قضايا اقتصادية

قراءة في مبادئ علم الاقتصاد

منذ عدة عقود وخاصة من العقد السابع من القرن الماضي شهد العالم تطورات هائلة في العلوم والتكنولوجيا. وكان من البديهي أن يتلازم ذلك مع تطور كبير في العلوم الاقتصادية والإدارية. وقد بات من الضرورة بمكان أن يؤخذ ذلك بعين الاعتبار عند تقديم هذا الكتاب. حتى تتاح لطلابنا الأعزاء فرصة الإطلاع على آخر ما أنتجه علم الاقتصاد من معارف جديدة.

وحتى يتحقق ذلك كان من البديهي أن تبدأ بإلقاء نظرة فاحصة على مبادئ علم الاقتصاد كما ظهرت في النظريات الأولى التي تكرست منذ بدايات الثورة الصناعية في أوربا. فمع هذه البدايات بدأ الفكر الاقتصادي يتبلور في شكل نظريات تتماشى مع ما أحدثته الثورة الصناعية.

وبغية تحقيق الهدف من هذا الكتاب فقد بدأ بتعريف علم الاقتصاد وموضوعه والمنهج المتبع فيه. مع إشارة خاصة إلى بديهيات علم الاقتصاد. وقد تعرضنا في الفصول الأولى من القسم الأول إلى مفاهيم السلعة والنقد ورأس المال وأشكاله والأجر مع الإشارة إلى طبيعة وخصائص الأجر. وانتهينا في هذا القسم إلى الإشارة إلى الرأسمالية المنافسة والرأسمالية الإحتكارية.

وفي القسم الثاني من الكتاب وجدنا حاجة ملحة لدراسة النظام الاقتصادي العالمي الجديد التي تبلورت جوانبه في عقد التسعينات من القرن العشرين وامتدت بوضوح أكثر في القرن الحادي والعشرين حيث عرضنا لأهم خصائصه المميزة فعلاً لعل من أهمها الانفراد بالقمة القطبية ووجود أنماط جديدة لتقسيم العمل الدولي والثورة العلمية في المعلومات والاتصالات التي عمقت عالمية الاقتصاد.

في هذا القسم تعرضنا إلى أبحاث اقتصادية أساسية في علم الاقتصاد ومعاصرة, وقدمنا إلى طلابنا الأعزاء أهم الأفكار حول المؤسسات الاقتصادية الدولية. ودورها في إدارة النظام الاقتصادي العالمي المعاصر. والدور المتعاظم فيه للشركات المتعددة الجنسيات.

ثم قدمنا أبحاثا مهمة حول الاتجاه الذي مثل إحدى أهم سمات النظام الاقتصادي العالمي حاليا والمتمثل بالتكتلات الاقتصادية الدولية العملاقة ومدى الآثار التي تحملها تلك التكتلات الاقتصادية العملاقة على الاقتصاد العالمي وتوجيهاته الجديدة بالإضافة إلى ما يسمى باقتصاديات المشاركة الدولية وما وضعته من تحد أمام الاقتصاد العربي يتمثل في ضرورة إقامة تكتل اقتصادي عربي كحاجة أساسية إلى نظام اقتصادي عربي.

البحث الأول : موضوع علم الاقتصاد

المصطلحات الأساسية

تمهيد :

بمقارنة علم الاقتصاد السياسي بالعلوم الأخرى تاريخياً يمكن اعتباره علماً حديثاً فمع بدايات تكون النظام الرأسمالي وفي القرن السابع عشر على وجه الخصوص بدأ علم الاقتصاد بالتبلور كعلم مستقل عن العلوم الاجتماعية الأخرى . وكان التفكير الإنساني بالظواهر الاقتصادية في المراحل التي سبقت ظهور علم الاقتصاد جزءاً من الحياة الفكرية العامة . ومن الصعب حتى الآن تحديد تاريخ نشوء الفكر الاقتصادي . فالبعض يرى أن بدايات التفكير بالظواهر الاقتصادية تعود إلى مرحلة ما من مراحل التاريخ اليوناني القديم ، بينما يرى البعض الآخر أن جذور الفكر الاقتصادي تعود إلى مرحلة ما من تاريخ مصر القديمة وإلى ظهور قوانين حمورابي كما يرجع البعض جذور الفكر الاقتصادي إلى الهند والصين القديمتين .

لقد ارتبط نشوء وتطور علم الاقتصاد بظهور الثورة البورجوازية الصناعية في أوربا . ونتيجة للتغيرات الجذرية التي أحدثتها هذه الثورة في عمليات الإنتاج ومجال السوق ، وما تبع ذلك من تطور جذري في العلاقات الاقتصادية كل ذلك قد استلزم ضرورة وجود علم اقتصادي يقوم بمهمة البحث في طبيعة العلاقات الاقتصادية والقوانين التي تحكم عملية التطور الاقتصادي . وهكذا بدأ الفكر الاقتصادي يتبلور في إطار من النظريات والمفاهيم والمصطلحات الاقتصادية .

وقد اختلف استخدام هذه المترادفات في القارة الأوروبية منذ نشوء هذا العلم ، على الرغم من أن جميع هذه المترادفات كانت تشير إلى المعنى نفسه وتدل كلها على أن المشكلات والعلاقات الاقتصادية في المجتمع تشل الموضوع الأساسي لهذا العلم ، فقد شاع في فرنسا ومنذ أوائل القرن السابع عشر استخدام مصطلح الاقتصاد تحت بأثير مونكرتيان الذي استخدم كما ذكرنا هذا المصطلح في مؤلفة شرح الاقتصاد.

كما شاع استخدام المصطلح نفسه في انجلترا تحت تأثير المصطلحات الفرنسية وكان جيمس ستيوارت أول من استخدم مصطلح الاقتصاد في كتابة الصادر في عام 1767 الذي حمل عنوان بحث في مبادئ الاقتصاد.بينما استخدم في بولندا مصطلح الاقتصاد تارة ومصطلح الاقتصاد الاجتماعي تارة أخرى . وفي القرن التاسع عشر انتشر في روسيا استخدام مصطلح الاقتصاد بتأثير التقليد الذي كان متبعاً في كل من فرنسا وإنجلترا . بينما يلاحظ خلافاً لكل ذلك أن المدرسة الاقتصادية في ألمانيا والتي كانت معروفة باسم المدرسة التاريخية قد لجأت إلى استعمال مصطلح الاقتصاد القومي بدلا من مصطلح الاقتصاد الاجتماعي .

ولكن مهما تباينت المصطلحات التي تطلق على هذا العلم ، فإن نشوءه قد فتح بدون شك أفاقاً جديدة أمام العلوم الاجتماعية ولقي اهتماماً واسعاً من قبل المفكرين والمهتمين بدراسة العلاقات الاقتصادية في المجتمعات الإنسانية والقوانين التي تحكم عملية التطور الاقتصادي . وعلى الرغم من التقدم الواسع الذي حققه علماء الاقتصاد منذ ظهوره وحتى وقتنا الحاضر ، فإن البحث العلمي والنظري في هذا العلم شأنه في ذلك شأن العلوم الأخرى. وما يزال الباب مفتوحاً أمام علماء الاقتصاد لإغنائه بالأبحاث الجديدة التي تتناول دراسة المسائل دراسة المسائل المستجدة في الحياة الاقتصادية.

2- موضوع علم الاقتصاد :

يعرف العلم عموماً بأنه مجموعة من المعارف المنسقة والمستخلصة من دراسة الحقائق والظواهر الطبيعية والاجتماعية . وتهدف المعرفة العلمية إلى إدراك القوانين الموضوعية التي تعبر عن محتوى وجوهر هذه الحقائق والظواهر المختلفة . وتتبلور المعرفة العلمية عادة في مجموعة من المصطلحات والفرضيات والنظريات . وقد جرت العادة على تصنيف العلوم إلى علوم طبيعية وعلوم اجتماعية إنسانية ، حيث تكون الطبيعية الموضوع الخاص وبالعوم الطبيعية ، في حين تتخذ العلوم الاجتماعية والإنسانية من الحياة الاجتماعية والفكرية موضوعاً خاصاً بها .

وإذا كانت الطبيعة هي الموضوع المشترك بين العلوم الطبيعية إلا أن لكل من هذه العلوم موضوعه الخاص والمستقل لأنه يشمل كل موضوع من هذه الموضوعات مجالاً محدداً من مجالات الطبيعة. إن علم الكيمياء على سبيل المثال يتخذ من جزئيات المادة ومن عملية التفاعل المتبادل بين هذه الجزئيات موضوعاً خاصاً به . بينما تشكل عملية التبادل والتطور الوراثي للكائنات الحية الموضوع الخاص بعلم البيولوجيا . إلا أن العلوم الطبيعية على الرغم من تباين مواضيعها فهي تشك نظاماً متكاملاً من المعارف العلمية ، بحيث يستحيل وضع حدود فاصلة بين فروعها المختلفة.

وفي المجتمعات الإنسانية نلاحظ أيضاً وجود أنواع متعددة ومتباينة من الظواهر والعلاقات التي تشكل بمجموعها ما يسمى عادة بنظام العلاقات الاجتماعية فإلى جانب العلاقات الاقتصادية تجد العلاقات السياسية والثقافية والعلاقات العائلية والقانونية إلى آخر ذلك من العلاقات التي تحدد سمات وملامح الحياة الاجتماعية المشتركة بين أفراد المجتمع الواحد .

إن العلوم الاجتماعية والفكرية هي الموضوع العام والمشترك بين الفروع المختلفة للعلوم الاجتماعية والإنسانية . إلا أن لكل علم من هذه العلوم موضوعه الخاص والمستقل . فالعوم السياسية مثلاً تتناول بالبحث العلاقات السياسية ، بينما تتخصص فروع الأدب والفن في دراسة العلاقات والحياة الثقافية ، ولكن على الرغم من تنوع هذه المواضيع إلا أن وحدة الحياة الاجتماعية وترابط العلاقات الاجتماعية يؤديان إلى العلوم الاجتماعية باعتبارها أيضاً نظاماً متكاملاً من المعارف العلمية بحيث يستحيل فصل علم السياسة عن علم الاقتصاد أو الفصل بين هذه العلوم وبين علوم التاريخ والفلسفة وغيرها من العلوم الاجتماعية والإنسانية .

ولكن ما يهمنا من ذلك كله أن نحدد الموضوع الخاص بعلم الاقتصاد ، وكما لاحظنا فإن مصطلح علم الاقتصاد ،  يشير وبصورة مختصرة إلى موضوع هذا العلم . إلا أن ذلك لم يعد كافياً لتوضيح الجوانب المختلفة لموضوع علم الاقتصاد. إلا أنه من الممكن إيجاز هذه الآراء في اتجاهين أساسيين :

الاتجاه الأول: وهو ينظر إلى علم الاقتصاد باعتباره العلم الذي يبحث في سلوك الإنسان الاقتصادي العام وبصرف النظر عن الشروط التاريخية والاجتماعية التي تحيط بهذا السلوك . ويرى هذا الاتجاه بأن السلوك الاقتصادي يخضع لقوانين عامة واحدة في جميع المجتمعات وبالتالي فإن موضوع علم الاقتصاد حسب هذا الاتجاه يجب أن يقتصر على دراسة وبحث السلوك الاقتصادي مجرداً من إطاره الاجتماعي والتاريخي .

الاتجاه الثاني : يعتبر موضوع علم الاقتصاد شاملاً لدراسة الظواهر والعلاقات الاقتصادية باعتبارها ظواهر وعلاقات ذات طبيعة تاريخية واجتماعية وحسب هذا الرأي يصبح من غير الممكن دراسة السلوك الاقتصادي والعلاقات الاقتصادية خارج إطارها التاريخي والاجتماعي لأنه على الرغم من وجود قوانين عامة للسلوك الاقتصادي في جميع المجتمعات إلا أن القوانين الخاصة في كل من هذه المجتمعات هي التي تحدد جوهر ومحتوى السلوك الاقتصادي والعلاقات الاقتصادية. وبالتالي فإن العلاقات الاقتصادية تحمل على الدوام طابعاً تاريخياً وقد تبنى هذا الاتجاه الكثيرون من علماء الاقتصاد . لأن علم الاقتصاد إذ يدرس العلاقات التي تقوم بين بني البشر خلال إنتاج السلع المادية أي تسخير قوى الطبيعة للمجتمع . يحتفظ بطابع العلم التاريخي لأن هذه العلاقات تتطور عبر الزمن([1]) .

إن علم الاقتصاد يندرج إذن في نظام العلوم الاجتماعية ، كما أصبح واضحاً أن موضوع هذا العلم هو البحث في طبيعة وماهية كل نوع من أنواع العلاقات الاجتماعية التي تنشأ بين البشر في المراحل التاريخية المختلفة أثناء قيامهم بعملية إنتاج وتوزيع الثروة المادية : ومن ولأجل توضيح هذه المسألة فمن المفيد الإشارة إلى الحقائق والبديهيات  التالية .

أولاً : إن للإنسان في كل مرحلة تاريخية حاجات ورغبات معينة لابد من تلبيتها وإشباعها . وهذه الحاجات منها ما هو ذو طبيعة بيولوجية كحاجة الإنسان إلى المأكل والملبس والمأوى ، ومنها ما هو ذو طبيعة معنوية كالحاجة إلى الاعتقاد والفن . وتنشأ الأولى من ضرورات بيولوجية بينما تكون الثانية وليدة مجموعة من الشروط الروحية والثقافية المشتركة بين أفراد المجتمع الواحد .

ثانياً : يتم إشباع الحاجات الإنسانية عن طريق استعمال مجموعة من الأشياء المادية كالطعام واللباس والكتب ودور السينما والطرق والمدارس وغيرها من الوسائل الأخرى .إن جزءاً ضئيلاً من الوسائل المادية الضرورية لإشباع الحاجات الإنسانية يتوفر في الطبيعة دون أن يبذل الإنسان جهداً في الحصول عليها كالهواء والماء . إلا أن القسم الأعظم منها لا يتوفر في الطبيعة بصورة جاهزة للاستعمال . وفي هذه الحالة لابد للإنسان أن يقوم بعمل ما يستهدف منه تحويل المادة المتوفرة في الطبيعة حتى تصبح أكثر ملاءمة لإشباع حاجاته . وهذه الوسائل التي تنتج عن العمل والإنتاج يطلق عليها عادة اسم النواتج أو المنتجات .

وعندما يهدف العمل الإنساني إلى إحداث تغييرات في مواصفات المادة المتوفرة في الطبيعة وتكييفها حتى تتلاءم مع حاجاته ، فأن هذا العمل يتخذ أشكالاً مختلفة ويجتاز عادة مراحل متعددة حتى تصبح المنتجات قابلة الاستعمال . فعلى سبيل المثال إن ناتجاً ما من المعدن قابل للاستعمال يتطلب استخراج المادة المتوفرة في الطبيعة ( كاستخراج فلزات الحديد ) . ثم تنتقل المادة من مرحلة الاستخراج إلى مرحلة الصهر لتنقيتها من الشوائب لتصبح ما نسميه عادة بالمادة الأولية . وبعدها تدخل هذه المادة في مراحل مختلفة من العمل بدءاً من تصنيعها ثم نقلها وتخزينها وحفظها وانتهاء بعملية استعمالها واستهلاكها في الوقت المناسب .

ثالثاً : إن الناتج المتحقق هو كما أشرنا حصيلة تضافر مجموعة من الجهود الفردية المشتركة في عملية الإنتاج ، وعندما يقوم البشر بعملية الإنتاج وتوزيع الناتج تنشأ فيما بينهم علاقات اجتماعية ذات طبيعة معنية ، وهي التي تتكون من خلال علاقتهم بالأشياء المادية التي اصطلح عليها عادة بالعلاقات الاقتصادية . وكما أوضحنا سابعاً فأن هذا النوع من العلاقات الاجتماعية هو الذي يشكل موضوع علم الاقتصاد.

3- المصطلحات الأساسية في علم الاقتصاد :

بعد أن تعرضنا لشرح مفهوم علم الاقتصاد وتاريخ نشوئه وتعرضنا بصورة موجزة إلى تحديد موضوع ذلك العلم ، سنقدم فيما يلي توضيحاً للمصطلحات الأساسية في علم الاقتصاد ، لأن التعمق في موضوع أي علم من العوم لا يصبح ممكناً إلا بعد دراسة أبحاثه وموضوعاته . ومن ناحية أخرى فإن استيعاب أبحاث وموضوعات هذا العلم يقتضي فهم مصطلحاته الأساسية .

3-1 العمل والإنتاج :

العمل في الأصل عبارة عن عملية تجري بين الإنسان والطبيعة . وفي هذه العملية ينشئ الإنسان وينظم ردود الفعل المادية بينه وبين الطبيعة . إن عملية العمل هذه ضرورة حتمية لوجود الجنس البشري واستمراره . ذلك لأن القسم الأعظم من المواد المتوفرة في الطبيعة لا تكون جاهزة للاستعمال المباشر وإشباع الحاجات الإنسانية قبل أن تجري عليها عمليات التحويل الضرورية . وعندما يقيم الإنسان عن طريق النشاط الذي يبذله علاقة بينه وبين الطبيعة ، فإنه يهدف إلى تغيير عناصرها وإخضاعها لحاجاته .

ولكن بالإضافة إلى العلاقة التي تقوم أثناء عملية العمل بين الإنسان والطبيعة فإنه ينشأ بين البشر أنفسهم نوع معين من العلاقات الاجتماعية ندعوها عادة بعلاقات الإنتاج . فعملية الإنتاج تتألف عادة من أنواع متعددة من العمل، وتتخذ هده العملية على الدوام طابعاً اجتماعياً . إن إنتاج الخبز على سبيل المثال يجسد عمل عدة مجموعات من الأفراد في جميع مراحل إنتاج هذه المادة . إلا أن الطبيعة الاجتماعية لعملية وعلاقات الإنتاج تختلف من مجتمع إلى آخر ، وتتعلق بالمستوى الذي وصل إليه التطور الاقتصادي والاجتماعي .

ولكن لو نظرنا إلى عملية العمل بصورة مجردة ودون أن نضعها في إطار تاريخي واجتماعي محدد لوجدنا أنها تتألف في كل الظروف من عناصر هي :

آ-   العنصر الذاتي ( العمل ) :

العمل هو الجهد الإنساني الواعي والهادف . ويتمثل هذا الجهد في بذل أشكال الطاقة الجسدية والذهنية والعصبية التي يمتلكها الإنسان ، والتي يحولها في عملية العمل إلى قوة فاعلة وهادفة . فالإنسان عندما يقوم بالعمل يسعى إلى تحقيق شيء محدد أسميناه الناتج كما يهدف من وراء استعمال المنتج إلى إشباع حاجة معينة .

ولتوضيح طبيعة ومحتوى العمل الإنساني قد يكون من المفيد مقرنة النشاط الإنساني بالنشاط الحيواني . فمن المعلوم أن الحيوان يبذل أيضاً نوعاً من النشاط بهدف بأمين متطلباته وحاجاته . وقد يبدو للوهلة الأولى وجود تشابه ما بين النشاط الإنساني والنشاط الحيواني من حيث الشكل على الأقل . إلا أن بينهما اختلافاً أساسياً من حيث المحتوى والجوهر .

أولاً : إن العمل الإنساني كما ذكرنا هو عبارة عن نشاط هادف حيث يسبق البدء بممارسة العمل وجود تصور ذهني لدى الإنسان حول الهدف من العمل ونتائجه والغاية منه . إن صانع الفأس على سبيل المثال يبني في ذهنه تصوراً مسبقاً ومحدداً لشكل الفأس الذي  يريد صنعه والغرض النهائي من استعمالها . وعلى العكس من ذلك نجد أن النشاط الحيواني يخضع للدوافع الغريزية البحتة

ثانياُ : هناك فارق جوهري آخر بين النشاط الإنساني والنشاط الحيواني يتجسد في صنع الإنسان لوسائل العمل . إن الإنسان وحتى يتمكن من مواجهة الطبيعة والسيطرة عليها يقوم بصنع وتطوير وسائل العمل سواء أكان ذلك محراثاً يدوياً أم آلة حديثة . وإذا كان الإنسان يهدف من وراء صنع وسائل العمل إلى تغيير معالم بيئته الخارجية فإن النشاط الذي يمارسه الحيوان يكون عبارة عن عملية احتواء لما هو موجود في الطبيعة دون أن يؤثر ذلك في إجراء تغيير هادف لعالمه الخارجي.

إن قدرة الإنسان على صنع وتطوير وسائل العمل تعد من أهم صفات العمل الإنساني . وقد وصف العالم بنيامين فرانكلين ([2]) الإنسان ( بأنه حيوان صانع لوسائل العمل ) وذلك تمييزاً له عن الحيوان الذي يستخدم في نشاطه بعض الوسائل الجاهزة في الطبيعة كالأغصان مثلاً بصورة عفوية ومن قبيل الصدفة . إذ لم يحدث قط أن قام حيوان ما بصنع وسائل لنشاطه . وفضلاً عن ذلك فإن هذه السلوكية العفوية والغريزية في استخدام الحيوان لبعض الوسائل الجاهزة في الطبيعة لا تمارس أي تأثير على تطوره وارتقاءه لأن عملية التحويل والارتقاء الحيواني تخضع لقوانين التطور الطبيعي الخاصة بهذه العملية . بينما يعد صنع وتطوير وسائل العمل من قبل الإنسان أساس ارتقائه وارتقاء المجتمع . إن التطور الاجتماعي يقاس أساساً بمستوى تطور وسائل العمل وتطور المكتشفات العلمية والتكنيكية .

ثالثاً : طالما أن العمل الإنساني يسعى إلى تحقيق هدف محدد ووفق تصور ذهني مسبق فإن الإنسان يقوم عادة بإجراء المقارنة بين تصوراته المسبقة وبين نتائج العمل المتحققة إن نتيجة العمل المتمثلة بما أسميناه بالمنتج تجسد في الواقع تملك الإنسان للطبيعة في صورتها المصنعة.

إن الطبيعة تحولت بفضل التراكم الطويل للعمل الإنساني إلى عالم الإنسان . وفي الوقت الحاضر نجد الطبيعة في غالب الأحيان وقد أدخلت عليها يد الإنسان تغييرات أساسية إذ نجد أمامنا أرضاً صالحة للزراعة وغابات اصطناعية وأنهاراً صالحة للاستعمال في أغراض النقل باستثناء بعض المواد الخام الموجودة في باطن الأرض والثروة الدفينة في البحار التي لم تلامسها يد الإنسان بعد.

إن الإنسان عندما يقوم بصنع وتطوير وسائل العمل يعمل في نفس الوقت على تطوير معارفه وتجاربه .. إن المعارف والخبرات الإنسانية تنتقل في الغالب من جيل إلى آخر لتبقى في خدمة الإنسان . ونجد أمامنا في الوقت الحاضر تراثاً هائلاً من المعارف والخبرات التي تمثل جهود الأجيال ونتائج صراعها الطويل مع الطبيعة .

وأخيراً فإن المقصود بالعمل بالمعنى الاقتصادي هو العمل المنتج المتمثل بإنتاج الأشياء المادية . إلا أنه يلاحظ عادة وجود أعمال غير منتجة كأعمال الخدمات التي لا تنتج شيئاً مادياً إلا أنها تقوم بإشباع بعض الحاجات البشرية كالعمل الذي يقوم به المعلم أو الفنان . وعادة يتم في العلوم الاقتصادية التمييز بين الأعمال المنتجة والأعمال غير المنتجة والتي نطلق عليها لفظ الخدمات .

ب- العناصر الموضوعية ( وسائل الإنتاج ) :

هي مجموعة الوسائل المادية التي يستخدمها الإنسان في إنتاج الأشياء المادية ( المنتجات ) . ويمكن تصنيف هذه الوسائل حسب وظيفتها في عملية العمل في نوعين : وسائل العمل ، مواضيع العمل .

أولاً – وسائل العمل :

هي عبارة عن الوسائل المستخدمة للتأثير في موضوع العمل بهدف تحويله إلى شيء جديد ذو مواصفات مادية جديدة وملائمة لإشباع حاجة معينة . وقد رأينا كيف أن الإنسان يقوم بصنع وتطوير وسائل العمل لإخضاع الطبيعة التي تعد الموضوع الأساسي للعمل . ويمكن تصنيف وسائل العمل إلى أنواع :

النوع الأول : أدوات العمل كالعدد والآلات والتجهيزات الآلية الأخرى وهذا النوع من وسائل العمل يحتل المكانة الأولى في مجموعة وسائل العمل .

النوع الثاني : وهو ما يسمى بالنظام الوعائي للإنتاج وهو عبارة عن مختلف الوسائل التي تساعد على نقل وحفظ الأشياء المادية اللازمة لعملية الإنتاج ويشمل على سبيل المثال وسائط النقل والأقنية ومستودعات التخزين .

النوع الثالث : وهو عبارة عن نوع معين من الشروط المادية الضرورية لإنجاز عملية الإنتاج نذكر منها أبنية المصنع ، الأرض التي تقام عليها هذه الأبنية ، الطرق و الممرات .

النوع الرابع: وهو عبارة عن الوسائل المساعدة لإتمام عملية العمل كالوسائل المستخدمة مثلاً في تأمين الطاعة الكهربائية وغيرها من أشكال الطاقة

ثانياً – مواضيع العمل :

هي عبارة عن الوسائل أو الأشياء المادية التي تخضع للتحويل والتصنيع في عملية العمل . وكما توجد أنواع من وسائل العمل . ويمكن أيضاً تصنيف مواضيع العمل في أنواع عديدة . إن الطبيعة وما يتوفر فيها من مواد تعد أول نوع من مواضيع العمل .إن فلزات الفحم والمعادن الموجودة في باطن الأرض تعد موضوعاً لنوع معين من الأعمال هو عمل الاستخراج . أما النوع الثاني من مواضيع العمل فهي المواد التي أجريت عليها عملية التحويل الأولى وأصبحت قابلة لعملية تحويل ثانية ويطلق عليها المواد الأولية . إن القطن المحلوج على سبيل المثال يصبح موضوعاً للعمل عندما يستخدم من أجل إنتاج النسيج . أما النوع الثالث من مواضيع العمل فهو عبارة عن المواد نصف المصنعة والتي تحتاج إلى عملية تحويل أخرى حتى تصبح كاملة الصنع وقابلة للاستعمال ، وهناك بالإضافة إلى هذه الأنواع الأساسية مواضيع ثانوية ندعوه بالمواد المساعدة .

والخلاصة – حتى يكون بالإمكان إنجاز أي عملية عمل لابد أولاً من توفر العنصر الذاتي وهو العمل الإنساني وثانياً العناصر المادية الموضوعية (وسائل الإنتاج) والتي تشمل وسائل العمل ومواضيع العمل. ومتى توفرت هذه العناصر مجتمعة يكون المنتج الحصيلة والنتيجة الطبيعية لعملية العمل.

إلا أن درجة إشباع الحاجات الإنسانية تتوقف على مستوى إنتاجية العمل . وفي الوقت الذي يعمل فيه الإنسان على تحقيق المنتج لإشباع حاجاته فهو يسعى بصورة دائمة إلى زيادة عدد المنتجات . ومن أجل تحقيق هذا الغرض فإن الإنسان يعمل على الدوام إلى تطوير وسائل العمل وتحسين أشكال التعاون في العمل وإيجاد الشروط المثلى لتقسيم العمل.

