) يسعدني أن أقدم قراءة في كتاب:  (السياسة الدينية والدول العلمانية- مصر والهند والولايات المتحدة الأمريكية).

ولأنه وضمن الخطة الثقافية للفرع أن يتم نشر مواد الخطة لإتاحة وصولها لكافة المهتمين وبالتعاون مع إدارة الفرع سيتم نشر ماده هذه القراءة في:(الكراس الاشتراكي) والذي يضم الأنشطة المختلفة المقدمة.

وقبل أن أبدأ في تقديم قراءة هذا الكتاب وتعميق فهمهِ من لدن القارئ المتلقي، ارتأيت تقديم مسألتين اعتبرهما هامتين هما:

  • منهجية القراءة.
  • تعريفاً مبسطاً لتفسير مصطلح (السياسة العامة).

منهجية القراءة:

مثلما للكتابة منهجيتها فإن للقراءة منهجيتها أيضا ومنهجيتي لقراءة الكتاب تتلخص بما يلي:

  • القراءة بدءاً من الغلاف مروراً بالاستهلال ثم المقدمة، ففصول الكتاب ثم الخاتمة مع مراجعة الهوامش وبالطبع التعريف بالمؤلف والمترجم وسنة الطبع والترجمة والناشر أي وكما يقال قراءة من (الجلدة للجلدة).
  • كل ما أوردته مكتوباً في القراءة منقول حرفياً من الكتاب أو يكاد وإذا كانت هناك إشارات في الهامش فسيتم الإشارة لها بأنها من: (قارئ الكتاب) وتختصر (ق. ك).
  • الإطالة هي لإيفاء الكتاب حقه لأهميته النظرية والتطبيقية- التنويرية ومواطن التكرار هي لمؤلف الكتاب ترد تارة للتأكيد وأخرى للمقارنة أو الربط وأقرر هنا أنه تكرار غير ممل و يبتعد عن الحشو الغير مفيد.
  • الكتاب كونه يعالج موضوعاً حساساً فإنه يتطلب قراءة متأنية متفهمة متعمقة ولا ينبغي تصنيفه في خانة العداء للدين وأن لا يتم القفز المتعجل للاستنتاجات ولكن يمكن للقارئ أن يعقد المقارنات ليس فقط في دراسة الحالات الثلاث التي درسها المؤلف وإنما يتعداها لحالات أخرى سواء في بُعد دول أخرى أو في البعد التنظيمي للحركات والتنظيمات المختلفة، المتماهية مع تطبيقات السياسية الدينية، وأدوارها السياسية والثقافية والفكرية والتنظيمية والاجتماعية والأمنية والتحالفية وربما التاريخية.
  • يجب أن ننتبه إلى أن مؤلف الكتاب ينتمي لثقافة أخرى مع أنه تعاون مع قامات فكرية عالية في الدول التي درسها وعلى سبيل المثال فإنه يشير إلى تعاون وعلى المستوى العربي مع سيد القمني وحسن حنفي وغيرهما، إضافة إلى تواجده المباشر في الجغرافيات مثار الدراسة والبحث.
  • النقطتين السابقتين تؤشران على أنه ينبغي أن لا تثار جلبة مبنية على غير ما توخاه المؤلف من تناوله لموضوع الكتاب، أنه باختصار يميط اللثام عن كثير من الأمور المهمة لمرحلتنا، أمور حدثت في الماضي وتراكماتها من حيث الكم في وعاء الماضي آنذاك أفضت إلى تغير في الكيف نعيشه الآن واليوم، فما حدث في الأمس تمتد وتتفاعل تداعياته اليوم لهذا هو كتاب مهم ولأهميته فهو جدير بالقراءة.

ولأن عنوان الكتاب يبدأ بكلمة أو مصطلح السياسة ويعقبها الدينية وثم الدول، وبذلك فالمؤلف يعتبر أنه أصبح للدول (سياسة دينية)، وبذلك فأنه يضيف إلى السياسات العامة الدولة أو الدول: السياسة الدينية.

وحتى نتمكن من الإلمام بموضوع الكتاب فإنني سأتناول مصطلح (السياسة العامة) مفهوماً وتعريفاً اصطلاحياً مبسطاً واعتمدت في ذلك كتاب: (السياسة العامة، منظور كلي في البنية والتحليل، د. فهمي خليفة الفهداوي، قسم الإدارة العامة، جامعة مؤته، دار المسيرة للنشر والتوزيع ط(1)، عمان2001). وما سيرد في باب التعريف المأخوذ من كتاب د. فهمي سيأخذ بتصرف.

السياسة العامة

انبعث وبرز هذا المصطلح كعلم وتبلور في منتصف القرن الماضي بفضل جهود عالم الاقتصاد السياسي هارولد لاسويل.

تعريف السياسة العامة وفق المنظورات المختلفة:

أولاً: منظور القوة:

ويمثل هذا الاتجاه (لاسويل) ويعتبر أن السياسة العامة هي: من يحوزعلى ماذا؟  ومتى؟وكيف؟من خلال نشاطات تتعلق بتوزيع الموارد والمكاسب والقيم والمزايا المادية والمعنوية وتقاسم الوظائف والمكانة الاجتماعية بفعل ممارسة القوة أو النفوذ والتأثير بين أفراد المجتمع من قبل المستحوذين على مصادر القوة.

         ومنظور القوة يعكس إمكانية الصفوة في حصولها على القيم الهامة من خلال التأثير على قوة الآخرين في المجتمع وإن السياسة العامة تكون انعكاساً لوجهة نظر أو إرادة أصحاب النفوذ والقوة المسيطرين على محاور المنتظم السياسي ونشاطاته ومؤسساته.

ثانياً: منظور الحكومة:

ويمثله (روبرت ناكامورا) ويعتبر أن السياسة العامة: مرشد لوضع توصيات صانعيها- صانعي السياسة العامة- موضع التنفيذ العملي والتكفل في إنجاز بعض الأهداف الثابتة وإحلال التغيير المنتظم في المجتمع وهي أيضاً وسائل لتغيير السلوك وتوجيه الأعمال بواسطة صناع السياسة [ وهذا من تطبيقات المدرسة السلوكية في السياسة[.

ثالثاً: منظور النظام السياسي:

ويمثله جابربيل آلموند الذي يرى أن السياسة العامة هي تعبيرات عن النوايا يتم سنها وإقرارها من قبل السلطة التنفيذية والتشريعية، وتخصيص الموارد وتحديد الجهات المسؤولة عن تطبيق وإنجاز هذه الأهداف.

وسنلاحظ من خلال عرض قراءة الكتاب أن مؤلفَهُ أخذ بتكامل المنظورات الثلاث في تعريف السياسة العامة المارِّ ذكرها.

تعبيرات السياسة العامة:

         وتتم من خلال عده صور وأشكال منها القوانين واللوائح والقرارات والأحكام القضائية وبإقرارها يرى البعض أنها شرعية لارتباطها بالبعد القانوني.

استقلالية وتبعية السياسة العامة

وتعريف السياسة العامة من منظور الحكومة فهو يعبر عن حركية معينة فالحكومات بتفاعلها في الإطار المحلي والدولي ومن حيث التأثير عليها أو عدمه، إما أن تكون مستقلة أو تابعة، وفي المستوى المحلي ومن منظار القوة تكون تحت تأثيرات مختلفة تجعلها تخضع لتأثيرات متتابعة من خلال قرارات معلنة أو غير معلنة وهذا ينطبق عليها في العلاقات الدولية.

وهذا ما سنلاحظه في الكتاب حيث أن السياسة الدينية للولايات المتحدة أثرت على حكومات أخرى وخصوصاً في مرحلة الحرب الباردة بحيث عمقت من تبعية هذه الحكومات ليس في المجالات المتعددة فحسب وإنما أيضاً في مجال السياسة الدينية لخدمة أهداف محددة بوصف أن السياسة العامة في أحد جوانبها توضع لتنفيذ أهداف محددة.

السياسة الدينية  والدول العلمانية مصر

والهند والولايات المتحدة الأمريكية

الكتاب من تأليف (سكوت هيبارد) وترجمة (الأمير سامح كريم) ومن منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون الآداب، من سلسة عالم المعرفة. عدد يونيو 2014 ويحمل رقم العدد(413).

الكتاب يقع في (415) صفحة من القطع المتوسط ويحتوي على استهلال ومقدمة وسبعة فصول وخاتمة وهوامش وتعريفاً بالمؤلف والمترجم.

والمؤلف أستاذ للعلوم السياسة في جامعتي (دي بول) بالينوي والجامعة الأمريكية بالقاهرة وحاز على الدكتوراه في السياسة المقارنة من جامعة جون هوبكنز له بعض الكتب مثل: (النشاط الإسلامي والسياسة الخارجية الأمريكية) عام 1997، وبذلك فهو على اطلاع بالحياة السياسية المصرية.

