محمد عبدالرحمن عريف

    هو أحمد حمروش (1921 – 2011) كاتب ومؤرخ مصري، من ضباط يوليو 1952، ولد في سبتمبر 1921، تخرج من الكلية الحربية عام 1942 وكلية أركان الحرب 1953 ثم عمل مدرساً في جناح الأنوار الكاشفة بمدرسة المدفعية وكان مسئولاً عن تنظيم الضباط الأحرار في الإسكندرية ليلة 23 يوليو 1952 وقد كان في طليعة رجال ثورة. وعمل بالصحافة في جريدة الجمهورية عام 1956. هو صاحب كتاب “ثورة يوليو وعقلية مصر” الذي أوضح أن كل الأعمال العظيمة لا يظهر مقدار عظمتها إلا بعد أن تدور عجلتها ويفصل التاريخ في أمرها، فحركة 23 يوليو، بدأت في صورة انقلاب عسكري ولكنها كانت تتطور كل ساعة، بل كل دقيقة، حتى وصلت خلال ثلاثة أيام فقط إلى صورة كاملة بكل ما تعنيه الثورة من أبعاد. وحاول حمروش في كتابه تقييم الثورة، وذلك من خلال من شاركوا في صنعها أو قاوموا مسيرتها، أو وقفوا منها موقف المفكر الحر الذي يتأمل ويختزن في الصدر. فكانت مجموعة أسئلة وجهها المؤلف إلى هؤلاء الذين قدموا إجابات، عرضوا من خلالها صورة صادقة عن رأيهم ووجهة نظرهم في ثورة يوليو بعد 32 عاماً، زمن صدور هذا الكتاب.

   هنا تكتسب مذكرات أحمد حمروش أهمية خاصة بمراعاة أنه أحد اليساريين المؤمنين بالناصرية والعروبة. ويتضح هذا من دفاعه عن حركة الجيش في يوليو 52 رغم الملاحظات التي أبداها عن (بعض الأخطاء) التي وقع فيها مجلس قيادة (الثورة) أو عبد الناصر. فهو مثلًا يُحاول نفي علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية فكتب (لا يوجد دليل واحد على أنّ عبد الناصر قد اتصل شخصيًا بكيرميت روزفلت (رجل المخابرات الأمريكية) قبل الحركة، ولكنه بعد هذه الجملة أضاف (ولو أنّ اتصالات بعض زملائه بالأمريكان جعلته يطلب من خالد محيي الدين عدم استخدام عبارة “الاستعمار الأنجلو/ أميركى” في منشورات الضباط (الأحرار) والاكتفاء بذكر الاستعمار البريطانى وكان ذلك في مارس 1952).

   إذا صدق العقل الحر كلام حمروش بعدم وجود دليل على أنّ عبدالناصر قد اتصل برجل المخابرات الأمريكية، فلماذا أصرّ عبد الناصر على عدم الاشارة إلى (الاستعمار الأمريكي)؟ ولأنّ حمروش إهتم بالدفاع عن عبد الناصر، لذلك تجاهل أنه كتب (لم يقتصر اتصال الضباط الأحرار) بالقوى والتنظيمات المصرية فقط، ولكنه امتد ليشمل مندوبي وزارة الخارجية والمخابرات الأمريكية) فهل تصرّفَ الضباط بدون علم عبد الناصر الذي هو (العقل المُدبّر وراء تنظيم الضباط كما كتب عنه كل من أرّخ لهذا التنظيم؟ وذكر حمروش أيضًا (كان حريق القاهرة حافزًا لنشاط الأمريكان في المنطقة، فقد أرسل وزير الخارجية الأمريكى مندوبًا عنه من المخابرات الأمريكية لدراسة أحوال مصر) وبافتراض عدم وجود علاقة بين الأمريكان وضباط يوليو، فما مغزى ما نشرته مجلة التايم في أكتوبر 1951 وجاء به (إنّ الموقف في مصر أشبه بالموقف في اليونان سنة 1947 حين اضطرتْ إنجلترا لسحب قواتها من اليونان. فحلــّتْ أمريكا محلها. وأمريكا أعّدتْ عدتها للموقف منذ زمن بعيد حتى لا تـُفاجأ كما فوجئتْ في إيران ووضعتْ مشروع الشرق الأوسط) هذا الكلام في مجلة التايم الأمريكية هو تلخيص مكثف لما حدث بعد الحرب العالمية الثانية/ حيث خرجتْ أمريكا أقوى دولة استعمارية، وأسفرتْ سياستها المعلنة على أنه (آن الأوان ليرحل الاستعمار القديم عن الدول التي احتلها) ليكون الوضع الجديد لأمريكا بلا شريك أو شريك ثانوي يحصل على الفتات، وهو ما تأكد بعد ذلك فحلــّتْ أمريكا محل الإنجليز في مصر وغيرها، وحلـّتْ محل فرنسا في الجزائر إلخ. مع مراعاة أنّ الأمر لم يكن سهلا إذْ –كما كتب حمروش- (بدأ الصراع الخفى بين بريطانيا وأمريكا).

