« ان الانسانية – وهذا ما يتعارض فيه دوركايم مع كونت – هي مفهوم فقير، غير ملائم لأن يمثل قاعدة لقيام علم اجتماع حقيقي. »

( برونو كارسينتي karsenti )

ان السؤال الأساسي والمركزي المهيكل لكل أجزاء وفصول هذا الكتاب، الى جانب سؤال أو إشكال problématique العلاقة بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية (وعلم الاجتماع بشكل خاص)؛ هو سؤال : « ما الإنسان ؟ فهل قاد فعلا تطور العلوم الاجتماعية الى اختفاء الإنسان كوحدة عامة و أخلاقية، “كما [ينمحي] في شاطئ البحر وجه من الرمل”، وفق تعبير ميشال فوكو في كتابه الكلمات والأشياء ؟ »([i]).

 سيبدأ جوهان ميشال مؤلف الكتاب في محاولة تقصيه وبحثه عن اجابة لهذه الأسئلة من القرن 19، لعدة اعتبارات منها انه هو القرن الذي تم فيه ابتكار مقولة الإنسان كموضوع للمعرفة مستندا إلى الأركيولوجيا الفوكوية كما بلورها وأعلن عنها في كتابه “الكلمات والأشياء”؛ ذلك أن الإنسان لم يكن موجودا داخل إبستيمي العصر الكلاسيكي بل كانت الهيمنة فيه للتمثلات المنظمة في الخطاب والبحث عن النظام في الكائنات والكلمات وتدقيق التمايزات وترتيب الأفكار…، بمعنى انه لم يكن للانسان اي مكانة أو قيمة داخل هذا النسق المعرفي المنظّم لهذه المرحلة بالذات، مما سيجعل الباحث ينطلق من هذا القرن ( القرن 19 )، اضافة الى انه هو القرن نشأة فيه السوسيولوجيا.

 ان التركيز على اشكالية النزعة الانسانية humanisme داخل العلوم الاجتماعية يمكن اعتباره مدخلا من بين مداخل أخرى لدراسة أوجه التقابل والتباعد بين الفلسفة وعلم الاجتماع، وربما قد يكون مدخلا لتبيان مدى تهافت كل الأحكام والمسبقات التي ترى في السوسيولوجيا علما أحدث قطيعة Epistemological rupture مع الفلسفة. سأحاول عرض بعض النقاط التي تمَّ تناولها في هذا الكتاب عرضا موجزا مركِّزا على الأفكار التي بدت لي أساسية.

  1. المصادر الفلسفية لعلم الاجتماع :
  2. المصدر الوضعاني للمدرسة الفرنسية :
    • – الفلسفة الوضعانية positivisme بين صخب الانسان كـ “كائن أكبر”، و المجتمع كـ ” كيان كلي” :

من خلال مزجها بين مشروع سياسي ( نزعة اصلاحية محافظة ) ومشروع ابستيمولوجي يروم توحيد المعارف ووضعها داخل أنساق كبرى، هدفت الفلسفة الوضعية الى اعادة الاعتبار للانسان “ككائن أكبر “ عبر تأسيسها ” للفيزياء الاجتماعية” ( علم الاجتماع ) من طرف أوغست كونت الذي هدف من وراء تأسيسه لهذا العلم الى تحقيق مستقبل جديد وواعد للانسان؛ حيث كان متفائلا جدا بتملك رجال الصناعة لمقاليد السلطة وتملك العلماء والفلاسفة للسطلة الروحية التي كانت في ملك رجال الدين من قبل. ونلاحظ هنا التأثير الملحوظ لعصر الأنوار على أوغست كونت، ذلك أنه أعاد احياء النزعة الانسانوية معيدا الاعتبار للانسان ضمن مشروعه السياسي على الرغم من إلغاءه للزعة الذاتية في دراسته للانسان وتمسكه بابستيمولوجيا “مابعد ميتافيزيقية” تسعى الى اكتشاف الثوابت وراء المتغيرات.

