د.محمـد عبدالـرحمـن عريـف

كاتب وباحث في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

عن المكتب العربي بالقاهرة، صدر حديثاً كتاب -اللاجئون السوريون بين القانون الدولي والإجحاف الإقليمي (2011: 2018)-، وحيث تُعد مشكلة اللاجئين واحدة من أسوأ المشكلات التي واجهت ومازالت وستظل تواجه الواقع الدولي والوعي والضمير الإنساني، وخصوصاً في أثناء أو في أعقاب الحروب والكوارث الطبيعية أو في حالات انتشار الأوبئة وغيرها من الأزمات التي تحل بدول أو بمناطق العالم فرادى أو جماعات، ويترتب على حدوثها الكثير والعديد من أنواع المعاناة والنتائج الكارثية الإنسانية.

نظراً لما يكتنف مشكلة اللاجئين السوريين من ملابسات ومآسي إنسانية تجاوزت الممكن والمعقول والمحتمل، جعلت الكاتب لا تفوته هذه الفاجعة الإنسانية العربية دون أن يتناولها بالبحث والدراسة، للوقوف على أسبابها، وأبعادها، والنتائج المترتبة عليها، والمساعي والجهود الوطنية والإقليمية والدولية المبذولة لتسويتها، ولرصد التهديدات والمخاطر المترتبة على وجودها واستمرارها.

حضرت روسيا في منطقة الشرق الأوسط بما فيها من صراعات داخلية، وتطورات بسبب ثورات الربيع العربي، بالإضافة إلى سياسة الإنسحاب التي اتبعتها الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب المشكلات الإقتصادية الداخلية، التي جعلتها تتجه إلى دول شرق آسيا والتعاون معهم، بعيداً عن صراعات الشرق الأوسط، والتدخلات العسكرية الطاحنة في بعض الدول مثل سورية، وبدأت روسيا بالتقرب إلى الدول الشرق الأوسطية عن طريق العقود الإقتصادية، وصفقات الأسلحة، بالإضافة إلى التدخل العسكري في سوريا إلى جانب الإقتصادي والدبلوماسي، راجية استمرار السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وهذا التدخل الروسي في الشرق الأوسط يمكن أن يُحدث تغيرات جذرية في هيكل النظام الدولي.

كانت الأحداث قد تسارعت ومعها المآسي في سوريا حتى بات مشهد النازحين من المدن والقرى المحاصرة التي تتعرض لكل أنواع القصف مألوفًا، بحيث تزايدت وتيرة نزوح السوريين الهاربين من دموية الحرب في كل اتجاه. غير أن وجود بيئة شعبية حاضنة للنازحين والناشطين لم يكن ليكفي، فالأعداد كبيرة وفي تزايد مطرد. لقد سيطرت قصص اللاجئين السوريين على مختلف وسائل الإعلام العربية مع توالي نزوح ملايين السوريين إلى أوروبا سواء تكللت بالنجاح أو بالفشل. ورغم اختلاف استراتيجيات التناول الإعلامي من وسيلة لأخرى، فقد غلبت عليها عدة موضوعات أساسية أهمهم إدانة الدول العربية النفطية بسبب لا مبالاتها بالأزمة، الإصلاحات الداخلية، وانتقاد الدول الغربية. فأعربت بعض وسائل الإعلام العربية عن غضبها من قادة الدول العربية متهمة إياهم بعدم المسئولية تجاه دعمهم للاجئين السوريين. 

عدد أقل من الوسائل الإعلامية ركزت على حياة اللاجئين السوريين أنفسهم في البلاد الحاضنة كما تساءلت صحيفة الأهرام عن التحديات الثقافية التي واجهتهم أثناء الأزمة. “لطالما ركز الإعلام العربي على الأزمة فحسب ولا أحد يهتم بقصص النجاح وكيف نجح اللاجئون في التكيف اجتماعياً وثقافياً في بلادهم الجديدة، كالمطاعم والأسواق والمشروعات التي يديرونها وتأثير كل ذلك على الاقتصاد”.

لقد حاولت هذه الدراسة أنَّ تعرض لحق أصيل في الحكمِ الرشيد، وذلك نحو إعادة صياغة الفِكر الإنساني وتَخليصه من كل الأفكار السيئةِ والعدوانيةِ، التي لا تَجلب على الأفراد والمجُتمعات إلا الدَمار والقَتل، وذَلك مُساهمة من الشريعةِ الراقيةِ، في رَفع مُستوى الفِكر الإنساني للإرتقَاء الحَضاري الذي يجعل من أفراد المجُتمع عِبارة عَن سلوُك مُنتظم الأجزاء. إنْ ما حَدث مِنْ إِسَاءِة الإعَلاَم العرِبيّ للَاجَئيّنَ السُورِيِيّنَ. وذَلك في مُحاولةِ لتَطُوير وَاقع اللاجئِينَ السوُريينَ إلىّ الأفضَل والمأمُول. ودعت الدراسة إلىّ موُقف للإعَلام الحُر مِن قَضية اللاجئينَ السوُريينَ، وإدَانة للتصرُفَات الإعَلامية غَير المهنية، والتي تَصنع أخباراً غَير وَاقعية وتَستثمِرَهَا لأغرَاضِ خَاصة .وما موقف القانون الدولي من هذه الإساءة؟.

