يوهان هيلبرون

سعيد بوكرامي

إذا كان علم الاجتماع اختراعاً فرنسياً، بشهادة العديد من الباحثين في العالم، فيجب أيضًا أن ندرك أن الباحثين الفرنسيين لم يكونوا رواد هذا التخصص فقط، مثل أوغست كونت وإميل دوركهايم: بل ساهموا، من خلال جهودهم الفردية أو الجماعية، في إنتاج تقليد فكري ثري بموضوعاته الاجتماعية وتياراته المنهجية ونتائجه النظرية والتطبيقية، لم ينحصر في فرنسا وأقاليمها وإنما انتشر في باقي الجامعات العالمية، وترسخ في معظمها درسا أساسيا وأداة لا محيد عنها لفهم المجتمهات وصيرورة تحولاتها وتطوراتها وأزماتها.

ولكن ما هي القواسم المشتركة بين علماء الاجتماع المتنوعين مثل ريموند آرون وبيير بورديو وبرونو لاتور أو لوك بولتانسكي، على سبيل المثال، الذين ينتمون إلى أجيال مختلفة، ويمثلون تيارات فكرية وأساليب عمل غاية في التميز؟ للدنو من تفاصيل الإجابات يقدم يوهان هيبلبرون في كتابه الصادر حديثاً نظرة عامة وفريدة عن أحد التقاليد المعرفية الوطنية الأقدم والأكثر حيوية في علم الاجتماع. لذلك يسعى جاهداً لاستعادة ظروف نشأته وتطوره منذ بداياته، خصوصاً مع بداية القرن التاسع عشر، حتى توسعه في نهاية القرن العشرين مقدما تفسيرات جديدة لكيفية قيام مفكرين مثل إميل دوركهايم ومجموعته من المتعاونين بإعادة تعريف التخصص وإبراز مساهمته في تجديد العلوم الإنسانية الأخرى، وبذلك يشكل كتاب هيلبرون دراسة اجتماعية رائدة ومنجزا مرجعيا لتاريخ العلوم الاجتماعية. في الواقع يشكل الكتاب استمرارية لعمله حول تاريخ العلوم الاجتماعية الذي بدأ في الثمانينيات ثم استؤنف في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، هنا يقترح يوهان هيلبرون إلقاء نظرة مزدوجة على نشأة علم الاجتماع الفرنسي وإضفاء الطابع المؤسسي عليه وتحديد أسباب تمكنه من بناء تقليد فرنسي، ومنهجية لممارسة علم الاجتماع “على الطريقة الفرنسية.

يشكل الكتاب أولاً وقبل كل شيء نظرة خارجية لعالم اجتماع معروف، ولد في هولندا وتلقى تعليمه في الفلسفة وعلم الاجتماع في جامعة أمستردام في السبعينيات. ومن ثمَّ فإن نظرة الباحث إلى العلوم الاجتماعية التي درّسها في فرنسا ما بين 1979 و1980 ومساهماته كمدير أبحاث في المركز الأوروبي لعلم الاجتماع والعلوم السياسية. وبهذه الصفة، شارك يوهان هيلبرون بشكل مباشر ضمن فريق بيير بورديو، وكذلك في إنشاء التقليد الاجتماعي الفرنسي.

من خلال الفصول السبعة التي يتألف منها الكتاب، يوضح المؤلف الأسس التي ساهمت في تكوين علم الاجتماع الفرنسي كتقليد وتخصص مستقل. كما يقدم إجابات عن الأسئلة التالية: ما هي السياقات، والفاعلون (الرواد)، والمجموعات، والشبكات، والمؤسسات، والنقاشات، والتمثيلات الاجتماعية، والأنشطة، والنضالات، والعمليات، الديناميات في العمل … التي جعلت من الممكن نشوء علم اجتماع فرنسي محض؟ ما هي الحالات الطارئة، والمكونات … التي جعلت من فرنسا مهدًا لمعرفة جديدة تنتج منهجية محددة تمارس في جميع أنحاء العالم؟ هذا هو الغرض من “التحقيق الاجتماعي التاريخي” (ص 14) الذي يستخدمه المؤلف في هذا الكتاب. تتمثل الفكرة في العودة إلى قلب نشأة علم اجتماعي من بين العلوم الاجتماعية لإظهار أي مدى هو نتاج عملية بناء اجتماعي تاريخي، وبالتالي نتاج صناعة اجتماعية.