لكن القراءة الدوركايمية لوضعانية كونت اتخذت لنفسها منحى مغاير، فقد اعتبر دوركايم ان علم الاجتماع هو علم لخدمة الإجتماعي والمجتمع، وليس لخدمة الإنسانية كما نجد عند كونت، متحررا بذلك من كل ميافيزيقا ذاتية. فقد استند دوركايم الى أسس ابستيمولوجية صارمة متخذا من العلوم الطبيعية والفيزيائية نموذجا له، حيث سيدرس الظواهر الاجتماعية  الموضوعية المشكّلة للفرد، وسيعتبر هذا الأخير مجرد متغير تابع لمتغير مستقل هو المجتمع ( الكائن الكلي )، فالوعي الجماعي والتمثلات الجماعية والعلاقات الاجتماعية… كلها مفاهيم تأسيسية للفرع المعرفي الجديد المسمى علم الاجتماع، وستنظاف الى القاموس السوسيولوجي الدوركايمي وستصبح هي المواضيع المركزية بالنسبة لأي بحث علمي يروم تحقيق العلمية، وبالتالي سيعمل دوركايم على « ضم وإلحاق كل حقول البحث ( التمثلات، الوعي، الذهني…) التي جرى معالجتها في البداية من طرف علم النفس أوالفلسفة، من أجل إعادة تأسيسها بناء على قواعد سوسيولوجية محضة »([ii])، مما سيجعل من دوركايم يذيب أي نزعة أنثروبولوجية ميتافيزيقية لصالح ماهو اجتماعي موضوعي، وبالتالي تحقيق التحول من الفلسفة الى علم الاجتماع.

  • – من مارسل موس الى كلود ليفي شتروس : الإمساك الأنثروبولوجي بـ ” الإنسان الكلي l’Homme total” :

في اللحظة التي سعى فيها دوركايم إلى تأسيس وتحقيق استقلالية علم الاجتماع عبر معارضته بين الفردي و الاجتماعي، عمل موس على « أن يخرج من الانسان كلية أكثر تعقيدا (نفسية، اجتماعية، بيولوجية) »([iii]). فقد استطاع موس مجاوزة مثنوية فردي/اجتماعي والامساك بوحدة وكلية الانسان مستعينا بالأنثروبولوجيا التي تتميز بمقاربتها المركبة له. فالبحث في الظواهر الاجتماعية يستدعي دراسة شاملة لها، وهذه الدراسة الشاملة لن تتحقق الا بتوحيد المعارف الذي يعتبره أفقاً ابستيمولوجياً لا يمكن تجاوزه من أجل دراسة الواقعة الاجتماعية في كليتها )الواقعة الاجتماعية الكلية(، فمع موس « لم تعد المسألة تتعلق بالانسان بوصفه كيانا ميتافيزيقيا وأخلاقيا… إنه وبناء على المقياس الموضوعي للعلوم الوضعية يتحول الإنسان إلى واقعة اجتماعية قد تكون كلية »([iv])؛ فالتغيرات الموسمية لمجتمعات الاسكيمو على سبيل المثال تؤثر على مجموع حياتهم الاجتماعية والذهنية، مع آثار واضحة على الحياة الدينية، وعلى الحياة الاقتصادية وعلى الحياة السياسية.