3-2- إنتاجية العمل :

تعبر إنتاجية العمل عادة عن فعالية العمل المنتج . لأن فعالية أي نوع من أنواع العمل تتجسد في عدد المنتجات المتحققة خلال وحدة الزمن ( اليوم أو الساعة مثلاً ) وبكلمة أخرى فإن إنتاجية العمل تعرف عادة بأنها عدد المنتجات التي يحققها عمل ما في وحدة زمنية معينة . إلا أن إنتاجية العمل لا تبقى ثابتة وإنما تتغير مع تغير شروط وعناصر عملية العمل . فإذا كان عمل ما يحقق تحت شروط معينة إنتاج خمس قمصان خلال الساعة الواحدة ثم ارتفع الإنتاج نتيجة تحسن شروط العمل إلى عشرة قمصان  خلال الساعة الواحدة ففي هذه الحالة تكون إنتاجية العمل قد ازدادت إلى الضعف وبينما كان إنتاج القميص الواحد يستغرق اثني عشرة دقيقة في الحلة الأولى أصبح يستغرق ست دقائق في الحالة الثانية .

ويقصد بتغيير شروط وعناصر العمل الذي يؤثر على زيادة إنتاجية العمل تغيير جملة الشروط المادية والتكنيكية والاجتماعية التي تحيط بعملية العمل . إن الإنسان لا يكتفي بتطوير المستوى التكنيكي لوسائل العمل وإنما يسعى إلى إيجاد أفضل أساليب التعاون والتقسيم في العمل .

3-3- التعاون في العمل:

أصبح الآن واضحاً أن الإنسان لا يقوم بعملية الإنتاج بمفرده وإنما بالتعاون مع الآخرين . ويقصد بالتعاون في العمل اشتراك مجموعة من الأفراد في إنجاز عملية عمل واحدة أو عدة عمليات مترابطة ومتكاملة . وذلك لأن تضافر جهود الأفراد يشكل قوة منتجة ويتيح الإمكانية لإنجاز بعض الأعمال التي لا يمكن لفرد واحد أن ينجزها  .

إن التعاون في العمل قديم قدم العمل نفسه ولقد اتخذ عبر العصور أشكالاً مختلفة كانت تنسجم مع طبيعة المرحلة الاقتصادية والاجتماعية . ففي المجتمعات القديمة اتخذ التعاون في العمل شكل التعاون البسيط بينما وصل إلى مراحل عليا في المجتمعات الحديثة بعد أن انتشرت الآلة وتعممت في عملية الإنتاج الاجتماعي .

3-4- التقسيم في العمل :

إن التعاون في العمل يقتضي غي الغالب تقسيم العمل . ويعني تقسيم العمل تخصص مجموعة من الأفراد أو فرد واحد بعمل معين . وكما هو الحال في طهور أشكال مختلفة للتعاون في العمل فقد تطورت أيضاً أشكال التقسيم في العمل .

إن اختلاف أشكال التقسيم في العمل يرجع أساساً إلى أشكال ومراحل تطور وسائل العمل . ففي المجتمعات البدائية حين كانت وسائل العمل بدائية جذاً  وفي مثل هذه الظروف لم تكن الشروط متاحة لوجود تقسيم وتخصص في العمل . وكان يتم توزيع العمل الواحد على أفراد المجموعة وفقاً لاعتبارات العمر والجنس بين الصغار والكبار ، بين المرأة والرجل . وهذا الشكل البدائي من تقسيم العمل هو ما يسمى بالتقسيم الفيزيولوجي للعمل .

وفي مرحلة ما من التطور وحين اكتشف الإنسان وسائل عمل جديدة وأصبح أكثر قدرة على مواجهة الطبيعة صار بإمكان فرد واحد أو عدة أفراد القيام بعمل معين ( كالزراعة أو الصيد) ظهر ما يسمى ( بتقسيم العمل ) . ومنذ ذلك الحين بدأ تقسيم العمل يتبلور في عدة أشكال :

الشكل الأول :

هو ما يسمى بالتقسيم الاجتماعي للعمل . وحسب هذا الشكل تتخصص كل جماعة في إنجاز جزء ما من عملية الإنتاج الاجتماعي . وبذلك تتوزع القوى العاملة في المجتمع على قطاعات وفروع الإنتاج المختلفة كالزراعة والصناعة والنقل وما شابه ذلك . فضلاً عن ذلك نلاحظ في كل قطاع إنتاجي تقسيماً أخراً للعمل . ففي قطاع الصناعة نجد تخصصاً في الصناعة الاستخراجية وآخر في صناعة الآلات أو صناعة الغزل والنسيج .

الشكل الثاني :

وهو ما يسمى بتقسيم العمل على مستوى المؤسسة الواحدة . ففي المؤسسة الواحدة نلاحظ أن كل مجموعة من الأفراد تتخصص بجزء ما من عملية الإنتاج في تلك المؤسسة . ففي مؤسسة إنتاج النسيج مثلاً نلاحظ أن مجموعة ما تقوم بتحضير المواد الأولية وأخرى تقوم بتشغيل الآلات بينما تقوم مجموعة ثالثة بجمع وتخزين المنتجات .

بالإضافة إلى ذلك نلاحظ أن كل فرد من هذه المجموعات يتخصص بنوع معين من العمل. فعلى سبيل المثال أن كل فرد من أفراد المجموعة التي تقوم بتشغيل الآلات يتخصص بجزء ما من عمل الآلة . وهذا الشكل يطلق عليـــــه ( التخصص أو التقسيم المهني في العمل ) .

3-5- الإنتاج ، التبادل . التوزيع ، الاستهلاك :

كانت الغاية من شرح مصطلح عملية العمل والعناصر المكونة لها تبيان أهمية العمل باعتباره النشاط الضروري والحتمي الذي يبذله الإنسان من أجل تحقيق منتج ما يصلح لإشباع حاجاته الحياتية المختلفة . كما أوضحنا أن عملية الإنتاج تتألف من ضروب متنوعة من الأعمال التي تمارسها مجموعة من الأفراد يجمع فيما بينهم التعاون والتخصص في العمل . إن عملية الإنتاج وإن كانت تعد أهم أوجه النشاط الاقتصادي إلا أن البشر يقومون أيضاً بتبادل المنتجات وتوزيعها واستهلاكها . وفي هذه العمليات السائدة وما تحققه من منتجات هي التي تحدد مستوى وعلاقات التبادل والتوزيع والاستهلاك . وبالإضافة إلى ذلك فإن عمليات الإنتاج والتبادل والتوزيع والاستهلاك تشكل جميعها وحدة مترابطة يشكل فيها الإنتاج قطبها الأولي والاستهلاك قطبها النهائي وبكلمة أخرى وبما أن الإنسان ينتج من أجل أن يستهلك . إن الإنتاج يشكل نقطة البدء والاستهلاك نهاية المطاف . ولتوضيح هذه المصطلحات سنبدأ بتحديد العلاقة بين الإنتاج و الاستهلاك ثم نبين ما المقصود بالتبادل والتوزيع .

  • العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك :

إذا كان الغرض من عملية الإنتاج تحقيق الاستهلاك فإن الإنتاج يشترط أولاً وجود الحاجة إلى الاستهلاك أي وجود حاجات ورغبات استهلاكية معينة . والإنسان بصورة عامة لا يقدم على إنتاج أي شيء ما لم يدرك مسبقاً وجود الحاجة إلى استهلاك هذا الشيء ، إذن يمكن القول أن الغرض من جميع المنتجات والخدمات هو تلبية الاستهلاك . وينقسم الاستهلاك إلى نوعين :

النوع الأول : وبواسطة هذا النوع من الاستهلاك يتم إشباع الحاجات الفردية المباشرة كالحاجة إلى المأكل والملبس والمأوى والحاجة إلى التسلية والثقافة وغيرها . ويطلق على المنتجات التي تخدم هذا الغرض كالمواد الغذائية وما شابهها ( منتجات الاستهلاك الفردي )  .

النوع الثاني : الاستهلاك الإنتاجي : ويقصد به استهلاك وسائل الإنتاج كاستهلاك الآلات والمواد الأولية أثناء عملية الإنتاج. إن الإنسان عندما يقوم بعملية الإنتاج يقوم باستهلاك طاقة عمله ، ويقوم أيضاً باستهلاك الوسائل التي يستخدمها والتي تتعرض أثناء استخدامها إلى الفناء المادي فاستعمال الآلة يؤدي تدريجياً إلى استهلاكها حيث لا يمكن الاستفادة منها لعدة سنوات من الاستعمال. كما أن استعمال المواد الأولية ( كالقطن الخام مثلاً ) يعني استهلاك هذه المادة في عملية الإنتاج للحصول على المادة الأولية .

إلا أنه يجب ملاحظة وجود فارق بين الاستهلاك الفردي والاستهلاك الإنتاجي ويبدو هذا الفارق في نتائج كل منهما . إن الاستهلاك الفردي يتم باستعمال المنتجات الاستهلاكية دون أن ينجم عن ذلك تحقيق منتج جديد . إلا أن للاستهلاك الفردي وظيفة هامة من نوع آخر . فهو يعمل على تجديد قوة العمل الإنساني وتجديد الأجيال عن طريق التناسل أي تجديد العنصر الذاتي الإنساني والضروري لإنجاز عملية الإنتاج واستمرارها .

أما عن نتائج وحصيلة الاستهلاك الإنتاجي فهي تظهر عادة في تحقيق منتج آخر جديد . إن استهلاك وسائل الإنتاج كالآلات والمواد الأوليــة ( كالقطن مثلاً ) في عملية الإنتاج يؤدي إلى تحقيق منتج ذي مواصفات مادية جديدة ( في هذه الحالة هو النسيج ) .

وحتى يمكن تلبية حاجات الاستهلاك الفردي والاستهلاك الإنتاجي فإن عملية الإنتاج في أي مجتمع يجب أن تنقسم إلى :

1- القسم الأول : وهو الذي يتخصص بإنتاج المنتجات الضرورية للاستهلاك الإنتاجي أو ما يطلق عليها أحياناً وسائل الإنتاج . ونضرب مثالاً على ذلك المؤسسات التي تقوم بإنتاج  الآلات (كمصانع آلات حلج الأقطان ) والمؤسسات التي تقوم بإنتاج المواد الأولية ( كمحالج الأقطان ) .

2- القسم الثاني : وهو الذي يتخصص بإنتاج المنتجات الضرورية للاستهلاك الفردي ، أو ما يطلق عليها أحياناً وسائل الاستهلاك الفردي . ومثال على ذلك المؤسسات التي تقوم بإنتاج المواد الغذائية أو الألبسة وما شابه ذلك من المؤسسات .

ونلاحظ عند تحليل طبيعة العلاقة المتبادلة والقائمة بين الإنتاج والاستهلاك إن الإنتاج يحتل الدرجة الأولى من الأهمية ، وهذا أمر بديهي إذ لا يمكن التفكير بإمكانية تحقيق عملية الاستهلاك بنوعيه دون إنجاز عملية الإنتاج وتحقيق المنتج أولاً ، وقيل أن يخضع أي شيء مهما كان نوعه للاستهلاك لابد أولاً من إنتاجه . وقد يستطيع الإنسان في مرحلة ما تحديد حاجاته إلا أن هناك فارقاً بين الإدراك الإنساني للحاجة وبين إمكانية إشباع هذه الحاجة لأن تحقيق الحاجات يتوقف على إمكانية الإنتاج والمستوى الذي توصلت إليه عملية الإنتاج الاجتماعي : وباختصار فإن مستوى تطور عملية الإنتاج في المجتمع هو الذي يحدد حجم ونوعية الاستهلاك وإمكانية تحقيق الحاجات الاستهلاكية المختلفة .

إلا أن الإقرار بأهمية الإنتاج ودوره الأساسي لا يعني بأي حال من الأحوال أن الاستهلاك هو بمثابة تحصيل حاصل أو أنه يمثل طرفاً سلبياً في العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك ودون أن يكـــــون له أي تأثير عكسي على الإنتاج . فالإنتاج يتعرض إلى الانخفاض عندما يضعف الطلب على منتج معين فيما يميل إلى الازدياد عندما يكون حجم المنتجات أقل من الحاجات الاستهلاكية . وسنلاحظ عند دراسة العلاقات المتبادلة بين الإنتاج والتبادل والتوزيع أهمية الترابط بين الإنتاج والاستهلاك والتأثير المتبادل لكل منها على الآخر .

الخلاصة :

إن الهدف من الإنتاج هو تلبية حاجات الاستهلاك الفردي وحاجات الاستهلاك الإنتاجي . ولتحقيق أنواع الاستهلاك لابد من وجود نوعين من الإنتاج الأول الخاص بإنتاج منتجات أو وسائل الاستهلاك الفردي والثاني الخاص بإنتاج منتجات أو وسائل الاستهلاك الإنتاجي .

ب – التبادل : الاقتصاد الطبيعي – الاقتصاد السلعي

في  مرحلة ما من مراحل  التطور  الاقتصادي ظهر كما ذكرنا التقسيم الاجتماعي للعمل . وقد كان من أهم نتائج هذا التقسيم والتخصص في  العمل زيادة المنتجات وبالتالي  فقد ظهر لدى أفراد كل مجموعة من المجموعات التخصص بعمل معين فائض من منتجاتها بزيد عن حاجاتهم المباشرة ، ونظراً لأن كل مجموعة لا تقوم بإنتاج كل ما يشبع حاجاتها فقد نشأ نتيجة تلك الشروط الموضوعية والضرورية لعملية التبادل .

من الناحية الظاهرية التبادل هو عبارة عن تبادل منتجات . وقد يكون ذلك تبادل منتج مقابل منتج آخر وقد يكون من الذهب الذي كان يقوم حتى أواخر القرن التاسع عشر  بدور النقد . وعندما يخضع أي منتج للتبادل فإننا نطلق عليه ” السلعة أو البضاعة ” .

إن التبادل من الناحية الجوهرية هو تبادل بين أعمال متباينة ، أي تبادل عمل مقابل نوع آخر من العمل. إذ لا يعقل أن يتم التبادل بين أفراد يقومون بنفس  العمل . وباختصار فإن التقسيم والتخصص في العمل هو الشرط الأساسي لقيام التبادل .

ويوجد هناك علاقة متبادلة بين الإنتاج والتبادل . وفي  الواقع أن عملية الإنتاج  تسبق عملية التبادل . وأن مستوى الإنتاج وحجم المنتجات هو الذي يحدد أصولاً مستوى وحجم التبادل . ولكن من ناحية أخرى فإن التبادل يمارس تأثيره على الإنتاج ويصبح في ظروف  التقسيم الاجتماعي للعمل شرطاً من شروط إتمام عملية الإنتاج . فلو افترضنا على سبيل  المثال أن مجموعة ما من الأفراد تقوم بإنتاج الحديد الخام بينما تقوم مجموعة أخرى بإنتاج الآلات اللازمة لإنتاج الحديد الخام ففي هذه الحالة يصبح التبادل بينهما شرطاً ضرورياً حتى تتمكن كل مجموعة من إنجاز عملية الإنتاج.

وفي  صدد تعريف  التبادل من المناسب  التعرض إلى توضيح بعض  المصطلحات الهامة مثل  الاقتصاد الطبيعي والاقتصاد السلعي ، ففي الاقتصاد الطبيعي – اللا تبادلي  يتم توزيع واستهلاك المنتجات من قبل  المنتجين مباشرة دون أن تخضع للتبادل . وقد كان الاقتصاد الطبيعي هو الطابع الغالب في  المجتمعات الاقتصادية القديمة . وهذه المجتمعات التي كان يسود فيها الاقتصاد الطبيعي البحت كانت تعيش في ظروف الاكتفاء  الذاتي .

أما الاقتصاد السلعي أو البضاعي  يقصد به الاقتصاد التبادلي . حيث أن المنتجات في هذا الاقتصاد لا تستهلك في غالب الأحيان من قبل الأفراد الذين يقومون بإنتاجها وإنما تخضع للتبادل بمنتجات الآخرين. وعن طريق تبادل المنتجات يتم تبادل إشباع الحاجات المختلفة عوضاً عن إشباع الحاجات مباشرة كما هو الحال في  الاقتصاد الطبيعي . وكما هو ملاحظ فإن الاقتصاد السلعي  يسود المجتمعات الاقتصادية الحديثة حيث  تخضع معظم المنتجات إلى عملية التبادل في  السوق .

جـ –  التوزيع :

بعد أن يتم التبادل تدخل المنتجات في  عملية التوزيع . ويرى بعض العلمــــاء إن التبادل الذي ظهر  في  مرحلة ما من المراحل ما هو إلا شكل من أشكال التوزيع . وحسب  هذا الرأي فإن التوزيع لم يتخذ على الدوام شكل التبادل . لأن توزيع المنتجات في  الاقتصاد الطبيعي – اللا تبادلي كان يتم مباشرة بين أفراد المجتمع وبين فروع النشاط الاقتصادي دون أن يتخذ التوزيع في هذه الحالة شكل التبادل .

ولكن مهما اتخذ التوزيع من أشكال ، وسواء أكان هناك تبادل أم لا فإن التوزيع يقصد به عادة الطريقة أو الكيفية التي يتم بها توزيع المنتجات بين القطاعات والفروع الاقتصادية من جهة وبين الأفراد والفئات الاجتماعية من جهة أخرى . ويستنتج من هذا التعريف أن التوزيع يتخذ وجهين :

الأول : هو ما يمكن تسميته بالطابع الوظيفي – المادي للتوزيع ، والمقصود بذلك هو توزيع المنتجات حسب  وظيفتها الاقتصادية – المادية . فمن المعلوم أن المنتجات تكون أما منتجات الاستهلاك الفردي أو منتجات الاستهلاك الإنتاجي، ولكل من هذين النوعين غرض وظيفي استعمالي محدد . والتوزيع الوظيفي لها لا يعني أكثر من فرز هذه المنتجات وفقاً للغرض الاستعمالي منها . فالنوع الأول من المنتجات يتوزع في قنوات الاستهلاك الفردي بينما تدخل منتجات النوع الثاني في عملية الإنتاج المختلفة .

الثاني : وهو الطابع الاجتماعي للتوزيع، ويقصد به الكيفية التي يتم بها توزيع الثروة الاجتماعية المتمثلة بالمنتجات على الأفراد والفئات الاجتماعية المختلفة ، ويتخذ التوزيع في هذه الحالة شكل الإيرادات الفردية، إلا أن هذا الشكل يعبر في  التمييز بين نوعين من أنواع ملكية وسائل الإنتاج : الملكية الفردية الخاصة والملكية الاجتماعية .

وإذا كان للإنتاج وعلاقاته تأثيرهما المباشر على التوزيع فإن التوزيع بالمقابل تأثيره على عملية الإنتاج . إن شكل التوزيع الوظيفي يحدد نصيب عملية الإنتاج من المنتجات الإنتاجية وبالتالي فإن نمو وتوسع الإنتاج الاجتماعي يتوقفان على حجم ونوعية المنتجات التي ينالها القطاع الإنتاجي كالآلات والمواد الأولية وغيرها . كما أن للطبيعة الاجتماعية التوزيع تأثيرها الخاص والمباشر على نتائج العمل . فالأفراد العاملون في عملية الإنتاج الاجتماعي يبدون اهتماماً أكبر في العمل ونتائجه عندما يكون نصبهم من توزيع المنتجات متناسباً مع احتياجاتهم بينما يتخذون موقفاً سلبياً ويظهرون اللامبالاة في  العمل عندما تكون حصتهم من توزيع الثروة الاجتماعية لا تتلاءم مع مستوى حاجاتهم المختلفة والضرورية لتجديد طاقة العمل .

3- 6- وحدة الإنتاج والتبادل والتوزيع والاستهلاك – تجديد أو دورة الإنتاج

لقد أشرنا خلال  شرح هذه المصطلحات إلى العلاقة المترابطة والمتبادلة بين عمليات إنتاج والتبادل والتوزيع والاستهلاك .  صحيح أن لكل من هذه العمليات مفهومها الخاص ولكن من الناحية العملية لا يمكن النظر إليها على أساس أنها مراحل أو حلقات مستقلة ومنفصلة بعضها عن البعض . وفي  الواقع فإن هذه العمليات الأربع هي أجزاء في كل مترابط بشكل الإنتاج الحلقة الأولى والأساسية فيه. لأن مستوى وعلاقات الإنتاج هي التي تحدد سمات وعلاقات التبادل والتوزيع والاستهلاك .

إن هذه الوحدة وهذا الترابط بين الإنتاج والتبادل والتوزيع والاستهلاك يظهران بصورة أوضح عندما ننظر إلى عمليتي  الإنتاج والاستهلاك في  حالتهما المستمرة والمتجددة . إن استمرارية الحياة وتجديد طاقة العمل يستلزمان استمرار وتجديد إشباع الحاجات الإنسانية . ومن أجل تحقيق هذه الضرورة لا بد من استمرارية  وتكرار عملية الإنتاج . ويطلق على هذه الحالة عادة مصطلح تجديد أو إعادة الإنتاج أو ما يسمى أحياناً بدورة الإنتاج .

ويتم عادة التمييز بين شكلين من عملية إعادة أو تجديد الإنتاج .

الأول – عملية إعادة أو تجديد الإنتاج البسيط . وفي هذا الشكل تتم إعادة الإنتاج بنفس  المستوى الكمي والنوعي من عناصر  الإنتاج دون أن يحدث أي توسع يذكر في عملية الإنتاج . ونصادف وجود هذا الشكل من إعادة الإنتاج في المجتمعات التي تعيش حالة الركود والتي تقف عند موحلة معينة من التطور الاقتصادي .

الشكل الثاني :

وهو ما يطلق عليه عملية إعادة أو تجديد الإنتاج الموسع . وفي هذا الشكل يحدث نمو في عملية الإنتاج عن طريق التوسع في عناصر الإنتاج المختلفة وينجم عن ذلك زيادة في إنتاجية العمل . ويسود هذا الشكل في المجتمعات الديناميكية التي تنتقل من مرحلة إلى مرحلة أعلى من التطور الاقتصادي .

وفي جميع الأحوال سواء أكان تجديد الإنتاج بسيطاً أم موسعاً فإنه يمكن باختصار القول بأننا ننتج بهدف أن يستهلك ، كما نستهلك من أجل تحقيق الإنتاج وإن الإنتاج والاستهلاك وجهان لعملية واحدة ومتجددة تتوسط بينهما عمليتا التبادل والتوزيع . وهذا ما يمكن ملاحظته في الحياة الاقتصادية. إن الإنسان عندما يقدم على الإنتاج فهو يقوم باستهلاك قوة عمله واستهلاك وسائل الإنتاج المختلفة , ومن ناحية أخرى فهو عندما يقوم في نفس الوقت بإشباع حاجاته في طريق الاستهلاك الفردي فإنه ينتج قوة العمل والتي تمثل العنصر الذاتي من عناصر الإنتاج . كما أن استهلاك وسائل الإنتاج والذي أسميناه بالاستهلاك الإنتاجي هو العنصر المادي والموضوعي لإنتاج المنتجات . وإن التبادل والتوزيع يشكلان حلقات أساسية في هذه الدورة المتجددة والمتكاملة في وحدة الإنتاج والاستهلاك.

3-7 نمط الإنتاج الاجتماعي :

في التعريف الخاص بمصطلح عملية العمل تبين لنا أن البشر يقيمون أثناء ممارستهم للعمل علاقة عم الطبيعة من جهة ومن جهة أخرى تنشأ فيما بينهم علاقات اجتماعية من نوع معين أسميناها علاقات الإنتاج. وهذه العلاقات والشروط المختلفة التي تحيط بعملية الإنتاج في كل مرحلة من مراحل تطور المجتمعات الإنسانية تشكل بمجموعها وترابطها نظاماً متكاملاً نطلق عليه نمط الإنتاج الاجتماعي. ومن الواضح أن نمط الإنتاج الاجتماعي يشمل في كل مرحلة اجتماعية من  عنصرين:

آ – القوى المنتجة:

ويقصد بها مجموعة العناصر التي تحدد مستوى العلاقة بين المجتمع والطبيعة . وهي تتألف من العنصر الذاتي وهو العمل والعناصر المادية الأخرى وأهمها وسائل العمل والوسائل الأخرى المستخدمة في عملية الإنتاج . ومن المعلوم أن الإنسان أثناء ممارسته للعمل يقوم بتطوير قدراته الذاتية ويعمل على تطوير وسائل العمل . وكلما أحرز تقدماً ما في هذا المجال تمكن من إخضاع الطليعة لخدمة أغراضه وحاجاته . وينعكس هذا التطور في القوى المنتجة في زيادة إنتاجية العـمل ( زيادة عدد المنتجات خلال وحدة الزمن ) وشمل الجوانب التالية :

1-تطور مهارة وخبرة المنتجين في إنتاج أكبر كمية من المنتجات خلال اقصر وقت ممكن .

2-تطور المستوى التكنيكي لوسائل العمل . فكلما تحسن هذا المستوى أمكن زيادة عدد المنتجات في وحدة زمنية معينة . فالانتقال من وسائل العمل اليدوي إلى وسائل العمل الآلي أدى إلى مضاعفة مركبة في إنتاجية العمل .

3-تطور مستوى التنظيم في العمل أي توزيع عناصر العمل وفقاً للتقسيم الأمثل لأجزاء ومراحل عملية العمل .

4-تطور مستوى العوم والتكنولوجيا والتي تحتل في الوقت الحاضر أهمية متزايدة في عملية الإنتاج .

5-العوامل الطبيعية: إن الأرض على سبيل المثال تملك درجات متباينة من الخصوبة . ففي حال استخدام نفس الكمية من العمل ونفس المستوى التكنيكي لوسائل العمل في أراض مختلفة الخصوبة فإن المحاصيل الناتجة في الأراضي الخصبة ستكون بدون شك أكبر حجماً من المحاصيل الناتجة في الأراضي الأقل خصوبة كما أن إنتاجية العمل في الصناعات الاستخراجية مثلاً تتوقف إلى حد كبير على كمية ووضع المخزون في المناجم .

  • علاقات الإنتاج :

كما أن عناصر القوى المنتجة لا تبقى ثابتة ، فإن العلاقات التي تنشأ بين البشر في عملية الإنتاج تخضع هي الأخرى للتغيير وتختلف من مجتمع إلى آخر . ولكن يجب التمييز بين نوعين من هذه العلاقات :

النوع الأول: وهي العلاقات ذات الطابع التكنيكي أو ما يسمى بالعلاقات التكنيكية . إن مستوى وسائل العمل هو الذي يحدد طبيعة هذه العلاقات . إن دخول الآلة إلى عملية الإنتاج يستلزم توزيعاً معيناً للعاملين ويفرض فيما بينهم علاقات تكنيكية معينة تنسجم مع الطبيعة الفنية لتركيب الآلة . وهذا النوع من العلاقات يدخل في صميم موضوع العوم التكنيكية التي تبحث في وسائل تنظيم العمل من الناحية الفنية البحتة .

النوع الثاني : وهي العلاقات الاقتصادية ذات الطبيعة الاجتماعية وهي التي تدخل كما ذكرنا سابقاً في صميم موضوع علم الاقتصاد السياسي . وتختلف الطبيعة الاجتماعية لهذه العلاقات حسب علاقات الملكية السائدة في المجتمع . وحين تقوم الأشكال والأنظمة الحقوقية والقانونية بتنظيم حقوق الملكية وحق التصرف بأشكال الملكية فإنها تعكس في الواقع محتوى العلاقات الاقتصادية السائدة في الأنظمة والمجتمعات المختلفة .

وبعد هذا التوضيح للعناصر المكونة لنمط الإنتاج يمكن تلخيصه بالشكل التالي :

وكما هو واضح من هذا الشكل فإنه لا يجوز النظر إلى القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج كعناصر منفصلة أو مستقلة عن بعضها البعض ، وإنما كإجراء من نظام متكامل يعبر في كل مرحلة عن مستوى معين من التطور .

