قراءة في كتاب: Chine Afrique – Le Grand Pillage. Rêve Chinois cauchemar Africain

من تقديم: بن ميهوب نسرين (طالبة دكتوراه في العلوم السياسية و العلاقات الدولية تخصص دراسات اسيوية جامعة الجزائر 3)

أولا- التعريف بالكاتب:

جوليان واغنر ((Julien Wagner :

صحفي وكاتب، درس في معهد العلاقات الدولية و الإستراتيجية بفرنسا، متعاقد حاليا مع Le Courrier de l’Atlas et Le Progrés، مهتم بشؤون الصين، وعلاقاتها مع إفريقيا، أصدر أول كتاب له سنة 2012، بعنوان La république aveugle. Origines, ségrégation, délinquance (Editions de l’Aube)، له مقالات في العديد من المجلات، مثل AM Afrique Magazine .

ثانيا- بيانات الكتاب:

Wagner, Julien. Chine Afrique – Le grand pillage. Reve Chinois, cauchemar Africain ? Ed.2, Paris : Eyrolles, 2014, p.127.

يسعى “جوليان واغنر”(Julien Wagner) من خلال هذا الكتاب، الذي يحتوي على سبعة (07) فصول ومقدمة،  إلى إظهار رؤية الصين لإفريقيا كركيزة هامة لاستكمال نموها، الذي سيساهم في تحقيق هدفها الذي سطره الرئيس الحالي و قائد الحزب الشيوعي “شي جين بينغ”، وهو الهدف المتمثل في “الحلم الصيني”. كما أنّه ركّز على البعد الاقتصادي في العلاقات الصينية الإفريقية التي يصنّفها بكونها علاقات غير متكافئة بل علاقة استغلال تحقق الصين من خلالها تقدما في نموها الاقتصادي مقابل نهب موارد القارة الإفريقية، ويعزّز الكاتب فكرته من خلال العديد من الأمثلة و الأرقام الإحصائية وتصريحات المختصين.

فتوجّه الصين نحو إفريقيا بني على إستراتيجية مخالفة لاستراتيجيات كل من الكتلتين الشرقية (الإتحاد السوفييتي) والغربية (الولايات المتحدة الأمريكية) التي تغلغلت في القارة من خلال إعادة إحياء التوترات القديمة، وتغذية الصراعات الداخلية والحروب الأهلية، وبعيدا عن هذا المنطق، وخلال فترة ما بعد الحرب الباردة أين عانت إفريقيا من التهميش من قبل القوى الكبرى، أي خلال العهد الجديد الذي أصبحت فيه “أرض لا أحد” « No Man’s Land »، وجدت الصين الفضاء مفتوحا لتثبيت أقدامها في القارة، مقدّمة نفسها للدّول الإفريقية كصديق يسعى للتعامل معها بفكر تجاري اقتصادي.(ص 16-17)

«  c’est dans ce nouveau « no man’s land » que Pékin entre en scène, jouant du contraste entre un occident condescendant, colonialiste et sentimentaliste, et une chine fraternelle, anticolonialiste et « business-minded » )p.p 16-17.(

حاجة الصين لإفريقيا تكمن في أنّها –كما ذكر سابقا- أساس لنمو الصين، وذلك من خلال حاجة الصين لإيجاد فضاء جديد لتسويق اليد العاملة الصينية، وفي نفس الوقت حاجتها للموارد الأولية كون إفريقيا مصدر طاقوي ضخم ومتنوع. فهي تعدّ بمثابة الكنز الدفين لتمويل حاجيتها من المواد الخام، فهذه القارة تستحوذ على ثلث ونصف من الموارد الطبيعية في العالم، كما أنّها تشكل مخزونا معدنيا متنوعا: النحاس، الذهب، النفط، الغاز، الخشب، الألمنيوم، ألماس، الكوبالت والحديد ولأراضي النادرة أو المعادن النادرة… الخ.