لقد شكلت هذه الاستفاقة الانثرولوجية مع مارسيل موس اعادة الاعتبار للكل le total، وهي استفاقة كانت متخففة من مثالها الميتافيزيقي، لكن هذه الدعوة التي أرسى موس قواعدها لن تكتمل إلا مع كلود ليفي شتروس الذي أعطى لهذه الاستفاقة الأنثروبولوجية دفعا جديدا بدمجه لعلوم اللغة واللسانيات البنيوية بالأنثروبولوجيا، حيث سيعمل على « إظهار بعض ثوابت المجتمعات الانسانية، بل ويصل إلى الكينونة عندما يضع كهدف له الوضع البشري في حد ذاته »([v]). إن التمثيل analogie الذي أقامه شتروس ما بين أنساق العلامات والأنساق الاجتماعية ( اعتباره للقرابة كشكل من أشكال اللغة هدفها اقامة نوع من التواصل بين الجماعات المختلفة ) وتركيزه على البنيات الخفية للعقل البشري التي تمتاز شموليتها وانتشارها بين سائر الثقافات والمجتمعات ومحاولته إكتشاف الثوابت الممكنة داخل هذا العقل كان من أجل اضفاء طابع أخلاقي على الاثنولوجيا ونبذ كل مركزية ثقافية خدمة لمشروعه الإنسانوي. « ان الانسانوية الاثنولوجية الفريدة التي يعتنقها ليفي – شتراوس، ليست تلك المتعلقة بالكونية المجردة التي يمكنها أن تخفي هي نفسها أحيانا أشكالا مخادعة من المركزية العرقية، ولكنها على عكس ذلك تلك التي تشارك مع التسامح ومع احترام الغيريات الثقافية “([vi]).

  1. المصدر الهيرمينوطيقي والتأسيس السوسيولوجي له .

تتعارض الوضعانية مع التأويلية [الهيرمينوطيقا]  من ناحية المنهج والأفق الإبستيمولوجي، « فحيث تبحث الاولى في إطار التفسير السببي عن المنهج الملائم من أجل اعطاء الشرعية للعلوم الاجتماعية في الميدان العام للعلوم الوضعية، تجعل الثانية من فهم المعنى المهمة والانشغال المفضل لعلوم الروح في تقابل مع علوم الطبيعة »([vii]) . فالهيرمينوطيقا ولدت من رحم التقليد الفلسفي الألماني الذي يعطي مكانة مركزية لما يسمى بعلوم الروح في مقابل النزعة المادية التي نجدها مترسخة أيما ترسيخ في التقليد الفلسفي الفرنسي، وكانت ولادتها على يد شلايرماخر ناتجة من المشكلة التي كانت تطرحها النصوص من منطلق أنها تشتمل على جانب من العتمة والابهام، الأمر الذي يفسّر أهمية إيجاد منهج ملائم من أجل بلوغ المعنى المناسب لها، لكن مع فلهلم دلتاي ستنتقل الهيرمينوطيقا من نظرية للنص نحو نظرية لتأويل النصوص والكلمات والأفعال الانسانية…، وسـ « يستعمل على نطاق واسع مكاسب العلم الهيرمينوطيقي المؤسس من طرف شلايرماخر ليفكر ليس فقط في مقام الارشيفات أو وثائق تاريخية أخرى، ولكن أيضا في الواقع التاريخي القابل للتمثل في نص معد للقراءة»([viii])  ، وسيكون علم النفس هو العلم المؤهل لفهم وتأويل الواقع التاريخي، « فالفهم يفترض أن المؤرخ، بقدر ما يضع نفسه مكان الفاعلين التاريخيين، يجد مرة أخرى حالاتهم النفسية ويعيد معايشة ما سبق أن عايشوه »([ix]). ومن هذا المنطلق، فالعلوم الانسانية بالنسبة له تبحث عن الوقائع والظواهر المرتبطة بأعمال الانسان الباطنية (الداخلية)، أي بـ “تجربته الباطنية”. اذن، ومن خلال توفيرها لاستقلالية منهجية لعلوم الروح ( علوم الانسان )، « تسعى التأويلية التاريخية الى تأمين فضاء يسمح بتقريرمصير الارادة الانسانية… ذلك أن التأويلية يمكنها أن تصل الى البعد المتعلق بالمعنى، وإلى القيم ، وإلى الدوافع التي تتحكم في الأفعال الانسانية »([x]) .