3-8- القوانين الاقتصادية :

وراء كل ظاهرة سواء أكانت طبيعية أم اجتماعية تختفي مجموعة من العلاقات الضمنية المترابطة والمتلازمة والتي لا يمـكن للنظـر أن يلحظهـا على سطح الظاهرة. وهذه العلاقة الضمنية والجوهرية هو ما ندعوه بقانون الظاهرة. والمعرفة العلمية تهدف إلى الكشف عن قوانين الظواهر الطبيعية والاجتماعية ووضعها في صياغة علمية يطلق عليها ( القوانين العلمية ).

إن الحياة الاقتصادية تشكل مركباً من أفعال بشرية تتكرر بصفة مستمرة . ففي ظروف معينة هي نتيجة التطور التاريخي الذي يحققه مجتمع معلوم يعيد هذا النشاط نفسه بطريقة معينة بمعنى أن له قانونية خاصة أو نمطاً خاصاً في الانتظام والاطراد وهذا النمط يمكن تحليله إلى عناصر معينة . أي إلى علاقات وصلات تتكرر باســـــتمرار بين هذه الأفعال أو الأعمال الجزئية التي تتكون منها هذه الأفعال.مثل هذه الصلات أو العلاقات يطلق عليها(القوانين الاقتصادية)

إن القوانين الاقتصادية هي قوانين موضوعية بمعنى أنها حقيقية وواقعية تميز  موضوعياً ، أنه يكتشفها . وتصاغ نتائج هذه الدراسة في صيغ توضح فعل القوانين الاقتصادية.

في كل نمط من الأنماط الاجتماعية للإنتاج توجد مجموعة من القوانين الاقتصادية وتختلف هذه القوانين في أهميتها . ويتم عادة التمييز بين أربعة أنواع من القوانين الاقتصادية :

1-قوانين اقتصادية عامة : ويكون هذا النوع من القوانين شاملاً لجميع المجتمعات الاقتصادية بدائية كانت أم رأسمالية  مثال ذلك قانون إنتاجية العمل وقانون تنامي الحاجات والرغبات الإنسانية . إن الإنسان بصورة عامة يسعى أثناء قيامه بعملية العمل إلى زيادة عدد المنتجات إلى أكبر عدد ممكن خلال وحدة زمنية معينة (الساعة مثلاً ) . كما أن الرغبات والحاجات الإنسانية لا تقف عند حد معين وإنما تخضع إلى قانون تنامي الحاجات الكمية والنوعية أي زيادة كمية المنتجات والعمل على تنوعها في آن واحد .

2-قوانين اقتصادية مشتركة بين أكثر من مجتمع اقتصادي واحد . أي أنها لا تشمل جميع المجتمعات وإنما تقتصر على بعضها فحسب . بالرغم من أن الكيفية التي يبرز فيها فعل هذا القانون ليست واحدة . أما في الاقتصاد الطبيعي – اللا تبادلي – فلا يوجد هناك ضرورة موضوعية لمثل هذا القانون .

3-قوانين اقتصادية أساسية . إذ يوجد قانون خاص بكل نظام من الأنظمة الاقتصادية يدعى بالقانون الاقتصادي الأساسي . ولهذا القانون أهمية خاصة بين القوانين الاقتصادية نظراً لأنه يعبر عن جوهر العلاقات الاقتصادية السائدة في هذا أو ذلك من الأنظمة الاقتصادية مثل قانون الربح في النظام الرأسمالي.

4-قوانين اقتصادية ذات طبيعة مرحلية .  وهذا النوع من القوانين لا يوجد في كل مراحل التطور لنظام اقتصادي معين . فهناك ضمن النظام الرأسمالي قوانين اقتصادية تتعلق بمرحلة المنافسة الرأسمالية مثل قانون المنافسة بينما يعمل قانون الاحتكار في مرحلة رأسمالية أخرى هي مرحلة الاحتكار .

ولكن هناك ملاحظة تتعلق بالعلاقة بين القوانين الاقتصادية . إن القوانين الاقتصادية لا تقوم بفعلها الموضوعي بصورة مستقلة ومنعزلة بعضها عن البعض الآخر . إنما تشكل في الواقع نظاماً متكاملاً ومترابطاً يكون القانون الاقتصادي الأساسي المحور المركزي فيه . إن فقل القوانين الاقتصادية في النظام الرأسمالي مثلاً يخضع لفعل القانون الأساسي وهو قانون الربح الرأسمالي.

 البحث الثاني المنهج في علم الاقتصاد

تمهيد :

إن دراسة الحقائق الموضوعية تشكل المادة الرئيسية والموضوع الأساسي لكلفة العوم . وإن مهمة العوم لا تقتصر عادة على تسجيل أو حصر هذه الحقائق والوقائع الموضوعية وإنما تتجاوز ذلك إلى ضرورة تحليلها . ويعد التحليل العلمي من أهم أساليب الكشف عن محتوى وجوهر الحقائق والظواهر الطبيعية والاجتماعية وإدراك قوانين نشوئها وتطورها إن ظاهر الأشياء يتعارض على الغالب مع محتوى وجوهر هذه الأشياء . فظاهرياً تبدو الشمس كأنها تدور حول الأرض . إلا أن المعرفة العلمية توصلت إلى اكتشاف محتوى هذه الظاهرة وبرهنت على عكس ذلك حين تبين أن الأرض هي التي تدور حول الشمس . إن عملية البحث العلمي تفترض عادة تعارض ظاهر الأشياء مع محتواها وإلا فإن الوصول إلى حقائق الأشياء يبقى بعيد المنال . كما أن تحقيق هذه الغاية يتطلب اجتياز طرق شائكة ومعقدة في مجال الدراسة والبحث .

إن أسلب التحليل والتركيب العلمي من الأساليب الشائعة في دراسة جميع الحقائق والظواهر الطبيعية والاجتماعية  . ففي العلوم الاجتماعية ومن ضمنها علم الاقتصاد يتم استخدام هذا الأسلوب لإدراك قوانين الظواهر الاجتماعية وفي صدد ذلك قد يكون من المفيد توضيح ما هو مقصود بأساليب التحليل والتركيب العلمي .

  • أساليب التحليل والتركيب العلمي :

في الطبيعة كما في المجتمع نجد مجموعة متعددة ومتنوعة من الظواهر الطبيعية والاجتماعية . وإن كل ظاهرة تشمل العديد من الصفات والعناصر المكونة لها. كما أن الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية لا توجد بصورة منفصلة بعضها عن البعض وكل منهما يشكل نظاماً متكاملاًً ومعقداً من الظواهر المترابطة المتكاملة مما يجعل من البحث العلمي في وحدة الظواهر أمراً مستحيلاً . وهذا يستدعي إيجاد الأساليب الملاءمة التي تساعد على تبسيط البحث وتسهيل طريق الوصول إلى المعرفة العلمية ويمكن اتباع المراحل التالية :

أولاً – ضرورة الأخذ نظرياً بمبدأ استقلالية الظاهرة. إذ من الضروري والحالة هذه فصل الظاهرة موضوع البحث عن بقية الظواهر الأخرى ودراستها بصورة مستقلة .

ثانياً – تحليل الظاهرة إلى العناصر المكونة لها . إن أية ظاهرة تتألف من مجموعة من العناصر وإن إدراك هذه الظاهرة يستلزم أولاً معرفة عناصرها . أي لابد من تجزئة الظاهرة أي تفتيت الكل إلى أجزاء . ونجد عادة أن هناك في كل ظاهرة عناصر أساسية وعناصر ثانوية . ويقصد بالعناصر الأساسية تلك التي تلعب دوراً أساسياً في نشوء وتطور الظاهرة بينما يكون للعناصر الأخرى دور ثانوي ويطلق على هذا الأسلوب في البحث أسلب التحليل العلمي .

ثالثاُ – إعادة تركيب عناصر الظاهرة . إن البحث العلمي لا يتوقف عند مرحلة التحليل . إن لابد بعد تجزئة الظاهرة إلى عناصرها من إعادة توحيد وتركيب هذه العناصر حسب التسلسل  الذي يحتله كل عنصر في سلم الأهمية . فعندما يقوم العالم الطبيعي بتحليل عناصر ظاهرة المطر يستنتج من هذا التحليل العناصر الأساسية والثانوية المركبة منها هذه الظاهرة . وهذا الأسلوب هو ما ندعوه بأسلوب التركيب العلمي .

إن التحليل والتركيب يشكلان إذن أسلوباً متكاملاً في البحث العلمي . إذ لا يجوز  كما هو واضح التوقف عند مرحلة التحليل دون استكمالها بمرحلة التركيب . وبدون التكامل لا يمكن التوصل أصلاً إلى نتائج علمية كاملة . إلا أن هناك فارقاً يجب ملاحظته بين أشكال البحث في الظواهر الطبيعية وبين أشكال البحث في الظواهر الاجتماعية . إن دراسة الظواهر الطبيعية أكثر سهولة إذ أن عالم الفيزياء أو الكيمياء يستطيع أن يستخدم في عملية التحليل والتركيب وسائل مخبرية في دراسة لظاهرة طبيعية معينة بينما لا يستطيع الباحث الاجتماعي فعل ذلك . ولذا فلابد من أن يأخذ تحليل وتركيب الظاهرة الاقتصادية وغيرها من الظواهر الاجتماعية في ذهن الباحث شكلاً تجريدياً ويصبح التجريد العلمي شكلاً ضرورياً لا غنى عن استخدامه في تحليل وتركيب الظواهر الاجتماعية المختلفة .

3- التجريد العلمي للظواهر الاقتصادية : ([3])

يفهم من التجريد عادة أنه الانسلاخ عن الواقع الموضوعي . أو هو عبارة عن حالة تصور ذهني لا ارتباط بينها وبين الواقع المحدد والملموس إلا أن هذا التفسير لفكرة التجريد يتعارض مع المفهوم الدقيق للتجريد العملي.

إن التجريد العلمي هو طريقة من طرائق البحث العلمي يمكن استخدامها عند دراسة نظام متشابك من الظواهر . فنحن نلاحظ أن النظام الاقتصادي يتألف من مجموعة من الظواهر والعلاقات الاقتصادية المتعددة الجوانب والأشكال . وهذه الظواهر والعلاقات تشكل في ترابطها الصورة المحددة والملموسة لهذا النظام ، بالرغم من أن بعضها يظهر للعيان وكأنها ظواهر منفصلة عن بعضها البعض . فنحن ترى السلعة والنقد أحياناً باعتبارهما ظاهرتين اقتصاديتين مستقلتين علماً أنهما تشكلان فيما بينهما نظاماً مترابطاً من العلاقات السلعية – النقدية .

إن المعرفة الملموسة والشاملة لأي نظام اقتصادي تستلزم الإحاطة بكل جوانبه وعناصره ، والإحاطة كذلك بالعلاقات الضمنية القائمة بين هذه الجوانب والعناصر الاقتصادية المختلفة . ولكن حتى نتمكن من الوصول إلى المعرفة الشاملة والملموسة وجب عدم دراسة النظام الاقتصادي ككل. ونظراً لصعوبة البحث في تناول هذا النظام دفعة واحدة فلا بد من اللجوء إلى التبسيط أي تحليل النظام إلى العناصر والأجزاء المكونة له والبحث في كل جزء على حدة . ومن خلال تركيب المعرف الجزئية للظواهر المختلفة يمكن التوصل إلى المعرفة الشاملة حول النظام ككل . وعندما نقوم بتجريد ظاهرة اقتصادية عن بقية الظواهر فإن مثل هذا التجريد لا يعني بأي حال من الأحوال الانسلاخ عن الحقائق الموضوعية بقدر ما يقصد به أسلوب في المعالجة العلمية لجوانب النظام الاقتصادي بصورة متدرجة وانتقالية . والتجريد بهذا المعنى يهدف إلى تسهيل البحث العلمي من أجل التوصل إلى نتائج علمية محددة .

إن التجريد العلمي متخذ في ذهن الباحث الاقتصادي مراحل مختلفة , ففي المرحلة الأولى يجب تحديد الشكل الخارجي للظاهرة موضوع البحث وفي المرحلة الثانية ينتقل للتحليل من تحديد الشكل إلى تحديد جوهر ومحتوى الظاهرة الاقتصادية.

وإذا أمكن تحديد العناصر والعلاقات الضمنية المكونة للظاهرة أمكن بالتالي معرفة عوامل نشوء الظاهرة واتخاذها شكلاً معيناً . وبعد الانتهاء من دراسة ظاهرة معينة تبدأ المرحلة التالية في بحث ظاهرة أخرى وهذا حتى يمكن بالنهاية الوصول إلى معرفة وإدراك طبيعة جميع الظواهر الاقتصادية ومن ثم العلاقات الضمنية والترابط بين هذه الظواهر .

ويتم التعبير عن المعرفة العلمية بواسطة مجموعة من المفاهيم والمقولات الاقتصادية فعندما يتم البحث في طبيعة النظام الاقتصادي الرأسمالي مثلاً فإن هذا البحث يتوصل في النهاية إلى تحديد علاقاته في صورة مفاهيم ومقولات اقتصادية محددة . إن دراسة كل من السلعة والنقد والقيمة ورأس المال والربح والفائدة توضح جانباً معيناً من الاقتصاد الرأسمالي . وبإيجاد العلاقة فيما بينها جميعاً يمكن أن نوضح الجوانب المتعددة للعلاقات الاقتصادية في النظام الرأسمالي .

ولابد أخيراً من إبداء الملاحظات التالية بخصوص المنهج في علم الاقتصاد:

آ- أن العلاقات الاقتصادية بصورة عامة ليست علاقات ساكنة وإنما هي علاقات تتصف بالديناميكية والتغير والحركة والانتقال من شكل إلى آخر . وإن طريقة البحث يجب أن تتناول أيضاً حركة التغير في هذه العلاقات أي يجب أن تتناول نشوءها وتغيرها في آن واحد.

ب- أن هذا التغير في العلاقات الاقتصادية يتخذ صورة الانتقال من الأشكال البسيطة إلى الأشكال المركبة – وإن طريقة البحث تبدأ عاجة من دراسة الأشكال البسيطة وتنتهي بدراسة الأشكال الأكثر تعقيداً . إن دراسة النظام الرأسمالي مثلاً أول ما تتناول دراسة السلعة باعتبارها أبسط أشكال الظواهر الاقتصادية ثم تنتقل إلى دراسة الظواهر المعقدة .

جـ – إن عالم الاقتصاد يختار لموضوع البحث الحقائق الجوهرية والأساسية ويترك جانباً الظواهر العارضة والتي تظهر بفعل الصدفة .

د – بالرغم من أن التجريد العلمي يبقى أسلوباً أساسياً وملائماً لتحليل الظواهر الاقتصادية . إلا أن ذلك لا يعني استحالة اللجوء إلى التجارب التطبيقية في الميادين الاقتصادية إذ من الممكن إجراء التجارب على بعض الإجراءات الاقتصادية في نطاق مؤسسة اقتصادية واحدة وذلك للتأكد من إمكانية تعميم نتائج هذه التجربة في المجالات الاقتصادية الأخرى .

4- المذاهب في علم الاقتصاد :

إذا كانت المهمة الأساسية لعم الاقتصاد هي البحث في العلاقات والقوانين الاقتصادية السائدة في المجتمعات الاقتصادية المختلفة . يمكن لنا حينئذ أن نستنتج بعض الملاحظات الأساسية :

1-  – إن دراسة علاقات الإنتاج والتبادل والتوزيع تتم من خلال ربط أشكال هذه العلاقات مع أشكال ومستوى تطور القوى المنتجة . نظراً لأن هذين العنصرين يشكلان معاً نمط الإنتاج الاجتماعي .

2- نظراً للأهمية التي تحتلها العلاقات الاقتصادية في نظام العلاقات الإجتماعية فهي تؤثر وتتأثر بأشكال العلاقات الاجتماعية الأخرى كالعلاقات الحقوقية و السياسية إلا أن علم الاقتصاد لا يتعرض عادة إلى العلاقات الاجتماعية الأخرى إلا ضمن الخطوط العامة للنتائج المترتبة على العلاقة المتبادلة بينها وبين العلاقات الاقتصادية .

3- يتعرض علم الاقتصاد إلى السياسة الاقتصادية للدولة والإجراءات التي تتخذها في المجال الاقتصادي . لأن لهذه السياسة وهذه الإجراءات عادة تأثيرها الخاص على مجرى الحياة الاقتصادية وفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية . وبهذه المناسبة من المفيد لفت الانتباه إلى أن ما يسمى بالقوانين الاقتصادية التي تصدرها الدولة أمر آخر يختلف كلياً عن مفهوم القوانين الاقتصادية الموضوعية التي أشرنا إليها في فقرة سابقة .

وفي علم الاقتصاد كما في أي علم اجتماعي آخر ، توجد مدارس ومذاهب مختلفة . فالمدرسة الذاتية في الاقتصاد تعد العلاقة الاقتصادية علاقة ذاتية بحتة بين الإنسان والأشياء . وحسب هذا الاتجاه فإن الموقف الذاتي للإنسان والذي يعكس مجموعة المشاعر والدوافع النفسية للسلوك الاقتصادي هو الذي يشكل موضوع علم الاقتصاد. وفيما بعد سنرى كيف أن بعض نظريات القيمة الذاتية كنظرية المنفعة ونظرية المنفعة الحدية تتبنى المذهب الذاتي في تفسير القيمة . كما نرى أن كينز وأنصاره يتخذون من علم النفس أحد المنطلقات الأساسية في تفسيرهم للعلاقات والظواهر الاقتصادية .

أما المدرسة الموضوعية فهي تعتبر العلاقات الاقتصادية علاقات موضوعية وتخضع للقوانين الموضوعية التي تفعل فعلها خارج إرادة ووعي الإنسان . وحسب هذا الاتجاه لا يمكن الأخذ بالدوافع النفسية والسلوك الذاتي لتفسير جوانب الحياة الاقتصادية . فالسلوك الذاتي والدوافع الذاتية ما هي إلا شكل من أشكال الوعي الاجتماعي الذي يتحدد من ناحية أخرى بفعل شروط الحياة الموضوعية المختلفة التي تحيط بالإنسان . وهذه المدرسة ترفض أن يكون علم النفس وما شابهه مفتاحاً لإدراك أبعاد الحياة الاقتصادية . وإنما على العكس من ذلك فإن إدراك القوانين الموضوعية للحياة الاقتصادية هو الذي يساعد على فهم الدوافع النفسية للسلوك الاقتصادي والأشكال التي يتخذها في المراحل المختلفة للتطور الاجتماعي .

الفصل الثاني النظام الاقتصادي الرأسمالي ( أساسيات )

البحث الأول السلعة والنقد

تمهيــــــد :

تضمنت الفصول السابقة دراسة تاريخية عن اقتصاديات المجتمعات التي سبقت ظهور المجتمع الرأسمالي. وكانت هذه الدراسة تهدف إلى توضيح نشوء وتطور العلاقات الاقتصادية والقوانين السائدة في هذه المجتمعات وبشكل خاص القانون الاقتصادي الأساسي .

وقد رأينا كيف أن علاقات الاقتصاد الرأسمالي كانت قد بدأت بالظهور في مرحلة معينة من تطور المجتمع الإقطاعي . ولكن قبل البدء بدراسة النظام الاقتصادي الرأسمالي يجب إبداء الملاحظات التالية :

  • في المجتمعات السابقة للنظام الرأسمالي كان الاقتصاد الطبيعي هو الطابع الغالب والعام للحياة الاقتصادية والنشاط الاقتصادي أي أن هذه المجتمعات كانت تهدف من عملية الإنتاج إلى تحقيق الاستهلاك المباشر دون أن يخضع الجزء الأكبر من المنتجات للتبادل في السوق أي أن الإنسان ينتج بهدف تحقيق رغباته واحتياجاته الشخصية المباشرة .

وإلى جانب الاقتصاد الطبيعي ظهرت علاقات التبادل وتطورت تدريجياً العلاقات السلعية – النقدية بدرجات متفاوتة حسب  تطور  تقسيم العمل الاجتماعي والحاجة إلى تبادل المنتجات . إلا أن علاقات التبادل والعلاقات السلعية – النقدية بقيت محصورة في حدود معينة ولم تصبح هي الطابع العام والغالب على العلاقات الاقتصادية رغم أنها نسبياً كانت أكثر تطوراً في  النظام الإقطاعي منها في  نظام الرق . وقد ساهمت هذه العلاقات السلعية – النقدية في انهيار الاقتصاد الطبيعي التي تتنافى مع محتوى هذا الاقتصاد الذي لا يهدف إلى التبادل في  السوق . وقد ظهرت عمليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في  الاقتصاد الطبيعي وفق المراحل التالية .

الإنتاج –  التوزيــــع –  الاستهلاك

ب – على  العكس من ذلك فإن الاقتصاد الرأسمالي  اقتصاد سلعي . وعندما نقول اقتصاد سلعي فإننا نعني بأن القسم الأعظم من المنتجات يأخذ شكل السلعة أو البضاعة أي أنها تخضع للتبادل والبيع في السوق قبل أن تنقل من عملية الإنتاج إلى عملية الاستهلاك :

الإنتاج – التبادل – التوزيع – الاستهلاك

إن أهم صفات النظام الرأسمالي تكمن في أن العلاقات السلعية – النقدية والتي بدأت بالتكون في  المجتمعات السابقة للرأسمالية أصبحت هي الطابع الغالب في الاقتصاد الرأسمالي ، أي أن علاقات الإنتاج والعلاقات الاقتصادية عموماً تأخذ شكل العلاقات السلعية – النقدية .

فإذا كانت العلاقات السلعية – النقدية في  المجتمعات السابقة للرأسمالية لا تبدو كظاهرة عامة في إطار الاقتصاد الطبيعي فإنه لا يمكن التفكير بوجود النظام الرأسمالي دون وجود وانتشار علاقات التبادل والتي تأخذ شكل العلاقات السلعية – النقدية .

جـ – لقد أشرنا في  الفصل  السابق بخصوص منهج وأسلوب علم الاقتصاد  إلى أن المعرفة العلمية للعلاقات الاقتصادية المتشابكة تقتضي دراسة الأشكال والظواهر الاقتصادية الأكثر بساطة ثم الانتقال منها إلى العلاقات والظواهر الأكثر تعقيداً . وهذا ينطبق  على الظواهر الطبيعية و الظواهر الاجتماعية ومنها الظواهر الاقتصادية . وكما في العلوم الكيميائية حيث يبدأ التحليل العلمي بتحليل العناصر الكيميائية المكونة للظواهر الطبيعية – البسيط منها والمعقد – كما يشمل ذلك أيضاً البحث عن العلاقات التي تربط بين هذه العناصر ، كذلك في علم البيولوجيا يبدأ التحليل العلمي بدراسة الخلية وهي أبسط وحدة في الجهاز العضوي . إذ أن دراسة الخلية شرط لابد منه لفهم وإدراك العلاقات العضوية كلها . وإذا أردنا تطبيق هذا المنهج العمي على الظواهر الاقتصادية في النظام الرأسمالي فإنه من الضروري عند استخدام منهج علم الاقتصاد في دراسة وتحليل هذه الظواهر الانتقال من الشكل البسيط الذي بدأ به النظام الرأسمالي إلى العلاقات المعقدة ، لأن الناتج يتحول هنا إلى سلعة والسلعة تعد الخلية الاقتصادية الأساسية في النظام الرأسمالي .

إن دراسة السلعة أولاً ثم النقد ثانياً باعتبارهما الأشكال البسيطة والأولى في النظام الرأسمالي يتفق مع المنهج العلمي في تحليل النظام الرأسمالي . إن هذه الدراسة للسلعة والنقد تمكننا من فهم العلاقات الأكثر تعقيداً في النظام الرأسمالي وهي تعد شرطاً ضرورياً لابد منه لدراسة العلاقات الرأسمالية الأساسية كالعلاقة بين رأس المال والأجر ودراسة أشكال رأس المال وغيرها من الأشكال والعلاقات الرأسمالية .

وإلى جانب دراستنا للعلاقات والظواهر الرأسمالية الأساسية والأولية والتي تعبر عنها السلعة والنقد فإننا سوف نلجأ إلى مقارنة العلاقات الاقتصادية الرأسمالية بالعلاقات التي يتصف بها الإنتاج السلعي البسيط . فقد كان الإنتاج السلعي البسيط يمثل في مرحلة سقوط الإقطاع الأساس في نشوء النظام الرأسمالي والعلاقات الرأسمالية ، أي أنه كان يمثل البذور الأساسية التي تكونت منها الرأسمالية .

ويفهم من الإنتاج السلعي البسيط الإنتاج الذي يقوم به الحرفيون والفلاحون الصغار الذين يملكون وسائل إنتاج خاصة بهم ويقومون بالعمل لصالحهم الخاص المباشر عن طريق إنتاج السلعة بيعها في السوق . إن الملامح الأساسية التي تصف الإنتاج السلعي البسيط هي :

1-وجود تقسيم اجتماعي في العمل ، أي أن كل منتج لا يستطيع أن يشكل بمفرده اقتصاداً متكاملاً . فهو ضمن مجموعة كبيرة من المنتجين يتخصص كل منهم بعمل معين والناتج المتحقق من عملهم لا يخدم رغباتهم بشكل مباشر وإنما يباع في السوق وهو بذلك يجب أن يشبع احتياجات الآخرين الذين يقومون بشراء هذا الناتج .

2-استقلالية هؤلاء المنتجين ، إذ أن اقتصادهم يقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وللناتج المتحقق .

لقد  كان الإنتاج السلعي البسيط أكثر الأشكال شيوعاً في المرحلة ما قبل الرأسمالية وظل يحتل حيزاً كبيراً في عملية الإنتاج في المراحل المبكرة للرأسمالية إلا أن التطور اللاحق للرأسمالية أدى تدريجياً إلى زوال هذا الشكل البسيط في الإنتاج ليحل محل الإنتاج الرأسمالي الكبير . وبالرغم من أنه يلاحظ وجود مظاهر وبقايا هذا الشكل البسيط في الإنتاج إلا أنه لا يحتل مكانة أساسية في عملية الإنتاج الرأسمالي والعلاقات الرأسمالية .

البحث الثاني

الســــــلعة

يطلق اسم السلعة على الناتج الذي تحققه عملية الإنتاج من أجل التبادل . وعندما ينظر المرء إلى السلعة كما تبدو في عملية التبادل في السوق فإنه يلاحظ أن لهذه السلعة صفتين أساسيتين . الصفة الأولى هي أن السلعة شيء مادي يشبع حاجة إنسانية معينة ( كالخبز الذي يشبع حاجة الإنسان إلى الغذاء ) وهذه الصفة هي ما يطلق عليها عادة القيمة الاستعمالية . أما الصفة الثانية التي تملكها السلعة فهي إمكانية مقايضتها بسلعة أخرى وفق نسبة معينة وهذه الصفة الثانية للسلعة هي ما ندعوه بالقيمة التبادلية .

  • القيمة الاستعمالية للسلعة :

تستطيع القيمة الاستعمالية للسلعة أن تلبي نوعين من الحاجات ، النوع الأول و هو ما يطلق عليه الحاجات الإنتاجية كالقيمة الاستعمالية التي تحملها الآلة والمواد الأولية التي تخدم حاجات عملية الإنتاج . أما النوع الثاني فإنه يتمثل في الحاجات الشخصية الإنسانية المادية منها والمعنوية كالألبسة والمواد الغذائية والتي تلبي حاجات إنسانية مادية بينما تلبي القيمة الاستعمالية التي يحملها الكتاب والمذياع حاجات إنسانية معنوية .