ويذهب الكاتب إلى أبعد من هذا لتفسير أوضح للتغلغل الصيني السريع في إفريقيا، حيث يرى أنّ هناك عامل (محرّك) أساسي يمكن الاعتماد عليه هو “المال”: فالبحث عن المال أو الثورة هو محرك كل الحروب والاستكشافات.فقد بلغت احتياطات البنك المركزي الصيني 4000 مليار دولار، وهي بهذا تملك قدرة لا نهائية في تمويل الدول الإفريقية بقروض ضخمة، وقد أطرت هذا التمويل في إطار “منتدى التعاون الإفريقي الصيني” الذي أنشأ عام 2000. وهنا يكمن الفرق بين المساعدات والقروض التمويلية التي يقدمها صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي والتي تلزم الدول الإفريقية بالخضوع لضوابط وقواعد السلوك.

على عكس هذا فإنّ الصين تعتمد في هذا الإطار على قاعدة “الاستثمار مقابل النفط” أو “الاستثمار مقابل الموارد”، حيث أنّها تبيع البنية التحتية مثل الطرق أو المستشفيات والسكك الحديدية ومصافي النفط وخطوط الهاتف … الخ، من أجل الحصول على المعادن والنفط والغاز، “منتدى التعاون الصيني الإفريقي، سيمنح الدول الإفريقية بديلا غير متوقع..”

«Le FOCAC va leur offrir une alternative inespéré au sein de laquelle les contreparties vont leur sembler bien moins intrusives et les moyens octroyés avantage en adéquation avec leurs ambitions.»)P21( المعادن والطاقة ليست المنافع الوحيدة التي تحصل عليها الصين في إطار تعونها مع إفريقيا الذي تنظر له “كشراكة و تعاون” ويراه الغرب “استعمار صيني جديد باستخدام القوة الناعمة”. حيث للقطاع الزراعي أيضا حصة في العلاقات الصينية الإفريقية، فالصين على رغم مساحتها الكبيرة تعاني من الأراضي غير الصالحة للزراعة، وهذا ما يعيقها في تحقيق اكتفائها الذاتي ويخضعها للتبعية الغذائية. ولأجل تغطية هذا النقص تستحوذ الصين على الأراضي في إفريقيا لإنتاج الغذاء.

يطرح الكاتب إشكالا آخر في العلاقات الاقتصادية الصينية – الإفريقية، وهو ما يجعل القارئ يشكك في قاعدة (رابح-رابح) التي تركّز عليها في توطيد وتعزيز علاقاتها مع الدول الإفريقية، هذا الإشكال يرتبط بسياسة “الموارد مقابل الاستثمار”، حيث أن هذه السياسة كما سبق التوضيح، تتم من خلال منح الصين لإفريقيا، قروض تمويلية والاستثمار في البنى التحتية، في المقابل تسدد دول إفريقيا هذه القروض والمشاريع من خلال السماح للصين باستغلال الموارد الطبيعية على مدى عشرين أو ثلاثين سنة. وعلاوة على هذا، تنفذ هذه المشاريع من قبل العمالة الصينية التي تتوفر بأسعار تنافسية، والتي تمثل “أول ثروة للصين” و هو ما يقلل من فرص اليد العاملة المحلية، ويجعل إفريقيا في حاجة دائمة إلى الخبرة الصينية في حالة حدوث ضرر أو عطب في المباني أو المؤسسات، أي أنه ليس هناك تدريب للفنيين المحليين، مما يجعل إفريقيا تابعة تكنولوجيا للصين. يرجع الكاتب هذا الخلل أو الثغرات إلى أنّ الدول الإفريقية تفتقر لسياسات اقتصادية، صناعية  وتعليمية حقيقية، تؤهلها للتفاوض بطريقة أكثر توازنا مع الصين. (ص. 31)

إذن وفرة الموارد الطبيعية في إفريقيا جعلتها “الفردوس المفقود الجديد” « Le nouvelle Eldorado »، وحولت الوضع في هذه القارة إلى ما يشبه “المرض الهولندي” أو ما يعرف حاليا بـ “لعنة الموارد”، التي تمس الدول التي يكتشف أنّها غنية بالموارد الطبيعية. وما يزيد الوضع سوء، هو التركيز أو الاعتماد المبالغ فيه على مورد طبيعي معيّن في مجال التصدير، الأمر الذي يؤدي إلى تدفق قوي للعملات الأجنبية، ومنه تتعرض العملة الوطنية المصدرة إلى الارتفاع بشكل غير متوقع. وهذا بدوره يؤدي إلى إهمال القطاعات الاقتصادية الأخرى (الصناعة، السياحة …الخ). فالاقتصاد الريعي الذي يعتمد على مداخيل تصدير الموارد الأولية، وإن كان يساهم في تجميع ثروة تساعد على نمو البلاد، إلا أنّه يعيق تطوير القطاعات الصناعية والزراعية ومنه يقلص من خلق وظائف اليد العاملة المحلية. (ص34)