سيتم انتقاد هذا « المتغير النفساني والرومانسي للتأويلية التي يدعي في سياقها المؤوِّل مجاراة عبقرية المبدع »([xi]) من قبل بول ريكور، هادما بذلك ثنائية “الداخل/الخارج” المقابلة لجدلية الفهم والتفسير، ووضع هاذين الأخيرين « في سياق دياليكتيكي لدعم تفكير تجديدي حول النصوص مطعم بالبنيوية »([xii]) ؛بحيث سيصبح الفهم الخارجي للنصوص والتفسير الداخلي لها عمليتان مكملتان لبعضهما البعض ومتفمصلتان وليستا متعارضتان، كما ستتبلور داخل علوم اجتماعية أخرى ( الأنثروبولوجيا التأويلية عند غيرتز ) نوع من التأويلية التي ترى «أن الواقع الإجتماعي والثقافي يقدم طبقات من الدلالة يكون بعضها متعدد أو غامض المعاني »([xiii]) تجبر « الملاحظ على القيام بخيارات تأويلية بناء على سياقات، وخلفيات…وليس اعتمادا على ذاتية لا يمكن سبر أغوارها. ومن أجل الوصول الى اعماق الواقع الاجتماعي، لا يجب اذن دراسة النفس الانسانية ولكن الدلالات العامة المتبادلة بينذاتيا، التي تقدم نفسها كنص يتوجب فك رموزه »([xiv]) . نلاحظ من خلال هذا العرض السريع أن التأسيس السوسيولوجي للهيرمينوطيقا إحتاج إلى تجاوز النزعة السيكولوجية والرومانسية عند دلتاي والانفتاح على العوالم الخارجية للنصوص والأفعال…، في سياق البحث عن العلاقات المتبادلة بين الداخل والخارج.

  1. المصدر الفينومينولوجي والمصدر البراغماتي: وصف التفاعلات الاجتماعية .

تعتبر إسهامات ألفرد شوتز في العلوم الاجتماعية مهمة جدا، حيث « تمنح فلسفته أولا لممارسي العلوم الاجتماعية نموذجا جديدا لعلم الاجتماع العام الخاص بالكائن الانساني وهو خاضع للتحليل في سياقه اليومي »([xv]) . فقد ارتقى شوتز بالفينومينولوجيا الهوسرلية ذات النزوع المثالي وقام برفع الالتباس عن مفهوم ” عالم الحياة ” الذي تم إعطاءه تأويلات متعددة ( اعتبره جان بيتوكا “عالما طبيعيا”، في حين اعتبره ميرلوبونتي “تصورا كوسمولوجيا”…) في اتجاه اجتماعي تاركا الباب مفتوحا لترقية علم اجتماع فينومينولوجي الذي لن يكون ممكنا « إلا خارج علم للمعيوشات مختزلة في الوعي، وخارج مجال الأنا المتعالي »([xvi]) ، وسيصبح الوصف الفينومينولوجي للظواهر متعلقا « بما هو معاش، حتى وإن كان فرديا، معبر عنه بشكل خارجي وموضوعي وفي سياق ممارسات، وتفاعلات، وداخل مؤسسات، وداخل لغة »([xvii]). سيتم تطوير هذا التوجه النظري وستظهر في الولايات المتحدة ذرية خصبة ملقحة بمصادر ذرائعية براغماتية كالإيثنوميتودولوجيا مع هارولد غارفينكل التي ستركز على الأنشطة اليومية للأفراد وطرق صناعتهم للمعاني والمواقف الاجتماعية التي يكونونها في نطاق التفاعلات المشتركة فيما بينهم، والتفاعلية الرمزية مع هربرت بلومير و نورمان دنزين التي ستهتم بطرق بناء وتشكّل أدوار الافراد داخل سياقات مختلفة…، « اضافة الى ذلك وبوساطة طلبته في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية، فان شوتز سيسهم بشكل غير مباشر في انبثاق منعطف حقيقي في العلوم الاجتماعية والسياسية الذي دأبنا على تسميته بعلم الاجتماع البنائي (socioconstructivisme) »([xviii]) ، ويعود الفضل لكل من بيتر بيرجر وطوماس لوكمان في كتابهما المشترك “البناء الاجتماعي للواقع” الفضل في تعميم فكرة أن «الواقع الاجتماعي أو المشاكل الاجتماعية، وبعيدا عن أن تكون لها تلك الصبغة الطبيعية التي يعطيها إياها الحس المشترك، هي نتاج لعمليات قولبة وتنميط لاعتيادية متولدة عن تفاعلات تتكرر إلى الدرجة التي تشكل فيها نماذج للسلوك»([xix]). وأخيرا يمكن القول ان شوتز نقل الفينومينولوجيا من نزعتها المتعالية الى مستوى المحايثة الاجتماعية، وأسسها على أسس إجتماعية، وقد أثرت هذه النقلة على جيل بأكمله داخل الولايات المتحدة الامريكية .