إن القيم الاستعمالية التي تحملها السلع تشكل المحتوى المادي للثروة الاجتماعية وإن استمرار وجود الفرد والجماعة يتطلب استمرار إنتاج هذه القيم الاستعمالية فالفرد مثلاً يحتاج بصورة دائمة إلى المواد الغذائية وغيرها من السلع الاستهلاكية . صحيح أن الطبيعة تمنح الإنسان أنواعاً مختلفة ومتعددة من القيم الاستعمالية كالهواء والماء مثلاً ولكن هذه القيم الاستعمالية تكون جاهزة في الطبيعة دون أن يحتاج الإنسان إلى بذل أي جهد في تحقيقها أما القسم الأعظم من القيم الاستعمالية فإنه يتجسد في السلع التي ينتجها العمل الإنساني .

وحتى يتحول الناتج الذي يحققه العمل إلى سلعة يجب أن يتوفر فيه المقدرة على إشباع حاجات الآخرين . فلقد كان الهدف من الناتج في الاقتصاد الطبيعي هو إشباع حاجات المنتجين المباشرة له. أما إذا كانت السلعة تعني الناتج الخاضع للتبادل مع الآخرين فيجب أن يتوفر فيها شرط إشباع حاجات الآخرين وباختصار يجب على القيمة الاستعمالية للسلعة أن تمثل قيمة استعمالية اجتماعية.

ولكن ليس من الضروري أن يتحول كل ناتج يحمل قيمة استعمالية تشبع حاجات الآخرين إلى سلعة. فعندما يقدم الفلاح إلى الإقطاعي قسماً من الناتج المتحقق في أرضه على شكل ريع الأرض فإن هذا القسم من الناتج لا يخدم حاجات الفلاح وإنما يلبي حاجات الآخرين وهم الإقطاعيون في هذه الحالة . وهذا القسم من الناتج المسمى بالناتج الفائض لا يتحول إلى سلعة . لأن هذا الناتج الفائض يقدم إلى الإقطاعي بدون مقابل أي دون تبادل بسلعة أخرى . ولذا يمكن الاستنتاج بأنه بالإضافة إلى ضرورة توفر القيمة الاستعمالية يجب أن يتوفر في الناتج وجود قيمة تبادلية له حتى يصبح هذا الناتج سلعة . أي يجب مبادلة القيمة الاستعمالية للناتج بقيم استعمالية أخرى وفق نسب معينة . وباختصار يجب أن يتوفر في الناتج شرطان أساسيان حتى يتحول إلى سلعة : القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية .

ففي الاقتصاد الطبيعي ( الإنتاج من أجل الاستهلاك المباشر ) يكون للناتج قيمة استعمالية ولكنه لا يحمل قيمة تبادلية . وفي هذه الحالة لا يتحول الناتج إلى سلعة . فالقيمة الاستعمالية تتوفر إذن في الناتج سواء استخدم من أجل الاستهلاك المباشر أم استخدم كسلعة للتبادل بسلعة أخرى . أما في الاقتصاد السلعي كالاقتصاد الرأسمالي فالقيمة الاستعمالية وهي المحتوى المادي للسلعة يجب أن تحمل صفة اجتماعية أخرى هي القيمة التبادلية .

وبكلمة أخرى ليس كل ناتج سلعة وإنما كل سلعة هي ناتج خاضع للتبادل يحمل قيمة استعمالية وقيمة تبادلية .

  • القيمة التبادلية :

تبدو القيمة التبادلية للوهلة الأولى عبارة عن علاقة تبادل بين كميات من سلع مختلفة أو عبارة عن تناسب يتم بموجبه تبادل قيم استعمالية لسلع متباينة فعندما يتم تبادل قميص مقابل حذاء فهذا يعني أن القيمة التبادلية للقميص الواحد تساوي حذاءً واحداً فقط .

ومن المعلوم أن منتجي السلع يقومون بعملية تبادل السلع منذ زمن طويل ، أحياناً بصورة مباشرة أي سلعة مقابل سلعة وهذا ما ندعوه بالمقايضة ، ثم أصبح تبادل السلع فيما بعد يأخذ شكلاً غير مباشر أي بواسطة النقد . فالمنتج يبيع السلعة بالنقد حتى يحصل على سلعة أخرى بواسطة النقد . وفي الفترة القادمة عندما ندرس أشكال القيمة فإننا سوف ننتقل من الشكل البسيط  المباشر للتبادل إلى الأشكال المعقدة وغير المباشرة . أي أن هذه الدراسة ستتناول الجانب التاريخي في تطور أشكال التبادل . لأن فهم الأشكال البسيطة والأولية في التبادل سيساعدنا على فهم الأشكال الأكثر تعقيداً . إلا أن هذه الدراسة سوف لا تقتصر على أشكال القيمة التبادلية . وقد أثار محتوى وجوهر التبادل جدلاً كبيراً بين علماء الاقتصاد الكلاسيكيين منهم والمعاصرين . وهذا الاهتمام الذي أثاره موضوع القيمة يمكن تفسيره بأن الاقتصاد الرأسمالي الذي بدأ بالظهور في القرن السابع عشر هو كما ذكرنا اقتصاد سلعي أي أن الناتج يتحول إلى سلعة له قيمة استعمالية وقيمة تبادلية . ففي الاقتصاد الطبيعي عندما يقوم الإنسان بالإنتاج من أجل الاستهلاك المباشر وليس بهدف التبادل في السوق فمن الطبيعي إذن ألا يثير موضوع القيمة التبادلية أي اهتمام نظري أو عملي  . أما في الاقتصاد الرأسمالي السلعي فإن الإنسان ينتج من أجل التبادل في السوق وتحقيق الربح . ولهذا كان من الطبيعي أن يهتم علماء الاقتصاد بدراسة وتحليل القيمة التبادلية . فإذا قلنا أنه من الضروري أن يتوفر في السلعة قيمة استعمالية فهذا أمر مفروغ منه لأن الناس لا يشترون السلع في السوق بدون أن يكون لها قيمة استعمالية تقوم بإشباع حاجة إنسانية معينة أما ما يثير الجدل والاهتمام فهو القيمة أو القيمة التبادلية في السوق .لأن المنتج الرأسمالي يهمه كثيراً أن يعرف فيما إذا كانت السلعة تحقق قيمتها التبادلية في السوق أم لا . لأن تحقيق الربح يتوقف على السعر الذي تباع به السلعة في السوق .

حول موضوع القيمة والقيمة التبادلية توجد نظريات مختلفة كل منها يحاول تفسير القيمة من وجهة معينة . فظاهرة القيمة والقيمة التبادلية في السوق ليست ظاهرة طبيعية لا يختلف اثنان حول صحة القوانين التي تحكمها ، وإنما هي ظاهرة اقتصادية اجتماعية . وفي أية ظاهرة اجتماعية اقتصادية تتباين الآراء حول تفسير محتوى هذه الظاهرة . إذن يمكن تصوير صفات وشروط السلعة بالشكل التالي :

القيمة الاستعماليةالسلعةالقيمة التبادلية
هي مجموعة الصفات المادية التي تحملها السلعة والتي بواسطتها يمكن تلبية حاجات الفرد والمجتمع . وهي :

1-     قيم استعمالية تلبي حاجات الفرد كالمواد الغذائية

2-     قيم استعمالية تلبي حاجات الإنتاج كالآلة والمواد الأولية

هي الناتج الذي يلبي حاجات إنسانية والخاضع للتبادل مع ناتج آخرهي علاقة تناسب يتم بموجبها تبادل سلعة مقابل سلعة أخرى وهي في جوهرها علاقة بين منتج ومنتج أخر يتبادلان فيما بينهما نتاج عملهما. مثال :

( فأس = 20 كغ حبوب )

وقد لاقت دراسة القيمة التبادلية اهتماماً خاصاً . وتناولت هذه الدراسة أشكال القيمة التبادلية التي صادفتها عملية التبادل عبر مراحل التطور التاريخي للعلاقات التبادلية كما أن هذه الدراسة لم تقتصر على شكل القيمة التبادلية وإما تناولت أيضاً محتوى وجوهر القيمة التبادلية والذي كان الموضوع الأساسي لنظريات القيمة .

  • أشكال القيمة التبادلية :

نشأ التبادل كما أشرنا في مرحلة من التطور الاقتصادي تميزت بظهور التقسيم الاجتماعي للعمل. ومنذ ذلك الحين اتخذت القيمة التبادلية أشكالاً تنسجم مع مستوى ودرجة تطور العلاقات التبادلية كان آخرها الشكل النقدي للقيمة . وهذا الشكل لم يكن في الماضي هو الشكل الشائع والمألوف الذي ساد العلاقات التبادلية وإنما سبقته إلى الظهور أشكال مختلفة للقيمة التبادلية . ([1])

3-1- الشكل البسيط :

إن أقدم أشكال القيمة هو ما يطلق عليه عادة الشكل البسيط والعفوي للقيمة التبادلية . وكان هذا الشكل منسجماً مع الأشكال البدائية للعلاقات التبادلية وقد بدأت بين عدد محدود من المنتجين الذين تكون لديهم فائض من الناتج . وهكذا انحصرت عملية التبادل في حدود ضيقة للغاية وذلك بسبب انعدام التنوع في السلع الخاضعة للتبادل فضلاً عن محدودية الإنتاج وانخفاض  مستواه وهذا والتبادل الذي ظهر في شكل سلعة مقابل سلعة أخرى كان يتم غالباً بصورة عفوية وتحكمه الصدفة التي تجمع بين المتبادلين ، إذ انعدمت في تلك المرحلة العلاقات التبادلية المنظمة التي تتسم عادة بالدورية والتكرار . وحسب الشكل البسيط للقيمة فإن التعبير عن قيمة سلعة ما يتم بواسطة سلعة أخرى معادلة لها . كأن نقول مثلاً :

س سلعة آ = ع سلعة ب

أو 10 م نسيج = 40 كغ حبوب

وتبدو هذه المعادلة التبادلية البسيطة على شكل علاقة كمية بين السلعة آ وهي النسيج وبين كمية من السلعة ب وهي الحبوب . وهذا الشكل البسيط للقيمة يشترط إذن وجود طرفين في المعادلة التبادلية بين سلعة وسلعة أخرى .ففي الطرف الأول تقف السلعة آ  تبحث عن قيمتها في سلعة أخرى ب والتي تقف في الطرف المقابل لتقوم بعملية التعبير عن قيمة السلعة الأولى . أي أننا ننسب السلعة آ  التي تبحث عن قيمتها إلى سلعة أخرى ب وهي تعبر عن قيمة السلعة الأولى . فالسلعة الأولى آ- ( النسيج ) يطلق عليها السلعة المنسوبة بينما تمثل السـلعة ب ( الحبوب ) السلعة المعادلة أي التي تجسد القيمة المعادلة للسلعة المنسوبة .

3-2- الشكل الواسع : 

بفعل التطور الكمي والنوعي الذي تحقق في عملية الإنتاج توسعت نسبياً العلاقات التبادلية وتنوعت المنتجات الخاضعة للتبادل وقد حل الشكل الواسع محل الشكل البسيط للتبادل . وحسب هذا الشكل فإن السلعة التي يراد مبادلتها لا تجد مقابلها سلعة واحدة معادلة لها كما هو الحال في الشكل البسيط . وإنما أصبح بالإمكان في الشكل الواسع للقيمة التبادلية مقارنة وقياس السلعة ( آ ) بعدد من السلع يقوم كل منها بدور المعادل لها ، أي أن السلعة المنسوبة تجد تعبيراً عن قيمتها في عدد من السلع وهذه السلع التي يعبر كل منها عن قيمة السلعة المنسوبة تشكل السلع المعادلة

  2-2- الشكل الواسع :

بفعل التطور الكمي والنوعي الذي تحقق في عملية الإنتاج توسعت نسبياً العلاقات التبادلية وتنوعت المنتجات الخاضعة للتبادل وقد حل الشكل الواسع محل الشكل البسيط للتبادل . وحسب هذا الشكل فإن السلعة التي يراد مبادلتها لا تجد مقابلها سلعة واحدة معادلة لها كما هو الحال في الشكل البسيط . وإنما أصبح بالإمكان في الشكل الواسع للقيمة التبادلية مقارنة وقياس السلعة ( آ ) بعدد من السلع يقوم كل منها بدور المعادل لها ، أي أن السلعة المنسوبة تجد تعبيراً عن قيمتها في عدد من السلع وهذه السلع التي يعبر كل منها عن قيمة السلعة المنسوبة تشكل السلع المعادلة :

وكما يبدو من هذه المعادلة فإن التبادل لا يزال يقوم على الشكل المباشر للتبادل فكما هو الحال في الشكل البسيط فإنه يتم حسب الشكل الواسع مبادلة سلعة ما مقابل إحدى السلع المعادلة لها . إلا أن الشكل الواسع وخلافاً للشكل البسيط قد تصادفه بعض الصعوبات . فالتبادل في الشكل البسيط كان مقتصراً على سلعتين دون أن تصادفه أية صعوبات إذ يشترط فقط توفر الحاجة والرغبة لدى المتبادلين في تملك كل منهما لسلعة الأخرى . إلا أن الصعوبة قد تظهر في الشكل الواسع عندما يريد صاحب الماشية مثلاً الحصول على حبوب إلا أن مالك الحبوب لا يحتاج إلى ماشية وإنما إلى نسيج ، وهكذا تزداد عملية التبادل تعقيداً كلما تزايد عدد المنتجات التي تدخل نطاق التبادل وكلما وجدت السلعة التي يراد تبادلها عدداً أكبر من السلع المعادلة لها . إلا أنه أمكن مع مرور الزمن التغلب نسبياً على هذه الصعوبات عندما حل الشكل العام للقيمة محل الشكل الواسع للقيمة التبادلية .

3-3- الشكل العام للقيمة :

وحسب هذا الشكل فإن السلعة المنسوبة التي يراد مبادلتها لا تجد أمامها مجموعة من السلع معادلة لها وإنما سلعة واحدة تكون بمثابة المعادل العام لجميع السلع . فقد انفصلت من بين مجموعة السلع سلعة واحدة تحمل بعض الصفات الخاصة واتفق عليها لتكون الشكل العام والمعادل للقيمة . إذ أصبح بإمكان أي منتج أن يبادل سلعته مقابل سلعة واحدة وبواسطة هذه الأخيرة يستطيع الحصول على أية سلعة أخرى وبذلك حل الشكل العام للقيمة محل الشكل الواسع للقيمة وأصبح شكل التبادل والقيمة التبادلية كالتالي:

وحسب هذا المثال تقوم الماشية بدور المعادل العام لقيم جميع السلع الأخرى وأصبح ممكناً بواسطة هذه السلعة التعبير عن قيم جميع السلع الأخرى ، وأصبح هناك شكل موحد لتبادل جميع السلع مقابل سلعة واحدة ، وباستطاعة مالك الحبوب مثلاً مبادلة الحبوب بالماشية أولاً ثم مبادلة الماشية بأية سلعة يشاء ( نسيج مثلاً )

وفي تلك المرحلة التي وصلت إليها عملية التبادل قامت عدة سلع أحياناً بدور المعادل العام لجميع السلع الأخرى ، فإلى جانب الماشية وجدت الحبوب أيضاً كسلعة معادلة لجميع السلع . وقد اختلفت السلع التي تقوم بدور المعادل العام من مجتمع إلى آخر إذ تجد في مجتمع ما الماشية أو الحبوب وفي مجتمع آخر قد يكون النسيج أو الفرو هو المعادل العام بينما اختفت السلع الأخرى كشكل للقيمة المعادلة لباقي السلع وظهر بذلك الشكل النقدي للقيمة .

3-4- الشكل النقدي للقيمة :

في الشكل النقدي للقيمة بدأت المعادن الثمينة تقوم بدور المعادل العام لقيم جميع السلع الأخرى . إذ أن وجود بعض المزايا الخاصة بالمعادن الثمينة مثل وحدة الشكل وإمكانية التجزئة إلى وحدات كمية صغيرة وكذلك سهولة التداول وقدوتها على المقاومة وحفظ القيمة ، وقدرتها على التعبير عن قيمة كبيرة بكمية صغيرة منها بسبب ارتفاع قيمتها الخاصة نفسها ، كل هذه المزايا التي لا تتوفر في أية سلعة أخرى جعلت من الممكن أن تقوم المعادن الثمينة بهذا الدور كوسيلة قياس ومقارنة ومعادلة السلع بعضها البعض . وأصبح المعادل العام لباقي السلع يقتصر على سلعة واحدة بينما تعددت أحياناً السلع التي قامت بهذه الوظيفة في الشكل الواسع للقيمة . وأصبح شكل التبادل والقيمة التبادلية كالتالي :

وقد ظهر النقد كمعال عام لجميع السلع الأخرى قيل الميلاد بزمن طويل وذلك عندما ظهرت المعادن الثمينة في بلاد الإغريق والإمبراطورية الرومانية . وتدريجياً حلت المعادن الثمينة محل السلع الأخرى كمعادل عام للقيمة وبصورة نهائية ، وقد ظل الذهب والفضة زمناً طويلاً يمارسان دور النقد جنباً إلى جنب إلى أن أصبح الذهب في أواخر القرن التاسع عشر المعادل النقدي الوحيد للقيمة .

إن ما يميز المعادن الثمينة هو وجود بعض الصفات الطبيعية فيها والتي لا تتوفر في باقي السلع الأخرى . وهذه الصفات هي :

آ – وحدة الشكل :

تتميز المعادن الثمينة بوحدة الشكل والتكوين . وهذه الصفة التي تميز المعادن الثمينة لها أهمية بالغة بالنسبة لقياس قيم السلع الأخرى . فعندما تتم مبادلة السلع بالذهب فإننا نقيس هذه السلع بالنقد الذهبي . وحتى يمكن التعبير عن قيم هذه السلع فمن الضروري أن تكون وحدات النقد ( الذهب أو الفضة ) ذات نوعية واحدة . ويبقى الفارق مقتصراً على الناحية الكمية فقط . فالوحدات النقدية من الذهب أو الفضة ذات شكل ومحتوى واحد . والفارق الوحيد بينهما هو أنها ذات أوزان مختلفة .

ب- تجزئة المعادن الثمينة :

خلافاً لأي سلعة أخرى كالفرو مثلاً فإنه بالإمكان تجزئة المعادن الثمينة إلى أجزاء يمثل كل جزء منها قيمة معينة . وإن تجزئة المعان الثمينة كالذهب والفضة لا تغير شيئاً من طبيعتها . وهذه الصفة التي تتميز بها المعادن الثمينة تسهل عملية تبادل السلع لأن كل سلعة لها قيمة خاصة بها . فالقيم  التي تمثلها أجزاء المعدن الثمين تساعد على قياس القيم  المختلفة للسلع الأخرى . فالليرة الذهبية مثلاً تنقسم إلى وحدات أصغر منها ويمكن بواسطة كل وحدة من هذه الوحدات قياس ومبادلة سلع مختلفة تحمل نفس القيمة التي تحملها هذه الوحدة .

جـ – سهولة التداول :

إن وحدات صغيرة الوزن من المعادن الثمينة ( الفضة أو الذهب ) تمثل قيمة مرتفعة وهي في نفس الوقت سهلة التداول والانتقال من يد وأخرى . ويمكن لهذه الوحدات الصغيرة أن تقوم بدور الوسيط في عملية تداول كمية كبيرة من السلع الأخرى .

د- المقاومة والمحافظة على القيمة :

إن المعادن الثمينة خلافاً لأية سلعة أخرى تتصف بإمكانية المقاومة والبقاء فترة طويلة من الزمن دون أن تفقد شيئاً كبيراً من القيمة التي تمثلها . وهذا ما كان ما يفسر قدرة الذهب أو الفضة على القيام بصورة دائمة بمهمة قياس قيم السلع الأخرى .

وخلاصة القول فإن تطور ظروف وشروط علاقات التبادل استلزم بالضرورة أن تقوم المعادن الثمينة في مرحلة ما من تطور هذه العلاقات بدور النقد . وقد خرجت المعادن الثمينة من مجموعة السلع الأخرى لتقوم بهذا الدور نظراً للصفات التي تمتلكها والتي سبق شرحها . إن المعادن الثمينة كسلعة لها قيمة استعمالية أساسية تنبثق من الصفات الطبيعية الكيميائية والفيزيائية التي تحملها ، وهذه الصفات تساعد على استخدام المعادن الثمينة في عملية الإنتاج وذلك عندما يتم إنتاج سلع الزينة أو عندما تستعمل في تركيب الأسنان الصناعية . إلا أنها عندما استخدمت كنقد فإن المعادن الثمينة حصلت على قيمة استعمالية أخرى بالإضافة إلى قيمتها الاستعمالية الأساسية فقد أصبحت تستخدم أيضاً لقياس قيمة السلعة ووسيلة لمبادلة السلع بعضها ببعض . فقد أصبح بإمكان المرء أن يبادل سلعته بالنقد ويحصل بواسطة هذا النقد على سلعة أخرى تلبي حاجاته ورغباته وهكذا فإن المعادن الثمينة بالإضافة إلى قيمتها الاستعمالية الأساسية أصبحت لها قيمة استعمالية أخرى عندما تستعمل كنقد وتقوم بدور المعادل العام أو المقياس العام لقيم جميع أنواع السلع . وفي مرحلة لاحقة من تطور الاقتصاد السلعي – النقدي حل تدريجياً النقد الورقي محل الذهب كمقياس للقيمة التبادلية وهو الشكل الشائع في الوقت الحاضر .

 

البحث الثالث

النقــد

تمهيد :

عند دراستنا لتطور أشكال القيمة التبادلية وجدنا أن النقد أصبح في النهاية هو المعادل العام لجميع قيم السلع الأخرى وأصبح بذلك الشكل السائد في معظم المجتمعات وفي علاقة التبادل في السوق تظهر السلعة في طرف والنقد في طرف آخر ، أي أن السلعة والنقد هما قطبا العلاقات التبادلية والتي تظهر على شكل نظام من العلاقات السلعية النقدية .

وقد بحثنا في الفصول والأبحاث السابقة موضوع السلعة ، ومن الضروري الإلمام أيضاً بموضوع النقد . لأنه لا يمكن الإحاطة بالاقتصاد السلعي الرأسمالي دون معرفة جوهر السلعة وماهية النقد .

وحتى يمكن تعرف النقد فلا بد من تحليل الوظائف الخاصة التي يقوم بها في عملية التداول في السوق .

2-وظائف النقد :

         2-1- الوظيفة الأولى : مقياس القيمة ومعيار السعر .

إن الوظيفة الأولى التي يؤديها النقد هي وظيفة مقياس القيمة ومعيار السعر .

فعندما نقول أن قيمة أو سعر السلعة يعادل كذا من الوحدات النقدية ( الليرة مثلاً ) فإننا نقيس هذه القيمة وهذا السعر بالنقد .

ولكن حتى يستطيع النقد القيام بهذه الوظيفة يجب أن يحمل هو أيضاً قيمة . لأنه لا يمكن قياس أشياء ذات قيمة بواسطة شيء آخر لا يحمل أي قيمة . فإذا ما تم قياس قيمة السلع بالذهب فإن الذهب بحد ذاته يمثل قيمة وهكذا يصبح بالإمكان مقارنة قيم جميع السلع بمقياس نوعي واحد . وإن وجود هذا المقياس النوعي يجعل بالإمكان قياس ومقارنة السلع بعضها ببعض من الناحية الكمية . كان نقول أن سلعة ما تساوي ثلاثة غرامات من الذهب وسلعة أخرى تساوي ستة غرامات من الذهب . فكل من السلعتين تقاس بمقياس نوعي واحد هو الذهب والاختلاف هو فقط من زاوية الحم لأن قيمة السلعة الثانية تساوي ضعف قيمة السلعة الأولى ([2]).

وإذا اتخذ النقد شكل الذهب وأمكن بواسطته قياس قيم السلع الأخرى فإن قيمة الذهب تقاس بنفس الوقت بواسطة القيم التي تمثلها السلع الأخرى وذلك حين يتم التناسب بين الذهب وغيره من السلع. إلا أنه يلاحظ أن قيمة السلعة تتغير باستمرار نتيجة تغير إنتاجية العمل ، وكذلك فإن قيمة الذهب لا تبقى ثابتة .  لأن قيمة الذهب باعتباره سلعة ترتبط أيضاً بتغير إنتاجية الذهب . وإذا كان السعر هو التعبير النقدي من القيمة ( مثلاً أن سعر السلعة كذا غرام من الذهب ) فإن السعر يرتبط من ناحية بقيمة السلعة ومن ناحية أخرى بقيمة الذهب إذا كان الذهب هو المعادل النقدي العام لقيم جميع السلع الأخرى . ويمكننا أن نبين العلاقة بين قيمة السلعة وقيمة الذهب من جهة والسعر من جهة أخرى بالحالات التالية :

قيمة السلعةقيمة الذهبالسعـــــر
الحالة الأولىارتفاعثابتارتفاع
الحالة الثانيةانخفاضثابتانخفاض
الحالة الرابعةثابتانخفاضارتفاع

وهكذا يتغير السعر بصورة طردية مع تغير قيمة السلعة وبصورة عكسية مع تغير قيمة الذهب . فإذا كانت قيمة السلعة مرتبطة بكمية العمل فإن ارتفاع كمية العمل تؤدي إلى زيادة القيمة وبالتالي السعر. والعكس صحيح عندما تنخفض كمية العمل المبذولة في إنتاج السلعة لأن ذلك يؤدي إلى انخفاض سعر السلعة . إلا أن تغير السعر لا يتوقف فقط على تغير قيمة السلعة وإنما أيضاً على تغير قيمة الذهب مثلاً إن :

20 كغ حبوب = 6 غرامات ذهب

فإذا بقيت قيمة الحبوب ثابتة بينما تضاعفت إنتاجية الذهب بحيث ينتج في الساعة اثنا عشر غراماً  من الذهب بدلاً من ستة غرامات فإن قيمة الذهب تنخفض إلى النصف أي من عشر دقائق بالنسبة للغرام الواحد إلى خمس دقائق فقط . وفي هذه الحالة فإن  معادلة التبادل السابقة تتغير لتصبح :

20 كيلو غرام حبوب = 12 غرام ذهب

وهكذا فإن انخفاض قيمة الذهب نتيجة زيادة إنتاجيته إلى الضعف يؤدي إلى زيادة سعر الحبوب ، أما إذا زادت قيمة الذهب إلى الضعف نتيجة تناقص الإنتاجية في إنتاجه إلى النصف وأصبح إنتاج الساعة الواحدة ثلاثة غرامات بدلاً من ستة غرامات  فإن قيمة عشرين كيلو غراماً حبوب ستعادل قيمة ثلاثة غرامات ذهب فقط . وهكذا نرى بأن زيادة قيمة الذهب من عشر دقائق بالنسبة للغرام الواحد إلى عشرين دقيقة يؤدي إلى انخفاض سعر الحبوب من ستة غرامات ذهب إلى ثلاثة غرامات فقط.  وفي  القرن السابع عشر أدى اكتشاف الذهب في العالم الجديد إلى تزايد إنتاجيته وانخفاض قيمته من ناحية وإلى ارتفاع أسعار السلع من ناحية أخرى .

وحتى يقوم النقد بوظيفته الأولى في  قياس  القيمة فهناك ضرورة لتثبيت الوحدات  النقدية التي تستخدم كمعيار الأسعار المختلفة . وهذه الوحدات النقدية تمثل  عادة كمية محددة من النقد المعدني الثمين ( الذهب . مثلاً ) . وهذه الكمية تختلف من بلد إلى آخر فعلى سبيل المثال كان الروبل في  روسيا عام 1897 يمثل كمية من الذهب تساوي 0.774 غ وكان الدولار  الأميركي إلى وقت قريب يمثل 0.888 غرام من الذهب وذلك طبقاً لقيمته الاسمية المثبتة بموجب  القانون .

