وليد عبد الحي

في إطار الملاحقة المتواصلة للرئيس الأمريكي ” ترمب” وضع ” جيمس كومي ” مدير الف بي آي الامريكي الاسبق كتابه هذا الذي يقع في متن من 226 صفحة تتوزع على 14 فصلا ،الى جانب تمهيد يدور حول دوافع وضع الكتاب ، ومقدمة وخاتمة.
ويبرر الكاتب مؤلفه الذي يشير الى انه تردد قبل ان يخرجه للنور بالقول بان الكتاب جاء “دفاعا عن القيم وللبحث عن قائد يُجَسدُ هذه القيم”( صفحة 8)، مؤكدا على ان الولاء يجب ان يكون لمؤسسة العدل( صفحة 155) وليس لاشخاص.
ويبدأ الكتاب في مقدمته بعرض قضية تقصي حقيقة التدخل الروسي في الانتخابات الامريكية لترجيح كفة ترمب على حساب هيلاري كلينتون التي جرى اختراق بريدها الالكتروني في إطار هذا العراك بين قوى ديمقراطية تريد استمرار النبش في ملف الانتخابات وجمهوريين يريدون طي هذه الصفحة. ويشرح الكاتب تعقيدات مهمة الف بي آي في مثل هذه الحالات لا سيما في نطاق الصراع السياسي،(صفحة 10).

ويستعرض الكاتب في الفصول المتلاحقة خلفيته التي بدأت مع مواجهة جماعات المافيا في الولايات المتحدة، وكيف اقتحموا بيته وسيطروا عليه وعلى اخية وسلبوا اموالهم ( صفحة 15) وكيف مارس الكذب عليهم اثناء ذلك. ثم يستعرض التحول الثاني في حياتة عندما كان في طريقه الى المختبر الذي يدرس فيه ورأى عنوانا على لوح في قاعة مجاورة ، وكان عنوان اللوحة هو ” الموت” وهو لطلاب دراسات دينية، وقد شارك الكاتب في هذا المساق الامر الذي ادى لتحول كبير في حياته، مشيرا الى تأثير أفكار القسيس رينهولد نيبور(وهو اهم علماء النظرية الواقعية التقليدية في العلاقات الدولية) عليه.(18-20).

ثم يستعرض رحلته العلمية وتخرجه من جامعة شيكاغو متخصصا في القانون، ثم رحلته مع عالم القضاء والتحقيق لا سيما تحت تاثير قضايا المافيا ، وتطوره في وظيفته من منصب لآخر (25-30) ويبقى الكاتب في نطاق عرض أحداث كما لو أنه يريد تكريس فكرته انه غير معني الا بالقيم، ويستعرض اهم الشخصيات التي أثرت عليه مشيرا بشكل خاص إلى معلمتين ، ثم يستمر في السرد وصولا ليكون النائب العام في نيويورك(46)، ثم يواصل عرض نشاطاته في هذا المجال حتى لقاءاته مع الرئيس بوش وصولا لموضوع اتهام ايران بأنها تقف وراء الهجوم على قاعدة امريكية في الخبر السعودية، ويسهب في تفاصيل العلاقات وطرق التعامل بين المسؤولين ( صفحة 61 و 62 بخاصة كشف اسم احد عملاء السي ىي ايه)..الخ. ثم يستعرض تاثير احداث 11 سيبتمبر على وظيفة النائب العام في الولايات المتحدة وكيف اثرت على طبيعتها(68). مشيرا لفكرة تستحق التأمل وهي ان بعض الرؤساء الامريكيين يعتقدون ان العلاقة مع النائب العام مفيدة لكنها كانت غالبا تجعل الامور أسوأ( 95).

يبدأ الجانب الأهم من الكتاب في الفصل العاشر الذي يتمحور كله حول قضية بريد هيلاري كلينتون ، بينما الفصل الحادي عشر يبدا في تناول موضوع التدخل الروسي(156) الذي يتمحور حول ثلاثة جوانب: تشويه الديمقراطية الامريكية ،وتشويه العملية الانتخابية امام العالم ، ورغبة الرئيس بوتين في الانتقام من هيلاري لانه يعتقد انها لعبت دورا في المظاهرات ضده عام 2011 في موسكو ، ثم أخيرا الرغبة الروسية في نجاح ترامب كرجل اعمال ” في الانتخابات لا سيما انه ابدى ملاحظات ايجابية عن روسيا وبوتين. هذا الى جانب مشكلة البريد الالكتروني الخاص بالديمقراطيين وتسلل الروس لقوائم الناخبين والعبث بها، ويعود الكاتب لذلك في اشارته الى ان الاجهزة الامريكية توصلت في نهاية فترة أوباما الى القطع بدور روسي في الانتخابات( صفحة 175)

ويعود الكاتب لموضوع بريد هيلاري كلينتون الالكتروني والنقاش والتحقيق حولة وحول ارتباط كومبيوترها بجهاز آخر ، والاطلاع على مراسلات جنسية من صاحب الجهاز.. وعشرات الآلاف من الرسائل.وكل هذا الجهد انتهى الى لا شيء رغم انه يرى انها حملته بعض المسؤولية عن فشلها في الانتخابات في كتابها(169) وكيف دافع امام الكونجرس عن هذا الاتهام ، رغم انه يقول لو عادت الامور ساتخذ نفس الموقف(171) وهو ما جعل أوباما يمدحه على ادائه(172)