  1. المصدر الماركسي : تغيير المجتمع ونقد التفاوتات الإجتماعية.

تتجلى أصالة الماركسية في كونها « تكمن دون ريب في الجمع بين [نوع] من الوضعانية والممارسة الثورية »([xx])، فهي وبالإضافة الى ثوريتها وأفقها التغييري والتحرري، فإنها تسعى إلى تفسير الظواهر الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية مثلها مثل الوضعانية. إلا أن هذا البعد التفسيري داخل الماركسية لم يأخذ صرامته المنهجية ونضجه العلمي الى مع ماركس الناضج حسب القراءة البنيوية للويس ألتوسير التي ترى أن « عمل ماركس الشاب، المتمركز حول الإنسان الشامل المطبوع بطابع المثالية الهيغلية وفلسفة فيورباخ، يمثل عقبة في سبيل إقامة علم أصيل للماركسية. لن يصل هذا العلم المتعلق بالماركسية إلى نضجه إلا عندما يضع حيّز التنفيذ هذه القوى غير المسماة المتمثلة في الطبقات الإجتماعية، علاقات الإنتاج والقوى المنتجة المادية »([xxi])، وبالتالي فإن الماركسية إتخذت طابعها العلمي عندما تجاوزت النزعة الانسانية والأنثروبولوجيا الفلسفية التي عرفت أوجها مع ماركس الشاب وخصوصا في مخطوطات 1844 التي كانت تعج بمفاهيم “الاستلاب، الوعي المستلب…”؛ حيث « شهدت الأنثروبولوجيا الفلسفية والاجتماعية في اللحظة نفسها انعطافا بداية من صدور كتاب الايديولوجيا الألمانية، أين نلاحظ اختفاء المفاهيم الهيغلية المتعلقة بالوعي، الكائن العام والشمولي، الاستلاب، لصالح حقل معجمي على قاعدة العلم الماركسي : أنماط الإنتاج، علاقات الإنتاج، الطبقات الإجتماعية »([xxii]).

إن القراءة البنيوية للماركسية هي نموذج من بين نماذج متعددة؛ فالسوسيولوجيا النقدية لبيير بورديو اغترفت بدورها من معين الماركسية على  الرغم من رفضه و « دون إلتباس النزعة الاقتصادية لماركس، وأيضا الفرضية التي تبناها ألتوسير بشأن ارتباط حتمي في المقام الأخير للبنيات التحتية مع البنيات الفوقية »([xxiii]) ، فإنه « يأخذ من ماركس فكرة أن المجتمع يقدم نفسه بوصفه متمايزا ومنظما بشكل هرمي في إطار مجموعات مهيمنة ومجموعات مهيمن عليها تكون علاقات القوة فيما بينها متخفية، أي مستوعبة داخليا بشكل عميق من طرف الأفراد »[xxiv]، وترتكز سيرورة الخضوع التي يقوم من خلالها المهيمن عليهم بالتمثل الداخلي لمعايير وقواعد وقيم المهيمنين على ما يسميه بورديو بالعنف الرمزي، الذي يمارس تأثيره على أنساق الإدراك وعلى رؤية تقسيم العالم الاجتماعي بطريقة رمزية. وهكذا نلاحظ أن الماركسية تعرضت لقراءات كثيرة ومتعددة ساهمت في تمديد هذا المتن وتزويده بمعارف ( الجانب الرمزي عند بوريو مثلا ) أغفلتها الماركسية أثناء قراءتها للواقع الإجتماعي.