ما يستخلص من هذا أنّ الاستثمار الصيني في إفريقيا في إطار علاقات التعاون والشراكة لم يحقق الربح الكافي لإفريقيا، كما أنّ تنقيب الصين عن المواد الأولية في إفريقيا لتغطية حاجاتها الاقتصادية يطرح إشكاليات أخرى تتعلق إحداها بـالتلوث البيئي، حيث أصبحت القارة الإفريقية تعاني من الآثار السلبية للاستغلال اللاعقلاني للموارد، وكون الصين تعدّ في نظر المجتمع الدولي المسؤول الأول عن هذا المشكل أصبحت عرضة للعقوبات والانتقادات من قبل المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، وهو ما قد يقف عائقا أمام نموها الاقتصادي، لكن هذا الضغط العالمي على الصين هو حتمية لابدّ أن تتحملها في سبيل تحقيق هدفها، فكما يقول “واغنر”: “الحلم الصيني له ثمن” « Le rêve chinois a un prix, et il n’est pas négociable » (p.58)

بالإضافة، تتهم الصين بارتكابها العديد من المخالفات في حق التوازن البيئي في إفريقيا، ويتعلق الأمر بتدميرها للغابات الاستوائية الطبيعية الشاسعة المهملة من قبل الدول الإفريقية،  في حين تنظر إليها الشركات الصينية كفضاء أنسب للاستكشاف (ص69)، وأيضا الصيد غير القانوني من قبل الصين الذي أثر على مصايد الأسماك المحلية ومردودها واختفاء الثدييات المصدرة من إفريقيا إلى الصين بسبب زيادة القوة الشرائية للصينيين الناتجة عن صعود الطبقة المتوسطة في المجتمع الصيني.

في هذا السياق، فإنّ مسؤولية الحفاظ على البيئة لا تتحمّلها الصين لوحدها، بل تقع على عاتق الحكومات الإفريقية أيضا، لأنّ الخلل البيئي الذي أحدثته الشركات الصينية ناجم عن انشغال الحكومات الإفريقية بالتنمية والتطور السريع على حساب قضايا البيئة، إلى جانب إيجاد هذه الشركات لبيئة فوضوية خصبة للحصول على تنازلات أكبر حسب الفساد واختلال العلاقات على مستوى السلطة.

لكن في نفس الوقت، فإنّ التلوث البيئي في إفريقيا قد يكون ورقة رابحة للحكومات الإفريقية لإعادة التفاوض مع الصين بما يخدم مصالحها.

في إطار زيادة هذا الضغط على الصين لكبح تقدمها وصعودها، ظهرت فواعل جديدة في إطار العلاقات الصينية الإفريقية، تتمثل في “شركات التدقيق” « Les cabinets d’audits »(ص.86) مهمّة هذه الشركات –ذات الأصل الغربي- تتمثل في التحقق والتأكد من العقود التجارية و اتفاقيات الاستثمار من حيث مدى قانونية نصوصها و مدى عدلها.

إنّ طرح الكاتب Julien Wagner والأمثلة العديدة التي أبرزها، تؤكد على أنّ الصين ستصبح في غضون السنوات القادمة قوة اقتصادية كبرى، وسيساعدها في هذا الموارد الأولية التي تحصل عليها من خلال عقود “الاستثمار مقابل الموارد”، وإن كانت القوى الغربية تنظر إلى الصين بكونها قوة امبريالية استعمارية جديدة في إفريقيا، فإنّ الصين ترفض هذه الرؤية، وإذا عدنا إلى تاريخ الصين، فإنّ المملكة الوسطى لم تكن تسعى للخروج من محيطها الجغرافي الإقليمي، لهذا فإنّ هدف الصين لا يتجاوز إعادة استرجاع سيطرتها على أراضي حضارة المملكة الوسطى، وبالتالي ستركّز على إعادة بناء قوتها من المركز أي الوسط، وقد لخّص الكاتب هذا الهدف في قوله: « reconquérir tout le territoire de sa civilisation, celui qu’elle a preté à d’autres. C’est-à-dire tenter de reconstituer son monde à partir de son centre. » (p.104)