2-2- الوظيفة الثانية :  النقد وسيلة للتداول :

وفي هذه الحالة يمارس النقد وظيفته الثانية كوسيلة للتداول . وحتى يمكن فهم هذه الوظيفة من المفيد إجراء المقارنة بين شكل التبادل البسيط المباشر ( المقايضة ) أي :

ســــلعة – ســـــــلعة

وبين الشكل النقدي عندما أصبح النقد المعادل العام لجميع قيم السلع الأخرى  بحيث أصبحت صورة التبادل السلعي النقدي على الشكل التالي :

ســـــــلعة –  نقـــــد –  ســــلعة

ففي  الحالة الأولى يتم تبادل سلعة مقابل سلعة ، بينما يظهر النقد في الحالة الثانية كوسيلة للتداول ، حيث تباع السلعة مقابل النقد ويتم شراء سلعة أخرى بواسطة النقد أيضاً .

وفي  حالة التبادل  البسيط المباشر ( المقايضة ) تبدو عمليتا البيع والشراء عملية  واحدة ويكون البائع هو المشتري في  الوقت نفسه . أما في  الحالة الثانية فإنه  يوجد  مرحلتان متمايزتان : في  المرحلة الأولى يتم بيع السلعة بالنقد ، وفي  المرحلة الثانية يتم شراء سلعة أخرى بالنقد . أي أن هناك انفصال زماني ومكاني بين عمليتي البيع والشراء أي بإمكان المرء أن يبيع السلعة بالنقد ويشتري سلعة أخرى في مكان آخر وزمان آخر .

وبواسطة النقد إذن يستطيع المرء أن يشتري أية سلعة يريدها وفي أي مكان  وزمان يختاره بينما يبقى التبادل في  الحالة الأولى محصوراً بين سلعتين فقط وهكذا فإن النقد  هو الذي ينجز ويسهل عملية التداول السلعي في السوق عندما يقوم بدور الوسيط  في عملية تداول العدد الكبير من السلع .

إلا أن السلعة تخرج من عملية التداول عندما تتحقق قيمتها في السوق وتذهب إلى عملية الاستهلاك . أما النقد فإنه يبقى في  دورة التداول في السوق . ومع هذا فإن الأولوية تبقى الدورة السلعية التي تلعب الدور الأساسي بينما تنبثق وظيفة النقد كوسيلة للتداول من الدورة السلعية إذ بدون الدورة السلعية لا يوجد هناك نقد في التداول . أن  النقد يرافق  الحركة السلعية وينظم تداولها في السوق .

  • الوظيفة الثالثة : النقد وسيلة لتكوين الثروة والادخار :

إن هذه الوظيفة تنبع أساساً من الوظيفتين الأولى والثانية أي قياس  القيمة والسعر ووسيلة للتداول السلعي . كما يجب لفهم الوظيفة الثالثة للنقد الإحاطة بظروف وظيفة الإنتاج والتداول السلعي في السوق .

فعندما يقوم أحد المنتجين ببيع منتجاته في السوق ويتوجب عليه في فترة لاحقة  شراء أدوات الإنتاج ( آلة مثلاُ ) وذلك بعد أن ينتهي استهلاكها كلياً فإن عليه في هذه  الحالة تجميع النقد اللازم لعملية الشراء المقبلة . والنقد يقوم عندئذ بوظيفة تكوين الثروة والتراكم أو الادخار .

إن النقد الذهبي يقوم بهذه الوظيفة بصورة أفضل مما يقوم بها النقد الورقي . ذلك لأن النقد الورقي يتعرض للانخفاض في  قيمته الشرائية إذ لا تبق قيمته ثابتة . وقد أدرك الناس ذلك إذ نجدهم يفضلون اكتناز الذهب على اكتناز النقد الورقي . لأن قيمة الذهب تبقى أكثر ثباتاً من النقد الورقي  الوظيفة الرابعة :  النقد كوسيلة للدفع :

ومع تطور عمليات التداول  السلعي نشأت أشكال  جديدة للتداول ومنها البيع على أساس الائتمان . وفي هذه الحالة تتم عملية الشراء قبل أن يقوم المشتري بعملية بيع منتجاته في السوق . وإن عملية الشراء هذه تتم على أساس الدفع الآجل .

وهناك أسباب وراء هذا الشكل من التداول ترجع إلى طبيعة الإنتاج والتداول الخاصة بالسلعة . فمن المعروف أن المزارع قد يحتاج إلى بعض  السلع كالسماد مثلاً حتى يستطيع البدء بعملية الإنتاج ولكن قد لا يتوفر لديه النقد اللازم . إلا أنه يستطيع شراء المواد والسلع اللازمة على شرط أن يسدد قيمتها بعد تحقيق المحصول الزراعي . وينشأ بهذه الحالة المدينون من طرف والدائنون من طرف آخر .

وفي مثل هذه الحالات لا يظهر النقد بصورة مباشرة فورية في عملية التبادل . بينما تحل محله مؤقتاً أشكال مختلفة من الالتزامات الآجلة الدفـع( كمبيالة ، سند ، الخ) التي يتعهد بموجبها المدين بتسديد مبلغ معين يمثل سعر السلعة في وقت آخر يسمى تاريخ الاستحقاق . وفي هذا التاريخ يقوم المشتري بتسديد القيمة نقداً .

وهكذا يقوم النقد بوظيفة الدفع الآجل ، ومع الزمن تطورت أشكال الدفع الآجل  وظهر النقد الائتماني إذ يستطيع حامل  الكمبيالة سداد التزاماته بواسطة هذه الكمبيالة وتحويلها إلى البائع الجديد الذي يستلم قيمتها في تاريخ الاستحقاق . ثم اتخذ النقد الائتماني شكل البنكنوت وهي أوراق مستندية تقوم بوظيفة الدفع ويلتزم البنك بموجبها بسداد قيمتها نقداً ( كالشيكات مثلاً ) وقد تطورت هذه الأشكال وأصبحت تحل تدريجياً محل  الكمبيالة .

  • الوظيفة الخامسة : النقد كنقد عالمي

إن تطور الإنتاج  العالمي والتبادل  السلعي بين الدول المختلفة كان لا بد من أن يؤدي تدريجياً إلى ظهور وظيفة جديدة للنقد . حيث أصبح دور النقد لا ينحصر في  الحدود الوطنية المحلية لكل دولة وإنما يتجاوز هذه الحدود ليمارس وظيفته الخاصة  كنقد عالمي .

إلا أن لكل دولة عملتها الوطنية الخاصة بها التي تمثل قيمة معينة تختلف عن قيمة النقد المحدد في الدول الأخرى. وهنا لا بد من وجود نقد واحد يعد مقياساً للتبادل بين هذه الدول . ونظراً لاختلاف طبيعة العلاقات الاقتصادية الدولية عن العلاقات الاقتصادية السائدة في المجتمع . فقد عد النقد الذهبي أو ما يماثله من قيمة فعلية مقياس التبادل ووسيلة للمبادلات التجارية الدولية . وفي عملية التبادل هذه لا يؤخذ بما تملكه كل دولة من العملة الوطنية المحلية الخاصة بها وإنما بما تملكه من احتياطي الذهب ، ولذا تحتاج كل دولة إلى كمية من احتياطي الذهب أو ما يماثله من قيم حقيقية تقوى مركزها في  علاقات التبادل الدولي .

  • قوانين الدورة النقدية وكمية النقد :

إن النقد سواء أكان يمثل وحدات نقدية من المعدن  الثمين ( الذهب مثلاً ) أم وحدات من النقد الورقي فإن للدورة النقدية بعض الصفات التي تختلف بها عن الدورة السلعية . إن السلعة عندما تباع وتشترى تخرج غالباً من عملية التداول بينما يبقى النقد في مجال  التداول يمارس وظائفه الخاصة به . فعندما يشتري المرء سلعة استهلاكية ( قميص مثلاً ) فإن كمية النقد المدفوعة نفسها تستعمل من قبل البائع للقيام بعمليات تبادل أخرى بينما تخرج السلعة من السوق لتدخل عملية الاستهلاك ، إن الوحدات النقدية تقوم عادة بعدد من العمليات التبادلية تزيد إجمالي قيمتها عن قيمة النقد المتبادل  نفسه فالنقد المدفوع مقابل سعر القميص ولو فرضناه وحدة نقدية من فئة الخمس  والعشرين ليرة سورية فإن بائع القميص يستعمل هذه الوحدة النقدية نفسها في شراء سلعة أخرى والبائع الجديد يستعملها من جديد في عمليات أخرى وهكذا . فإذا استمرت  هذه الوحدة النقدية في  الدوران والتداول بحيث قامت بعدد من الدورات تساوي ست  دورات مثلاً وفي كل دورة تقوم بعملية تبادل تساوي قيمتها أي خمساً وعشرين  ليرة سورية فإن مجموع أسعار العمليات التجارية التي تستخدمها يساوي (6×25=150 ليرة سورية ) أي أننا في هذا المثال نستعمل فئة نقدية واحدة في عدة عمليات تجارية  مجموع أسعارها 150 ليرة سورية .

وانطلاقاً من هذه الصفات والوظائف الخاصة التي يمارسها النقد في مجال التداول  فإن كمية النقد اللازمة في المجتمع هي أقل من إجمالي أسعار السلع المتداولة  وبمعنى آخر فليس هناك حاجة إلى قيمة من النقد تساوي مجموع أسعار السلع المتداولة  نظراً لأن النقد يقوم بعدد أكبر من الدورات في مجال التداول . ويمكن إذن حصر  العوامل التي تحدد كمية النقد اللازمة للتداول في عاملين أساسيين .

  • العامل الأول :

وهو يمثل مجموع أسعار السلع التي تخضع للتبادل النقدي . فكلما ازداد مجموع أسعار هذه السلع دعا ذلك إلى ضرورة زيادة  الكمية النقدية وبالعكس .

  • العامل الثاني  :

وهو متوسط عدد دورات النقد . وهو يمثل سرعة الدورة النقدية في المجتمع وهذه تتناسب عكساً مع كمية النقد إذ كلما ازدادت سرعة الدورة النقدية انخفضت الكمية اللازمة من النقد .

فإذا فرضنا أن الدولار الواحد يقوم بخمس دورات في  فترة معـينة ( سنة مثلاً )  بينما بلغ مجموع أسعار السلع الخاضعة للتبادل بالنقد مائة ألف  دولار ففي هذه الحالة فإن الكمية اللازمة من الدولارات الذهبية ( إذا كان النقد ذهباً ) هي :

مجموع أسعار  الســــــلع         100000.00

كمية  النقد = ——— =   ———— =20000 دولار ذهبي

متوسط عدد الدورات السنوية              5

وهذا القانون للدورة النقدية ينطبق في حال كون جميع  العمليات التجارية تتم بواسطة النقد . إلا أن هناك عادة بعض العوامل الأخرى التي  تؤثر على كمية النقد اللازمة يمكن إيجازها بما يلي :

1-بعض العمليات التجارية التي لا يظهر فيها النقد بصورة مباشرة وفورية كالعمليات التي تتم على أساس الدفع الآجل كالكمبيالة والسندات والخ .. وهذه  تستحق الدفع في فترة قادمة . أي أن عمليات البيع والشراء تتم دون أن يستعمل النقد إلا في  الفترات اللاحقة وفي هذه الحالة فليس هناك حاجة فورية للمبلغ من النقود  الذي يعادل مجموع أسعار هذه العمليات .

2-بعض  العمليات التي تمت سابقاً على أساس الدفع الآجل ( كمبيالة ، سند) وهي تستحق الدفع والتسديد حالياً . وحين استحقاق وقت الدفع لا بد من وجود كمية من النقد تعادل أسعار هذه العمليات التجارية المستحقة .

3-بعض عمليات التبادل التي تتم أحياناً على أساس المقايضة أي سلعة مقابل سلعة أخرى . حيث لا يستعمل النقد في هذه الحالة كوسيلة للقياس والتداول . وفي هذا النوع من المبادلات السلعية التجارية ليس هناك حاجة أيضاً إلى المبالغ النقدية اللازمة لسداد قيمة هذه العمليات . إن هذه الاعتبارات تؤثر على كمية النقد الضرورية . فالدفع الآجل يؤدي إلى إنقاص  كمية النقد كما أن الدفع المستحق يزيد من الحاجة إلى النقد . وفي الحالة الثالثة ( المقايضة ) فإن ذلك يؤثر في إنقاص كمية النقد اللازمة للتداول حيث لا يكون هناك حاجة للنقد لتغطية هذا الجزء من عمليات التبادل السلعي في السوق ، وهكذا يصبح القانون الذي ينظم ويحدد كمية النقد اللازمة للتداول كالتالي :

كمية النقد الضرورية =   مجموع أسعار السلع المتداولة + مجموع المبالغ المستحقة للدفع – مجموع المبالغ الآجلة الدفع – مجموع أسعار صفقات المقايضة .

العدد الوسطي لدورات النقد

وإذا استبدلنا الرموز بهذه العوامل كان لدينا :

س + د – ق – ت

م =    ——————

ن

وهكذا يمكن تحديد قانون الدورة النقدية والذي ينظم كمية النقد اللازمة للتداول إذا توفرت هذه المعطيات والعوامل الناظمة لتحديد هذه الكمية ، ولكن يجب التمييز أيضاً بين حالتين :

1-إذا كان النقد الذهبي هو النقد المتداول فإن كمية النقد اللازمة تتأثر أيضاً بقيمة الذهب التي لا تبقى ثابتة في حال تغير إنتاجية العمل في استخدام الذهب . فإذا انخفضت قيمة الذهب نتيجة ارتفاع الإنتاجية ففي هذه الحالة لا بد من زيادة كمية النقد الذهبي اللازمة لتداول السلع إذا بقيت كمية وقيمة السلع ثابتة . لأننا كما لاحظنا في  الوظيفة الأولى للنقد  الذهبي إن انخفاض قيمة الذهب يؤدي إلى زيادة أسعار السلع  وفي هذه الحالة لا بد إذن من زيادة كمية النقد الذهبي نتيجة لانخفاض  قيمته حتى يمكنه تغطية أسعار الثابتة للسلع الأخرى . فإذا كان سعر سلعة ما دولاراً ذهبياً واحداً وانخفضت قيمة الذهب إلى النصف بينما بقيت قيمة السلعة ثابتة فإن سعر السلعة يصبح دولارين . ويجب أن يكون هناك دولاران بدلاً من دولار واحد حتى يمكن مبادلة هذه السلعة ([3]).

2-في الحالة الثانية عندما يحل  النقد الورقي محل  النقد الذهبي  كما هو شائع في  الوقت الحاضر ، ففي هذه الحالة إذا كانت  كمية النقد الورقي تساوي نفس كمية النقد الذهبي فإن النقد الورقي يؤدي نفس  الوظيفة التي يقوم بها النقد الذهبي . ولكن في حال زيادة كمية النقد الورقي عن كمية النقد الذهبي اللازمة للتداول فإن العلاقات النقدية.

3-السلعية ستؤول إلى التبدل  والتغيير . أولاً لأن النقد الذهبي خلافاً للنقد الورقي ، يحمل قيمة بحد ذاته بينما لا يحمل النقد الورقي أي قيمة خاصة  وإنما يمثل قيمة هي القيمة الحقيقية للنقد الذهبي. فالليرة السورية الورقية لا تحمل قيمة إلا قيمة طباعتها التي لا تذكر وإنما تملك قيمة اسمية هي عبارة عن كمية ما من الذهب  مثبتة بالقانون . وثانياً إن النقد الذهبي يقوم بوظيفة تكوين الثروة أفضل من النقد  الورقي. والناس عندما يتعاملون بالنقد الذهبي فأنهم لا يستخدمون إلا الكمية اللازمة منه فقط للتداول بينما يذهب ما يزيد عن ذلك إلى الاكتناز والأغراض  الصناعية . أما  النقد الورقي فيبقى غالباً في عملية التداول نظراً لأن الناس لا يفضلونه كثيراً كوسيلة  لتكوين الثروة والادخار . فلو افترضنا على سبيل المثال أن كمية النقود الضرورية هي مائة مليون دولار من الذهب بينما يوجد في التداول مائتا مليون دولار من النقد الورقي فإن كل دولار  في هذه الحالة من النقد الورقي يمثل نصف القيمة الاسمية التي يحملها وبذلك تنخفض  القيمة الشرائية للدولار الورقي إلى النصف مثال آخر: إن البائع آ باع إلى المشتري  ب   آلتين بسعر عشرة آلاف  دولار على أن يكون الدفع بعد سنة واحدة . فإذا افترضنا  أن قيمة الدولار الورقي انخفضت إلى النصف نتيجة طرح كميات  إضافية من النقد الورقي في السوق زيادة عن الكمية الضرورية فإن قيمة الآلة الواحدة ترتفع 100% بحيث  تصبح عشرة آلاف  دولار بدلاً  من خمسة آلاف  دولار فعندما يسدد المشتري  ب  قيمة الآلتين إلى البائع  آ  والمثبتة على الكمبيالة أو السند الموقع بينهما بعد عام من الشراء فهو يسدد مبلغ عشرة آلاف دولار  والتي أصبحت تساوي قيمة آلة واحدة بدلاً من آلتين . وهو بذلك يتحرر من التزامه من الناحية  الحقوقية ولكن من الناحية الاقتصادية فإنه في هذه الحالة يسدد قيمة آلة واحدة بدلاً من قيمة آلتين نتيجة لانخفاض  قيمة النقد الورقي إلى النصف .

وباختصار فإن قانون كمية النقد هو  قانون اقتصادي  موضوعي يعبر عن التناسب الضروري بين كمية النقد  اللازمة وبين الدورة السلعية في السوق .كما يعبر عن العلاقة الموضوعية بين كمية النقد الحقيقي (الذهب مثلاً )  وبين كمية النقد الورقي الذي يمثل النقد الحقيقي . وكما هو الحال بالنسبة  للسلعة فهناك أيضاً نظريات متعددة تحاول كل منها تفسير ظاهرة النقد وقوانينه الخاصة من وجهة نظر معينة ولا يتسع المقام هنا للتوسع في مسائل  النقود لأن هذا يحتاج إلى بحث خاص مفصل .

 

البحث الرابع

رأس المـــــــال

  • تحول النقد إلى رأس مال :
    • النقد ورأس المال :

تضمنت الأبحاث  السابقة تحديداً لمفهوم السلعة والنقد ووظائفه الخاصة وقوانين الدورة  النقدية . وذلك نظراً للدور الذي تقوم به السلعة ويقوم به النقد في الاقتصاد السلعي الرأسمالي . فبالرغم من أن علاقات التبادل السلعي – النقدي كانت قد ظهرت إلى جانب الاقتصاد الطبيعي في  المجتمعات التي سبقت المجتمع الرأسمالي  إلا أن المحتوى الخاص للسلعة والنقد في الاقتصاد الرأسمالي يختلف عن محتوى ووظيفة  السلعة والنقد في الاقتصاديات  السابقة للاقتصاد الرأسمالي . وقد أشرنا في  فصول  سابقة إلى أن الإنتاج والتبادل كان غالباً بهدف في تلك الاقتصاديات إلى تحقيق إشباع  الحاجات المباشرة . بينما أصبح تحقيق الربح هو الهدف الأساسي من النشاط الاقتصادي  في النظام الرأسمالي ([4]) .

من أجل ذلك يصبح من الضروري تحديد مفهوم رأس المال . لأن مفهوم رأس المال قد يختلط في أذهان البعض بمفهوم وسائل الإنتاج أو النقد.

إن النقد كما رأينا عبارة عن شيء محدد له قيمة ما . وإن الثروة النقدية عندما  تكون  في حالتها الساكنة وتأخذ شكل الاكتناز لا يمكن اعتبارها رأسمالاً إلا إذا تحولت هذه الثروة واتخذت شكل استثمار ما يكون الهدف من ورائه تحقيق الربح . ويظهر رأس المال في  صورة تزايد مستمر في الثروة النقدية .

حول رأس المال لم يكن هناك اتفاق بين علماء الاقتصاد على تحديد مفهومه إن أنصار  النظرية الميركالتيلية لم يفرقوا بين رأس المال والثروة النقدية . وحسب رأيهم لا يوجد هناك فرق بين النقد ورأس المال . أما نظريات الاقتصاديين الكلاسيكين  الأوائل فقد طابقت بين رأس المال ووسائل الإنتاج . إن أصحاب  النظرية الفيزيوقراطية  على سبيل المثال حددوا مفهوم رأس المال على أنه عبارة عن العدد والمواد الأولية وغيرها من العناصر  المادية المستعملة في عملية الإنتاج . إلا أن النظرية الماركسية لم تأخذ بهذه التفسيرات لأن رأس المال عبارة عن علاقة اجتماعية بين طبقة تملك وسائل الإنتاج وطبقة اجتماعية أخرى تملك فقط قوة العمل. ومن خلال هذه العلاقة الاجتماعية فقط يمكن لصاحب رأس المال أن يحول النقد إلى رأس مال .

  • المعادلة العامة لرأس المال – الربح الرأسمالي

بصرف  النظر عن اختلاف  التفسيرات حول طبيعة وجوهر رأس المال . فإن رأس المال يجسد من الناحية الظاهرية على الأقل حركة النقد في حالتها المتغيرة المتزايدة . إن صاحب رأس المال يبدأ بالنقد وينتهي بالنقد . ولكن يشترط في النقد الأخير أن يكون أكبر من حيث  الكمية من النقد الأساسي الذي بدأ به . وهذا الفرق بين النقد  الأولي والنقد النهائي هو ما يطلقون عليه عادة  الربح الرأسمالي . وهذه المعادلة  العامة لرأس المال هي القانون العام الذي يحكم حركة رأس المال في  الاقتصاد الرأسمالي في أي زمان ومكان ومهما اختلفت أنواع رأس المال .

ولكن إذا كانت حركة رأس المال تهدف إلى تحقيق زيادة ما في  القيمة تمثل  الربح فإن هذا يعني أن أية زيادة في القيمة تعكس في جوهرها حركة رأس المال . ولتوضيح  هذه الفكرة يمكن القول بأن المنتج السلعي  الصغير يحقق هو الآخر زيادة في القيمة النقدية للسلعة التي يقوم بإنتاجها . فعندما يقوم الحرفي  الصغير مثلاً باستخدام عمله وجهده الشخصي في تحويل  المواد التي يستعملها إلى سلعة جديدة ، فإن قيمة السلعة الجديدة تكون أكبر من قيمة المواد المستخدمة في إنتاجها . لأنه بواسطة عمله هذا يضيف قيمة إضافية جديدة إلى قيمة المواد المستعملة في عملية إنتاج السلعة الجديدة .  فعندما  يقوم صانع النسيج بتحويل  القطن الخام إلى نسيج فإن القيمة الجديدة  لهذه السلعة المنتجة تكون أكبر من قيمة القطن الخام وغيره من المواد المستعملة في إنتاج النسيج .  وهو عندما يقوم ببيع السلعة المنتجة الجديدة في السوق فهو يحصل  على قيمة تزيد عن قيمة المواد المستخدمة في إنتاجها . إلا أن النقد الذي يستخدم في  شراء المواد الأولية  وغيرها لا يأخذ في هذه الحالة شكل رأس المال . لأن تحويل  النقد إلى رأس مال يشترط فيه توفر  بعض  الشروط والأسس التي تختلف عن شروط وأسس الإنتاج السلعي  الحرفي  الصغير .

ومن خلال  المقارنة بين معادلة التداول السلعي  الصغير وبين معادلة التداول  السلعي الرأسمالي يمكن توضيح الاختلاف بين زيادة  النقد في الاقتصاد السلعي الصغير وبين زيادة النقد وتحوله إلى رأس مال في الاقتصاد السلعي الرأسمالي .

ففي حالة التداول السلعي  الصغير تظهر مراحل معادلة التداول السلعي في السوق  على الشكل التالي :

ســـلعة –  نقــد –  ســـلعة

أولاً –  في  المرحلة الأولى يقوم المنتج السلعي  الصغير بتحويل  السلعة التي أتم إنتاجها إلى نقد في السوق . أو بكلمة أخرى يقوم المنتج الصغير ببيع السلعة الناتجة في السوق ويحصل في هذه الحالة على كمية من النقد تعادل قيمة المواد المستخدمة مضافاً إليها القيمة التي أضافها عمله الخاص .

ثانياً –  في  المرحلة  الثانية يقوم بتحويل  النقد إلى سلعة عندما يستخدم النقد المتحقق من عملية البيع في شراء سلع جديدة تلبي احتياجاته المختلفة سواء منها المواد الأولية اللازمة لعملية إنتاج جديدة أو مواد غذائية من أجل إشباع حاجاته الشخصية .

نقـــد –  ســـلعة –  نقد زائد

أولاً –  في  المرحلة الأولى كما هو واضح من هذه المعادلة يقوم صاحب رأس المال بتحويل  النقد إلى سلعة . وهي تشمل عناصر الإنتاج المادية الضرورية من آلات ومواد أولية وغيرها . كما تشمل هذه المرحلة أيضاً شراء وتأمين قوة العمل اللازمة . وبعد  إنجاز هذه المرحلة تبدأ عملية إنتاج السلعة الجديدة .

ثانياً – في المرحلة الثانية يقوم بتحويل  وبيع السلعة الناتجة إلى نقد في السوق . ويكون  النقد المتحقق من عملية البيع عادة أكبر من النقد الذي بدأ به في  المرحلة الأولى . ويطلق على النقد الجديد  النقد الزائد .  ويتكون النقد الزائد  من النقد الأولي ( ن ) مضافاً إليه مبلغاً معيناً . فلو بدأ بنقد  مقداره مليون دولار وانتهى بنقد زائد مقداره مليون ونصف  المليون دولار . فإن النقد العائد يعوض النقد الأساسي المدفوع مضافاً غليه نصف  مليون دولار .

إلا أنه يوجد بين هاتين المعادلتين اختلاف أساسي يتناول  المحتوى والهدف لكل منهما :

1-في معادلة التداول السلعي  الصغير يعتمد المنتج الحرفي في غالب الأحيان على عمله الشخصي في إنتاج السلعة . بينما يعتمد صاحب رأس المال على عمل الغير  حيث يقوم بشراء قوة العمل في سوق  العمل.

2-في معادلة  التداول  السلعي  الصغير تمثل  القيمة الاستعمالية بداية ونهاية الدورة وتكون هي بحد ذاتها الغاية من عملية الإنتاج والتبادل . بينما في  التداول الرأسمالي تتحول القيمة الاستعمالية إلى مجرد واسطة ووسيلة لتحقيق غاية أخرى هي الحصول على النقد المتضمن للربح ، ويصبح النقد بحد ذاته الغاية من عملية الإنتاج والتداول الرأسمالي .

1-3- شروط وقوانين الإنتاج الرأسمالي :

لا بد من توفر شروط معينة حتى تتم عملية الإنتاج الرأسمالي . حيث أن العلاقات التي تحيط بعملية الإنتاج في ظروف الاقتصاد الرأسمالي تختلف عن علاقات الإنتاج التي سادت الاقتصاديات ما قبل الرأسمالية . ففي ظروف الإنتاج السلعي لاحظنا كيف أن المنتج الصغير يعتمد على عمله الخاص  في عملية الإنتاج كما يكون عادة مالكاً لوسائل إنتاجه الخاصة . إن عملية الإنتاج الرأسمالية لا تقوم إلا بعد توفر شروط معينة هي :

آ – وجود وسائل  الإنتاج في  السوق :

إذ يتوجب توفر وسائل الإنتاج المختلفة في السوق من أبنية وآلات ومواد أولية وغيرها من العناصر  المادية.  وفي هذه الحالة يقوم صاحب رأس المال بتخصيص  جزء من النقد لتحويله إلى مبلغ وشراء مختلف الوسائل المادية الضرورية للبدء بعملية الإنتاج .