نقطة انطلاق المؤلف هي نوع من الألغاز والمفارقة: علم الاجتماع موجود كعلم اجتماعي، على الرغم من أن لا شيء، وفقًا ليوهان هيلبرون، ينذر بمثل هذه النتيجة. إذن، فإنَّ من الممكن أن تكون هناك عدة عقبات منعت من أن يصبح تخصصًا جامعيًا مستقلاً ومعترفًا به (الفصل الثاني، علم بعيد الاحتمال). ما هي المعوقات والظواهر والظروف التي كان على أنصار علم الاجتماع محاربتها والتغلب عليها والالتفاف حولها؟ هذا التناقض هو ما يجعل الكتاب شديد الأصالة، لكن، قد يبدو الطرح أيضًا، في نظر بعض القراء غير المقتنعين بأطروحة المؤلف مجرد ضرب من التكهنات. لذلك دعونا نقدم حججه.

بداية وقبل كل شيء، يتذكر يوهان هيلبرون الوشاح الرصاصي الذي استخدمه ما يسمى بالعلوم الخالصة (الفيزياء وخاصة الرياضيات) والعلوم الطبيعية (خاصة علم الأحياء) الذي اعتمد لفترة طويلة في المجال العلمي على البنية الراسخة المهيمنة للفلسفة؛ الكثير من الأساليب التي من المفترض أن تشرح الواقع الاجتماعي من تلقاء نفسها ضمن الفضاء الاجتماعي والحدود التخصصية تم تأسيسها بالفعل وكان على علم الاجتماع أن يجد مكانًا له بينها، لإثبات فائدته وشرعيته. وشيئًا فشيئًا، كان عليه أن يبني موضوعاته الخاصة (الوقائع الاجتماعية، والعمل الاجتماعي، إلخ)، ومفاهيمه ويحدد أساليبه في البحث، ليس فقط في مجال العلوم عامة، ولكن في مجال العلوم الاجتماعية خاصة. وهنا نجد المكونات الأساسية لكيفية اشتغال “الحقل العلمي” كما تصورها بيير بورديو نتيجة نضالاته حول قضية الوضع والشرعية والاعتراف الاجتماعي.

بعد ذلك، ذكر يوهان هيلبرون عقبة مؤسسية تتمثل في أن إنشاء أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية في عام 1832، والتي فرضت هيمنتها على القضايا والمواضيع وفق “جدول أعمال” العلوم، على الأقل حتى ثورة 1848، التي كانت تهتم بمواضيع غير الاجتماعية. يستحضر المؤلف أيضًا سياق ما بعد الثورة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أي سياق العلمنة (موضوع الفصل الأول)، واللحظات الحاسمة للجمهورية الثالثة، فضلًا عن التنافس بين التقاليد القومية الأخرى (ولا سيما تقاليد بريطانيا العظمى، مع هربرت سبنسر ونزعته الاجتماعية التطورية) الذي طغت إلى حد ما على علم الاجتماع الفرنسي حيث بدأ بعض المتقدمين من السلف في الاشتغال عليها (مونتسكيو، كونت، توكفيل …).

في نهاية القرن التاسع عشر، عندما بدأ علم الاجتماع يفرض نفسه في فرنسا، كانت هناك ثلاث مدارس فكرية تخوض منافسة جادة، يجسدها ثلاثة علماء وهم: رينيه وورمز، وغابرييل تارد، وإميل دوركهايم. نحن نعلم الآن أن هذا الأخير، وهو من كان أقل شهرة من بينهم، لكنه حقق أرضية وشارك في تأسيس علم الاجتماع كنظام أكاديمي مستقل. لكن هيلبرون يؤكد أنه بدون عناد دوركهايم وطموحه، لربما طوى النسيان علم الاجتماع، كما حدث بالفعل مع أعمال وورمز وتارد، وهما مؤلفان لم يدرسا إلا قليلا في الوقت الحاضر خصوصا عندما تذكر خصومتهما ومعارضتهما لدوركهايم الشخص المعروف اليوم كمُؤسس لعلم الاجتماع الفرنسي.