أما المترجم فهو حاصل على بكالوريوس العلوم العسكرية ويعمل مترجماً في معهد لغات القوات المسلحة المصرية.

         ومن استهلال الكتاب يُبين المؤلف أن كتابه حصيلة جهدٍ امتد لسنوات من (1992-1997 في المعهد الأمريكي للسلام)، حيث شهدت المنطقة تصاعداً للعنفِ الإسلامي في الشرق الأوسط نتيجةَ عودة مجاهدي أفغانستان لاستكمال جهادهم داخل ديارهم التي عادوا إليها وخصوصاً في مصر حيث عملت الحكومات على استخدام تفسير سلفي (أو رجعي) للدين وكان هذا بتأثير السعودية وثروتها النفطية، ولكن ذلك السلوك تجاه الدين لم يكن مقصوراً على مصر وحدَها بَل امتَدَّ إلى أنحاء واسعة وكان ذلك طوال فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي باعتبار ذلك خاصية محورية لاستراتيجية الحرب البادرة الخاصة بالولايات المتحدة داخل منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا، بلغت ذروتها في الثمانينيات بالحرب في أفغانستان.وكان هذا أيضاً واضحاً في السياسات الداخلية للبلدان حول أنحاء العالم.

 لقد منح استحضار التفسيرات الرجعية للتقليد الديني المسؤولين بالدولة أساساً ثقافياً لمطالبهم بتولي الحكم ووسيلة فعالة لحشد المشاعر الشعبية وراء الأنماط التقليدية الخاصة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي والسياسي. وباختصار عمل الدين المحافظ كحصن منيع ضد الأفكار والنشطاء المرتبطين باليسار السياسي.

الكتاب كما يقول المؤلف يفحص ثلاث مجتمعات استبدل فيها الالتزام بالأعراف العلمانية نماذج محددة للسياسة الدينية: مصر والهند والولايات المتحدة. وترتبط نقطة البداية في الكتاب بتساؤل: لماذا كانت التفسيرات المحافظة أو الرجعية للدين شائعة للغاية وفعالة إلى هذا الحد في تلك المجتمعات؟ وتكمن الإجابة لدى المؤلف في ثلاث موضوعات متصلة ببعضها البعض وهي:

أولاً: جعل الدين قاعدة مهمة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي بحيث أصبح أداة جوهرية بالنسبة إلى الخطاب المعاصر للقومية الحديثة والطائفية السياسية.

ثانياً: يوفر الدين إطار معنوي جماعي لربطه بالحياة السياسية الحديثة.

ثالثاُ: المسؤولين بالدولة والعاملين في مجال السياسة تلاعبوا بالهويات ووجدوا الفائدة من الترويج لتفسير محافظ للدين كأساس للشرعية الشعبية.

وبذلك تصبح تفسيرات الدين بتلك الصورة أداة معنوية للحشد السياسي ببعده التنظيمي لإيجاد قاعدة أيديولوجية دينية للشرعية السياسية للحكم().

وما مرَّ يناقض افتراضات نظرية الحداثة التي تؤكد أن الدول (والحداثة) كانت علمانية الأصل وملتزمة برؤيةٍ معنية من التنمية ويرى المؤلف أيضاً فيما مرَّ أنه يُمثل انحرافاً حاداً عن معظم العمل الأكاديمي الحديث الذي تناول المجال المزدهر الخاص بالدين والسياسة. واتجه البحث الآن إلى التركيز على الحركات الاجتماعية والأيديولوجيات المصاحبة للمذاهب الأصولية الدينية.

وكيف أن ذلك البحث وفي أعقاب الحرب البادرة أغفل السياق الذي ظهرت فيه ومن خلالِهِ هذه الحركات، وأن التأكيد على الفعالية الدينية أغفل تورُّط المسؤولين بالدولة في صعود الأيديولوجيات الدينية الرجعية نتيجة محاولات المسؤولين بالدولة لاستقطاب الدين الرجعي والتحول الأيديولوجي المتزامن الذي عاصر صعود المذاهب الأصولية الحديثة.

ويُصرِّح المؤلف بأنَّه ولِيَكون أَكثرَ وُضوحاً فإنه لا يجادل في الارتباط بين الأيديولوجيات والحركات الدينية ومصاحبتها للمذاهب السياسية ولا يختلف أيضاً مع القول أن تلاعب الدولة بالدين كان العامل الوحيد الذي ساهم في انبعاث السياسة الدينية داخل الدول مثارَ دراسات الحالات الثلاث وأن المسؤولين بالدولة هم الذين تسببوا في خلق المذاهب الأصولية، وإيصال الأفكار والنشطاء المرتبطين بالحركات الأصولية إلى الاتجاه الأيديولوجي السائد.

ويرى المؤلف أن دراسته تمنح إطاراً نظرياً للعمل ومرشداً لفهم أكبر للسياسة الدينية المعاصرة، فهماً يفسر الخطر الذي يشكِّله نشطاء الدين والتوجُّه المتغير للمسؤولين بالدولة ويعتبر أنَّ بعض هذه الأمور في تلك الحالات مألوفة خاصة لمن لديهم اهتمام بدراسة الدين والسياسة ولكنَّه سيجد بعض المواد المثيرة للدهشة من داخل السجل التاريخي غير المعروف على نطاق واسع أو الذي يتم تجاهله. وللتدليل على ذلك فإنه يشير وفي حاله الولايات المتحدة على سبيل المثال أن نيكسون أقام شعائر دينية في البيت الأبيض.

وان انبعاث السياسة الدينية لم يكن إلا نتيجة استراتيجية الحزب الجمهوري للاستقطاب وأن صعود اليمين الديني لم ينشأ باستقلالية من داخل مضمار المجتمع المدني ولكنه حرض من أثرياء الحزب الجمهوري الذين سعوا إلى استخدام الكنائس والأفكار والمنظمات المسيحية للحد من أهمية الاعتبارات الاقتصادية كأساس للتصويت يتخذه الأمريكيون من الطبقة الكادحة().

وما يسوقه المؤلف بهذا الخصوص ناجم عن توصله لذلك من خلال خبرتِه في العمل الحكومي الأمريكي طوال فترتَي الثمانينات والتسعينيات (داخل الكونغرس)، حيث عمل موظفاً لمصلحةِ ثلاثةِ أعضاء ثم عَمِل في إحدى الوكالات الفيدرالية المستقلة، حيث اطَّلع بِشكلٍ مباشر على التلاعب المتَعَمَّد بالمشاعر الدينية والشعبية واليمينية التي شكَّلَت كلاً من عصر ريغان واستيلاء الجمهوريين على مجلس النواب ومجلس الشيوخ. وبذلك نرى المؤلف مرة أخرى أنَّه على اطِّلاع ودراية عملية ونظرية وبحثية بالسياسة الدينية للولايات المتحدة.

ويؤكِّد أنَّ استقطاب جمهور الناخبين تم باستراتيجيات متعمدة وضعتها شركات العلاقات العامة ومراكز البحث وذلك ضمن الآلية السياسية لحركة المحافظين، كما وأنَّه يؤكد أيضاً أن ذلك قام على إتقان فن التعتيم والحشد الشعبي، وأن الدوافع وراء ذلك هو حقيقة بلوغهم مصدر قلق الأمريكيين من الطبقة الكادحة الناجم عن أوضاعهم وإقناعهم بأن ذلك ليس بسبب وضعهم الطبقي وليس بسبب الرأسمالية التي أعقبت الثورة الصناعية.

وبهذا التبرير تم استبعاد البعد الطبقي في مجال السياسة الاقتصادية والاجتماعية بحيث لم يعد هذا البعد أداة ومنهجاً في التحليل.

وفي الحالة المصرية،وكما يبين المؤلف وفي مقدمة الكتاب فإنَّه في عهد السادات تم استخدام مؤسسات الدولة الحديثة (مفهوم الحداثة) للتشجيع النشط للأصولية الإسلامية، حيث تم توسيع التعليم الديني وزيادة البرامج الإسلامية المعروضة في التلفزيون المملوك للدولة، إضافة إلى التوسع في تمويل بناء المساجد من قبل الدولة، كما ودَعمت أجهزة المخابرات شبكة تضم مجموعات الطلاب الإسلاميين داخل مقرات الجامعات المصرية لاستقطاب الأفكار والنشطاء الإسلاميين؛لإرساء أساس متأصل في التقليد الديني لشرعية الحكم من جهة ومن أخرى لاحتواء اليسار العلماني()، ويشير المؤلف لما يقارب ذلك في الهند وفي دول أخرى مثل ماليزيا وباكستان وتركيا وإسرائيل والسودان وسريلانكا والجزائر.