  • خاتمة :

انطلاقا من القراءة السريعة والمقتضبة لبعض فصول الكتاب، يمكن استنتاج بعض الملاحظات :

– أن صناعة العلوم الإجتماعية وابتكارها وضع حدا بكل تأكيد لبعض التوجهات الفلسفية – الميتافيزيقية، الذاتية والمثالية، على الرغم من أن بعض التيارات لم تلغي الإحالة الى الفرد.

– أن الفلسفة كانت مصدر أساسي من مصادر العلوم الاجتماعية بشكل عام وعلم الاجتماع بشكل خاص، حيث ساهمت الفلسفة الوضعية بمنهجها التفسيري في نشوء السوسيولوجيا، كما قدمت الهيرمينوطيقا من خلال منهجها الفهمي والتأويلي، و الفينومينولوجيا والذرائعية بمنهجهما الوصفي، و الماركسية ونموذجها التحرري والتغييري الكثير لعلم الاجتماع.

– على الرغم من أن الفلسفة قدمت الكثير لسوسيولوجيا، إلا أن هذه الأخيرة لم تبقى تحت وصايتها، بل تجاوزتها وطورت الكثير من مفاهيمها وإشكالاتها ومناهجها…

  1. المنافسة والتقارب ما بين العلوم الاجتماعية والفلسفة :
  2. السجالات بشأن المواضيع : الذات الفردية والذات الاجتماعية.

لم تكن الذات الفردية موضوعا للفلسفة منذ نشأتها، بل هي وليدة الفلسفة الديكارتية؛ فمع « الاكتشاف الديكارتي لـ “أنا أفكر إذن أنا موجود” بوصفه حقيقة أولى هو بذلك المثل الأنموذجي لفلسفة وعي الذات التي تجعل من الذات في اللحظة نفسها مبدأ للمعرفة والموضوع المفضل للمعارف »([xxv])  ، وبالرغم من الانتقادات المتعدددة التي تم توجيهها الى الدعامة الميتافيزيقية لهذه المعرفة بالذات داخل التقليد الفلسفي ( دافيد هيوم ونيتشه…)، إلا أن هذه الاولية المعطاة للذات ستستمر داخل تيارات فلسفية حديثة ومعاصرة، إلا أن « قدوم العلوم الاجتماعية، مع مواصلتها لهذه الممارسات المتعلقة بالشك، أدى إلى تغيير رهانات النزاع. لا يجب الالتفات نحو الذات الفردية من اجل استخلاص معرفة موضوعية…إنه لمن الأفضل بعكس ذلك أن نبتعد عنها من أجل أن نوجه نظرتنا بشكل أفضل اتجاه التمثلات الجماعية، البنيات الاجتماعية، التصرفات والمظاهر المتعلقة بالطبقات»([xxvi]) . ان اعتبار الوقائع الاجتماعية كأشياء – وهذه قاعدة أساسية من قواعد المنهج السوسيولوجي الدوركايمي – كان من نتائجه المباشرة جعل التمثلات الجماعية بمثابة الذات الحقيقية لعلم الاجتماع، وابعادا للذات المؤسسة وللوعي المستقل. لكن هذه النزعة الشمولية والكليانية  لعلم الاجتماع الدوركايمي لم تسلم بدورها من النقد، حيث وقعت هي الأخرى في نوع من النزعة السحرية الجماعية أو لنقل لنوع من الميتافيزيقا الخاصة بما هو اجتماعي، « إن علم اجتماع دوركايم يمكن أن يخضع لمثل هذه القراءة، عندما يتمحور حول مفهوم الوعي الجماعي الذي يعتبره كحقيقة فريدة من نوعها، أي عندما يسعى إلى أن يجعل من المجتمع نوعا من الروح أو كيانا ميتافيزيقا  يتجاوز ماهو فردي »([xxvii]).