ب –  وجود قوة عمل  حرة في  سوق  العمل :

ويقصد بذلك ضرورة وجود قوة عمل ” حرة ” من الناحية القانونية يتوفر لأصحابها حق التصرف بها ، أي أن يكون لهم حق بيع قوة عملهم لأصحاب رؤوس الأموال في السوق . ومن ناحية ثانية يجب أن يكون هؤلاء الأشخاص ( العمال )  مضطرين لبيع قوة عملهم لنهم لا يتمتعون بملكية وسائل الإنتاج التي تتيح لهم الفرصة لإقامة أي عمل اقتصادي مستقل وخاص بهم .

ولتوضيح هذه الناحية يمكن مقارنة شروط قوة العمل في النظام الرأسمالي بشروطها في أنظمة الرق والقنانة الإقطاعية ، فلم تكن قوة العمل في  النظامين الآخرين حرة من الناحية القانونية .

وكما لاحظنا فإن للسادة في نظام الرق حتى التصرف الكامل بالرقيق إلى جانب الملكية المطلقة لوسائل الإنتاج إذ لم يكن ينظر إلى الرقيق إلا كجزء ( متميز ) من وسائل  الإنتاج .

وفي  النظام الإقطاعي نجد أن الفلاح القن (  رغم أنه لم يعد ملكية شخصية السيد وأصبح يتمتع بملكية بعض أدوات الإنتاج والحيوانات وأحياناً منزل السكن ، وأصبح  يملك الحق في جزء مما ينتجه ) يبقى مقيداً بشروط تحرمه من حقوقه الشخصية ،  كمنع  انتقاله من استثمار إقطاعي إلى استثمار إقطاعي آخر ، أو إلزامه بشروط في العمل  والإنتاج والحياة يحددها الإقطاعي عادة ، وغير ذلك ، فلم يكن يملك الحق ببيع قوة عمله في  السوق ، أي بالتحول إلى عامل مأجور . بينما نجد أن النظام الرأسمالي قد ” حرر ” قوة العمل من الناحية الحقوقية ، لكنه لم يحررها من الناحية الاقتصادية . إن وضع العامل في  الإنتاج الرأسمالي يختلف عن وضع المنتج  الحرفي الصغير . إن المنتج الحرفي يتمتع بحق التصرف بقوة عمله ويمتلك إلى جانب ذلك وسائل الإنتاج الخاصة به . وهو في هذه  الظروف يستطيع أن يستخدم  بحرية تامة عناصر الإنتاج المادية والذاتية  وفق  مقتضيات الإنتاج ووفق مصالحه الفردية الخاصة المباشرة .

جـ – إنتاج سلعة ذات مواصفات جديدة :

حيث يشترط من استخدام عناصر الإنتاج المختلفة المادية منها والذاتية تحقيق سلعة جديدة تحمل مواصفات معينة هي :

أولاً : من زاوية القيمة الاستعمالية فإنه من البديهي أن تحمل السلعة الجديدة قيمة استعمالية تختلف عن القيمة الاستعمالية للمواد المستخدمة في إنتاجها . فالقيمة الاستعمالية للنسيج مثلاً وهو السلعة الناتجة الجديدة تختلف عن القيمة الاستعمالية للمادة المستخدمة في إنتاجه وهي القطن .

ثانياً : يشترط في ظروف الإنتاج الرأسمالي أن تكون القيمة التبادلية للسلعة الجديدة في السوق أكبر من قيمة العناصر المختلفة والمستخدمة في عملية إنتاجها ، إن قيمة متر النسيج في السوق تكون في الأحوال العادية أكبر من قيمة العناصر المستخدمة في إنتاجه والتي تشمل استهلاك نسبة معينة من قيمة البناء والآلات وكامل قيمة المواد الأولية بالإضافة إلى الأجر المدفوع . فإذا كانت قيمة متر النسيج عشر ليرات بينما بلغت قيمة العناصر المستخدمة في إنتاجه سبع ليرات فإن الفارق يشكل الربح الرأسمالي .

إن صاحب رأس المال لا يقدم عادة على عملية الإنتاج دون أن يدرك مسبقاً إمكانية تحقيق هذه الزيادة في قيمة السلعة الجديدة . وأن يكون النقد الذي انتهى إليه أكبر من النقد الذي بدأ به . وبالتالي يمكن القول بأن الجوهر الأساسي لرأس المال والإنتاج الرأسمالي يكمن إذن في تحقيق الربح الذي يعد القانون الاقتصادي الأساسي والدافع المحرك للنشاط الاقتصادي في النظام الرأسمالي .

البحث  الخامس أشكال رأس  المال

  • التعاون الرأسمالي البسيط :

1-1 شكل  الإنتاج في  التعاون الرأسمالي  البسيط :

في بداية نشوء الرأسمالية في أوربا كانت ورشات العمل اليدوي تمثل أولى مؤسسات الإنتاج الرأسمالي، وقد سبقت أشكال العمل اليدوي شكل الإنتاج الآلي كما اتخذ العمل اليدوي في البدء شكل التعاون البسيط في الإنتاج الرأسمالي ثم انتقل في  المرحلة الثانية إلى أسلوب المانيفكتورة في الإنتاج. ويختلف  العمل اليدوي في  أسلوب التعاون البسيط عن أسلوب المانيفكتورة في  انعدام التقسيم والتخصص في العمل بين الأفراد العاملين بينما يقوم أسلوب المانيفكتوره على مبدأ التقسيم والتخصص في العمل ([5]).

وقد كانت ورشات العمل اليدوي بصورة عامة تعود إلى أصحاب رؤوس الأموال التجارية وذلك حين بدؤوا بتحويل قسم من ثرواتهم النقدية من مجال  التجارة إلى مجال الإنتاج. ومن ناحية أخرى فقد كان معظم العمال الذين يعملون في هذه الورشات في السابق منتجين حرفيين مستقلين وقد أصبحوا الآن يعملون في ورشات  تخضع لملكية وإدارة صاحب رأس المال .

أما بالنسبة لشكل التعاون البسيط في الإنتاج الرأسمالي فقد يكون من المفيد أولاً التذكير بمفهوم التعاون، إن التعاون بصورة عامة هو شكل من أشكال تنظيم العمل  تفرضه ضرورات عملية الإنتاج . وضمن هذا الشكل يقوم عدد من الأفراد بالتعاون فيما بينهم لإنجاز عمل واحد أو عدة أعمال مترابطة يكمل كل منها الآخر . والتعاون البسيط يمثل أدنى أشكال التعاون لأنه يتصف بعدم وجود تقسيم وتخصص في العمل بين الأفراد العاملين الذين يقومون عادة وبصورة مشتركة بإنجاز نوع واحد من العمل .

وكما هو معلوم فقد ساد هذا النوع من التعاون البسيط عملية الإنتاج في  المجتمعات البدائية . إلا أن التعاون البسيط الذي ساد عملية الإنتاج في بداية نشوء الرأسمالية كانت له صفات خاصة تميزه عن شكل التعاون البسيط في المجتمعات الاقتصادية السابقة .

أولاً :  يتم تنظيم هذا النوع من التعاون  الرأسمالي  البسيط من قبل صاحب رأس المال بهدف تحقيق الربح  بينما كان الهدف من التعاون البسيط بين الأفراد في المجتمعات السابقة هو إشباع حاجاتهم الشخصية المباشرة .

ثانياً :  في التعاون الرأسمالي  البسيط يقوم العمال ببيع قوة عملهم مقابل الأجر إلى صاحب  رأس المال ، بينما كان الأفراد في المجتمع البدائي مثلاً يسخرون قوة عملهم  لخدمة حاجاتهم وحاجات الجماعة في إطار من العمل الجماعي التعاوني البسيط . كما يلاحظ أن قوة العمل في نظام الرق كانت ملكاً للسادة دون مقابل ما يسمى بالأجر في  النظام الرأسمالي .

ثالثاً :  يتم العمل ضمن إطار التعاون الرأسمالي  البسيط تحت إشراف وإدارة صاحب رأس المال. كما له الحق في تملك الناتج الذي تحققه عملية التعاون البسيط الرأسمالي  فضلاً عن ملكيته لوسائل الإنتاج .

وباختصار فإن التعاون الرأسمالي البسيط يمثل أول شكل من أشكال علاقات الإنتاج الرأسمالي  الذي حل تدريجياً محل الإنتاج الحرفي  الصغير . ومن الوجهة التاريخية فقد كان التعاون البسيط يمثل شرطاً موضوعياً من شروط تطور الرأسمالية .  وفي  بداية ظهور شكل التعاون البسيط كان صاحب رأس المال يشارك في عملية  الإنتاج  وفيما بعد اقتصر دوره على شراء المواد الأولية اللازمة لعملية الإنتاج وكذلك  بيع  السلعة الناتجة في  السوق . ومع ازدياد عدد العمال أصبح بإمكانه أن يترك العمل ويكلف أحد الأشخاص بمهمة الإشراف والتنظيم .  وبذلك يكون قد تبلور شكل الإنتاج الرأسمالي الذي يعتمد على عمل الآخرين .

1-2  مزايا التعاون البسيط في الإنتاج الرأسمالي :

بالرغم من طبيعة الإنتاج اليدوي  وتدني مستوى التعاون في هذا الشكل الأولي للإنتاج الرأسمالي إلا أنه يحقق لصاحب رأس المال مزايا عديدة :

أولا : من المعلوم أن الإنتاج الحرفي  الصغير المستقل يعتمد على العمل اليدوي . وفي ظروف استقلالية الإنتاج تكتسب  المهارة الفردية  للمنتج أهمية خاصة  وتلعب دوراً أساسياً في مجال  المنافسة بين المنتجين الصغار على بيع منتجاتهم في السوق ونظراً لأن القيمة الاجتماعية للمنتج  في السوق تتحدد عادة وفقاً لمستوى المهارة الوسطى ، فمن لا يتمتع بهذا الحد من المهارة لا يقدر على مجاراة باقي المنتجين في السوق .

أما في إطار التعاون الرأسمالي  البسيط فبالرغم من أنه هو الآخر يعتمد على العمل اليدوي ، إلا أن تعاون عدد كبير من العمال في  عمل واحد يقلل من التفاوت بين المهارات الفردية حيث يمكن تغطية انخفاض المهارة الفردية لدى بعض  العمال عن طريق ارتفاع مستوى المهارة لدى البعض الآخر . وهكذا يتقارب مستوى العمل التعاوني الوسطي في المؤسسة الواحدة مع المستوى الوسطي السائد  في المجتمع . وفي هذه  الحالة لا ترتفع قيمة السلعة التي تنتجها هذه المؤسسة الصغيرة عن قيمة السلعة الاجتماعية السائدة في السوق . وعن طريق التعاون البسيط يصبح بإمكان المؤسسة مجاراة القيمة في السوق وتحقيق الربح بينما لا يكون بإمكان المنتج الحرفي الصغير المستقل أحياناً  منافسة المنتجين الآخرين في السوق .

ثانياً :  كما يتميز التعاون الرأسمالي البسيط بأنه يخلق قوة منتجة نتيجة تضافر جهود   الأفراد فيه بصورة جماعية ومشتركة . وهذه القوة المنتجة تساعد على إنجاز بعض العمليات التي لا يمكن لقوة العمل الفردي أن تنجزها . وهذه القوة المنتجة هي  أكبر  من مجرد حصيلة جمع بسيط للقوى . كما أن التعاون يتيح إمكانية تنفيذ بعض الأعمال الكبيرة التي لا يمكن للأعمال الفردية تنفيذها .

ثالثاً :  ومن المزايا الأخرى التي يحققها التعاون زيادة إنتاجية العمل في  الساعة الواحدة  حيث يزداد إنتاج عدد الوحدات السلعية في الساعة نتيجة التعاون وتنخفض  نتيجة لذلك تكلفة السلعة الواحدة . ويساعد على تحقيق ذلك المباراة التي  تحدث بين الأفراد في مجال التعاون كما ويساعد التعاون على تحقيق الاستعمال الأفضل  لوسائل الإنتاج بحيث تصبح أكثر ريعية .

رابعاً :  يحصل صاحب رأس المال على المزايا التي يحققها العمل الجماعي التعاوني دون  مقابل . فهي لا تكلفه شيئاً إضافياً . فهو يدفع الأجر لكل من العمال بمفرده بينما  لا يدفع شيئاً مقابل المزايا التي يحققها التعاون بين عدد من العمال . فكلما ذكرنا أن  هذا التعاون يؤدي إلى زيادة إنتاجية العمل ويخلق قوة منتجة لا يمكن الحصول عليها  بواسطة الفرد الواحد وإنما هي حصيلة العمل الجماعي ، ويدفع صاحب رأس المال  الأجر عادة للفرد الواحد دون أن يدخل في حسابه هذه المزايا التي يحققها العمل الجماعي  التعاوني .

إن التعاون يظل بصورة عامة السمة الأساسية للإنتاج الرأسمالي ، والتعاون الرأسمالي  البسيط هو  الشكل  الأولي من أشكال  التعاون الذي ظهر في  عملية الإنتاج  الرأسمالي . إلا أن التعاون يكتسب أشكالاً متطورة في نظام المانيفكتوره الرأسمالية  وما تلاها عن أشكال التعاون في نظام الإنتاج الآلي  الكبير .

  • المانيفكتوره في النظام الرأسمالي :
    • أشكال وأساليب الإنتاج في نظام المانيفكتوره :

خلافاً للتعاون الرأسمالي  البسيط فإن التعاون في نظام المانيفكتوره يقوم على  التخصص وتقسيم العم . وقد سادت المانيفكتوره عملية الإنتاج الرأسمالي في الفترة الواقعة بين أواسط القرن السادس عشر وحتى أواخر القرن الثامن عشر . وقد اتخذت المانيفكتورة الأساليب والأشكال التالي:

  • الأسلوب الأول :

وهو يقوم على أساس تجميع العمال من مهن مختلفة في عملية إنتاج واحدة متكاملة تحت إشراف وإدارة صاحب رأس المال . ويقوم العمال وفق هذا الأسلوب بإنتاج أجزاء السلعة حتى تصبح نهائية وقابلة للاستهلاك . وعلى سبيل المثال ، كان إنتاج العربة في السابق يتم على أيدي عدد كبير من الحرفيين المستقلين . وكان كل منهم يقوم بعمله بصورة فردية ومنعزلة عن الآخر . فالنجار يقوم بأعمال النجارة وصانع الأقفال يقوم بعمله بصورة مستقلة وهكذا دون أن يوجد تعاون مشترك فيما بينهم يجمعهم في عملية إنتاج واحدة . وقد قام صاحب رأس المال بجمع هؤلاء في مشغل واحد . يقوم كل منهم بعمل معين ضمن إطار تقسيم محدد للعمل إلا أن هذه الأعمال يكمل بعضها البعض في إنتاج سلعة واحدة هي ( العربة ) .

  • الأسلوب الثاني :

وكان يعتمد على تجميع العمال من مهنة واحدة في عملية الإنتاج إلا أن كلاً منهم أصبح يقوم الآن بجزء معين أو إنجاز مرحلة معينة من مراحل العمل .

ففي الفترة التي سبقت قيام المانفيكتورة كان صنع الإبرة مثلاً يتم من قبل المنتج الحرفي الصغير بصورة مستقلة . وكان الحرفي يقوم بكل الأعمال اللازمة لصنع الإبرة أما في داخل المانيفكتورة فقد جرى تقسيم لهذه الأعمال بحيث يقوم كل عامل بعمل معين من الأعمال الضرورية لإنتاج الإبرة . فالأول يقوم بسحب السلك والآخر بتوجيهه والثالث يقو بعملية قص السلك ويقوم الرابع بعملية البرد . وهكذا تتناوب أيدي عديدة مراحل إنتاج الإبرة المختلفة .

ومهما اختلفت أساليب تجميع العمال في مؤسسات المانيفكتورة فإن ما يميز شكل الإنتاج في المانيفكتورة. هو أنه يقوم على أسس تقسيم العمل . إلا أن تقسيم العمل بصورة عامة يعد عاملاً هاماً من عوامل زيادة إنتاجية العمل ، لأن التخصص في العمل يرفع من مستوى المهارة في العمل ويؤدي إلى تطور أدوات العمل وتخصصها وتمايزها حتى تصبح منسجمة مع تخصص الأفراد في عملية الإنتاج .

جـ – الأسلوب الثالث : 

وهو ما يسمى بالإنتاج المنزلي الرأسمالي ، وقد ظهر هذا الأسلوب في مرحلة سبقت نشوء المانيفكتورة إلا أنه ظل قائماً جنباً إلى جنب مع نظام المانيفكتورة وأصبح جزءاً مكملاً من عملية الإنتاج فيه .

ويرجع ظهور هذا الشكل من أشكال الإنتاج الرأسمالي إلى المرحلة التي بدأ فيها رأس المال التجاري دخول مجالات الإنتاج السلعي الحرفي الصغير . في البدء كان التاجر يقوم بشراء المنتجات من الحرفيين الصغار والفلاحين الذين يقومون بإنتاجها وذلك عندما يصعب عليهم تسويقها وبيعها ، وكان التاجر يحقق ربحاً عن طريق شراء هذه المنتجات بأسعار تقل عن قيمتها الحقيقية وبيعها في السوق بأسعار أعلى من أسعار الشراء وفيما بعد ابتدأ التاجر بتسليف الحرفيين مبلغاً من المال يتم تسديده بواسطة السلعة التي ينتجها هؤلاء الحرفيون . وفي مرحلة لاحقة أخذ التاجر يقدم المواد الأولية بدلاً من المال مقابل هذه السلع . وبذلك انفصل الحرفيون عن السوق عندما انتقلت إلى التاجر عمليات شراء المواد الأولية اللازمة للإنتاج وعمليات بيع السلعة الناتجة في السوق .

في المرحلة التالية انتقل صاحب رأس المال التجاري إلى نظام الأجور في تعامله مع هؤلاء الحرفيين الذين اتخذوا من المنازل مكاناً لعملية الإنتاج . وفي ظل هذا النظام كان صاحب رأس المال التجاري يقدم لهم المواد الأولية اللازمة لإنتاج السلعة ليقوموا بتصنيفها مقابل مبلغ معين من المال يمثل الأجر. وهكذا تحول الحرفيون المستقلون في السابق إلى عمال . وكان نظام الأجر يرتكز على قاعدة الأجر مقابل القطعة الواحدة وحسب هذا النظام فإن العامل كان يحصل على مبلغ معين مقابل كل قطعة أو وحدة سلعية واحدة

إن ما يتصف به الإنتاج المنزلي الرأسمالي هو تبعثر عملية الإنتاج لعدم وجود تعاون مباشر بين العمال يقوم على أساس التمركز في مكان عمل محدد . وعندما ظهر نظام المانيفكتورة استمر الإنتاج المنزلي ونشأت بينهما أشكال من التعاون وتقسيم العمل . وأصبح الإنتاج المنزلي جزءاً من نظام المانيفكتورة ، فقد كان العمل المنزلي يقوم في الغالب بإنجاز مراحل أولية من عملية إنتاج السلعة تقوم بعدها مؤسسات أو ورشات المانيفكتورة باستكمال الناتج في صورته النهائية . وقد سهلت طبيعة العمل اليدوي الذي كان سائداً حينذاك وجود مثل هذه الأشكال من العمل غير المتمركز . وذلك خلافاً للعمل الآلي الذي يشترط تعاوناً وتقسيماً متمركزاً في أماكن واحدة للعمل حتى يمكن إنجاز عملية الإنتاج .

  • دور المانيفكتورة في تطور الاقتصاد الرأسمالي :

لقد أشرنا عند دراستنا للاقتصاد البدائي إلى عملية نشوء تقسيم العمل الاجتماعي أي انفصال العمل الزراعي عن العمل الحيواني ثم انفصال العمل الحرفي عن العمل الزراعي ، ويتميز تقسيم العمل الاجتماعي عادة بوجود التخصص في إنتاج سلع معينة فالعمل الزراعي يقوم بإنتاج السلع الزراعية بينما يتخصص الإنتاج الحرفي بإنتاج سلع أخرى ذات مواصفات مختلفة عن السلع التي ينتجها العمل الزراعي .

أما تقسيم العمل داخل المانيفكتورة فإنه يتميز بوجود تخصص في جزء معين أو مرحلة معينة من مراحل عملية إنتاج سلعة معينة . ويوجد هناك بالإضافة إلى ذلك فروق أساسية بين تقسيم العمل على مستوى المجتمع وبين تقسيم العمل على مستوى المؤسسة أو المصنع الواحد . وأهم هذه الفروق :

  • إن تقسيم العمل الاجتماعي هو الأساس في وجود علاقات السوق . إذ يشترط في التبادل أن تكون السلع المتبادلة ذات صفات نوعية مختلفة ، لأن وجود السلع المختلفة هي نتيجة لوجود التقسيم الاجتماعي للعمل أي وجود أعمال متباينة ومختلفة ( عمل زراعي ، عمل صناعي ) بينما ينحصر تقسيم العمل داخل المؤسسة الواحدة في تعاون العاملين دون وجود علاقات تبادل فيما بينهم.
  • إن تقسيم العمل على المستوى الاجتماعي يتم أحياناً بصورة عشوائية وغير منظمة بين قطاعات عملية الإنتاج الاجتماعي بينما يخضع تقسيم العمل داخل المؤسسة إلى التنظيم والإدارة الموحدة .
  • لقد أدى تقسيم العمل داخل المانيفكتورة إلى زيادة إنتاجية العمل . كما أن تقسيم العمل إلى مراحل يؤدي إلى تبسيط العمل نفسه وإلى تقليص الفترة الزمنية اللازمة لتأهيل وتدريب العامل . إلا أن هذا التخصص في جزء ما من العمل زاد من ارتباط العامل بالمؤسسة الرأسمالية لأنه ليس بإمكانه الآن القيام بعمل متكامل بمفرده . كما أدى العمل داخل المانيفكتورة الرأسمالية إلى إيجاد فجوة بين العمل العضلي والعمل الذهني إذ أن تخصص العامل في جزء أو مرحلة ما من العمل لا تدع له مجالاً لتطوير إمكانياته في فهم واستيعاب الجوانب الأخرى لعملية إنتاج السلعة كما هو الحال في الإنتاج الحرفي عندما يقوم المنتج الحرفي بإنتاج كامل السلعة .

إلا أنه كان لتقسيم وتخصص العمل في المانيفكتورة دوراً هاماً في تطور القوى المنتجة وزيادة الإنتاج وتطور علاقات السوق . لأن زيادة إنتاجية العمل التي خلقها تقسيم العمل أدى بدوره إلى تطور وسائل الإنتاج وارتفاع الطلب على قوى العمل والسلع المختلفة في السوق . وبالرغم من أهمية هذا الدور إلا أنه بقي محدوداً بالمقارنة مع الدور الذي لعبه الإنتاج الآلي . لأن نظام المانيفكتورة لم يتمكن من السيطرة الكاملة على جميع مجالات الإنتاج في المجتمع نظراً لبقاء العمل اليدوي واستمراره كشكل وحيد من أشكال الإنتاج في نظام المانيفكتورة . لأن العمل اليدوي خلافاً للعمل الآلي لا يفسح المجال كثيراً لتوسع علاقات الإنتاج الرأسمالي . حيث يبقى المجال إلى حد كبير مفتوحاً أمام العمال اليدويين وخاصة المهرة منهم للانتقال من المانيفكتورة إلى العمل الفردي الحرفي المستقل .

إلا أن أهمية نظام المانيفكتورة في تطور النظام الرأسمالي برزت في كونه يمثل مرحلة تمهيدية هامة في عملية الانتقال إلى الإنتاج الآلي . فقد هيأ شروط الانتقال إلى الآلة لأن تقسيم العمل داخل المانيفكتورة إلى مراحل أو أجزاء عملية العمل وكذلك التخصص في استخدام وسائل العمل خلقت الشروط المناسبة والضرورية لاستخدام الآلة . ذلك أن استخدام الآلة يستلزم تخصصاً دقيقاً في العمل أكثر ما تتطلبه شروط العمل اليدوي .

  • الإنتاج الآلي الرأسمالي الكبير :

3-1- طبيعة وسمات الإنتاج الآلي :

بصورة عامة يشكل الانتقال إلى الإنتاج الآلي مرحلة نوعية جديدة في التطور لقد تم اكتشاف الآلة البخارية في القرن السابع عشر . إلا أن استعمال الآلة في عملية الإنتاج بدأ في أواسط القرن الثامن عشر . وكانت إنكلترا قد سبقت غيرها من البلدان الأوروبية الأخرى في الانتقال إلى الإنتاج الآلي . وكان ذلك إيذانا ببدء ما يسمى عادة بالثورة الصناعية . ونتيجة لهذا التطور نشأت شروط موضوعية اقتصادية جديدة تختلف عن تلك التي كانت قائمة في نظام التعاون الرأسمالي البسيط ونظام المانيفكتورة [6].

أولاً – إن اكتشاف الآلة واستعمالها في عملية الإنتاج يشكل بدون شك تطوراً هاماً وجديداً في وسائل العمل لم يسبق له مثيل في الحياة الاقتصادية . فقد احدث ذلك ثورة في الشروط التكنيكية والاقتصادية المحيطة بعملية الإنتاج .

ثانياً – من البديهي أن يخلق الإنتاج الآلي علاقات جديدة بين رأس المال والعمل تختلف عن علاقات الإنتاج التي كانت سائدة في ظل الإنتاج اليدوي . كما ساعد استعمال الآلة على انتشار علاقات الإنتاج الرأسمالي وأصبحت تدريجياً هي العلاقات الاقتصادية السائدة في المجتمع الرأسمالي ، الشيء الذي لم يتمكن من تحقيقه تقسيم العمل اليدوي في نظام المانيفكتورة .

ثالثاً – إلا أن الآلة أخذت تنافس قوة العمل في مجال الإنتاج . فقد أدى استعمالها إلى ظهور البطالة ، وأصبح من الممكن الاستغناء عن قوة العمل كلما حدث تطور جديد في المستوى التقني للآلة . كما أدى ظهور الآلة إلى إفلاس عدد كبير من المنتجين الحرفيين الصغار الذين لم يعد بوسعهم مسايرة الإنتاج الآلي في السوق .

وباختصار كان لاستعمال الآلة أثار عميقة شملت جميع مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية للنظام الرأسمالي . وقد ظهر ولأول مرة المشروع الآلي الذي أصبح الإطار العام لعملية الإنتاج الرأسمالي .

3-2- المشروع الآلي الرأسمالي : 

كما هو معلوم فإن المشروع أو المصنع الآلي يضم عدداً من الآلات يقوم بتشغيلها عدد مناسب من العمال يجمعهم التعاون القائم على تقسيم العمل والتخصص المهني . وقد يكون هذا التعاون بين العمال مقتصراً على عملية إنتاج ذات طبيعة واحدة مثل إنتاج الغزل ويطلق عليه التعاون الآلي البسيط. وأما أن يشمل عمليات إنتاج مختلفة مثل عمليات الغزل والنسيج معاً الذي يعتمد على تشغيل مجموعة متنوعة من الآلات ويطلق على هذا الشكل من التعاون لفظ التعاون الآلي المعقد أو المركب. ويتميز المشروع الآلي عن ورشات العمل اليدوي بعدد من الصفات أهمها:

أولاً: إن شكل التعاون بين عمال المشروع الآلي يمثل مرحلة متطورة قياساً على التعاون في أسلوب التعاون الرأسمالي البسيط وأسلوب المانيفكتورة . كما أن تقسيم العمل يختلف من حيث طبيعته عن تقسيم العمل اليدوي داخل نظام المانيفكتورة .