والهدف من استقطاب الأفكار والنشطاء المرتبطين بالأصولية الدينية، واستخدام التفسيرات الرجعية والمحدودة للدين لتوفير تأكيد كهنويتي لخلق قاعدة شعبية للحكومات المحافظة، وباختصار جَرَى استحضار المذاهب الأصولية بواسطة النخب في الدولة لإجازةِ عصر جديد من السياسة المحافظة().

وكان من نتائج ذلك وخصوصاً في أعقاب الحرب الباردة من تطبيع الأيديولوجيات الدينية التي مارستها النخب السياسية أن أدت لبعض الأمثلة، الإبادة الجماعية في البوسنة وظهور اليمين المسيحي داخل الولايات المتحدة وهيمنة القومية الهندوسية وانتشار الأصولية الإسلامية.

ومثل ذلك تراجعاً عن العلم والمنطق في التفسير الفكري للواقع وتشكيل المستقبل، ليس فحسب بل أن المسؤولين السياسيين ومن جميع الأطياف والهويات الدينية استخدموا الدين لخلق لغة معيارية للحياة العامة وتقديس السلطة السياسية ومواءمتها للأغراض الشخصية وتأكيد علاقات الهيمنة وإسباغ السياسة عليها بمضمون كهنوتي.

وكل ذلك يتم في إطار الطائفية السياسية ومن خلالها يجري نفي البعد الطبقي، حيث تؤكد الطائفية السياسية على أن من هم أعضاء في هذه الطائفة لديهم اهتمامات موحدة وبصرف النظر عن الموقع الطبقي لعضو الطائفة الدينية.

ويستخدم المؤلف المنهج التحليلي التاريخي والمنهج المقارن، حيث يقارن بين متباعدات زمنية ففي خمسينات وستينات القرن الماضي تبنى المسؤولون دعوات صريحة لتبنى مفاهيم تحررية للتنمية القومية تمخض عنها سياسات اقتصادية تقوم على تخفيف حدة الفقر ورعاية الدولة للتنمية الاقتصادية، وإيجاد السياسات والآليات لدمج قطاعات متنوعة من السكان لتكوين إطار عمل سياسي مشترك، وبذلك فإن المواطنة لم تقم على أساس هوية دينية معنية، وبذلك يمكن القول أن تلك الفترة ربطت بين الحداثة والعلمانية، بمعنى أن سمة خمسينات وستينيات القرن العشرين لم تفترض القضاء على الدين، فالمواطنة هي الهوية الجامعية للسكان والدولة هي التي ترعى التنمية الاقتصادية.

ولكن في سبعينيات وثمانينات القرن العشرين تراجعت الدولة عن دورها الاجتماعي والاقتصادي، وتقلصت أهمية البعد الطبقي في السياسات الوطنية() ولم تعد التَّنمية أداةً للمستقبل، بل تم النظر إلى جمهور المحافظين دينياً إلى كتل انتخابية يفضل التودد إليهم().

فصول الكتاب:

الكتاب يقع في سبعة فصول، والأول عنوانه: (إعادة تفسير السياسة الدينية الحديثة)، ويشير إلى الترابط بين الدين والمؤسسات الحديثة في إطار السياق الأيديولوجي للدولة القومية، وتشابكهِ على نحو جوهري مع الهويات الوطنية أو الطائفية، والفكرة الثانية في هذا الفصل تؤشر على وجود تباين في تفسير الدين والغايات التي من أجلها قد استخدم، وهذا يؤدي لوجود تفسيرات مختلفة للأديان وما يترتب على ذلك من وجود رؤى متنافسة داخل المجتمع، وبالتالي يجري تحريكها إما دعماً أو معارضة للنظام الاجتماعي القائم.

ويعتبر المؤلف أنَّه ونتيجةً  لتوجُّه النخب بالدولة تجاه الدين الرجعي، فإن الحركات الأصولية بقيت أسيرة أفكار ورؤى لم تتغير، مما انعكس أيضاً في خطابها ولكن هذه الحركات ونتيجةَ دورِ النخب فإن ذلك أرسى الأساس لِأَنْ تَقومَ تلك الحركات بوسائل جديدة لترويج رسالَتِها في الفترة ما بعد 1970. حيث حَرَّضت هذه الحركات والمذاهب على نحو كبير الدولة…لاستقطاب الدين لأغراض خاصة.

أما الفصل الثاني وعنوانه: (صعود العلمانية المصرية وسقوطها)، فيدرس التداعيات الناجمة عما تم توضيحه في الفصل الأول، حيث أدى الجهد المبذول من جهة النخب بالدولة لاستقطاب رؤية محدودة للدين والمجتمع لإشعال اللهيب الطائفي لمصلحة مكاسب سياسية، حيث نتج عن ذلك سياسة مسببة للشقاق على نحو كبير تعمل فيه الاختلافات الدينية على إرشاد خطوط الصدع للخلاف السياسي.

والفصل الثالث مخصص لاستكمال دراسة الحالة المصرية وعنوانه: (أسلمة السياسة المصرية) عبر دوري الزعيمين الذين حكما مصر منذ ما بعد عبدالناصر وتوجهات ثورة 1952 العلمانية، حيث أن السادات تخلّى عن الخيار العلماني لمصلحة إسلامٍ سلفيِ متأثرٍ بالسعودية،ومبنى على التحالف مع الإخوان المسلمين وملاك الأراضي، وتم استخدام الدين المحافظ لوصم اليسار السياسي وتحريك المشاعر الشعبية تأييداً لسلطة الدولة، بحيث أن النظام اللاحق، نظام مبارك، أصبح سجين سياسات ما سبقه.

وفي الفصلين الرابع والخامس ويتناولان حالة الهند وعنوانهما: (العلمانية الهندية وسقوطها، وغرس الطائفية  في السياسه الهندية)، ويرصد المؤلف دور “المهاتما غاندي” في إرساء أسس التسامح، وعدم استخدام العنف باعتبارها الصفة المحورية للهندوسية، ليأتي خلفه “نهرو” ويضع القومية العلمانية بناءً على تلك الأفكار، وفي سياق تاريخي لاحق قام حزب المؤتمر الهندي المهيمِن على السياسة الهندية بالتلاعب بالسياسة الدينية،مما أدى لنشوء توترات طائفية، وذهبت نحو التشدد الهندوسي القومي مما أدى في النهاية إلى الصعود المفاجئ والسريع لحزب (بهاراتياجاناتا) في تسعينيات القرن الماضي.

الفصلين السادس والسابع هما من أكبر فصول الكتاب،وسنتناولهما بشيء من التوسع ونرى أنها إطالة ضرورية لأهميتها، فما جرى هناك من تطبيقات للسياسة الدينية كان يلقي بتبعاته على السياسة الخارجية الأمريكية، بل وكان ينتشر ويتغلغل في العديد من الدول وفي مقدمتها الشرق الأوسط، وعنواني الفصلان هما: (صعود العلمانية الأمريكية وسقوطها، والقومية الدينية في عصر ريغان- بوش) ويغطيان الصفحات (241-283) من الكتاب.

ويستهل المؤلف الفصل السادس بقوله: أنَّ الدينَ ظلَّ خاصية محورية للسياسة الأمريكية. وعلى الرغم من وجود انفصال مؤسَّسِي ما بين الكنيسة والدولة، ظل الدين- تحديداً الدين المسيحي البروتستانتي- متأصلاً داخل القومية والثقافة الأمريكية، وكذلك الاعتقاد بأن الأمريكيين هم الشعب المختار بما لديهم من قدر فريد في العالم.

أصول العلمانية الأمريكية:

يعتبر التراث الديني للتاريخ الأمريكي متشعباً، فعلى الرغم من إرساء الأفكار والمبادئ العلمانية في الدستور التأسيسي، تميزت الفترة الاستعمارية الأولى بالانتماء المتَّسِق بين الدين والدولة. هاجر المستوطنون… إلى أمريكا بحثاً عن الحرية الدينية. فقد سعوا إلى إيجاد ملاذ لهم في العالم الجديد نظراً إلى ما واجهوه من اضطهاد داخل إنجلترا… فقد رأوا في أنفسِهم سُكاناً “لإسرائيلَ جديدةٍ” بعيداً عن دولةٍ سيطر عليها الزَّلل الديني.

وكان الافتراض الشائع في تلك الفترة أن الدين يمنَح الأساسَ الأخلاقي للمجتمع، لهذا كانت هناك حاجة إلى قانون مدني … وأن السلطات المدنية لا تمتلك الحق لإجبار الأفراد في أمور العقيدة، وأن القيام بذلك ليس مجرد انتهاك لحرية إرادة الفرد فحسب، بل أيضاً ضد “الرسالة التي نزل بها المسيح”؛ ولأنه لا ينبغي على الدولة إقحام نفسها في مجال الترويج لأحد التفسيرات المعينة للدين، كما لم يؤمنوا بضرورة تحالف الحكومة مع السلطات الدينية…” تحت المسميات المشتركة للقيصر والله، بهدف فرض إرادتهم على الشعب”. بمعنى آخر كان الدين أمراً يُفضل تركُهُ للفرد ولله.