 إن التقليد السوسيولوجي المسمى ب “الفردانية المنهجية” الذي يجمع في الان نفسه علماء اجتماع وفلاسفة أمثال ريمون بودون وريمون آرون وكارل بوبر الذين يرفضون كل تشييء لما هو اجتماعي وكل أساس كلياني او شمولي للعلوم الاجتماعية، ويرون في مقابل ذلك أن « الافراد يمكنهم لوحدهم – من خلال المعنى الذي يعطونه لأفعالهم والأسلوب الذي يمارسون من خلاله عملهم بناءا على أفعال الاخرين – أن يشكلوا القاعدة للكيانات المجندة في العلوم الاجتماعية»([xxviii])  ؛ يرفض كل « المسلمات ذات النزعة الذاتية للمتغيرات المثالية والميتافيزيقية للذات التي تخص الفلاسفة. لا يستلزم القول أن الافراد يشكلون القاعدة الوحيدة المشكلة للعلوم الاجتماعية، بأي حال أن الذوات الفردية تتوفر على وعي مستقل. إن الفرد بالنسبة لعلماء الاجتماع ليس هو الوعي الذي نلفيه عند الفلاسفة »([xxix])  .

  1. السجالات حول المناهج :

إن الفلسفة لا « تنتج معطيات تجريبية، استنتاج قوانين الطبيعة أو انتظامات اجتماعية، القيام بتجارب في المختبر أو تحريات واسعة في الاحصائيات، أي أن تنتج معرفة وضعية عن العالم الطبيعي والاجتماعي »([xxx])   ، ولعل هذا النقد الذي تم توجيهه لها من طرف العديد من علماء الاجتماع ( دوركايم، بوريو، كلود ليفي شتروس…) نجد تجلياته داخل الصراع الدائر بين كل من المنهج الكمي والمنهج الكيفي. إن المنهج الكمي يعد استمرارا للنزعة الوضعية التي حاولت أن تجعل من العلوم الاجتماعية نسخة مطابقة للفيزياء وعلوم الطبيعة، والعمل على إبراز الانتظامات الاجتماعية والتاريخية الكبرى، عكس المناهج الكيفية « الآتية بشكل أكبر من التقاليد التفسيرية، التأويلية، الاجتماعية الفينومينولوجية والذرائعية»([xxxi]) التي « تسعى الى اعادة بناء معنى التصرفات، في وضع اجتماعي أو القيام بوصف مجموعة من التفاعلات الاجتماعية في سياق وضعية ما. إنها تسعى بدرجة أقل إلى ابراز الانتظامات الاجتماعية وتحرص أكثر على الامساك بالتشكيلات التاريخية والاجتماعية المفردة، وباختصار الى التفكير في كل حالة على حدة»([xxxii])، وقد تعرضت بعض المناهج الكيفية للنقد على أيدي العديد من علماء الاجتماع كمنهج سيرة الحياة الذي انتقده بوريو واعتبره انه منهج ذاتي يتجاهل الشروط الاجتماعية المشكلة للأفراد. لكن يبقى المنهج التجريبي هو المميز للعلوم الاجتماعية ( الفرنسية ) عن الفلسفة.