   نجحتْ المخابرات الأمريكية في تدبير انقلاب حسنى الزعيم في سوريا. وهو أول محاولة لنقل أسلوب الحكم المُفضل لدى الامبريالية الأمريكية والذي مارسته لزمن طويل في أمريكا اللاتينية، وهو حكم العسكريين الذين يقمعون الثورات والقلائل الداخلية، ويعملون مباشرة لحساب الشركات والاحتكارات الأمريكية) يعترف حمروش بدور أمريكا في الانقلابات العسكرية لحساب الشركات والاحتكارات الأمريكية.

   السؤال: أليس هذا ما حدث في مصر؟ فعلى سبيل المثال أصدر ضباط يوليو قانون استثمار رأس المال الأجنبي عام 1954 فرفع نسبة مشاركة رأس المال الأجنبي إلى 51% بعد أنْ كانت النسبة 49% قبل يوليو 1952.

     أي أنّ قانون الاستثمار زمن النظام الملكى كان أكثر وطنية من نظام ضباط يوليو. واعترف حمروش كذلك بأنّ أمريكا ركزتْ على مصر(فعيّنتْ كافري سفيرًا لها بالقاهرة، وهو من أشهر مدبري الانقلابات في وزارة الخارجية الأمريكية. ويضم سجله سلسلة طويلة منها تـُقارب الثلاثين في أمريكا الجنوبية والوسطى) وإذا كانت أمريكا تسعى لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، وبصفة خاصة بعد احتلالها لدولة العراق سنة 2003، فإنّ هذا المشروع يعود إلى زمن قديم وهو ما اعترف به حمروش الذى كتب (كان حريق القاهرة فرصة مواتية أنعشتْ آمال الامبريالية الأمريكية في التسرب إلى مصر، ووضع قبضتها على مركز الحركة السياسية فيها.

   لقد أعلن وزير الخارجية الأمريكى في 31 يناير 1951 (إنّ قيادة الشرق الأوسط ليستْ اقتراحًا يمكن قبوله أو رفضه) وبافتراض أنّ ضباط يوليو ليستْ لهم علاقة بالأمريكان، فما مغزى التوافق التام بين الطرفيْن من معاداة التنظيمات الشيوعية في مصر، وهو ما حذرتْ منه مجلة (الجمهور المصري) في عدد 22 يناير 1951، فأشارتْ إلى إنشاء مكتب أمريكي/ إنجليزي لمقاومة الشيوعية ردًا على المظاهرات المُعادية التي تهتف بسقوط الاستعمار الأنجلو/ أميركي)؟. وما مغزى موقف عبدالرحمن عزام (أمين عام الجامعة العربية) الذى قال (إننا على استعداد للتآلف مع أمريكا)؟. وما مغزى إصرار أمريكا على تنفيذ مشروع (الإصلاح الزراعى) الذى تسبّب في تفتيت الرقعة الزراعية في مصر، ويعمل على استبعاد الثورة الشعبية، وهو المشروع الذي رفضه مصطفى مرعي السياسي الشهير الذي حاول الأمريكان استمالته إليهم؟. وما مغزى ما ذكره حمروش من أنّ روزفلت أمضى الشهريْن الأوليْن من سنة 1952 مع الملك لتنفيذ مخطط (الثورة السلمية)؟ فما مصلحة أمريكا في (الثورة السلمية)؟. وهل أمريكا ترضى عن أعدائها أم ترضى عن المُتحالفين معها للقضاء على الشيوعية؟. وهو ما اعترف به كيرميت روزفلت في تقريره لوزارة الخارجية إذْ كتب في مايو 1952. “أنّ الجيش سيقوم بانقلاب في وقت قريب. وأنّ قادة الانقلاب المحتمل يرفعون شعارات تجعل منهم (وهم في السلطة) طرفــًا لينــًا ومرنــًا في أية مفاوضات نخوضها معهم”. وفي نفس التقرير نصح الحكومة الأمريكية على ضرورة (إقصاء الملك فاروق والنظام الملكي نهائيًا في مصر، مع بعض الشكليات مثل إظهار القلق المصطنع على سلامة الملك).