وهذا ما آمن به معظم الآباء والمؤسسون بمن فيهم:واشنطون وماديسون وجيفرسون وفرانكلين، بأنه من الأفضل ترك الدين للمجال الخاص. ونظر هؤلاء الأفراد إلى الدين الرسمي على أنَّه أحد نماذج حكم الطغيان() التي سعت الثورة إلى الإطاحة بها.

وبالتالي، كان دعمهم للانفصال الواضح للكنيسة عن الدولة مستوحى من رغبةٍ في الحد من قدرة السلطات الدينية والسياسة؛ للتدخل في مضمار الإرادة والضمير. وأثناء مؤتمر صياغة الدستور على المستوى القومي عام 1789 على مستوى الولايات.. كانت هناك درجة مدهشة من الاتفاق في الرأي بخصوص إقامة نظام علماني، وافق المؤتمر على إزالة الإشارات إلى الله من الدستور…ظهرت الخاصية المحددة لهذا في هيئة التعديل الأول الذي يحظر على الكونغرس تمرير أي قانون يحرم فيه الحرية الدينية، أو يجعل للكنيسة صفة رسمية… وبالتالي تم تأييد الانفصال المؤسسي للكنيسة عن الدولة بصفتِهِ أفضل وسيلة لضمان الحرية الدينية.

إن المخاطر الناجمة عن الانقسام الطائفي والعدد المتزايد من المعارضين قد عمل أيضاً على إقناع معظم نواب البرلمان على وضع أنصار الطوائف المتصارعين على قدم المساواة، عن طريق عدم منح أحدهم أي وضع خاص().

استمدت الحرية الدينية من تنوع الجماعات الدينية داخل المستعمرات وهذا تطلب درجة أكبر من الحرية… وجرى تسهيل ذلك عن طريق براغماتية التجار المحليين- الذين كان يحركهم الربح أكثر من الدين.

القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين

إذا كانت مؤسسات الدولة الأمريكية في بدايتها تتصف بالعلمانية، فقد ظلت الثقافة دينية على نحو كبير.. وأسهمت الحرب الأهلية في تعزيز الأساس الديني للقومية الأمريكية… وامتد تأثير الدين على الهوية والسياسة الأمريكية مع توسع الدولة وتبرير ديني للاستيطان في الغرب بوصفة تكليفاً دينياً.

امتد هذا التفسير الديني للتاريخ الأمريكي حتى وصل التعهدات الإمبريالية في الفلبين وكوبا ودخول الدولة في الحرب العالمية الأولى. وفي كل مثال، كان هناك اعتقاد راسخ وثابت في الأذهان بأن أمريكا بصدد تأدية تكليف ديني. أصبحت المسيحية البروتستانتية ورأسمالية الشركات والسياسات الاقتصادية للسوق الحر متشابهة بشكل كبير… وتجسد كل من الدين والقومية والرأسمالية في رؤية.. شكلت “الأسلوب الأمريكي في الحياة”، ومنح الدين في هذا السياق تأكيداً كهنوتياً لنظام اجتماعي تحدد.. بتوزيع غير منصف للثروات كما أجازت المهمة المسيحية ممارسة السلطة الأمريكية والطموح الإمبريالي.

أسهم الازدهار الصناعي والحضري السريع في تغيير وجه أمريكا، وكذا الهجرات الأوروبية التي زادت من معدل الكاثوليك واليهود داخل الدولة، كما وضع أيضاً التطور العملي ومذهب داروين والفكر الماركسي المعتقدات الدينية الحرفية للمسيحية البروتستانتية موضع شك وتساؤل…وتركز الجدل حول كيفية وقابلية الدين الأمريكي للتكيف مع الحداثة…إن أوجه الجدل قسمت الأمريكيين بين “عصريين” و”تقليديين” أدت إلى قيام جماعة من التقليديين المسيحيين بطرح سلسلة من الكتب التي أكدت على سلطة الكتاب المقدس” باعتباره عالم الله المعصوم والمنزهِ عن الخطأ وكانت هذه الكتب بمنزلة الأساس للأصولية المسيحية المعاصرة.

وبفعل الكساد الكبير تغيرت المفاهيم الشعبية عن الرأسمالية الصناعية، وما ارتبط بها من الأفكار المعتدلة المتعلقة بالأسلوب الأمريكي في الحياة وكذلك إضعاف مكانة الحزب الجمهوري الذي كان حليفاً قوياً للنخب من رجال الأعمال…. ونتيجة تلوثه بجرائم الفساد والتجاوزات الاقتصادية التي شهدتها فترة العشرينيات.

وظهر في فترة حكم فرانكلين روزفلت مبدأ عدم التدخل في السياسات الاقتصادية ودعا إلى تدخل حكومي أوسع نطاقاً في الاقتصاد قائلاً: (القوه الأمريكية لا تظهر في مستويات إجمالي الناتج القومي، لكنها تكمن في “العدالة الاجتماعية والاقتصادية للنظام”).

عرفت سنوات ما بعد الحرب في أمريكا بالنمو الاقتصادي السريع والتغير الاجتماعي والخصومة الأمريكية- السوفيتية الشديدة. وتميزت أيضاً بإعادة انبعاث الدين داخل كل من الحياة العامة والخاصة. شهد الدين المنظم في المجال الخاص زيادة هائلة في عدد المنضمين إليه أواخر أربعينيات ومطلع خمسينيات القرن الماضي… وربط كل من أيزنهاور وترومان حب الوطن بالمعتقدات اليهودية المسيحية على نحو معتمد، وأصبح هذا الارتباط ما بين الدين والقومية الأمريكية أكثر وضوحاً عند بداية الحرب الباردة… واعتبر الزعماء الأمريكيون التقليد الديني للأمة باعتباره خاصية تحدد صراعها مع الاتحاد السوفيتي.

أكدت حملة إيزنهاور للانتخابات الرئاسية عام 1952….أن إيمان أمريكا بالله كان بمنزلة عامل مميز يفرق ما بين أمريكا وشيوعية الشرق الكافرة، وأن كل التقاليد الأمريكية مستوحاةٌ مما شهده موسى في سيناء وما ذكره عيسى على الجبل.

أرشدت هذه الصلات ما بين الله والوطن تصور أيزنهاورللحرب الباردة، التي وصفها على أنها صراع ديني ما بين القوى المادية والقوى الروحية…”،وأن التفوق على هذا الشيء المسمى بالشيوعية لا يتحقق إلا من خلال الدين.

سادت في تلك الفترة رؤية أكثر عدوانية ومحدودية للقومية الدينية الأمريكية. على سبيل المثال، صرح مبشرون بمنظور، يصف الحرب الباردة على أنها صراع ديني، وربط الخطط السياسية المحافظة بإرادة الله،وقد ربط الجنرال ماك آرثر الحماسة الدينية بالواجب الوطني قائلاً: “إن عقيدتنا المسيحية هي بمنزلة الحصن العظيم لجميع أشكال الحرية واستحضر عضو مجلس الشيوخ جوزيف مكارثي صورة مروعة للحرب الباردة…بأنها معركة نهائية وشاملة بين الشيوعية والديانة المسيحية.

ارتبطت أيضاً القومية الدينية التي شهدها عصر مكارثي بتأكيد المذاهب الاقتصادية والاجتماعية المحافظة وبناء على الركائز الثلاث لمناهضة الشيوعية والاقتصاد التحرري “والقيم التقليدية” منح هذا التيار الأيديولوجي الأساس لما كان يعرف باليمين المتطرف… وقاعدة العمل للحركة المحافظة المعاصرة…ووجد أولئك الدعم لآرائهم من خلال بعض المؤسسات، مثل مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) وغرفة التجارة الأمريكية. واستخدم مكتب التحقيقات الفدرالي سلطاتِه الأمنية للترويج لأفكار مناهضة الشيوعية().وهناك منظمات مسيحية محافظة مثل المجلس الأمريكي للكنائس وبعض مقدمي البرامج الدينية،مثل برنامج الحرب الصليبية المسيحية. وتعدى ذلك إلى محاكمة المثقفين الليبراليين بتهمةِ الخيانة العظمى والتجسُّس والارتباط بالاتحاد السوفييتي، وهذا ما أنكره وحتى وفاته أحد الذين سجنوا بسبب ذلك: المحامي والمحاضر (ألغِرهيس).