كذلك رمت الدراسة إلى تسليط الأضواء على بيان الحلول التي تحتاجها الأمم والشعوب لللحفاظ على الكرامة الإنسانية .وأثارت الدراسة جملة من القضايا الحساسة والشائكة، فحاولت الدراسة أن تصف الواقع نظرياً، ومحاولة طرح بعض الحلول العملية لتجاوز الأزمة الراهنة على أيدي العقلاء والصلحاء. وذلك في محاولة جادة وسريعة لترشيد هذه القنوات الفكرية، وتصحيح مسارها، وضبطها، للمحافظة على البناء الصحيح للحكم الرشيد في عمومه عربياً وإسلامياً وعالمياً، وتطبيق ذلك على الواقع بنموذج اللاجئين السوريين في المحيط الإقليمي، من تقديم العون بكل الأشكال لهم.

هدفت الدراسة إلى توضيح ما قامت به المنظمات العالمية، من التأكيد على حماية جقوق الإنسان، فقد وضعت جملة من الوسائل للمحافظة عليه وعلى كل القضايا الضرورية، التي تكفل له الحياة الكريمة والسعيدة. وأن الإنسان يتأثر بمحيطه وواقعه، فعلى المصلحين أن يقوموا بدورهم لترشيد السلوك الإنساني وتقويمه بمعيارية مقاصد الشريعة الإسلامية .وأن ترك الساحة لغير أهلها، أوجدت تياراً متطرفاً، يستبيح الدماء، ولا يراعي حرمة لمعتقد ولا انسان. وأن على أهل الحل والعقد أن يقوموا بدورهم التربوي والإصلاحي، فلا بد من الرجوع للواقع ومحاولة إعادة الشباب إلى موضعهم. وجاء نموذجاً لما سلف، ما فعله الاعلام العربي من الخوض في حق اللاجئين السوريين.

أوصت الدراسة انطلاقاً من مبدأ الأخوةِ العربيةِ والإسلاميةِ إلىّ استيعاب العمَالة السُورية بما فيها الكفاءات العلمية في دول مجلس التعاون الخليجي العربي، بل وتَقاسم مواردهم المالية مع اللاجئين السوريين. كذلك بالخروج عن النمط التقليدي من نصرة الشعوب، من الشجب والادانة، إلى مرحلة المساعدات المادية والمعنوية، وعقد المؤتمرات والندوات الدولية الفاضحة لأنظمة تتعاون مع النظام السوري، على رأسها ما تفعله روسيا في الأراضي السورية، كذلك دور عربي اسلامي داعم لإيواء ونصر اللاجئين السوريين، كما أنه لن يكون بمقدور العالم الإسلامي أن يحقق إنجازاً باهراً في مجال مجال الحكم الرشيد، ما لم يسبق ذلك التوصل إلي تنسيق اسلامي شامل حول التدابير المضادة لظلم الشعوب من الحكومات نفسها، وأطرها القانونية الملائمة والملزمة، وأن يكون ذلك كله مستنداً في أساسه إلي مفهوم دولي متجانس لا خلاف عليه حول تعريف الحكم الرشيد، وسبل مواجهته.

كذلك الطلب من المجتمع الدولي بحق العودة وسرعة التدخل لإيقاف شلال الدم للشعب السوري التي تجري على مرأى العالم ومسمعه, وذلك بالقيام بواجباته تجاه السوريين في الداخل وفي بلاد الشتات، وعلى دول الاتحاد الأوروبي تحمل مسؤولياتهم القانونية والإنسانية والأخلاقية التي تنص عليها تشريعاتهم وقوانين الأمم المتحدة تجاه اللاجئين السوريين .

مع ضرورة بلورة رؤية مشتركة للباحثين والمختصين من مختلف أنحاء العالم مع تنوع ثقافاتهم ومشاربهم، والمطالبة بتفعيل واستثمار جهودهم وما توصلوا إليه بطرق علمية دقيقة من نتائج وتوصيات، وتقديمها للمعنيين وأصحاب القرار لترى النور على أرض الواقع، ولا تبقى حبراً على ورق ككثير من المؤتمرات، وذلك لتطوير واقع اللاجئين السوريين إلى الأفضل والمأمول.

 

Print Friendly, PDF & Email