اول لقاء للكاتب مع ترامب يستعرضه في صفحة 179، ويغرق في وصف لباسة وشكله..، ثم يحاول في عدد من الصفحات ان يميز بين وظيفة رجل الاستخبارات وبين وظيفة السياسي، ويشير الى ان صورة المافيا كانت تعاوده اثناء انصاته لمناقشات ترامب وفريقه.(182)، ويستعرض الكاتب اتهامات استفزت ترامب اثناء المناقشات وهي الرواية التي تقول ان الروس صوروا ترامب وهو مع احدى المومسات في عام 2013، وان ” كومي” تجاوز الحديث عن اتهامات بان مومسات رافقن ترامب قمن ” بالتبول” على السرير الذي نام عليه الرئيس اوباما في احد الايام. ثم يكشف الكاتب عن حديث ترامب عن اتهامات تخص علاقاته مع النساء(184) مما دفع كومي ليقول له نحن لا نستجوبك وهو ما هدأ ترامب، لكن ترامب عاد للاتصال مع كومي ثانية لينفي ان المومسات تبولن على السرير ،قائلا انت تعرف ان لدي هوس النظافة(germophobe.) وغير ممكن ان اترك احدا يتبول قربي(ويعود الكاتب لنفس الموضوع في صفحة 196-197) ثم في صفحة 210 يعرض الكتاب نفي ترامب التهمة ثانية، وكيف ان ذلك يجرح مشاعر زوجته، ويطلق ترامب على موضوع الروس اسم – الغيمة- ، ويؤكد ترامب انه لم يقض ليلة في موسكو بل عاد في نفس الليلة الى نيويورك (186).ويغرق الكاتب في تفاصيل يحاول ان يوحي للقارئ ان ترامب كان يحاول استرضاءه بخاصة من خلال الإبقاء عليه في وظيفته في الف بي آي.( من صفحة 188 الى 193) ثم يستعرض بعض اكاذيب ترامب التي كان يكتشفها خلال الجلسة ذاتها(196)

يؤكد الكاتب أنه لم ير ترامب يضحك، ولكنه عثر على يوتيوب واحد فيه سخرية من هيلاري كلينتون.(198). مؤكدا ان لدى ترامب عقدة عدم الشعور العميق بالأمن (( Deep insecurity( 198)

ويسهب الكاتب في الاشارة الى الحاح ترامب على كومي بضرورة “اخلاصه له” وهو ما فسره الكاتب بانه مؤشر على عدم اخلاقية ترامب ، مشيرا الى انه كان يدون ما يحدث بينه وبين ترامب لانه يعتقد ان ترامب “غير موثوق”، لذلك احتفظ بنسختين من مذكراته عن ما يجري بينه وبين ترامب واحدة للاف بي آي والاخرى يحتفظ بها لنفسه.
ويصف الكاتب ترامب بأنه ثرثار(203).. ويروي كيف تغيرات ملامح ترامب عندما قال له كومي ان الجزء الاول من اجابتك صحيح وليس الجزء الثاني فنحن لسنا قتلة مثل بوتين(204).

وفي صفحة 206 يشير الى Mike Flynn الذي كان مديرا للاستخبارات العسكرية الامريكية وكيف كذب في شهادته حول دوره في التواصل مع السفير الروسي في امريكا بهدف اقناعه لتعطيل قرار في الامم المتحدة ضد اسرائيل يدينها بسبب النشاط الاستيطاني في الاراضي المحتلة (وهو القرار الذي مررته الحكومة الامريكية) من ناحية ولعدم الرد الروسي على الاجراءات العقابية التي اتخذتها الحكومة الامريكية بسبب ما وصف بالتدخل الروسي في الانتخابات الامريكية من ناحية ثانية ، وقد حاول ترامب التغطية على اكاذيب فلين.ثم يستعرض كيف عرف بانهاء خدماته من الف بي ىي، وكيف حاول ترامب مضايقته في سفره بعد انتهاء مهامه، ليصف ترامب في نهاية الكتاب بأنه شخص غير اخلاقي(224).

تقييم:
لا أعتقد ان الكتاب بالاهمية التي جرى الترويج لها، كما ان الكتاب فيه حشو كبير من المعلومات غير ذات الاهمية، ففي اغلب الصفحات يغرقك الكاتب في تفاصيل لا تضيف شيئا مثل وصف الاثاث والملابس والحركة والجلوس كما لو ان الامر مسودة مخرج يرسم خطوات الممثلين في كل حركة وديكور وموسيقى، لكن كل هذه التفاصيل لا تفيدك الا بالقدر اليسير جدا.
لكن الكتاب يكشف عن مسألتين:
أ‌- طبيعة العلاقات داخل المؤسسات الامريكية، وهي تعكس وضعا أدنى كثيرا من الصورة الشائعة عن الإدارة الامريكية .
ب‌- الصورة التي يرسمها الكاتب لترامب والتي تتمحور حول ” لا اخلاقيته” وانه لا يتورع عن الكذب ونزعة السيطرة وشراء الولاء، ويحاول الكتاب غرس فكرة ان ترامب قلق جدا من موضوع التدخل الروسي في الانتخابات الامريكية، لكنه يتظاهر بعدم أهميتها وبراءته منها.