ووجه مجلس الأمن القومي الوكالات الحكومية لاستنفار الرأي العام ضد الحرب الباردة، وكان ذلك يعني تنظيم الندوات المناهضة للشيوعية بواسطة أعضاء من القوات المسلحة.

التعصب المرتبط باليمين خلق” ديناً بديلاً” أعاد توجيه التقوى والإخلاص إلى شيء آخر غير الله، واستعداد المحافظين للاستخفاف بمن يعارضونهم أصبح يشكل تهديداً للحرية… وأن التحقيقات اليمينية سرعان ما تحولت إلى محكمة().

 

إرث نيكسون

سعى نيكسون إلى استقطاب المسيحية المحافظة؛ للقضاء على الهيمنة السياسية للحزب الديمقراطي، وبذلك فقد ساعد على إعادة تعريف إطار الجدل الأيديولوجي لمعظم ربع القرن المقبل، وفي مقدمة الفصل السادس، وعلى هامش الصفحة 241 يقول المؤلف: “أسهم نيكسون في وضع حد للنظام العلماني المنتشر بعد الحرب وشرع في عملية إعادة تغيير مسار جوهرية للسياسة الأمريكية”.

ففي حملة الانتخابات الرئاسية لعام1968 تركزت استراتيجية نيكسون على افتراض أغلبية محافظة ثقافية، تتطلب حملة استقطاب لها وتعمل على تقسيم الشعب الأمريكي على طول خطوط طائفية وليست طبقية، وتضمنت إجراء حملات سياسية ركزت على الانقسامات “الرأسية” (السلالة والعرق)، ولم يتم التأكيد على الانقسامات “الأفقية” (الطبقة الاجتماعية والتفاوت الاقتصادي).

عكست الموضوعات الرئيسية لحملة نيكسون الانتخابية ما كان ينادي به في سنواته السابقة كمناهض للشيوعية في الخمسينات، ووصف حرب فيتنام على أنها قضية أخلاقية منبثقة من تحدي الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، وأن الخلاف حول الحقوق المدنية هو نتيجة للنشطاء المتطرفين خارج الاتجاهِ الأمريكي السائد… وأن الاستفزازيين من الداخل يتلاعبون بطلبة الجامعات، وأن الطلبة قد فشلوا في إدراك الأعداء الحقيقيين المرتبطين بالشيوعية الدولية، والارتباك الاجتماعي المصاحب لهذه القضايا لم يكن غير شرعي فقط، بل مثل أيضاً تهديداً داخلياً لعظمة -ووحدة- الأمة.

نيكسون خلط بسهولة بين الدين والقومية… وبالنسبة إلى نيكسون، اعتمدت الجودة الفطرية لأسلوب الحياة الأمريكي على هويتها كأمة دينية… ونظر إلى المشكلات التي شهدتها السنوات الماضية على أنها نتيجة لما اقترفته قلةٌ ناقمة، فقد توجهت رسالتُه نحو ما نظر إليهم على أنهم الأغلبية المحافظة التي أشار إليها بـ”الاغلبية الصامتة”().

وقد استخدم نيكسون الشخصيات الدينية المحافظة المشهورة لمهاجمة الانتقادات الموجهة من زعماء الدين اليساريين، وترأس “بيلي غراهام” الشعائر الدينية داخل البيت الأبيض، والذي أشار إلى خطاب تسلم نكيسون للرئاسة بأنه لم يقرأ من قبل بهذا القدر من الدقة والتحديد للتعبير عن المشكلات التي تواجه جيلنا داخل أمريكا وفي أرجاء العالم، ولم يجد المراقبون في هذه الشعائر الدينية سوى حشد سياسي للجمهوريين.

واشترك الرجلان في معتقدات تتعلق بمعارضة شديدة لقرار المحكمة العليا بحظر أداء الصلوات التي تتبناها الدولة داخل المدارس الحكومية، واعتبار أن رجل الشرطة هو عميل خادم لله وأن السلطة الممنوحة له ليس من مؤسسةٍ دنيوية بل من الله العلي القدير.

سعى نيكسون نحو إعادة تعريف المفاهيم الشعبية للأصالة الثقافية، ووصم الأعراف والأفكار والليبرالية على أنها مخالفة للتقاليد الأمريكية، وأن الدينَ والسياسةَ المحافظة وطنيةٌ أصيلةٌ ، وأن الحزب الديموقراطي حزب مناهض للمؤسسة العسكرية يطالبون بزيادة الضرائب، وهم جماعات ضغط لنشر الرفاه، أما الجمهوريون هم الأمريكيون الحقيقيون الذين دعموا المؤسسة والديانة المسيحية والسلطة.

وكان التحالف بين نيكسون وغراهام مستوحى من ارتباط قديم بين الدين المحافظ والمناهضة اليمينية للشيوعية، وهناك جانب رئيسي لسياسة نيكسون الثقافية تخلط الدين والأمة والدولة.

ويرى في الأساس الديني للقومية الأمريكية رخصة كبيرة لمنح أيديولوجية الاستثنائية الأمريكية تبريراً أخلاقياً لسلطة تنفيذية جازمة، سواء في الداخل أو في الخارج. الأمر الذي أدّى لسياسة خارجية منذ الأربعينيات في دعم نظم الحكم الاستبدادية،والعمل على هدم حق تقرير المصير للشعوب.

وفي حملته الانتخابية 1972 أخذ الاستقطاب بمحاولة شق الشعب الأمريكي إلى أغلبية يمينية وأقلية يسارية، واعتبرها نيكسون- الأقلية اليسارية- بأنها منشقة، وارتبط بذلك السعي الجمهوري المستمر في بناء أغلبية ثقافية حول القضايا الثقافية عن طريق تصوير علل المجتمع بأنها ثقافية وليست اقتصادية أو سياسية، وأن الاختلافات الطبقية ليست بسبب مستويات الدخل ولكن بسبب القيم الثقافية.

وليس هذا فحسب بل أنه تم اعتبار أن المحافظين الجمهوريين البيض هم الوطنيين وما عداهم معارضة غير وطنية، وتم استخدام الدين كثقافة لتحل محل الاعتبارات الاقتصادية، أساساً لعملية التصويت في الانتخابات ومنح الحزب الجمهوري  قاعدة شعبية لمصلحة سياساته المحافظة.

القومية الدينية في عصر ريغان بوش

         وهذا هو عنوان الفصل السابع من الكتاب، ويبين فيه أن مساعي الحزب الجمهوري لبناء أغلبية محافظة تعتمد العرق والدين والثقافة، أتت ثمارها في فترتي ريغان وبوش.

كانت هناك خاصية محورية لاستراتيجية الحزب الجمهوري- وحروب الثقافة المتزامنة- وهي وصم الأفكار والأعراف الليبرالية بأنها مضللة ولا أخلاقية، واعتمدت الاستراتيجية أيضاً التشويش على قضايا الفقر وفقدان الصناعة الوطنية وتكلفة السياسة الخارجية الباهظة.

وكانت المفارقة أن عصر ريغان شهد زوال قاعدة التصنيع في شرق ووسط الولايات المتحدة وأخذت معها مستويات معيشة الطبقة الوسطى بالتدني، واجتهد القائمون على الحزب الجمهوري لاستقطاب حالة الاستياء المصاحبة للارتباك الاجتماعي والاقتصادي، وإعادة تعريف العلل التي عانى منها المجتمع الأمريكي، على أنها أزمة روح، وليست أزمة الرأسمالية، وتحقيقاً لهذه الغاية ساعدتهم الكنائس المحافظة وبعض الفاعلين السياسيين أمثال (كارول روف).

ثورة ريغان

أرشدت الانتخابات الرئاسية عام 1980 إلى رؤيتين متضاربتين للأمة وقدمت إحداهما إضافة إلى كارتر، مفسرين آخرين للعلمانية الأمريكية المعاصرة، وقضت المحكمة العليا ضمن سلسلة من الأحكام خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، عكست رؤية النظام الاجتماعي -والتي توصف عادة بالإنسانية العلمانية -فهماً للدين في الحياة العامة كان قد تطور في العقود الماضية. ومن هذا المنطلق، لم يكن الدين الحكم الأوحد للفضيلة، لكنه كان من ضمن العديد من القواعد الأخلاقية المتعلقة بالمجتمع والسياسية. وهذا أدى إلى التشكيك في جدوى ثبات مجموعة معينة من القيم أو المعتقدات الدينية. كما تحدت أيضاً “احتمالات تجاوز الحدود”، والمعايير الاستبدادية للسلوك البشري”.

واجهت هذه الرؤية العلمانية للنظام الاجتماعي معارضة بواسطة شبكة محكمة التنظيم بشكل متزايد من المسيحيين المحافظين، الذين شعروا بأن العلمانية تشكل تهديداً لحياة الأمه، وقد نسبوا زوال القيم التقليدية إلى انحدار الدين وليس بسبب التغيرات الاجتماعية والاقتصادية.