ثم يشير المؤلف إلى مفارقة أخرى: في الوقت الذي سمح فيه تطور التعليم الجامعي (1870) للتخصص الاجتماعي بالبروز، فإنَّ الصراع بين المؤسسة والباحث كان على أشده، يقدم الكاتب دليلا على تجاهل أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية لمساهمات أوغست كونت وكذلك مساهمات الأستاذ الجامعي إسبيناس، فويلي كشخصيات انتقالية، لكن مع مجيء الشباب الطليعيين من المبرزين الجدد في الفلسفة مثل: دوركهايم، تارد، غِيُو، ريتشارد … الذين ساهموا بشكل كبير في تنويع تطور علم الاجتماع، كما أنهم نقلوا البحث الاجتماعي إلى خارج الجامعة، إذ أصبح يحدث جزء كبير منه خارج التعليم العالي.

يستحضر يوهان هيلبرون أيضًا عناصر أخرى أدت إلى تأخير تأسيس علم الاجتماع في الحقل العلمي ومن بينها ندرة انتشار اللغة الفرنسية، إذ كانت لا تُقرأ إلا قليلاً خارج البلدان الناطقة بالفرنسية، وكذلك بعض السياقات الجغرافية والاجتماعية والسياسية أخرت انتشار علم يقترح الكشف عن الاختلالات الاجتماعية أسبابها ونتائجها. ومع ذلك، فقد نجح علم الاجتماع الفرنسي في أن يمنح نفسه مكانة رائدة بين العلوم الأكاديمية وفي ترسيخه كتقليد فرنسي وطني ما زال يحظى باهتمام عالمي. ولتوضيح ذلك، يشير المؤلف إلى بعض العوامل الإيجابية: بداية استفاد علم الاجتماع، حتى قبل استقلاليته وإضفاء الطابع المؤسسي عليه داخل الجامعات، من عمل عدد قليل من الرواد. على وجه الخصوص أوغست كونت الذي أعطى كثافة للمفهوم الأول لكلمة علم الاجتماع وقدم الأفكار الأولى حول علم اجتماعي كما كان قادرا على تفسير أداء المجتمع بالإضافة إلى اهتمامه بمجالاته السياسية والعلمية. بالإضافة إلى التأملات حول الحاجة إلى علم قادر على فهم التحولات الاجتماعية في العمل (الثورة الصناعية، والتحضر، وتطور العقليات، وغيرها)، قام الرواد بإعداد أرضية خصبة لمجال علم الاجتماع، سواء من حيث المناهج (ملاحظة الواقع من داخل الميدان، على طريقة عالم الأعراق البشرية فريديريك لو بلاي) وكذلك على مستوى التمركز في مجال العلوم ونظرية المعرفة، كما رأينا مع أوغست كونت وأتباعه. ونذكر منهم، على سبيل المثال، إميل ليتري صاحب المنهج الوضعي الذي أولى اهتمامًا كبيرا بعلم الاجتماع، إذ لم يعتبره فرعا معينا من الفلسفة الوضعية فقط … “(ص 75). ولكن بالنسبة لكثيرين من المهتمين، فإن التطور المديد لعلم الاجتماع يعود لإميل دوركهايم: فقد منحه في فرنسا، برنامجًا، وأعطاه هدفًا محددًا – دراسة الحقائق الاجتماعية – ومنهجية في التحليل، كما وضح كيف يمكن أن يساعد في فهم التحولات الاجتماعية في العمل، حيث تفشل العلوم الأخرى في القيام بذلك. بالإضافة إلى ذلك، عمل على ترسيخه في التعليم العالي. نجحت هذه الاستراتيجية المؤسسية لأن دوركهايم عرف كيف يحيط نفسه بفريق شاب من الأكاديميين المنفتحين على هذا العلم الجديد، وبالإضافة إلى إحيائه علم الاجتماع من خلال المجلة التي أسسها دوركهايم (العام السوسيولوجي) التي كانت تعتبر سلاحاً في خدمة القضية الاجتماعية، كما ساهمت هذه المجلة الرائدة في نشر الدروس الأولى في علم الاجتماع (أول درس في علم الاجتماع، وفقًا للمؤلف، كان الدرس الذي قدمه دوركهايم في بوردو عام 1887). ومع ذلك، فإنَّ “طلائع القدامى” من علماء الاجتماع (نذكر على سبيل المثال كلا من ألفريد وإسبيناس وفويي) الذين يفضلون اتباع منهج وورمز. كان “المشروع الجماعي” الذي قاده دوركهايم و”مدرسته” صادما وغامضا بدرجة كافية، بحيث سيدخل علم الاجتماع مرحلة كسوف طويل (بين الحربين العالميتين) ولن ينبعث من رماده إلا في الخمسينيات، مُستنهَضاً بشخصيات جديدة مثل غورفيتش وفريدمان وأرون ثم كروزييه ورينو وتوران وبورديو…الذين يعتبرون ورثة الأعمال التي أنجزها دوركهايم.