وكما لاحظنا فإن تقسيم العمل داخل المانفكتورة كان يعتمد على تجزئة الأعمال اليدوية البسيطة وعلى تخصص أدوات العمل اليدوي . أما في الإنتاج الآلي ، فإن تقسيم العمل يجب أن يتكيف مع تقسيم الآلة نفسها . لأن طبيعة العمل الآلي تقوم على تعاون عدد كبير من الآلات . كما أن كل آلة تنقسم عادة إلى أجزاء الآلة . وكل جزء منها يتطلب تخصصاً معيناً في العمل أو بكلمة أخرى فإن طبيعة الآلة هي التي تفرض نوعاً خاصاً من تقسيم العمل بحيث أصبحت قوة العمل خاضعة لمتطلبات العمل الآلي . وبينما كانت أداة العمل اليدوي في الإنتاج تخضع لمتطلبات الإنسان أصبح على الإنسان التكيف مع متطلبات الآلة وخصائصها .

ثانياً : لقد أدت عملية الإنتاج في المشروع الآلي إلى تعميق الهوة بين العمل العضلي والعمل الذهني. وأصبح المشروع يضم عدداً من العمال يتسم عملهم بصورة أساسية بالطابع العضلي إلى جانب فئة أخرى من المهندسين والفنيين المتخصصين بأعمال الإشراف التقني على الآلية .

ثالثاً : إن هذا التخصص والتقسيم بين العمل الذهني والعمل العضلي أدى بدون شك إلى تسهيل عملية العمل . إلا أنه من ناحية أخرى أدى إلى الحد من عملية الإبداع الفردي فقد كان العمل اليدوي قبل ظهور الآلة يتيح الفرصة لإظهار المهارة الفردية في عملية الإنتاج .

رابعاً : خلافاً للعمل اليدوي فإن العمل في المشروع الآلي لا يتطلب عادة قوة جسدية كبيرة . وقد سهل ذلك دخول الطفل والمرأة إلى عملية الإنتاج وقد حقق صاحب رأس المال من جراء ذلك مزايا كثيرة . من أهمها أن تشغيل المرأة والطفل ساعد على تخفيض الأجر . لأنه أصبح بإمكان العائلة الواحدة الاعتماد على دخول أفرادها مجتمعة بدلاً من الاعتماد على دخل فرد واحد كما كان الحال سابقاً . أن مجموع الدخول الفردية للعائلة الواحدة أصبح كافياً لتجديد طاقة عمل أفراد العائلة .

خامساً: لقد فتح المشروع الآلي مجالاً واسعاً لزيادة إنتاجية العمل وآفاقاً جديدة  لتحقيق الربح . ولكن هذا يشترط تكثيفاً شديداً في العمل فقد أصبحت الآلة تشكل دافعاً جديداً لزيادة وقت العمل وتكثيفه حتى يكون بالمستطاع تحقيق أعلى إنتاجية ممكنة واستهلاك قيمة الآلة بأقصى سرعة ممكنة. لأن مشكلة الاستهلاك الأمثل للآلة لم تبرز في السابق عندما كانت وسائل العمل اليدوي تلقى تطوراً بطيئاً . بينما يواجه المشروع الآلي تطوراً سريعاً في مستوى الآلة ويتوجب عليه مسايرة هذا التطور عن طريق الاستهلاك السريع للآلة ومن ثم تستبدل بها آلة جديدة متطورة .

فالاستهلاك السريع للآلة يجنب صاحب رأس المال الكثير من المفاجآت كأن تنخفض قيمة الآلة في السوق أو قد تظهر آلة جديدة ذات إنتاجية أعلى من إنتاجية الآلة القديمة .

ذلك أن استهلاك قيمة الآلة لا يجري دفعة واحدة وإنما على دفعات وخلال سنوات عديدة . ففي كل سنة ينتقل جزء واحد فقط من قيمة الآلة ( 10 % مثلاً ) إلى قيمة السلع الناتجة . وفي الأحوال العادية يعود هذا الجزء إلى صاحب الآلة بعد بيع السلعة الناتجة في السوق .

3-3- حدود استعمال الآلة :

لقد أوضحنا في فقرات سابقة أن الربح هو القانون الاقتصادي الأساسي الذي يحكم حركة رأس المال في النظام الرأسمالي . والربح هو المعيار الأساسي لنشاط رأس المال . وهذا ينطبق أيضاً على استخدام الآلة في عملية الإنتاج . فصاحب رأس المال يلجأ إلى استخدام الآلة بدلاً من وسائل العمل اليدوي لأن ذلك يحقق له مزيداً من الربح . وإذا لم تؤدي الآلة هذه الغاية فلا يكون هناك أي مبرر لاستعمالها في عملية الإنتاج وإن ما يحدد استخدام أية آلة جديدة أكثر تطوراً من الآلة السابقة هو الإمكانية التي يتيحها مثل هذا الاستخدام لتحقيق المزيد من الربح .

إن صاحب رأس المال يجري عادة مفاضلة بين سعر الآلة وسعر قوة العمل ( الأجر ) اللذين يتأثران بعلاقات العرض والطلب من قوة العمل في سوق العمل . فإذا كان العرض من قوة العمل محدوداً والطلب عليها مرتفعاً فإن ذلك يؤدي إلى ارتفاع الأجر وبالعكس . إن صاحب رأس المال يوازن بين تكلفة الآلة وبين تكلفة قوة العمل اللازمة . فإذا وجد أن استخدام آلة جديدة يزيد من حجم الربح فإنه يفضل شراءها ولو أدى إلى بطالة جزء من قوة العمل . وفي جميع الأحوال فإن صاحب رأس المال يبحث باستمرار عن التناسب الأمثل بين عناصر الإنتاج المادية وبين عنصر العمل بهدف تحقيق الحد الأقصى والأمثل من الربح .

ويلاحظ في بعض البلدان الرأسمالية التي تكون فيها الأجور مرتفعة أن المستوى التقني للآلة أعلى منه في البلدان الأخرى . ففي الولايات المتحدة الأمريكية ونظراً لفقدان قوة العمل في السابق واعتمادها على قوة العمل المهاجرة نجد أن المستوى التكنولوجي حقق تقدماً كبيراً لتعويض النقص في قيمة العمل .

3-4- الثورة الصناعية والثورة العلمية التقنية :

بالنسبة للتطور التاريخي للإنتاج الآلي يجري عادة التمييز بين مرحلتين . الأولى هي مرحلة الثورة الصناعية التي بدأت في القرن الثامن عشر . والثانية هي المرحلة الحالية التي يشهدها التطور التكنولوجي في البلدان المتطورة والتي يطلق عليها لفظ الثورة التقنية العلمية .

لقد بدأت الثورة الصناعية في إنكلترا ويرجع ذلك إلى عوامل موضوعية تتعلق بخصائص التطور التاريخي لإنكلترا ومن أهم هذه العوامل :

أولاً : انهيار الاقتصاد الإقطاعي بصورة مبكرة ، إذ سبق انهيار الإقطاع في إنكلترا انهياره في البلدان الأوربية الأخرى . وكان هذا النظام الذي يقوم أساساً على الاقتصاد الطبيعي والاكتفاء الذاتي يشكل عقبة رئيسية أمام الاقتصاد السلعي الرأسمالي الذي يتطلب توسعاً في علاقات التبادل لعلاقات السوق الداخلي والخارجي .

ثانياً : توفر قوة العمل في السوق ، فكان ذلك نتيجة طبيعية لتفتت علاقات الإقطاع وتحرير اليد العاملة في الريف وكانت اليد العاملة الريفية مصدراً أساسياً من مصادر قوة العمل في النظام الرأسمالي .

ثالثاً : مستوى التراكم النقدي نتيجة التوسع في مجال التجارة الخارجية بصورة أساسية فقد أحكمت إنكلترا سيطرتها على السوق الخارجية العالمية وحققت من وراء السيطرة والتجارة الاستعمارية أرباحاً طائلة كانت مصدراً أساسياً من مصادر التراكم النقدي فيها .

لقد بدأت الثورة الصناعية في مجال الصناعة النسيجية والغزلية نتيجة ارتفاع الطلب على هذه المنتجات في السوق الداخلي والخارجي . كما أدى تطور الآلة إلى تحسين وسائل النقل والاتصال الداخلي والخارجي معاً وبالتالي إلى توسع وامتداد السوق . وتدريجياً بدأ انتشار الآلة في الدول الأوروبية الأخرى وخاصة في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وروسيا التي بدأت طريق التطور نحو الرأسمالية .

وفي الوقت الحاضر تشهد الدول الرأسمالية وغيرها من الدول المتطورة ثورة صناعية علمية جديدة . إن الثورة العلمية الحالية تفتح أفاقاً جديدة أمام التطور الاقتصادي العالمي . إن الأتمتة ستسهم في حل الكثير من الصعوبات الاقتصادية القائمة في مجال الطاقة وتنمية الموارد الطبيعية . كما بإمكانها أن تسهم في تجاوز الحدود الطبيعية الفيزيولوجية والذهنية لقوة العمل .

إن التطور التكنولوجي الحديث والثورة العلمية يحدثان تغيرات هامة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتثير في نفس الوقت الكثير من المسائل النظرية أمام علم الاقتصاد. وتجري في هذا المجال حالياً محاولات جادة لتفسير هذه الظواهر الجديدة وتأثيرها على احتمالات التطور الاقتصادي والاجتماعي المقبل .

  • أشكال رأس المال :

            4-1- رأس المال الصناعي :

هو أهم أشكال رأس المال في الاقتصاد الرأسمالي ، وتنبثق أهمية رأس المال الصناعي من إنجازه عملية الإنتاج المادي وبصورة خاصة في قطاع الصناعة . وهو بذلك يختلف عن رأس المال التجاري أو التسليفي اللذين يتخصصان في مجال التداول ومن الوجهة التاريخية يعد رأس المال التجاري والربوي أقدم من رأس المال الصناعي ، إلا أن رأس المال الصناعي أضحى وبعد ظهور الإنتاج الآلي على وجه الخصوص أهم أشكال رأس المال بحيث يمكن القول بأن بقية أشكال رأس المال أصبحت تابعة بشكل أو آخر لرأس المال الصناعي . وفي الفقرات السابقة أوضحنا المراحل التي مرت بها عملية الإنتاج الرأسمالي . وتشكل مرحلة الانتقال إلى الإنتاج الآلي بدون شك أهم مراحل تطور النظام الرأسمالي وتطور علاقات الإنتاج للرأسمالي . وقد كان لرأس المال الصناعي دور أساسي في هذا التطور وكان تطور علاقات الإنتاج الرأسمالي يعتمد أساساً على الأشكال والمراحل التي اتخذها تطور رأس المال الصناعي .

 4-2- رأس المال التجاري :

أشرنا في البحث الخاص بنظام الرق إلى الظروف التي أحاطت بنشوء رأس المال التجاري ورأس المال الربوي في مرحلة اتسمت باتساع مجال التبادل السلعي وازدياد دور النقد في الحياة الاقتصادية وفيما بعد ازدادت أهمية رأس المال التجاري والربوي في الاقتصاد الإقطاعي كنتيجة طبيعية لازدياد الإنتاج والتبادل. وفي الأساس فقد كان ظهور رأس المال التجاري مرتبطاً بانفصال عملية التبادل عن عملية الإنتاج. فبعد أن كان التبادل يتم مباشرة بين المنتجيــن (المقايضة)  فإن صعوبة التبادل فيما بعد والناشئة عن ازدياد عدد المنتجين وتبعثرهم أدى إلى ضرورة وجود فئة وسيطة من التجار متخصصة بعمليات التبادل أي شراء وبيع السلع في السوق .

إن الاقتصاد الرأسمالي كما هو معروف اقتصاد تبادلي . ومن الطبيعي أن يكون للتبادل فيه أهمية اقتصادية خاصة هي أكبر بكثير من مكانة التبادل في الاقتصاديات السابقة للرأسمالية .

وبالنسبة لدور ووظيفة رأس المال التجاري في الاقتصاد الرأسمالي فمن الممكن التمييز بين مرحلتين . في المرحلة الأولى لنشوء الاقتصاد الرأسمالي لم يكن لرأس المال التجاري دور أساسي في عملية التبادل في السوق . وهذا يقود إلى أن رأس المال الصناعي كان يقوم بعملية الإنتاج والتداول في السوق معاً . ذلك لأن السوق في تلك المرحلة كان ضيقاً بسبب الضآلة النسبية للإنتاج وبالتالي كمية السلع الخاضعة للتداول .

في المرحلة الثانية ومع تطور الإنتاج الآلي وزيادة الإنتاج السلعي الكبير اتسعت عملية التبادل في السوق مما أدى إلى ضرورة انفصال عملية الإنتاج عن عملية التداول وأصبح رأس المال الصناعي متخصصاً في عملية الإنتاج بينما عهد إلى رأس المال التجاري مهمة القيام بعملية التداول في السوق .

وقد تميزت هذه المرحلة بالذات بتعدد مراكز الإنتاج واتساع التخصص والتنوع في إنتاج السلع كما تباينت الفترات الزمنية بين فترات الإنتاج وفترات الاستهلاك . فقد تستمر المصانع في إنتاج سلعة ما طوال السنة بينما يكون الطلب على استهلاكها منحصراً في فصل واحد من فصول السنة ( كإنتاج الألبسة الشتوية مثلاً ) كما تباعدت مراكز الإنتاج عن مراكز الاستهلاك نتيجة تبعثر المستهلكين بعد أن اتسعت المدن اتساعاً كبيراً . واتسعت علاقات السوق الداخلي والخارجي في آن واحد، كل هذه الظروف اقتضت  أن يكون لرأس المال التجاري دوراً هاماً في عمليات نقل السلعة وتخزينها وحفظها للوقت المناسب لبيعها في  السوق .

لقد اتخذت الوساطة التي يقوم بها رأس  المال  التجاري أشكالاً  مختلفة . وتعددت الحلقات الوسيطة بين مركز إنتاج السلعة وبين مراكز البيع النهائي . وفي هذا الصدد يمكن أن نشير إلى تجارة الجملة وتجارة للفرق . أو التجزئة  كمراحل وسيطة في  عملية تداول  السلعة . فقد تخصصت بعض رؤوس الأموال  التجارية بتجارة الجملة وهي التي تقوم بدور الوسيط بين مراكز الإنتاج ومراكز بيع السلعة كما تخصصت رؤوس أموال  تجارية أخرى بعملية التجارة بالمفرق . أي إيصال  السلعة إلى المستهلك النهائي .

  • رأس المال  التسليفي :

يتعامل هذا النوع من أنواع رأس  المال بالنقد. ويحصل مالك النقد مقابل  التسليف على عائد يسمى بالفائدة. وكان رأس المال الربوي قد ظهر ولأول مرة في  اقتصاد الرق. إلا أن رأس  المال التسليفي الذي نشأ مع ظهور الرأسمالية حل مكان رأس المال الربوي وأصبح جزءاً أساسياً من رأس  المال الاجتماعي .

من البديهي أن يكون للنقد في الاقتصاد الرأسمالي  السلعي – النقدي دور تميز وأكثر فعالية منه في الاقتصاديات السابقة الرأسمالية . وعادة لا يقوم صاحب رأس  المال  التسليفي بنفسه بتوظيف النقد في استثمارها . وإنما يمنح هذا الحق لأصحاب رؤوس الأموال  الصناعية والتجارية مقابل  معدل معين من الفائدة .

ويقوم النظام المصرفي  حالياً بإنجاز وظائف رأس  المال  التسليفي والإشراف  على الحركة النقدية وتوجيهها  وفق متطلبات السياسة المصرفية المقررة . إن الأجهزة  المصرفية لا تعتمد عادة على رؤوس أموالها الخاصة في منح القروض وإنما تعتمد على الأموال الفائضة عن حاجة المجتمع خلال فترة ما من الزمن . وتتكون الأموال  الفائضة عادة  من النقد غير الموظف  في مجال  الاستثمار أو الاستهلاك . ويرجع وجود مثل هذه  النقود إلى التفاوت الزمني بين عملية الشراء وعمليات البيع أو إلى وجود أقساط  استهلاك رأس  المال  الثابت كأقساط استهلاك الآلة المتراكمة  حتى يحين وقت استبدال  الآلة. أو قد تكون نتيجة الادخارات التي يودعها بعض الأفراد في  المصارف .

إن المصارف  تقوم بتوظيف  هذه النقود الحرة  لفترة معينة وذلك في منح القروض  مقابل  الفائدة. وقد تكون هذه القروض قصيرة لأجل تمنح  لفترة وجيزة أو متوسطة  الأجل أو طويلة الأجل. كما أصبح خصم السندات والكمبيالات وغيرها من الأدوات  التجارية إحدى الوظائف الأساسية للأجهزة المصرفية .

لقد مرت أشكال رأس  المال في مراحل مختلفة من التطور . إلا أن ما يميز مرحلة الاحتكار الحالية هو التعاون والترابط  الوثيق فيما بين أشكال رؤوس الأموال  المختلفة بحيث  لا يجوز الفصل بين رأس المال الصناعي  الذي ما يزال أهم أشكال رأس  المال وبين رأس  المال التجاري  والتسليفي .

البحث السادس

الأجر في النظام الرأسمالي

  • تمهيـــــــد :

في  الفصول  السابقة أشرنا أكثر من مرة إلى أن هناك شرطاً أساسياً يجب  أن يتوفر  حتى يمكن تحقيق الإنتاج الرأسمالي أو عملية تجديد الإنتاج الرأسمالي وهو  وجود قوة العمل وذلك بالإضافة إلى ضرورة توفر وسائل الإنتاج المختلفة ( البناء والآلات والمواد الأولية وغيرها ) في  السوق .

إذن لا بد من وجود أناس يعرضون قوة عملهم للبيع في  سوق  العمل مقابل  ما يسمى بأجر العمل . والأجر كإحدى الظواهر الاقتصادية للنظام الرأسمالي يعبر  من حيث  المحتوى عن علاقة اجتماعية بين من يملك رأس  المال من جهة وبين من  يملك قوة العمل من جهة أخرى .

والأجر كغيره من العلاقات الاقتصادية يحتاج للبحث والتحليل بهدف الكشف عن القوانين التي يخضع لها في ظل الاقتصاد الرأسمالي . إن دراسة نظام الأجور في  النظام الرأسمالي يعد من المواضيع الهامة التي تعرض  لها علم الاقتصاد.  وقد  ظهرت نظريات متعددة حول موضوع الأجر . وهذه النظريات تختلف أيضاً في تفسيرها لمحتوى وجوهر الأجر الذي اتخذ أشكالاً مختلفة في النظام الرأسمالي .

  • أشـــــــكال الأجر :

لقد اتخذ الأجر في النظام الرأسمالي منذ نشوئه أشكالاً مختلفة. ويرجع تعدد أشكال الأجر إلى أسباب واعتبارات شتى ترتبط بطبيعة المراحل التاريخية للاقتصاد  الرأسمالي وظروفها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية .  والفقرات القادمة تبحث في الأشكال الأساسية للآجر في النظام الرأسمالي

  • 1- أجر الوقت :

حسب هذا الشكل يعد الوقت الذي يستغرقه عمل العامل مقياساً لتحديد الأجر ويشكل معدل أجر الساعة الواحدة والذي يرمز إليه عادة بسعر العمل وحدة قياس الأجر . وتتخذ وحدة قياس الأجر أساساً لحساب الأجر اليومي أو الأسبوعي أو الشهري ، حيث يكون أجر العامل في  اليوم أو الأسبوع أو الشهر عبارة عن سعر العمل ( سعر ساعة العمل الواحدة ) مضروباً بعدد ساعات العمل اليومي أو الأسبوعي فإذا كان سعر العمل أو سعر ساعة العمل الواحدة نصف دولار فإن أجر العامل اليومي يكون أربعة دولارات إذا بلغت ساعات العمل اليومي ثماني ساعات في اليوم الواحد .

إن نظام الوقت القائم على أساس أجر الساعة الواحدة يحقق لصاحب رأس المال عدة مزايا منها :

أولا –  إطالة ساعات العمل اليومي :

يمكن إطالة ساعات العمل اليومي  عن طريق إنقاص سعر العمل في الساعة الواحدة . ففي هذه الحالة قد يقبل العامل بإطالة ساعات العمل اليومي وذلك من أجل زيادة مقدار الأجر اليومي الضروري لتحديد قوة عمله اليومية والإنفاق على أفراد عائلته . فإذا تحدد سعر ساعة العمل الواحدة أربعين سنتاً بدلاً من خمسين سنتاً ففي هذه الحالة فإن  على العامل أن يقوم بعشر ساعات عمل في اليوم بدلاً من ثماني ساعات حتى  يتمكن  من المحافظة على مقدار الأجر اليومي الضروري وهو يعادل حسب الافتراض أربعة  دولارات في اليوم الواحد .

وحتى إذا افترضنا أن سعر ساعة العمل الواحدة بقي على حاله دون تغيير ( خمسين سنتاً حسب المثال السابق )  فإن ساعات العمل اليومية قد ترتفع من ثماني  ساعات إلى عشر ساعات ، وعندها يحصل العامل على ما يسمى بأجر العمل الإضافي  إن ما يحصل عليه العامل من أجر إضافي قدره (50 سنت ×2 ساعتين = 1 دولار واحد ) لا يعادل ما يفقد من الطاقة المبذولة في الساعات الأخيرة من العمل ، لأن  الساعات الأخيرة من العمل تتطلب تكثيفاً لطاقة العمل وبجهد العامل أكبر مما تتطلبه  ساعات العمل الأولى . لأن قوة العمل تستهلك تدريجياً خلال العمل .

ثانياً –  تحقيق  المرونة التي تتطلبها مقتضيات الإنتاج :

إن تحديد الأجر على أساس الساعة الواحدة يتيح إمكانية تحقيق المرونة في  الإنتاج التي تتطلبها شروط العرض والطلب في السوق . إذ باستطاعة صاحب رأس المال أن يقلل من ساعات العمل اليومي أو الأسبوعي إذا تقلص الطلب على السلعة في السوق في فترة ما من الزمن . وفي مثل هذه الحالات لا يحصل  العامل على نفس الأجر  طالما أن سعر ساعة العمل هو مقياس الأجر وليس سعر العمل اليومي أو الأسبوعي الثابت . لأن مقدار الأجر يتوقف على عدد ساعات العمل الفعلي .

ثالثا –  تكثيف  العمل :

إذ أن تحديد سعر ساعة العمل الواحدة كمقياس لحساب الأجر اليومي أو الأسبوعي أو الشهري  يتيح الفرصة لتكثيف العمل . فقد يلجأ صاحب رأس  المال أحياناً إلى  تخفيض ساعات العمل اليومي لأسباب لا تتعلق بتحقيق المرونة المطلوبة في الإنتاج  وإنما يكون هذا التخفيض بهدف تحقيق تكثيف العمل . حيث أن تخفيض ساعات  العمل اليومي يساعد في المحافظة على طاقة العمل لفترة قصيرة . وخلال هذه الفترة  القصيرة من العمل يكون العامل في حالة من النشاط الجسدي والذهني تساعده على  تكثيف العمل وتركيز الجهد الذي ينعكس في النهاية في زيادة إنتاجية العمل خلال  وحدة الزمن أي زيادة عدد الوحدات المنتجة من السلع خلال الساعة الواحدة .

إلا أن نظام أجر الوقت لا يعطي العامل أي حافز مادي لزيادة إنتاجية العمل إلى أقصى حد ممكن لأن الأجر يتحدد وفق سعر ساعة العمل الواحدة . ولذلك لا بد من  اللجوء إلى استخدام نظام دقيق للرقابة على العمل بهدف الاستغلال الكامل لوقت العمل . كما يقوم صاحب رأس المال بمنح مكافآت إضافية للعمال المهرة الذين  يحققون معدلات عالية في إنتاجية العمل . ولكن مهما يكن الأمر فقد يرى صاحب  رأس المال أنه من الأفضل في بعض الظروف التخلي عن نظام أجر الوقت واستبداله بشكل آخر وهو شكل أجر القطعة .

  • أجر القطعة :

حسب هذا الشكل من أشكال الأجور فإن مقدار الأجر اليومي أو الأسبوعي  يتحدد على أساس كمية أو عدد  القطع المنتجة التي يحققها العامل أو يتوقف على عدد  المراحل التي ينجزها العامل في عملية الإنتاج . إذ خلافاً لشكل أجر الوقت فإن الأجر  الذي يحصل عليه العامل لا يتحدد وفقاً لسعر ساعة العمل كوحدة القياس الأجر وإنما  يرتبط تحديده بعدد الوحدات السلعية المنتجة أو يعدد مراحل محددة من العمليات  الإنتاجية خلال فترة ما من الزمن .

فإذا كان سعر ساعة العمل مضروباً بعدد ساعات العمل هو الذي يحدد بالنتيجة  مقدار الأجر اليومي أو الأسبوعي حسب نظام أجر الوقت فإن الأجر يختلف عند  حسابه وفقاً لنظام أجر القطعة ، إذ أن وحدة القياس حسب نظام أجر القطعة هي  معدل أجر القطعة الواحدة . ويتحدد هذا المعدل عادة وفقاً لمعايير ومقاييس فنية  تحدد بالتالي عدد القطع أو السلع الواجب إنتاجها خلال وحدة الزمن .

ويمكن الاستنتاج بأن شكل أجر القطعة ما هو إلا عبارة عن مقياس ظاهري لتحديد الأجر اليومي أو الأسبوعي أو الشهري . حيث تبقى وحدة الزمن هي المقياس الأساسي والجوهري لحساب وتحديد الأجر . ذلك لأن إنتاج القطعة الواحدة يجسد كمية  من الزمن اللازم بنتاجها . وأن معايير إنتاج القطعة تتحدد بالزمن الذي يستغرقه إنتاج هذه القطعة كأن تقول إن قطعة ما تحتاج إلى نصف ساعة لإنتاجها.  وباختصار يمكن القول بأن أجر القطعة ما هو إلا شكل معدل لأجر الوقت . فإذا كان  أجر الوقت لا يربط بين الوحدة الزمنية ( الساعة ) وبين عدد القطع أو الوحدات  الناتجة فإن نظام أجر القطعة يربط بين عدد القطع أو الوحدات المنتجة وبين الزمن الذي يتطلبه إنتاج هذه القطع أو الوحدات .

إلا أن معدل أجر القطعة لا يبقى ثابتاً ، ويخضع  تغير هذا المعدل لعاملين أولهما  زيادة إنتاجية العمل أي زيادة عدد الوحدات أو القطع الناتجة خلال الساعة الواحدة  وذلك عن طريق إدخال وسائل تكنيكية حديثة على عملية الإنتاج وثانيهما تكثيف  العمل إلى أقصى حد ممكن أي تكثيف وتركيز طاقة العمل بهدف زيادة عدد القطع  المنتجة ضمن ظروف الإنتاج القائمة دون إدخال وسائل حديثة ، أي العمل على  استغلال الطاقة الإنتاجية للآلة إلى أقصى حد ممكن .

أولاً –  سهولة الرقابة :

إذ أن وضع معايير للعمل يتحدد بموجبها عدد القطع الواجب إنتاجها خلال وحدة ما من الزمن يسهل عملية الرقابة على كمية ونوعية المنتجات التي يحققها العامل في عملية الإنتاج ، حيث لا تخضع الرقابة إلى الأسلوب العشوائي وإنما تتم في مثل هذه الحالة بالمقارنة مع المقاييس الإنتاجية المحددة .