    رغم كل تلك الحقائق فإنّ حمروش يُصر على تبرئة ضباط يوليو فكتب (وإذا صحّ أنّ روزفلت قد وصل إلى هذه النتائج فإنّ هذا لا يعني ارتباط تنظيم الضباط (الأحرار) بالمسئولين الأمريكان ارتباطـًا عضويًا) وجاء تعبير (الارتباط العضوي) ليوحي بالموضوعية والحكاية -كما أضاف- أنّ علاقة الضباط بالأمريكان (يدل على اتساع دائرة معرفتهم وخبرتهم السياسية) وإذا كان أغلب مؤرخي تلك الفترة أكدوا على علاقة عبد الناصر بمايلز كوبلاند مؤلف كتاب (لعبة الأمم) فإنّ حمروش ينفي تلك العلاقة بشكل قاطع. رغم أنّ مايلز كوبلاند كتب في كتابه (لعبة الأمم) أنّ (المخابرات الأمريكية التقتْ ثلاث مرات قبل أربعة شهور في مارس 1952 بعبد الناصر وجماعته واتفقتْ معه على اشاعة الشعور بين المصريين بأنّ انقلابهم ليس مفروضًا من الإنجليز أو الأمريكان أو الفرنسيين أو الأتراك وسمحتْ له بأنْ يُهاجم هذه الدول في خطبه بعد الانقلاب ليبقى التعاون سرًا بين المخابرات الأمريكية وبين الانقلاب) إزاء هذا النص الصريح كان من حق عبد الناصر أنْ يُقاضي مايلز كوبلاد أو -على الأقل- يُسلط عليه أجهزة إعلامه للنفي مع التشهير، ولكنه لم يفعل لا هذا ولا ذاك.

    ما يؤكد صحة كلام كوبلاند ما ذكره خالد محيي الدين إذْ ذكر أكثر من واقعة عن علاقة ضباط يوليو بالمخابرات الأمريكية عن طريق السفارة الأمريكية فكتب (عبد الناصر كان قد رتـّب قبل الثورة علاقة مع الأمريكان عن طريق علي صبرى ومنحهم قدرًا من التطمينات أنّ الثورة القادمة لن تقف ضدهم. وأنّ السفير الأمريكى كافري كان يتباهى أمام السفراء ويصف ضباط يوليو بأنهم أولادي My boys كذلك استمرّتْ العلاقات والاتصالات مع السفارة الأمريكية عبر قناتيْن تصب كل منهما عند عبدالناصر وحده: عبد المنعم أمين وعلي صبري. أما الأول فهو رجل المخابرات الأمريكية باعتراف كثيرين. والثانى (علي صبري) فهو كما ذكر خالد كان يشغل مدير مخابرات الطيران قبل يوليو 1952 وعلى علاقة حسنة بالأمريكان وأنه (من خلال علاقته بالملحق الجوي بالسفارة الأمريكية سمع منه تلميحات بأنه في حالة تحرك الجيش فإنهم سيطلبون من الإنجليز عدم التدخل إذا كانت الحركة غير شيوعية ولا تـُهدّد مصالحهم).

  كتب محمد نجيب ((لبيتُ دعوة إلى منزل البكباشي عبد المنعم أمين. وكان حاضرًا معنا جيفرسون كافري وأربعة من رجال السفارة الأمريكية منهم إثنان من المخابرات الأمريكية. وكان معي عبد الناصر وآخرين). وكان هذا الاجتماع عقب أحداث كفر الدوار فكتب طه سعد المؤرخ العمالي (وهكذا يتأكد دور المخابرات الأمريكية في الأحداث بالتقارير التي أحاطتْ حركة الجيش عن شيوعية مصطفى خميس وقادة العمال. وأنّ ما حدث في كفر الدوار كان عربونـًا للأمريكان في محاربة الشيوعية).