 في الفصل السابع، يسلط يوهان هيلبرون، الضوء على الأسلوب الخاص لأربعة مؤلفين معاصرين مهمين وهم، ميشيل كروزييه وآلان توران وبيير بورديو وريمون بودون، لتوضيح أربعة طرق متناقضة لممارسة علم الاجتماع. يمكن اعتبار كتاب يوهان هيلبرون إثراء معرفيا ذكيا وعملا توثيقيا جبارا، يشكل بلا ريب مساهمة مهمة حول تاريخ علم الاجتماع الفرنسي، سيثير اهتمام عدد كبير من الباحثين والجامعيين والمهتمين. كما يستهدف الكتاب أيضًا تقديم رؤية شاملة لكيفية بناء علم الاجتماع في القارة القديمة.

 في هذا الكتاب، يقوم المؤلف بتجميع وتحديث الأعمال المعروفة سلفاً في فرنسا، ولكن غالبًا ما يتم تجاهلها في الجامعات المهتمة بالمعرفة الأنجلوساكسونية، خصوصا في حقل علم الاجتماع. كما يقدم أيضًا تجميعًا لأعمال سابقة للمؤلف حول هذه الأسئلة بعينها، وهو كذلك تتويج لمجهودات الكاتب الأكاديمية التي دامت ما يقارب الأربعين عامًا من التفكير في علم الاجتماع ورواده ونشأته. من الواضح أن هذا العمل ليس مجرد دراسة تأملية إضافية حول تاريخ علم الاجتماع الفرنسي، فقد كنا نأمل أن تكون الوسائل التجريبية (أعمال الأرشيف، والمقابلات، والملاحظات، إلخ) التي استخدمها المؤلف أكثر وضوحًا وتفسيرا، لأنها تستحق اشتغالا أفضل من بضع فقرات موجزة. كما نجد في الكتاب مقابلات مع عدد كبير من المثقفين الذين شاركوا، بشكل أو بآخر، في بناء علم الاجتماع في أوقات مختلفة. ولكن ماهي معايير هذا الاختيار؟ لماذا لم تظهر في القائمة، على سبيل المثال، شخصيات رئيسية مثل ريمون بودون، وجان كلود شامبريدون، وهنري ميندراس، وجان كلود باسرون، وألان تورين؟ استحضار هؤلاء العلماء كان سيوفر ميزة إضافية من خلال توضيح مساهماتهم بشكل أعمق، ورغم كل ذلك، فإن الكتاب ثريّ وموسوعي، يثمن علم الاجتماع ويمنحه مكانة معرفية يستحقها، لأن إعادة الاعتبار لعلم الاجتماع داخل الجامعة وخارجها سيمكننا من إماطة اللثام عن مشاكل اجتماعية عديدة وعويصة، يمكن بسهولة التعرف عليها وفهمهما وتفكيك مكامن الخلل فيها لمعالجتها وتمكين المجتمعات من السير على طرقات سليمة نحو التقدم والرفاه والاستقرار.

—————————————————————

الكتاب: علم الاجتماع الفرنسي: النشأة الاجتماعية لتقليد فرنسي

المؤلف: يوهان هيلبرون

الناشر: المركز الوطني للبحث العلمي، باريس، فرنسا.

سنة النشر: 2020

عدد الصفحات: 334 ص

اللغة: الفرنسية