وعلى نهج معتنقي المذاهب الأصولية في دول أخرى، اعتقد النشطاء المسيحيون المحافظون، أن الاتجاه العلماني قد أرسى تحيُّزاً مناهضاً للدين داخل المجتمع.

إن صعود اليمين في السياسة الأمريكية، وإن السياسة الدينية الجديدة هي  في الواقع استكمال للسياسة الثقافية التي شهدها عصر نيكسون، واعتمد ريغان على نهج نيكسون، ولم تكن حملة ريغان الانتخابية 1980 ثورة بقدر ما كانت استرداداً. واستحضر ريغان الأفكار والرموز المتعلقة بالديانة المسيحية والأصولية والوطنية الأمريكية والمناهضة القوية للشيوعية، وهي توليفة تذكِّر بأيام الخمسينيات. وكانت الحركة المحافظة التي ظهرت في الثمانينات  تتبدى من خلال ثلاث فئات: المحافظون الاقتصاديون، والمحافظون الاجتماعيون، والمحافظون الجدد.

تمكنت حملة ريغان الانتخابية من توحيد هذه الأجنحة المتباينة للحركة المحافظة، عن طريق ربط القضايا السياسية اليمينية- الدفاع القوي، ومناهضة الشيوعية، والتحرر الاقتصادي- بالدين المحافظ.

يرجع الفضل الكبير في انتخاب ريغان عام 1980 إلى بعض المؤسسات المحافظة ورجال الفكر والإصدارات المقروءة والمسموعة، ولجان العمل السياسي التي ازدهرت في السبعينيات. وبتمويل من الشركات الكبرى والمؤسسات المحافظة -وفرت هذه الكيانات وسيلة جديدة للترويج للسياسات المحافظة داخل مجتمع السياسة بواشنطن، كما كانت هذه المنظمات القاعدة التأسيسية لليمين الجديد” الذي لم يختلف عن اليمين المتطرف في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وتلخص الاختلاف في وجود مزيد من الموارد المالية والتقدم في إعلانات حملات جمع التبرعات.

وعلى الرغم من أن نيكسون نجح في تسييس الدين بسهولة، تاركاً التعبير الأكثر وضوحاً عن الموضوعات الدينية لأمثال بيلي غراهام، كان ريغان أقل حذراً بكثير عند الحديثعن هويتِهِ المسيحية المحافظة،وذكر أن الإنجيل يحتوي على الإجابات لجميع التساؤلات المعقدة والبشعة التي تواجهنا داخل الوطن وفي جميع أرجاء العالم().

وتم استخدام الراديو والتلفزيون بشكل واسع؛ لإقامة شعائر دينية نجحت في الوصول إلى المستمعين والمشاهدين، وحققت كميات هائلة من الأموال، ووفرت جميع الأجزاء اللازمة للآلة السياسية.

 

تولى إدارة ريغان السلطة

إذا كانت حملة ريغان الانتخابية انصبت حول الموضوعات الدينية والثقافية، فإن أولوياتِه اتجهت نحو رفض الاقتصاد الكنزي، والحدِّ من تدخل ألحكومة وتوسع الفجوة بين الغنى والفقير. وفضلاًعن ذلك تشبع تراكم الثروة بالدلائل الأخلاقية التي عكست اعتقاداً ضمنياً بأنَّ الثروة الدنيوية هي في الأصل علامة على الفضل الإلهي وأصبح الرب والثروة كياناً واحداً لا ينفصلان.

 جرى التعبير عن السياسة الخارجية لإدارة ريغان بلهجة متشددة قريبة للحملة الدينية، صورت الولايات المتحدة وحلفاؤها على أنَهم المدافعون عن الحرية والله، منح ذلك الأساس لتمويل الجماعات المسلحة في أمريكا الوسطى وأفريقيا وأفغانستان لاحقاً،كما وضعت مناهضة ريغان الحماسية للشيوعية تبريراً للإنفاق العسكري المتزايد، والدعم المتجدد لبعض أنظمة الحكم الاستبدادية واعتبار ذلك قيم مشتركة تقوم على الإيمان بالله، وتم ربط سياسات الأمن القومي بقومية دينية عَمادها أن الرأي المعارض هو رأي غير وطني.

الفترة الثانية لتولي ريغان الحكم

كررت حملة ريغان الانتخابية 1984 معظم الموضوعات الرئيسية، لحملته السابقة وكرّر أنه يمكن للمرء العثور داخل الإنجيل على إجابات لكل المشكلات التي تواجهنا، إذا ما قرأناه فقط وآمنا به. ونادى بوجود صلة واضحة بين الدين المحافظ والوطنية باعتبار الدين المحافظة هو الدين الوسطي ووسطيته داخل الحياة العامة هو قاعده التأسيس الأمريكي()، أما الديمقراطية فقد وصفها ريغان بـأنها “تماماً مثل قراءة سياسية للإنجيل”، وأن دعم الإدارة للجماعات المسلحة حول العالم- مجاهدي أفغانستان ومتمردي أمريكا الوسطى- ارتبط بغرض مقدس.  إن هذه الرؤية للولايات المتحدة تحددت كمهمة دينية تركزت على قيام أمريكا بتنفيذ إرادة الله على الأرض.

واتجهت الإدارة إلى توطيد الصلة بالجماعات المحافظة التي دعمت أجنداتها السياسية ووصف خصوم الحركة المحافظة على انهم مخالفون للتقاليد الأمريكية أو غير متدينين، وسعت إدارة ريغان لفرض معتقداتها على الآخرين، وأصبح اليمين المتطرف للحزب الجمهوري مركزاً للثقل.

جورج هربرت واكر بوش

         عكست حملات الحزب الجمهوري الانتخابية في أواخر ثمانينات ومطلع تسعينات القرن الماضي نفس نوع الشعبوية اليمينية والسياسة الثقافية التي دعت إلى الاستقطاب طوال العقدين الماضيين.

هناك خاصية جوهرية في حملة بوش الانتخابية 1988 وهي شيطنه اللبرالية والتسامح واعتبارهما مخالفين للتقاليد الأمريكية. وكررت حملة الانتخابات الرئاسية لعام1992 العديد من القضايا التي أرشدت حملة 1988، وتم تكرار أن الاضطرابات في المجتمع الأمريكي سببها الافتقار إلى الدين وليس الفقر والرأسمالية وتم اعتبار أن حملة 1992 هي حرب ثقافية دينية واعتبر بوش أن “التقليد اليهودي المسيحي” يتعرض للحصار بسبب هذه الحرب.

وهذا عكس جهداً متعمداً لاستقطاب الشعب الأمريكي على طول خطوط ثقافية؛ للحد من أهمية الاعتبارات الطبقية أو الاقتصادية كأساس لعملية التصويت، وهذا لحرف الأنظار عن التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الحقيقية التي تواجه الدول. اثنا عشر عاماً من الحكم الجمهوري شهدت تضخماً في حجم الحكومة والإنفاق الفدرالي،وارتفع الدين القومي في أثناء إدارتي ريغان وبوش من 900 مليار دولار عام 1980 إلى 4.3 ترليون دولار عام 1993 وتحولت أمريكا إلى أكبر دولةٍ مدينة في العالم.

وأدَّى التحرر الاقتصادي إلى انهيار حقيقي في المدخرات، وتدهور القاعدة التصنيعية داخل أمريكا. كان على مسؤولي الحزب الجمهوري إعادة توجيه الغضب الشعبي داخل الدولة بعيداً عن المخاوف الاقتصادية ونحو القضايا الثقافية. وبقدر ما يتمكن الجمهوريون من تعريف إطار الجدل السياسي من منظور الثقافة والدين، فسوف يستعيدون سيطرتهم على السلطة السياسة. وإذا كانت الحملات الانتخابية تتعلق بالاقتصاد فسوف يفوز الديمقراطيون.

عصر كلينتون

فاز بيل كلينتون في انتخابات 1992، على الرغم من وجود مزاعم بخيانته الزوجية، وسلسلة الهجمات على أخلاقة، تمكن كلينتون من توضيح رؤية اقتصادية لاقت قبول المصوتين، وأصبحت قضايا الوظائف والرعاية الصحية والتعليم أولويات ذات أهمية كبيرة للأمريكيين.

ووجه كلينتون النقد للسياسة الدينية الرجعية، باعتبار أنها تنشر بذور التعصب والانقسام وأن أمريكا ليست بحاجة لخوض حرب دينية، وأن أي استخدام حزبي لاسم الله يميل إلى توليد التعصب والانقسام، وأنه يتعين أن تكون العقيدة والله أساساً للوحدة وليس الانقسام.