    لقد كتب المؤرخ العمالي أمين عز الدين أنّ (عبد المنعم أمين لعب دورًا في حملة الترويج الأمريكية حول الخطر الشيوعي في مصر) وكتب أيضًا (وجدتْ المخابرات الأمريكية وعملاؤها في أحداث كفر الدوار فرصتهم كي يُضاعفوا الترويج عن الخطر الشيوعي في مصر وراحوا يُقنعون نفرًا من قادة الجيش. والتقط هذا الخيط عبد المنعم أمين أحد الضباط الطارئين على حركة الجيش ولم ينضم للحركة إلاّ يوم 22 يوليو 1952. ليُشارك في عملية الاستيلاء على السلطة. ثم مـُنح عضوية مجلس قيادة (الثورة) يوم 15 أغسطس 1952، في أعقاب أحداث كفر الدوار).

    عند ربط هذا الكلام من مؤرخ عمالي مؤمن بالناصرية بواقعة أنّ عبد المنعم أمين عيّنه ضباط يوليو ليكون رئيس المحكمة العسكرية التي ستـُحاكم عمال كفر الدوار، وربط ذلك بأنه (رجل الأمريكان) وأنّ الأمريكان هم الذين فرضوه على الضباط يوم 22 ليحصل على عضوية مجلس القيادة، فإنّ ربط كل تلك الوقائع بعضها ببعض تؤكد علاقة ضباط يوليو 52 بالمخابرات الأمريكية، وهي العلاقة التي حاول حمروش نفيها.

   نعم حمروش كان موضوعيًا عندما أقرّ بما كتبه آخرون عن حملة الاعتقالات التي قام بها ضباط يوليو لخصومهم السياسيين فكتب (كانت حركة الاعتقالات قد تفرّعتْ حتى وصلتْ إلى مختلف الاتجاهات السياسية فشملتْ نجيب الهلالي وفؤاد سراج الدين وآخرين) وأهم ملحوظة ذكرها حمروش هي (كانت عملية الاعتقال الجماعي غير المُبرر لها مظهر الاعتقالات التي قام بها البريطانيون عند اشتعال ثورة 19 كما أنها كانت موجّهة ضد مختلف القوى والتنظيمات السياسية وليست مركزة على اتجاه واحد، الأمر الذي جعل الجيش في جانب وكافة القوى السياسية في جانب آخر. والقوة السياسية الوحيدة التي لم تمسها حركة الاعتقالات كانت الإخوان المسلمين تمامًا كما حدث في وزارة نجيب الهلالى).

   هذا النص يضع أمام العقل الحر سؤال: إذا كان ضباط يوليو مُتطابقين مع وزارة نجيب الهلالي التي اعتقلتْ سياسيين من كافة الاتجاهات (قبل يوليو 1952) عدا الإخوان المسلمين، فما الفرق بين نجيب الهلالي وضباط يوليو؟ وإذا كانت الإجابة: لا فرق، فلماذا اعتقله ضباط يوليو؟.

    فى فقرة واحدة جمع حمروش بين الموضوعية ومخالفة ضميره عندما كتب (معظم ضباط مجلس القيادة لم يكونوا من العاطفين على الوفد أو المُرتبطين به فكريًا إذا استثنينا عبدالناصر وخالد محيي الدين ويوسف صديق الذين لم يكونوا مُتحمسين للوفد ولكنهم في نفس الوقت لم يكونوا في موقف العداء منه). وعن المقابلة التي تمّتْ بين الضباط والزعيم الوطني مصطفى النحاس وصفها حمروش بالموضوعية فكتب (كان جفاف المقابلة نابعًا من إدراك ضباط القيادة أنّ الوفد يمثل الخطر الحقيقي على سلطتهم الوليدة. ونابعًا أيضًا بتأثر بعضهم بموقف الإخوان المسلمين المعادى للوفد).

   هنا جاء تناقض حمروش في تعبير أنّ ضباط يوليو لم يكونوا في موقف العداء من الوفد. فإذا كان الأمر كذلك فلماذا تم اعتقال العديد من أعضاء وقيادات حزب الوفد مثل إبراهيم طلعت وفؤاد سراج الدين وتقديمهم للمحاكمة؟، خاصة أنّ الأخير كان يستحق التكريم وليس المحاكمة بسبب مواقفه الوطنية العديدة مثل موقفه يوم 25 يناير 1952، عندما كان وزيرًا للداخلية وأصدر أمرًا للشرطة بمقاومة قوات الاحتلال في محافظة الإسماعيلية. وموقفه الوطني في أكتوبر 1951، عندما أصدر أمرًا بتسليح الفدائيين المصريين بأسلحة من الشرطة لمقاومة الإنجليز في مدن القناة. بل إنّ حمروش نفسه ذكر واقعة ظهور اسم النحاس في قائمة المعتقلين حيث حُددتْ إقامته. وأليس استبعاد النحاس ومحاكمة سراج الدين وآخرين ترجمة لعداء ضباط يوليو لقادة حزب الوفد؟.