ثانيا – ربط الأجر بالإنتــــــاج :

ففي نظام أجر  القطعة لا يدفع الأجر مقابل أي جهد من العمل ما عدا الجهد  أو العمل الذي يحقق المقاييس التي يحددها صاحب العمل . فإذا افترضنا على سبيل  المثال أن معيار إنتاج القطعة الواحدة ستون دقيقة وأن معدل أجر القطعة الواحدة  نصف دولار ، فلو استغرق عامل ما في إنتاج هذه القطعة وقتاً يفوق المعيار الزمني المحدد وكان على سبيل المثال ثمانين دقيقة ، فلا يتقاضى هذا العامل أي أجر إضافي  مقابل الجهد الإضافي الذي بذله خلال  العشرين دقيقة الأخيرة . وبذلك تصبح الغاية  من اللجوء إلى استخدام نظام أجر القطعة أكثر وضوحاً إذ أن استخدام هذا الأسلوب يحث العامل على التقيد بمعايير العمل المحدد ويدفعه إلى تكثيف العمل وبذل أقصى  طاقته حتى يحقق إنتاج عدد القطع المطلوبة ويضمن بالتالي الأجر الضروري لتجديد  قوة عمله .

إن لكل من شكل أجر الوقت وأجر القطعة مزاياه ومساوئه بالنسبة لصاحب رأس المال . فإذا كان نظام أجر الوقت بالرغم من مزاياه يفتقر إلى مزية ربط الأجر  بالإنتاج فأن إحدى مساوئ نظام أجر القطعة هي صعوبة تغيير معايير نتائج العمل  بين فترة وأخرى إذ أن مثل هذا التغيير يستلزم دراسة فنية دقيقة فضلاً عن الانعكاسات  السلبية التي يسببها تخفيض أجر القطعة الواحدة في أوساط العاملين وقد يصطدم أي  تخفيض في معدل أجر القطعة الواحدة بمعارضة عمالية يصعب معها إجراء أي تغيير في المعدل المقرر للقطعة الواحدة .

إذن يتوقف تطبيق كل من نظام أجر الوقت ونظام أجر القطعة على الكثير من  الاعتبارات الاقتصادية والفنية والسياسية. ومن هذه الاعتبارات تطور المستوى التكتيكي وانعكاسه على الأجور ومنها أيضاً الدور الذي تلعبه النقابات العمالية  في  تحديد الأجر في النظام الرأسمالي.

ومن الوجهة التاريخية كان استخدام نظام أجر الوقت ممكناً في المراحل الأولى المبكرة في تاريخ النظام الرأسمالي . ففي هذه المراحل كان العمل اليدوي هو الشكل الشائع في عملية الإنتاج . ونتيجة لاستخدام العمل اليدوي لم تكن إنتاجية العمل  مرتفعة بحيث تتطلب وضع معايير دقيقة لعدد القطع الواجب إنتاجها . ومن أجل ذلك  كان تطبيق نظام أجر الوقت ممكناً . وفي مرحلة متقدمة من الإنتاج ومع دخول الآلة بصورة  خاصة إلى عملية الإنتاج ، أصبح استخدام أجر القطعة ضرورياً نظراً للاهتمام  بزيادة إنتاجية الآلة واستغلالها استغلالاً كاملاً .

في الظروف  الحالية التي تحيط بعملية الإنتاج في النظام الرأسمالي والتي تتميز بإحداث ثورة علمية – تقنية في أساليب وطرق الإنتاج عن طريق استخدام الآلات الأوتوماتيكية وغيرها من الأساليب التكنولوجية الحديثة ، في مثل هذه الظروف  الجديدة فإن إنتاج أكبر كمية ممكنة من السلع يرتبط مباشرة بسرعة العمل الآلي في  إنجاز العمليات الإنتاجية المختلفة . وفضلاً عن ذلك فإن أولى النتائج المترتبة على إدخال تغييرات مستمرة في الأساليب  التكنولوجية هي الزيادة المستمرة في إنتاجية العمل. وفي ظل هذه الظروف  المتغيرة باستمرار يصبح من الصعوبة بمكان وضع  معايير ثابتة ودقيقة لعدد القطع أو السلع الواجب إنتاجها خلال وحدة الزمن . أضف إلى ذلك تضاؤل دور العمل الجسدي في عملية الإنتاج . كل هذه العوامل تجعل من استخدام نظام أجر القطعة أمراً في غاية الصعوبة . ويصبح نظام أجر الوقت أكثر  ملاءمة منه في ظل هذه الظروف . ففي الولايات المتحدة تتقاضى نسبة كبيرة من العمال  الجر على أساس أجر الوقت . ويتضاءل استخدام نظام أجر القطعة في  الفروع الإنتاجية التي تلجأ إلى إدخال الوسائل  التقنية الحديثة على عملية الإنتاج .

-الأجر الاسمي والأجر الحقيقي وعوامل تغيير أجر العامل

  • الأجر الاسمي والأجر الحقيقي :

تضمنت الفقرات السابقة دراسة أشكال الأجر . وهذه الدراسة أوضحت مختلف الأسس التي تتخذ في تحديد الأجر في النظام الرأسمالي . كما أصبح واضحاً أن الهدف الأساسي من تغير أشكال الأجر والانتقال من شكل إلى آخر هو تكثيف العمل وزيادة إنتاجية العمل إلى أعلى مستوى تسمح به ظروف الإنتاج.

ولكن مهما اختلف  شكل الأجر سواء أكان على أساس الوقت أم القطعة أم غيرها فإننا في جميع الأحوال يجب أن نميز بين نوعين من الأجر ([7]).

الأول : –  الأجر الاسمي :

وهو  يمثل  الأجر  النقدي أو كمية النقود التي يحصل عليها العامل ويطلق عليه  أحياناً بالأجر النقدي الاسمي .

الثاني –  الأجــــر  الحقيقي :

أما الأجر  الحقيقي فهو يمثل كمية ونوعية السلع والخدمات  استهلاكية المختلفة التي يتمكن العامل من الحصول عليها عندما يقوم بعملية تحويل الأجر النقدي إلى سلع وخدمات ضرورية في السوق . وأن كمية ونوعية السلع والخدمات التي يحصل عليها العامل هي التي تحدد المستوى المعيشي الحقيقي وتحدد الظروف المختلفة التي يتم فيها تجديد قوة العمل .

ويمكن الإشارة أيضاً إلى أنه في  المراحل الأولى من تطور النظام الرأسمالي انتشر وبدرجات متفاوتة ما يسمى بالأجر  الطبيعي ، وحسب الأجر الطبيعي فإن العامل لا يحصل على كامل أجره على شكل نقدي . فقد كان يدفع القسم الأول على شكل  نقدي والقسم الثاني على شكل سلع مختلفة . وقد ظل الأجر الطبيعي قائماً في روسيا  حتى عام 1910حيث كان يدفع 1/10

من أجر العامل على شكل سلع استهلاكية.  وكانت تقوم بهذه المهمة  محلات تجارية تابعة مباشرة للمؤسسات الصناعية . وكانت هذه المحلات هي التي تحدد سعر ونوعية هذه السلع . وتدريجياً اختفى الشكل الطبيعي للأجر في  الدول الرأسمالية . وأصبح الأجر النقدي هو الشكل الشائع للأجر في هذه الدول.

بعد تقسيم الجر إلى نوعين . الأجر النقدي والجر الحقيقي يصبح بديهياً القول بأنه لا يجوز النظر إلى مستوى الأجر من زاوية الأجر النقدي  الذي يتقاضاه العامل .  لكن ما هو أهم من الأجر الاسمي هو الأجر الحقيقي أي القيمة الحقيقية التي يمثلها الأجر النقدي والتي تتمثل في كمية ونوعية السلع والخدمات التي يحصل عليها العامل مقابل الأجر النقدي في السوق .

إن تحليل  العلاقة القائمة بين الأجر الاسمي النقدي وبين الأجر الحقيقي  يقودنا إلى الكشف عن وجود علاقة غير ثابتة وغير متوازية بين نوعي الأجر الاسمي والحقيقي إذ أن هذه العلاقة بين الأجر النقدي والجر الحقيقي تظهر بأشكال مختلفة .

الأول: زيادة الأجر الاسمي النقدي مع بقاء أسعار السلع استهلاكية  ثابتة في السوق ففي هذه الحالة يمكن القول أن هناك زيادة في الأجر الحقيقي لأن العامل يستطيع الحصول على كمية أكبر من السلع والخدمات نتيجة زيادة الأجر النقدي مع ثبات  السعار في السوق .

الثاني:  زيادة اجر اسمي النقدي بنسبة أقل من زيادة الجر الحقيقي . فلو ارتفع الأجر الاسمي النقدي بنسبة 5 %  وارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية في السوق إلى 10% ففي في مثل هذه الحالة انخفاض في مستوى الأجر الحقيقي . ذلك لأن الزيادة  في أسعار السلع الاستهلاكية تكون في هذه الحالة أكبر من الزيادة النسبية في الأجر الاسمي . أي أنه بالرغم من ارتفاع الجر الاسمي النقدي فإن العامل سيحصل على  كمية أقل من السلع والخدمات .

الثالث: زيادة الأجر الاسمي النقدي بنسبة متوازية مع زيادة الأجر الحقيقي . فلو ارتفع  الأجر الاسمي النقدي بنسبة 5% . وبالمقابل ارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية بنفس النسبة أي 5% فإن العامل يحافظ في هذه الحالة على مستوى الأجر الحقيقي بالرغم  من زيادة الأجر الاسمي وذلك نظراً لارتفاع الأسعار بنفس نسبة زيادة الجر الاسمي .

وهكذا يصبح من البديهي عند دراسة وتحديد العلاقة بين الأجر الاسمي النقدي وبين الأجر الحقيقي أن نأخذ بالاعتبار العوامل التالية .

العامل الأول: وهو كمية النقد التي يحصل عليها العامل والتي تمثل مستوى الأجر الاسمي النقدي .

العامل  الثاني :            مستوى أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية الضرورية لتجديد قوة العمل ولحياة عائلة العامل . لأن ارتفاع أو انخفاض أسعار هذه السلع والخدمات هي التي تحدد المستوى المعاشي للعامل وعائلته ، ليصبح بالتالي من  الخطأ النظر إلى مستوى الأجر من زاوية الأجر الاسمي النقدي فقط .

العامل الثالث : معدل أو نسبة الضرائب والرسوم المباشرة وغير المباشرة التي تؤدي إلى تخفيض  الرواتب والأجور. فمن المعلوم أن شكل الضريبة المباشرة يكون على شكل اقتطاع مباشر من الرواتب والأجور بنسبة  قد تختلف بين حين وآخر كأن نقول مثلاً أن  نسبة الضريبة المباشرة على دخل الرواتب والأجور هي 10% من القيمة الكلية للأجر  كما قد تفرض الضرائب والرسوم بصورة غير مباشرة مثلاُ فرض ضريبة أو رسم على أسعار بعض السلع الاستهلاكية (  كالرسوم المفروضة على السكر أو غيره ). وهذه الأشكال الضريبية المباشرة وغير المباشرة تؤدي إلى تخفيض الأجر النقدي والجر الحقيقي وتتحول إلى شكل من أشكال إيرادات الميزانية العامة للدولة .

إن هذه العوامل مجتمعة هي التي تحدد مستوى الدخل الحقيقي  والفعلي . ولتوضيح العلاقة بين هذه العوامل نفترض ، على سبيل المثال ، أن الأجر النقدي في فترة ما بلغ –500- دولار وبلغت الضرائب المباشرة والحسميات الأخرى مثل حسميات  التأمين الاجتماعي والصحي – 100- دولار فإن الأجر النقدي الصافي يصبح في هذه  الحالة – 400- دولار ، وهو الدخل أو الأجر الصافي الذي يتصرف به العامل في  شراء السلع والخدمات الضرورية في السوق . وباختصار فإن كمية ونوعية السلع والخدمات التي يحصل عليها العامل في السوق هي التي تحدد المستوى المعيشي للعامل  أو بكلمة أخرى هي التي تحدد الدخل الحقيقي . فلو افترضنا أن تغيراً ما حدث في  مستوى الأجر النقدي بحيث ارتفع بنسبة 10% فإن الدخل النقدي يصبح في هذه الحالة –550- دولار . فإذا بقيت العوامل الأخرى على حالها أي دون تغير في مستوى  السعار ونسب الضرائب فلا شك أن العامل يستطيع في هذه الحالة شراء كمية أكبر  من السلع والخدمات في السوق مما يؤدي إلى ارتفاع في مستوى الأجر أو الدخل  الحقيقي . أما إذا رافقت هذه الزيادة في الدخل النقدي زيادة أكبر منها في أسعار  السلع والخدمات أو زيادة جديدة في النسب الضريبية بحيث بلغت نسبة ارتفاع الأسعار  15%  فإن العامل لا يتمكن من الحصول على نفس الكمية السابقة من السلع والخدمات ، مما يؤدي إلى انخفاض في مستوى الدخل أو الأجر الحقيقي وذلك بالرغم من ارتفاع الأجر الاسمي النقدي . أما إذا ارتفعت الأسعار والضرائب بنفس نسبة الزيادة في الأجر الاسمي النقدي فإن العامل في هذه الحالة سيحافظ على المستوى السابق للدخل الحقيقي .

إن ظاهرة التضخم المتمثلة في ارتفاع أسعار السلع والخدمات تؤثر بدون شك تأثيراً سلبياً على مستوى الدخل الفردي  الحقيقي فيما لو كانت معدلات زيادة التضخم  أي معدلات زيادة أسعار السلع والخدمات أعلى من زيادة معدلات ارتفاع الأجر  الاسمي النقدي . أما إذا تعادلت معدلات زيادة التضخم مع معدلات زيادة الأجر النقدي اسمي فلا يحدث عندئذ أي تغير في مستوى الدخل الحقيقي. كما أن زيادة  الدخل النقدي الاسمي وفق معدلات أعلى من زيادة معدلات التضخم ستؤدي إلى  ارتفاع في مستوى الدخل الحقيقي .

  • العوامل الأساسية في تغير قيمة ومستوى أجر العمل :

بعد أن ميزنا بين مفهوم الأجر الاسمي النقدي ومفهوم الأجر الحقيقي وأوضحنا العلاقة المتبادلة بينهما لا بد من البحث في العوامل المختلفة التي تؤدي إلى تغير في مستوى وقيمة أجر العمل . إذ يلاحظ في الحياة العملية أن أجر العمل لا يبقى ثابتاً وإنما يتغير  باستمرار بفعل الكثير من العوامل . فإذا كانت الغاية النهائية من استخدام أجر العمل هي تجديد طاقة وقوة العمل فإن تحقيق هذه الغاية لا يتم في ظروف اقتصادية ثابتة لأن هذه الظروف خاضعة لمجموعة من التغيرات في المستوى والتطور الاقتصادي . وطالما أن الظروف والعلاقات الاقتصادية في تغير ديناميكي مستمر فإن مقدار وقيمة أجر  العمل كإحدى الظواهر والعلاقات الاقتصادية لا يبقى بالتالي في حالة الثبات وإنما في حالة التغير المستمر . فقد يزداد أو ينقص مقدار أجر العمل . إذن لا بد من معرفة  العوامل التي تؤدي إلى مثل هذا التغير في أجر العمل . وفي الواقع هناك عوامل متعددة ذات تأثير مختلف على تغير مستوى أجر العمل . ومن هذه العوامل ما يساعد على  تخفيض أجر العمل ومنها ما يستلزم زيادة أجر العمل وهذه العوامل هي :

آ –  عوامل انخفاض أجر العمل :

يرجع هذا العامل بصورة أساسية إلى زيادة إنتاجية العمل . وبعد زيادة إنتاجية العمل أي العامل الرئيسي الذي يساعد على تخفيض الأجر النقدي الضروري لتجديد قوة العمل . فقد أشرنا مراراً إلى أن زيادة إنتاجية العمل تعني زيادة  السلع المنتجة خلال وحدة الزمن وهي الساعة الواحدة . فلو افترضنا أن إنتاجية العمل كانت وحدتين من السلع في الساعة الواحدة ثم تضاعفت نتيجة لتحسين شروط الإنتاج كإدخال وسائل حديثة  على عملية الإنتاج بحيث أصبح عدد الوحدات المنتجة خلال  الساعة الواحدة أربع وحدات بدلاً من وحدتين ، فإن إنتاجية العمل تكون قد تضاعفت  وفي حالة تضاعف إنتاجية العمل على هذا الشكل فإن إنتاج الوحدة الواحدة يتم خلال ربع ساعة بدلاً من نصف ساعة ، وهكذا تتناقص تكلفة الإنتاج وتكلفة العمل المبذول  في إنتاج السلعة الواحدة ، ومن جهة أخرى فإن انخفاض التكلفة يعني انخفاضاً في قيمة وسعر السلعة في السوق .

فلو حدث مثل هذا الأمر في إنتاج السلع الاستهلاكية بحيث تضاعفت إنتاجية العمل في إنتاج هذا النوع من السلع فمن المنطقي والطبيعي أن تنخفض أسعار سلع  الاستهلاك الفردي إلى نصف الأسعار السابقة والتي كانت سائدة في السوق . وفي  وجود مثل هذه الحالة فإن العامل لا يحتاج إلى نفس  الكمية من الأجر الذي كان يتقاضاه  سابقاً لشراء السلع الاستهلاكية الضرورية . حيث أن نصف مقدار الأجر السابق يكفيه  في حال انخفاض السعار إلى النصف للحفاظ على مستوى الدخل الحقيقي . فإذا  انخفضت أسعار السلع بنسبة 50%  فإن 50% من الأجر النقدي السابق يكون كافياً  لشراء نفس  الكمية من السلع الاستهلاكية الضرورية لتجديد قوة العمل .

إلى جانب هذا العامل الأساسي في انخفاض أجر العمل يوجد هناك أيضاً  عوامل أخرى تساعد في تخفيض أجر العمل .  فمن المعلوم أن زيادة الطلب على قوة العمل  في  النظام الرأسمالي قد دفعت إلى دخول المرأة وبعض أفراد العائلة الواحدة كالأطفال  إلى عملية الإنتاج . إن اشتراك عدد أكبر من أفراد العائلة في عملية الإنتاج سيزيد  بدون شك من مجموع الدخول النقدية  الاسمية للعائلة الواحدة . إن زيادة عدد الدخول  الفردية للعائلة الواحدة سيتيح الفرصة إلى إنقاص الأجر النقدي الاسمي للفرد الواحد  طالما أن تزايد عدد الدخول الفردية يصبح كافياً لاستمرار حياة العائلة الواحدة . بينما  لو اعتمد مستوى الحياة العائلة على دخل فرد واحد فقط من أفرادها فلا بد في هذه  الحالة من أن يكون الأجر النقدي لهذا الفرد الواحد مرتفعاً حتى يلبي المتطلبات المعيشية الضرورية للعائلة واحتياجاتها المختلفة .

ب – عوامل زيادة أجر  العمال :

إلى جانب وجود العوامل التي تساعد على تخفيض الأجر النقدي  توجد عوامل أخرى تستدعي زيادة قيمة أجر العامل . وفي هذا الصدد يمكن ذكر العوامل التالية التي تساعد على زيادة أجر العمل :

 

أولاً –  عامل تزايد الاحتياجات الفردية :

من المعلوم أن الاحتياجات الفردية وكذلك وسائل إشباعها لا تبقى ثابتة وإنما هي في حالة تغير مستمر. فمع مرور الزمن تتطور وتزداد هذه الاحتياجات الفردية  كماً ونوعاً . ففي مرحلة معينة تصبح بعض الحاجات التي كانت تعد كمالية في السابق من الحاجات الضرورية . وهكذا تتغير مع التقدم الاقتصادي  والاجتماعي الحاجات الفردية المادية والثقافية الضرورية لتجديد قوة العمل . إذ يلاحظ في  الوقت  الحاضر تزايد الحاجات الفردية المختلفة مع تزايد وتنوع المنتجات المختلفة . وهذا  التطور الكمي والنوعي في  المستوى المعاشي للفرد يؤدي إلى ضرورة زيادة الأجر حتى  يمكن مواجهة المتطلبات الاستهلاكية الفردية المتزايدة .

ثانيا –  عامل تكثيف  العمل :

لقد أشرنا سابقاً إلى أن صاحب رأس  المال يلجأ إلى تكثيف  العمل إلى أقصى  درجة ممكنة وذلك بهدف الاستغلال  السريع والأمثل لوسائل الإنتاج وتحقيق الحد  الأقصى من إنتاجية العمل والربح . ومن أجل ذلك يستخدم صاحب رأس  المال كل الوسائل  الممكنة للرقابة على العمل والحوافز المختلفة من أجل تكثيف العمل أي زيادة  وتركيز الجهد الذي يبذله العامل في عملية العمل . إلا أن تكثيف  العمل المبذول في عملية العمل يستلزم تزايداً في إنفاق الطاقة الجسدية والذهنية . ومن جهة أخرى  فإن تزايد الإنفاق في الطاقة الجسدية والذهنية يتطلب تزايد في كمية السلع والخدمات  الضرورية لتعويض الاستهلاك الكثيف في طاقة العمل . أي أن ذلك يستدعي زيادة  أجر العمل .

إن التطور التقني والعلمي يتطلب مستوى معيناً من المعرفة العلمية والتأهيل الفني . وفي  الوقت الحاضر يتزايد هذا التطور بوتائر سريعة وهو يفرض باستمرار  ارتفاعاً في مستوى العاملين الفني والعلمي . فالشروط التكتيكية المنتجة تجعل عملية  الإنتاج أكثر تعقيداً من السابق . وهي تتطلب من العاملين تركيزاً ذهنياً وتكثيفاً  شديداً في العمل حتى يمكن التحكم في  العمليات الإنتاجية المعقدة . إن هذه الشروط  الجديدة تستلزم بدون شك زيادة الأجر التعويض استهلاك الطاقة الذهنية التي يستلزمها  التكثيف المتزايد في عملية العمل .

ثالثا –  عامل مستوى التأهيل والمهارة :

                  إن أجر العمل يتحدد وفق اعتبارات تتعلق بدرجة التأهيل  الفني والخبرة والمهارة ومع اختلاف درجات التأهيل والمهارة تختلف بالتالي أجور العمال . فمن الطبيعي أن يرتفع مقدار الأجر كلما ارتفع مستوى التأهيل والمهارة . ولهذا الاعتبار أهمية  في الوقت الحاضر في تحديد مقدار الأجر . فكما أشرنا إلى أن المتطلبات الحالية لعملية  الإنتاج التي يفرضها ارتفاع المستوى التكتيكي والعلمي تستلزم وجود مستوى معيناً  من المعرفة والخبرة العلمية . يلاحظ حالياً التضاؤل النسبي لدور العمل اليدوي وتزايد  المكانة التي يحتلها العمل الذهني في عملية الإنتاج . وهذا التغير النوعي في طبيعة العمل  يشترط في نفس الوقت زيادة في أجر العمل .

رابعاً –  تأثير عوامل العرض والطلب في سوق  العمل :

                  بالإضافة إلى العوامل  السابقة التي يساعد البعض منها على تخفيض أجر العمل بينما يستدعي البعض الآخر زيادة أجر العمل توجد عوامل أخرى لها أيضاً تأثيرها على أجر العمل وهي عوامل العرض والطلب على قوة العمل في سوق العمل .

ومن المفيد قبل أن نتطرق إلى تأثير هذه العوامل التذكير بتأثير عوامل العرض والطلب على سعر السلع في السوق . فإذا  ازداد  الطلب على سلعة ما عن العرض على هذه السلعة فإن السعر يرتفع في السوق  وعلى العكس فإن انخفاض الطلب عن العرض سيؤدي إلى انخفاض القيمة أو السعر في السوق .  إن عوامل العرض والطلب  تؤثر على سعر السلعة في السوق . فقد ينحرف  السعر عن القيمة ارتفاعاً عندما يزداد الطلب عن العرض بينما ينحرف  السعر عن القيمة  انخفاضاً إذا قل الطلب عن عرض السلعة في السوق .

إن هذه القاعدة  تنطبق بشكل أو بآخر على أجر العمل في النظام الرأسمالي ، حيث  يتأثر تحديد أجر العمل بعوامل عرض قوة العمل والطلب على هذه القوة في سوق  العمل . وأن لهذا التأثير الذي تمارسه عوامل العرض والطلب في قوة  العمل جوانب  مختلفة ، وهذا يعني :

أولا : في حال زيادة الطلب على قوة العمل عن العرض الموجود منها في السوق  فإن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع مقدار أجر العمل في النظام الرأسمالي .

ثانيا :  في حالة زيادة العرض في قوة العمل عن الطلب عليها في سوق العمل فإن ذلك  سيؤدي إلى انخفاض مقدار الأجر في النظام الرأسمالي . أن زيادة العرض من قوة  العمل على الطلب عليها هو ما يدعى في علم الاقتصاد بالبطالة في سوق العمل .  وتعني البطالة وجود فائض من قوة العمل . أي وجود أناس يبحثون عن مكان لهم  في عملية الإنتاج الاجتماعي . وهكذا يكون للبطالة تأثير سلبي على مقدار أجر العمل  إذ يساعد على انخفاض هذا الأجر في سوق العمل .

إلا أنه يجب معرفة وتحديد  الأسباب والعوامل التي تحدد وجود أو عدم وجود  البطالة أو فائض قوة العمل في سوق العمل . ونظراً للطبيعة الخاصة بقوة العمل الإنساني فإنه مما لا شك فيه إن وجود أو عدم وجود الفائض في قوة العمل أو البطالة يخضعان إلى أسباب وعوامل واعتبارات تختلف عن  العوامل التي تحدد وجود فائض في عرض السلع أو زيادة في الطلب عليها في السوق. حيث أن عرض السلع في السوق يتحدد  وفق الاعتبارات والظروف التي تحيط بعملية الإنتاج كما يتأثر الطلب على السلع  بعدد المشترين أو المستهلكين للسلعة في السوق . ويمكن القول بأن العوامل والاعتبارات التي تحدد وجود أو عدم وجود فائض في قوة العمل والتي تؤثر على تحديد مقدار الأجر هي :

أولا :  العلاقة بين نسبة العاملين فعلاً ونسبة العاطلين عن العمل .

ثانياً :  معدلات النمو السكاني .

ثالثا : التقدم التقني .

رابعا : الدورات الموسمية لعملية الإنتاج .

[1] فريدريك بولون – الاقتصاد العام – ترجمة د. شمس الدين عبد الإله صفحة 115

[2] مجموعة من المؤلفين – الاقتصاد السياسي – دار الجماهير دمشق صفحة 98

[3]  مقدمة في الاقتصاد- مرجع سابق

[4] اسهام  في الاقتصاد السياسي- كارك ماركس – وزارة الثقافة – دمشق 1970

[5] أشكال رأس المال – مرجع سابق.

[6] أدوين مانسفيلد – عالم الاقتصاد- مركز الكتب الأردني عام 1988 صفحة 115

[7]  الان تورين – انتاج المجتمع – دمشق – وزارة الثقافة 1977 – صفحة 214

[1] الاتجاهات الحديثة للبحث في العلوم الاجتماعية – اليونسكو- ترجمة مجموعة من المختصين – وزارة التعليم العالي- دمشق المجلد الثاني.

[2]  عالم أمريكي ورجل دولة – 1706-1790- صفحة 75.

[3] مرجع سابق.

الدكتور حبيب محمود

أستاذ مساعد في قسم الاقتصاد

جامعة دمشق     

الوسوم