جورج دبليو بوش والحرب على الإرهاب

عززت القومية الدينية التي تبناها بوش- إرث الرؤساء الثلاث الجمهوريين الذين سبقوه- وفتحت هذه الأفكار تأكيداً كهنوتياً على النظام الأمريكي، ودعم رأسمالية الأسواق الحرة، والترويج لسياسات وضعت لخدمة الغني والقوي على حساب الفقير.

وبفوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2000، اشتمل برنامجه على توجيهِ الأموال الفدرالية نحو الكنائس الأمريكية وخضعت الضرائب التي يستفيد منها أثرياء أمريكا على نحو غير متكافئ.

هناك خاصية محورية للحملة الانتخابية وهي محاولة ربط عقيدة الرئيس الشخصية بمصير الأمة، حيث اشتمل ذلك على محاولة متعمدة لغرس معتقد شائع في أذهان المسيحيين المحافظين “أن الله قد أختار بوش للوصول إلى البيت الأبيض وأن الله انحاز إلى الحزب الجمهوري في حملة الانتخابات الرئاسية”.

وبالتالي يمكن اعتبار حمله بوش الانتخابية تكرار- وذروة- للاستراتيجية التي وضعها نيكسون للاستقطاب. فعن طريق وصف المعارضة الديمقراطية بمعاداة الدين، استطاع واضِعو الاستراتيجيات من داخل الحزب الجمهوري بناء أغلبية محافظة تعتمد على رؤية محدودة للدين والهوية القومية.

وهذا مهد الأساس اللاحق منذ عهد ريغان وحتى بوش الابن في الرئاسة الممنوح من النخب الرئيسية بالدولة في رفع الحظوظ السياسية للأفكار، الدينية الرجعية ومؤيديها مما دفع اليمين المسيحي للالتحاق بالحزب الجمهوري مما أوجد داخله مركز ثقل يقوده المحافظين الدينيين، مما أدى لتغير طبيعة الحزب والسياسة الأمريكية برمتها، حيث استحضر نشطاء الحزب الجمهوري الدين المحافظ متخذين شعار الله والوطن، وبذلك تم إسباغ البعد الديني وربطه بالقومي لشنِّ حربين فاشلتين في عهد بوش الابن بيقين ديني قومي مضلل.

بينما مثل انتخاب أوباما 2008 رفضاً لتلك السياسات وعودة لرؤية أكثر وسطية لكل من الدين والسياسة، ويقرر المؤلف أن إبطال إرث القومية المسيحية بمكوناتها القومية الدينية العرقية البيضاء، والعودة إلى الجذور التنويرية، والتسامح أمر ضروري للنظام السياسي الأمريكي، وتعد شروطاً أساسية لرأب صدعا للانقسامات   إلإجتماعية ألعميقة التي حدثت على مدار حروب الثقافة في العقود الماضية.

إن ربط السياستين الدينية والثقافية وخلال أربعون عاماً أدت لخلق مجتمع مستقطب على نحو عميق وانعكس ذلك على السياسة الاقتصادية، حيث تم إيجاد التبرير الأيديولوجي لحالة التدهور الاقتصادي الأمريكي، بأنها ناجمة عن انحرافات السكان الدينية، مما دفع إدارة بوش لتوجيهِ الأموال الفيدرالية للكنائس والترويج لفكرة أن الكراهية لأمريكا بسبب قيمها وليس نتيجة سياساتها.

وهكذا كان بوش وبتأثير من نوع من الوحي، بأنّه ينفذ إرادة الله وهكذا تلاقت السياسة الخارجية الأمريكية مع الأنظمة الاستبدادية، وعلى رأسها السعودية وبدعم ديني مطلق لإسرائيل،وبتنسيق كبير بين الجماعات الجهادية وأجهزة استخبارات في دول حليفة لأمريكا داخل الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وهكذا تم إيجاد الأساس الديني للحرب على الإرهاب، ويقارن المؤلف بين منابر الكنائس أثناء الحديث عن الحرب على الإرهاب بندوات مناهضة الشيوعية في الخمسينيات، وامتد ذلك إلى الدول المختلفة ودعم أجهزتها الأمنية ودعم طغيانها للتصدي للإرهاب.

وتعمق الاستقطاب بحيث انقسم المجتمع ما بين مؤمن وكافر()،واعتبرت المعارضة الديمقراطية معادية للدين وللأمن القومي والدولة، بل وتم إقصاء كل من يختلف معهم سياسياً، وبذلك تم نفي التسامح في الاجتماع والسياسة والثقافة، ووصل حد الاقتصاد وربطه بقضايا الدفاع، وهذا يعني شركات الأسلحة ومؤسسات الأعمال الكبرى، وهذا هو هيكل السلطة داخل الحزب الجمهوري وهكذا يرى المؤلف أن مجمل هذه الممارسات هدفت لفرض أجندة سياسية محافظة.

وفي الخاتمة التي حملت عنوان(إعادة النظر في السياسة الدينية)، وهي من أهم أجزاء الكتاب ومع أن المؤلف يقرر أن الدين خاصية فطرية لدى الطبيعة البشرية، إلا أنَّه يعتبر أن الانبعاث المعاصر كانت تحركُهُ اعتبارات مادية وحرمان اجتماعي، نتج عنه توليد التطرف والسخط،  وإن الارتباط المستمر للدين بالسياسة وجد فيه الكثيرين نفعاً من ترويجه داخل المجال العام؛ لحشد المشاعر الشعبية خلف نمط من النظام الاجتماعي القائم والحث على استخدامِهِ لإجازةِ سياسات الدولة الحديثة، ومع ذلك يبقى السؤال الحقيقي هو: أي تفسير للدين يجري الترويج له؟وما هي غايته؟

وإذا كان الدين بصدد إعادة تشكيل السياسة الحديثة، فقد أدَّى تسييس الدينِ إلى تغييرهِ والمحاولَةِ التّي شرع فيها المسؤولين بالدولة وتحديداً النخبة للترويج لتفسير واحد على حساب التفسيرات الأخرى، قد أسهمت بشكل كبير في التأثير على أوجه الجدل الداخلية حول التفسير الديني، كما أسهمت في انتشار الأيديولوجيات الدينية. وتمكن المسؤولين السياسيون من التأثير بشكل كبير في المفاهيم الشعبية، وكانت التبعات الناجمة عن هذا التلاعب بالدين ذات تأثير واسع. أدى تسييس الدين إلى شقّ المجتمعات على طوال خطوط دينية وتشويه فكرة التسامح الديني. وهنا يعتبر المؤلف أن ذلك شكَّل انفصالاً حاداً على فترة منتصف القرن العشرين، عندما هيمَنَت المَفاهِيم العصرية الليبرالية للدين وتجنب الأيديولوجيات المحدودة المرتبطة بالمذاهب الأصولية الدينية الحديثة.

وعندما تخلت النخب بالدولة عن التزاماتها نحو رؤية شاملة للنظام الاجتماعي، اتجهت نحو “ركوب” سياسة دينية محدودة وكان هذا التحول جزءاً من خطاب مناهض لليساريين وجزءاً من ديناميكية الحرب الباردة في أجزاء عديدة من العالم. لقد شجع الدين المحافظ كثيراً داخل الولايات المتحدة والشرق الأوسط وجنوب آسيا لأنه كان ينظر إليه على أنه سدَّ منيع ضد الاشتراكية والأيديولوجيات اليسارية().

وعن طريق استقطاب الجماعات الأصولية بدلاً من معارضتهم ساهمت النخب في التطبيع مع تلك الجماعات ما جعلها أكثر قبولاً لدى المجتمعات وساهم المسؤولون في الدولة بإضفاء الشرعية على نشطاء الدين المحافظ وهذا يفسر في حالات الدراسة الثلاث كيف عثروا على ملاذ آمن داخل مؤسسات الدولة. وتم الترويج للتفسيرات المحدودة للدين وتوظيفها توظيفاً طائفياً وهذا دور مصيري لعبته النخب بالدولة في الترويج لرؤية واحدة للدين والمجتمع ومعارضة الآخرين.

وبذلك فإنه بدلاً من الانجذاب لقراءةٍ أكثر تقوى للدين – قراءة تعمل على توحيد المجتمعات المتنوعة بدلاً من تفريقها- كان الانجذاب نحو رؤية رجعية للتقليد الديني فيه نية واضحة لاستقطاب السكان طائفياً لتشجيع مصالح فئوية على حساب الآخرين.