    كان عبد الناصر صريحًا لدرجة أنْ فضح ما في أعماقه عندما قال لإبراهيم طلعت (إحنا يا أستاذ مش بنحاكم الوفد. إحنا بنحاكم سياسيين قدامى. بنحاكم نظام قديم. بنحاكم نظام رأسمالي اسمه النظام الليبرالي). جمع عبدالناصر في جملة واحدة بين الرأسمالية والليبرالية. أي أنه يُدرك أنهما أداة تقدم الشعوب ولذا وقف ضدهما وأعلن العداء لهما. أليس هذا ما تسعى إليه أميركا من خلال دعمها للانقلابات الفاشستية العسكرية والدينية المعادية للديمقراطية؟. وهو ما أكدّه حمروش عن علاقة ضباط يوليو بالإخوان المسلمين فكتب (كان نجاح حركة 23 يوليو فرصة الإخوان المسلمين الفريدة للسيطرة على الحكم والسلطة، فقادتها ليسوا غرباء عن التنظيم بل إنهم نشأوا واستمر اتصال بعضهم به… وذلك قبل أنْ تظهر التناقضات بينهم وبين الجيش في محاولة التنازع على مركز السلطة). وكان مرشد الإخوان حسن الهضيبى صريحًا مع نفسه عندما قال (أنا على ثقة من أنّ الغرب سيقتنع بمزايا الإخوان المسلمين وسيكف عن اعتبارهم شيئــًا مفزعًا كما حاول البعض أنْ يُصورهم).

    كشف حمروش عن تناقض ضباط يوليو إذْ أورد حديث عبد الناصر للصحفي البريطاني ديفيد مورجان مراسل الصانداي تايمز في يوليو 1962 بأنّ حركة الجيش في يوليو 1952، كان هدفها (حماية الدستور) في حين أنّ الواقع يُكذب كلام عبد الناصر إذْ أعلن محمد نجيب يوم 10 ديسمبر 1952 (أصبح لزامًا أنْ نـُغيّر الأوضاع التي كانت تودي بالبلاد والتي كان يسندها ذلك الدستور المليء بالثغرات. وها أنا أعلن باسم الشعب سقوط دستور سنة23).

   كتب حمروش أنّ إسماعيل صدقى رئيس الوزارء شنّ حملة ضد القوى الوطنية عام 1946 واتهم عدد كبير من الأدباء والمفكرين بالشيوعية، وهذا حق ولكنه لم يربط ذلك بما فعله ضباط يوليو الذين فعلوا نفس الشيء، في حين أنّ المؤرخ المُحايد لابد أنْ يستخلص نتيجة مؤكدة وهي أنّ ضباط يوليو هم الوجه الآخر لإسماعيل صدقي المُستبد كما درج وصفه بعد يوليو 52. رغم أنّ حمروش اعترف بأنّ ضباط يوليو فصلوا معظم المحررين من مجلة التحرير بعد أحداث كفر الدوار باعتبارهم شيوعيين. وفي شهادة ثروت عكاشة قال إنّ عبد الناصر طلب منه الحذر من سيطرة الشيوعيين على المجلة). حدث ذلك بعد أنْ عزل عبد الناصر حمروش من رئاسة تحرير المجلة وعيّن ثروت عكاشة بدلًا منه.

    أكثر من ذلك ما كتبه حمروش (اتخذتْ حركة الجيش موقفـًا صريحًا من الشيوعية عندما أصدرتْ وزارة محمد نجيب في 16 أكتوبر 1952 قانونـًا بالعفو الشامل عن المحكوم عليهم بالجرائم السياسية. ولكن القانون الذي عفا عن 943 شخصًا استثنى الشيوعيين). أي ظل الشيوعيون قيد الاعتقال. بل إنّ حمروش نفسه تم اعتقاله يوم 15 يناير 1953 ضمن مجموعة ضباط المدفعية. ولم تقف الاعتقالات عند الضباط فقط وإنما شملتْ السياسيين والشيوعيين يوم 16يناير 1953، فتم اعتقال 101 بينهم 48 شيوعيًا.