ومن بين الاختلافات المنهجية أيضا بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية أن هذه الاخيرة تسافر في حين أن الاولى لا تسافر، فالفيلسوف كما يقول جيل دولوز “يسافر في مكانه”، والسفر هنا قد يكون سفرا ماديا كما يفعل الاثنوغرافي، او سفرا فكريا وثقافيا عبر الانفتاح على ثقافات الاخر والخروج من موقع التمركز العرقي والثقافي…، كما فعل جان جاك روسو الذي عده كلود ليفي شتروس مؤسس للإثنولوجيا لأنه بحسبه حاول الخروج من التمركز العرقي وتطوير لا مركزية ثقافية حقيقة اعتبرها ضرورية للتحليل المحايد للشعوب والآهالي، وانطلاقا من معيار السفر هذا تم بلورة الاثنوغرافيا والملاحظة بالمشاركة كشرطين أساسين لفهم الاخر فهما موضوعيا بعيدا عن الاحكام المسبقة الممتلئة بتضخم الأنا ووهم المركزية والتفوق. إن السفر المقترح من طرف الاثنولوجيا مختلف عن السفر الذي الذي نلفيه عند المبشرين أو السياح، ذلك أن الإثنوغرافي يقضي وقتا طويلا داخل عالم المجتمع المبحوث مستندا إلى الملاحظة بالمشاركة لكي يفهم بعناية لسانه، ولكي يصف بدقة طقوسه، ممارساته وعاداته وتقاليده مبعدا كل أحكامه المسبقة التي أتى محملا بها إلى المجتمع الذي يريد أن يجرى فيه بحثه.

هناك اذن « وجود لحدود فاصلة بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية، من وجهة نظر مناهج التحقيق »([xxxiii])، فعلى الرغم من أن الاولى زودت العلوم الاجتماعية بالكثير من المناهج ( تأويل، فهم، تفسير…)؛ إلا أن الفلسفة تبقى لها خصوصياتها التي تميزها عن العلوم الاجتماعية؛ كعدم انتاجها لمعطيات تجريبية و ميدانية، دون أن ننسى طبعا الفارق الواضح بينها وبين الإثنوغرافيا – كعلم من العلوم الاجتماعية وكأداة منهجية مركزية داخل حقل العلوم الاجتماعية – حيث يتميز المشتغل بهذا العلم بسفره الدائم وتجواله بين الأمكنة عكس الفيلسوف الذي يفكر ويتأمل العالم من داخل بيته أو منزله أو مكتبه…

وفي النهاية أود أن أشير إلى مسألة غاية في الأهمية وهي أن هذه القراءة اعترضتها صعوبات كثيرة لعل أبرزها هو ضعف الترجمة. فكل من قرأ أو سيقرأ هذا الكتاب سيتلمس هذه الصعوبة أثناء إقتحامه لنصوصه.

[i]  – جوهان، ميشال. صناعة العلوم الاجتماعية : من أوغست كونت الى ميشال فوكو. ترجمة الحسين الزاوي. ابن النديم للنشر والتوزيع، دار روافد للنشر والتوزيع، 2020. ص 19.

 – نفس المرجع، ص 36.[ii]

 – ن، م. ص 39.[iii]

 – ن، م. ص 42.[iv]

 – ن،م. ص 44.[v]

 – ن، م, ص 50.[vi]

 – ن، م. ص 53.[vii]

 – ن، م. ص 55.[viii]

 – ن، م. ص 57.[ix]

 – ن،م. ص 60.[x]

 – ن،م. ص 64.[xi]

 – ن،م. ص 64.[xii]

.- ن، م. ص 68.[xiii]

 – ن، م. ص 68.[xiv]

 – ن، م. ص 78.[xv]

 – ن، م. ص 77.[xvi]

 – ن، م. ص 77.[xvii]

 – ن، م. ص 78.[xviii]

 .79– ن،م. ص [xix]

 – ن،م. ص 94.[xx]

 – ن،م. ص 95،96.[xxi]

 -ن،م. ص 97.[xxii]

 – ن،م. ص 109.[xxiii]

 – ن،م. ص 109.[xxiv]

 – ن،م. ص 119.[xxv]

 – ن،م. ص 120.[xxvi]

 – ن،م. ص 123.[xxvii]

 – ن،م. ص 126.[xxviii]

 – ن،م. ص 126ـ127.[xxix]

 – ن،م. ص 148.[xxx]

 – ن،م. ص 149[xxxi]

– ن،م. ص 149[xxxii]

 – ن،م. ص 160.[xxxiii]

*****************************

– الكاتب : عصام نكادي، حاصل على شهادة الاجازة في علم الاجتماع من جامعة ابن زهر