وهذا الوسط يتمثل في تايوان، اليابان، الفلبين والفيتنام، بحر الصين الجنوبي وكوريا الشمالية، وهذا ما يفسّر سياستها الهادئة والبراغماتية مع هذه الدول ورفضها للتواجد الأمريكي العسكري في آسيا، وحذرها من التحالفات الأمريكية مع دول الجوار. وبالتالي فإنّ هذه المعطيات تنفي وجود أي سياسة هيمنة للصين على إفريقيا. إذن ما هو دور إفريقيا ومكانتها بالنسبة للصين؟

إذا كان المجال الحيوي بالنسبة للصين لا يخرج عن النطاق الآسيوي، فإنّ إفريقيا بالنسبة لها ليست هدفا، بل وسيلة، الوسيلة الأساسية لتحقيق القوة والازدهار. (ص.108)

لكن، تحقيق “الحلم الصيني” قد يدفع الصين لأن تكون امبريالية، حتى إن لم يكن لديها رغبة في هذا، ذلك أنّ الحفاظ على وتيرة متصاعدة للنمو تتطلب منها إمكانيات وموارد ضخمة، وهذا ما يزيد من اعتمادها على الخارج، وخاصة على إفريقيا. كما أنّ الشركات الصينية أصبحت أكثر تغلغلا وتحكما في السوق الإفريقية، خاصة تلك التي تسميها الصين بـالشركات الإستراتيجية، مثل شركات الاتصال، وقطاع الإعلام والتلفزيون. إضافة إلى هذا يعدّ العامل الثقافي من أهم الآليات التي تجعل ميزان القوى في العلاقات الإفريقية الصينية لصالح الصين، وتوظّف الصين في هذا الإطار سلسة عالمية من القنوات الموجّهة والموالية للحكومات، والتي تركّز على الخطاب الرسمي الصيني وإبراز الجانب الإيجابي للسياسة الصينية تجاه إفريقيا، وهذا التأثير الثقافي قد يتحول إلى نفوذ سياسي يزيد من توسّع الفجوة واختلال ميزان القوى في العلاقات الصينية الإفريقية لصالح الصين.(ص. 111)

فيما يخص التواجد الصيني في إفريقيا، فإنّ البعض يرى فيه تهديدا، والبعض الآخر يرى فيه الأمل الوحيد (ص. 119). فلا يمكن إنكار الإيجابيات التي جلبها الاستثمار الصيني للدول الإفريقية، خاصة فيما يخص ارتفاع نسبة النمو الاقتصادي الذي ارتفع 5 % منذ 2000، والتطور النسبي للبنى التحتية. ويتوقف ارتقاء العلاقات الصينية الإفريقية إلى علاقات متكافئة على الوحدة، والتفاوض مع العملاق الآسيوي ككتلة واحدة (ص.120).

تعقيب:

يمكن القول أنّ الكاتب محق نسبيا في اعتبار إفريقيا الوسيلة الأساسية التي تعتمد عليها الصين في زيادة نموها وتقدمها، لكن وصف العلاقات الصينية الإفريقية بأنّها علاقات استغلال فيها البعض من المبالغة، كما أنّ الكاتب لم ينطلق من الخلفية النظرية والخطاب السياسي الرسمي الذي تتبناه الصين تجاه إفريقيا حتى يتبين حقيقة العلاقات الصينية الإفريقية، مع أنّ هذا لا ينفي أنّ الحقائق الملموسة التي قدّمها هي واقع وحقيقة لا ينبغي إهمالها ففي كل الأحوال الصين كأي دولة لها ثقل تاريخي وحضاري ورؤية مستقبلية بعيدة المدى لابدّ أن تعتمد في تحقيقها على سياسة براغماتية تخدم مصالحها.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14307

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *