وليد عبد الحي

شكل صعود وتراجع القوى العظمى في التاريخ مادة للمفكرين في محاولة لوضع تفسيرات ونظريات لتحليلها ، ويندرج في هذا السياق كتاب كل من جوزيف بيرنت و بول ماكدونالد(Paul K. MacDonald, Joseph M. Parent)
وعنوانه(Twilight of the Titans) وهو صادر هذا العام (2018) عن دار Cornell University Press)

يدور الكتاب الذي يقع في 276 صفحة حول الدروس المستفادة من كيفية مواجهة القوى الكبرى ” لتراجع” مكانتها او موقعها في النظام الدولي، وتمتد الدراسة من عام 1870 الى اللحظة الحالية التي تثار فيها مسألة تراجع مكانة الولايات المتحدة في سلم القوى الدولي، وغطت الدراسة تجارب التراجع للدول الكبرى : بريطانيا بين 1872-1908، روسيا القيصرية بين 1888-1903،وفرنسا بين 1893-1924، وهو ما يذكر بكتاب بول كينيدي ولو ان المساحة الزمنية التي درسها كينيدي أطول زمنا.
وتقوم الفكرة المركزية في الكتاب على نوع من “النصيحة للقوى الكبرى” استنادا للتجربة التاريخية للقوى الكبرى وتتمثل الفكرة المركزية في دعوة الدول التي تعيش مرحلة التراجع الى ان تميل للإجراءات الناعمة لمواجهة تراجعها بدل أن تتجه نحو الإجراءات الخشنة كما فعلت القوى الكبرى سابقا ، ويرى ان الدول التي تكيفت مع أزمة التراجع هي التي لجأت لإجراءات تقشفية او متحفظة ولم تذهب نحو ” الحروب الوقائية ” ضد القوى الصاعدة على المسرح الدولي كما جرى مع أغلب الدول الكبرى التاريخية ( وهما هنا كأنهما ينبهان الولايات المتحدة بان لا تذهب لمواجهة مبكرة مع الصين الصاعدة)
يتوزع متن الكتاب على تسعة فصول ، وفي المقدمة يؤكد على الشكوك المتبادلة بين القوى الصاعدة والقوى الهابطة حيث تميل الثانية للحفاظ على الامر الواقع بالقوة بينما ترى الأولى (الصاعدة) بان لحظة ولادتها كقوة عظمى قد حانت ولن تسمح بعدم اقتناصها.