مقارنة الحالات

ذكرنا أن المؤلف وفي سياق دراسات الحالة الثلاث استخدم المنهج المقارن بين متباعدات جغرافية وأحياناً زمانية هي مصر والهند والولايات المتحدة، ويشير إلى أن الزعماء الثلاث السادات وغاندي ونيكسون ومعهم نخبهم السياسية ومسؤوليهم السياسيين، حيث تورطوا جميعاً على نحو واضح في الترويج لأفكار دينية محدودة لتوظيف الدين سياسياً، حيث فتحت سياستهم الباب للطائفية الدينية. مع أن افتراضاتهم قامت على أن الدين المحافظ سيدعم سياسة الوضع الراهن() وكان ذلك خاطئاً على نحو جوهري، حيث تمخض عن هذه السياسات النماذج المتطرفة الراديكالية الخطيرة الناتجة عن المعتقد الديني الذي تبنتهُ المنظمات الدينية ونشطائها الذين أبدو عدم استعدادهم للقيام بدور يكلفهم به الآخرون. وهذا ما أدى لإطلاق العنان للبعد التنظيمي للمنظمات الدينية المتطرفة.

ويضرب المؤلف مثلاً لذلك في دور الاستخبارات العسكرية الباكستانية في ثمانينيات القرن الماضي، وما بعدها باعتبارها القناة الرئيسية في تمويل وتدريب وتوفير الملاذ الآمن لمنظمات مثل طالبان،ولشكر طيبة وجيش محمد.

وأصبحت هذه المنظمات أداة من أدوات السياسية الخارجية الباكستانية، ليس هذا فحسب بل أن ضياء الحق استخدمها، وبوصفها أصولية سنية لبناء دعم شعبي لسياساته وصعود الجهاد الإسلامي في جنوب آسيا كان نتاجاً للاستخبارات العسكرية الباكستانية فقط، بل كان هناك الولايات المتحدة والسعودية باعتبار أن تلك المنظمات الأصولية السنية لن تكون سداً أمام الاتحاد السوفياتي فقط، وإنما جرى توظيفها طائفياً باتجاه إيران الشيعية، مما أدى لانتشار ذلك في جميع أرجاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بدءاً من تسعينيات القرن الماضي.

وظهرت توجهات مماثلة في إسرائيل وتركيا حيث تم تشجيع (الحريديم) المتشددين لإقامةالشخصية اليهودية الخاصة بالدولة، وهذا ما حدث في تركيا ومنذ الثمانينات ومنذ حكم تورغوت اوزال، تم الترويج (لما ذكر سابقاً) في تركيا كحصن منيع ضد اليسار السياسي التركي، وجرى تطهير مواقع المتعاطفين مع اليسار وهذا ما مهَّد في النهاية لوصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2005 (بعدما يقارب من ربع قرن من إعادة تقديم التعليم الديني وتمويل الدولة له وبدأت القومية التركية تتخذ طابعاً دينياً)().

إن توظيف التفسيرات الرجعية للدين أدى لانبعاث الشعبوية اليمينية، وتوظيفها طائفياً في مواجهة الطبقي. حيث استخدمتها النخب المحافظة ككتل تصويتية لمصلحة أغنى فئات السكان وتأييد مصالحهم الاقتصادية وتوظيف ذلك في مجال أكثر اتساعاً؛ لإعادة توجيه القلق واليأس الاجتماعي والاقتصادي بعيداًعن انتقاد الرأسمالية وسياسات الدولة،وتوجيه اللوم في هذا التردي الاقتصادي الاجتماعي نحو العلمانية التي تم الترويج بأنها سبب علل المجتمع الأخلاقية، وليس هذا فحسب بل أنهتم توظيف كل ذلك باتجاه المعارضة ووصمهم بالعداء للوطن، وهذا أوجد حشداً ثقافياً يتم التعبير عنه دينياً، كما حصل في الهند والولايات المتحدة، لقد تم استحضار الدين لمجابهة الحشد الطبقي وكذلك في مصر وخصوصاً في عهد مبارك حيث عمل النظام والإسلاميين لمناشدة التوجه السلفي لتعزيز مطالبها للوصول إلى السلطة السياسية.

وترتب على تشجيع الشعوبية المحافظة وربطها بالدين والقومية أن أصبحت الجماعات والأفراد المعارضون لذلك تهديدات أمنية قائمة ووشيكة، وبالتالي فإن أي إجراء يتخذ من قبل المسؤولين بالدولة نيابة عن الأمة كان يعتبر شرعياً تماماً، وهذا فَتَحَ الباب واسعاً لاستخدام الدين لتبرير الإجراءات الأمنية وانتهاكات حرية الفرد والعِداء الصريح للرأي المعارض().

ليس هذا فحسب بل أنَّه وكما في الحالة المصرية، تم تحريض النشطاء الإسلامين وأعضاء المؤسسة الدينية الرسمية ضد المسلمين الليبراليين والعلمانيين، وهذا تم أيضاً في الهند وفي الولايات المتحدة  في إدارة بوش والحرب على الإرهاب().

وأدى ذلك إلى إجازة الاضطهاد الصريح للأفراد والأقليات داخل المجتمع، كما أجاز أيضاً على الأقل لدى الفكر الشعبي -الانتهاك المتعمَّد للأعراف الدولية لحقوق الإنسان ويعكس هذا التوجه تأليهاً للأمة، وبالتالي الدولة، وشيطَنَةً متزامنة لأولئك الذين كان ينظر إليهم على أنهم معارضون للمصلحة الوطنية، وأنهم غير وطنيون.

وأدى انشغال الدولة بالأمن والترويج لتجانس وطني إلى وصمِ الرأي المعارض والأقليات بأنها غير وطنية وإجازة عدد مختلف من الإجراءات العسكرية والشرطية ضد من اتصفوا بالأعداء الداخليين والخارجيين، وساعد هذا التوجه على تطبيع تفسيرات متعصبة للدين وانتشار معتقد بأنهم أعضاء معادون للمجتمع، وساد معها اعتقاد آخر في أن السياسة الدينية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة بأن هذا يُجسد صراع الحضارات حيث اعتقدت كل جماعة منها أن الله ينصرها.

إذن فاستخدام الدين بالصور المشار إليها وما تمخض عنه من ممارسات ونتائج بينها المؤلف في متن الكتاب في حالات الدراسة الثلاث، ويعتقد المؤلف أنَّه وسواء كان انتخاب أوباما أو التحول بعيداً عن التطرف في الهند قد أعلن عصراً جديداً من التسامح في السياسة الحديثة أم لا، فإن محاولة إعادة مارِدِ الطائفية الدينية مرةً أخرى إلى قمقمة ليست بالمهمة اليسيرة.

ومع ذلك فإن المؤلف يرى أن الأمل في الإصلاح موجود في الدين نفسه، حيث يمنح التقليد الديني الليبرالي فرصةَ التَّسامح وقاعدة لحياة سياسية مُعرفة بعدم التمييز وفضلاً عن ذلك ليس هذا إملاء خارجي- أو حداثة أجنبية- يجري دسُّه داخل المجتمعات الكارهة للفكرة().

ويضيف أيضاً خاتماً الكتاب أنّ الدين في إمكانِه أن يكون مصدراً للوحدة والسلام، وليس مصدراً للخلاف،ومع ذلك فالقضية هنا: ما إذا كانت المؤسسات الحديثة للحياة السياسية والمسؤولون السياسيون الذين يشكلون هذه المؤسسات ترغب في تبنى تفسيرات ليبرالية للدين أو أن يظلُّوا أسيري الخطاب الطائفي للسياسة الدينية المحدودة، المؤدي إلى الخلاف والانقسام، لِنَدَعْ الوقتَ يجيب عن مثل هذه التساؤلات.

وقبل أن نختم أودُّ أن أشيرَلِمسألَةٍ ساقها المؤلف في استهلال الكتاب إلى أفرادٍ ساعدوه في إعدادِ مادةِ الكتاب في الهند ومصر وأمريكا، ومنهم في مصر سيد القمني وميلاد حنا وحسن حنفي وسعد الدين إبراهيم،وهناك أكاديميون هنود، والكتاب محكم، حيث تم تحكيمه من مراجع خارجي غير معروف من جامعة جونز هوبكنز، التي نشرت الكتاب عام 2010، وقام المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون في الكويت بترجمته ونشره في العربية في حزيران 2014، وبذلك فهو من المصادر الحديثة. وتم طبع 43 ألف نسخه منه.

أكرر اعتذاري للإطالة ولكني وجدت أنها هامه وخصوصاً الاستطراد في قراءة الفصلين السادس والسابع المخصصان لدراسة الحالة الأمريكية؛ لأهميتهما البالغة ولسببين الأول: كونه يقدم الكثير لتفسير السياسة الأمريكية خلال نصف القرن المنصرم، وخصوصاً في العالم الإسلامي ومنطقتنا العربية، والثاني: حتى أجد لنفسي العذر بالقول بوجود قراءة أعطت الكتاب حقه.