ويستعرض الكاتبان في الفصل الاول وجهات النظر المتضادة بخصوص تراجع الولايات المتحدة، ففي الجانب الاول(المؤيد لفكرة التراجع الامريكية) يعرض لوجهة نظر فريد زكريا و مجلس الاستخبارات الوطني(National Intelligence Council) مقابل نموذج الفكرة المضادة التي يمثلها جوزيف ناي الذي يرى ان هذه الفكرة(التراجع) فيها قدر من المبالغة.
في الفصل الثاني:،.يرى ان منظري العلاقات الدولية ظلوا لفترة طويلة يركزون في تفسيرهم لسقوط القوى العظمى على مفاهيم محددة مثل فقدان البصيرة ، والمساعدة الذاتية ، والحصافة ، لكنهما يريا ان مثل هذه التحليلات ت مبهمة وغير مجربة، لذا ولكي يدعم الباحثان رايهما ، قاما بعرض نظريات معروفة حول التراجع بخاصة التي تركز على خلل الوظائف المحلية وعلى العوائق التي تعترض سبيل التكيف الاستراتيجي في الوقت المناسب، ولكن هذه النظريات تقلل من أهمية الحوافز والأدوات التي يتعين على صانعي السياسات إدارتها. لتجنب الوقوع في الفح الذي وقعت فيه القوى التاريخية الكبرى وهو فخ الحرب الوقائية.
الفصل الثالث:: ناقش الكاتبان الرأي السائد لتفسير الصعود والهبوط للقوى العظمى والذي يفترض بان القوى الكبرى ترتفع ، وتكبر ، وتسقط. نتيجة الخلل الاستراتيجي لا سيما في أدائها الداخلي الذي انتهجته مثل الميزانيات الزائدة والجيوش المتضخمة من ناحية وعدم الرغبة في التخلي عن الالتزامات الغريبة التي تدفع بمزيد من الأزمات الى أن تتصاعد باتجاه المواجهات العسكرية التي تنتهي بالهزائم.
وفي محاولة لفهم “الصعود” للقوى العظمى تتناول الدراسة أولا مؤشرات الهبوط والصعود، وللوصول لنتائج “دقيقة” تمت دراسة ست حالات تغطي دراسة مرحلتين لكل من بريطانيا العظمى 1872 و 1908 وروسيا في ، 1888 و 1903 ، وفرنسا 1893 و 1925.
الفصل الرابع:: يمثل عام 1865 نقطة تحول في السياسة الخارجية البريطانية. بغياب اللورد بالميرستون ، أحد أكثر رجال الدولة البريطانيين خبرة في القرن التاسع عشر ، وهو الذي وضع المبادئ لسياسة بلاده الخارجية ، بما في ذلك الإيمان بالتفوق البريطاني ، والترويج لليبرالية في الخارج ، والرغبة في دفع فرنسا نحو الاعتدال من خلال الصداقة معها ، واحتواء روسيا ، والالتزام بالدفاع عن سلامة الإمبراطورية العثمانية ، ولكن تبين بعد وفاته أن جدوى العديد من هذه المبادئ كانت محدودة وجعلتها موضع شك لدى السياسيين.
الفصل الخامس يركز على التحربة البريطانية، حيث كانت السياسة الخارجية البريطانية في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر نشطة ولعبت بريطانيا دورا قياديا في “التدافع من أجل أفريقيا” ، ودفعت بالحدود الإمبراطورية عبر أفريقيا وآسيا ، وواصلت بقوة التفوق البحري في البحر الأبيض المتوسط. لكن بحلول نهاية القرن العشرين ، بدا موقف بريطانيا في الخارج غير مستقر. في أفريقيا وعانت بريطانيا من هزائم عسكرية مدمرة في جنوب إفريقيا.
اما الفصل السادس الذي عالج فيه التطور الروسي ،فمنذ عهد بطرس الأكبر ، أضافت الإمبراطورية الروسية ما متوسطه 55 ميلاً مربعاً في اليوم إلى سيطرتها. وكما ذكر أحد المراقبين الروس ، “لا أحد يعرف السبب أو لأي غرض … “. ومع ذلك فإن هذا النمط العام يحجب تفاوتا كبيرًا في السياسة الخارجية الروسية…
الفصل السابع، كما في الحالة الروسية ، تشكلت السياسة الخارجية الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر بشكل عميق من خلال تجربة الهزيمة العسكرية. مثل الهزيمة غير المتوقعة للجيش الفرنسي في سيدان ، وحصار باريس الصادم ، والتطهير الدموي لكوميونة باريس ، وهي نتائج ولّدت إحساسًا عميقًا بالأزمة في السياسة والمجتمع الفرنسيين. وفي أعقاب هذه الأحداث ، واجه السياسيون الفرنسيون عددًا من التحديات. في الداخل ، ووجدت المؤسسات الوليدة في الجمهورية الثالثة أنها بحاجة إلى التوحيد والدفاع ضد قوى صاعدة.
الفصل الثامن: إن النظرة الشعبية للسياسة الخارجية الروسية خلال الفترة الثانية دلت على أخطاء متسلسلة: فقد تعثرت روسيا في حرب كارثية في الشرق الأقصى ، وأثارت الحرج في البلقان ، وتعثرت في الحملات الافتتاحية للحرب العالمية الأولى ، قبل أن تتخلى أخيرًا عن الثورة المحلية. . لقد فشل القيصر في كثير من جوانب السياسة الخارجية الروسية ، بينما أثبتت الدولة القيصرية أنها غير قادرة على التكيف بسرعة مع الظروف المتغيرة. ومع ذلك ، فإن الاستراتيجية الروسية الكبرى في هذه الفترة لم تكن على نفس القدر من القصور..
الفصل التاسع ، وهنا يعرض لفرنسا قبل الحرب العالمية الثانية في نوعين متناقضين. الأول هو بلد يتشبث بسلطته عنيدًا من خلال سياسات انتقامية واستفزازية ، ويرفض استيعاب احتواء ألمانيا. أما الآخر فهو بلد يتميز بالانقسامات والأوهام والانحطاط. يقول راندال شفيلر: “في غضون 22 عامًا فقط ، انتقلت فرنسا من عظمة الهيمنة إلى هزيمة مذلة. كان السبب الرئيسي للانحدار الفرنسي هو أنه على الرغم من إعادة تسليح ألمانيا ، كانت فرنسا مشتتة بالكامل بسبب المشاكل الداخلية.

الخلاصة: التخفيض وإعادة التحميل
كيف تستجيب القوى العظمى للتراجع؟ النظرة السائدة بين علماء العلاقات الدولية هي نظرة متشائمة، إذ ان التراجع وما يجره من نتائج يتم التعامل لمواجهته باللجوء الى الحرب الوقائية على حساب الاصلاح الداخلي رغبة في الحفاظ على ” المهابة التاريخية” .. وبفضل الصورة التي ترسخها أساطير الإمبراطورية ، يتم جر القوى الصاعدة نحو سياسات عدوانية. وفي كل حين ، ستعمل الديناميات السياسية الداخلية على تقليل احتمالات السلام. وستشجع جماعات المصالح الضيقة والبيروقراطيات المتعثرة القوى المتدهورة على التمسك بالالتزامات التي لم يعد هناك امكانية الدفاع عنها .
أخيرا: يبدو أن ترامب يحاول فهم الدرس الذي تقدمه هذه الدراسة، فالعناد امام النموذج التاريخي للتراجع يستوجب عدم التخندق عند ” مهابة تاريخية” تتراجع مقومات الحفاظ عليها في الداخل والخارج، ولا بد من ايجاد بدائل ناعمة بدلا من الحروب الوقائية لمواجهة القوى الصاعدة…ربما.

 

Print Friendly, PDF & Email