    امتدّ عداء ضباط يوليو للصحف فتمّتْ مصادرة الصحف والمجلات اليسارية مثل (الكاتب) و(الملايين) و(الميدان) و(الواجب) وصحيفة الهلال وصوت الطالب والمعارضة التي كان يصدرها فتحي الرملي. ترتــّب على ذلك أنّ الأحزاب الشيوعية والمنظمات الديمقراطية العالمية هاجمتْ حركة الجيش باعتبارها حركة فاشية تعتقل الوطنيين وتحل الأحزاب وتعادي الديمقراطية. وفي يوليو 1953 تشكلتْ محكمة عسكرية للنظر في قضيتيْن شيوعيتيْن. وطلب الدفاع سماع أقوال عبد الناصر ونجيب وآخرين ولكنهم لم يحضروا (مثلهم مثل أي حكام مُستبدين) وظلّ حمروش في المعتقل لمدة 50 يومًا دون تحقيق إلاّ بعض الأسئلة من زميله زكريا محيي الدين.

    لماذا يظل هذا المشهد -وغيره كثير- بعيدًا عن كتاب السيناريو؟ هل هم جهلة بالأحداث؟ أم يخافون الاقتراب من الأسلاك الشائكة وحقول الألغام؟ أم أنّ هواهم الناصري أغلق وجدانهم وألغى عقولهم؟ وبينما كان موقف ضباط يوليو من الشيوعيين ومن كل القوى الوطنية هو الاعتقال، كان موقفهم من الإخوان المسلمين مختلفـًا لدرجة أنّ عبد الناصر ذهب بنفسه وأبلغ أعضاء مكتب الإرشاد بموعد حركة الجيش. بل وصل الأمر لدرجة رغبة الضباط في تعيين وزيريْن من الإخوان وأنّ عبد الناصر هو الذي أجرى الاتصالات معهم. والأكثر دلالة أنه في الوقت الذي اعتقل فيه الضباط الشيوعيين والليبراليين والسياسيين القدامى، تم الإفراج يوم 11 أكتوبر 1952 عن الإخوان المسلمين الذين قتلوا المستشار أحمد الخازندار رئيس محكمة جنايات القاهرة الذى حكم بإدانة بعض الإخوان على جرائمهم.

   كذلك الإفراج عن قتلة محمود فهمى النقراشى الذى أصدر قرارًا بحل جماعة الإخوان المسلمين عندما كان رئيسًا للوزراء. وكذلك الإفراج عن المحكوم عليهم في قضية قنابل مدرسة الخديوية. وعندما صدر قانون تنظيم الأحزاب اتصل عبد الناصر بوزير الداخلية سليمان حافظ وقال له (إنّ جماعة الإخوان المسلمين كانت من أكبر أعوان حركة الجيش قبل قيامها وساهمتْ بنصيب كبير فيها ومازالت تقدم لها العون المستمر)، وطلب منه إيجاد مخرج للجماعة. وفي مكتب وزير الداخلية التقى عبد الناصر وحسن الهضيبى وتم الاتفاق على إدخال تعديل في إخطار التأسيس يُبعد الجماعة عن مجال الأحزاب. وكان الثمن المقابل هو خروج الإخوان لاستقبال مواكب الضباط بالتحية والهتاف (الله أكبر ولله الحمد) وعندما اشتدّ الصراع مع الضباط حول من يفوز بالغنية (مصر)، كان عبد الناصر الأذكى والأسرع في هذا الصراع فاستدعى أساليب الدولة البوليسية (وهنا يبرز سؤال: متى تدرّب عليها ومن دربه).

    لقد استغل عبد الناصر التناقضات داخل مكتب الإرشاد وعمل على تعميقها وتفجيرهم من الداخل -وفق وصف حمروش- وقد استفاد الضباط من الشيخ الباقوري الذي قبل الوزارة. كما استغل الضباط الانقسام داخل الإخوان: قسم يرى ضرورة التعاون مع الضباط وقسم ضد ذلك. وانقسام آخر حول (الجهاز السري للإخوان) قسم مع استمراره وقسم مع إلغائه. وتفاقم الصراع بعد نجاح عبد الناصر في جذب عبد الرحمن السندي رئيس الجهاز والذي كان على خلاف مع حسن الهضيبي والشيخ سيد سابق منشىء الجهاز الخاص.

   تشكلتْ قيادة جديدة من الذين عارضوا التعاون مع الضباط كان بينهم محمد فايز الذى تم تدبير اغتياله عندما تسلــّم علبة بها حلاوة مولد النبى فانفجرتْ في وجهه. وبعد التعاون والوئام بينهم وبين الضباط صدر في 14يناير 1954 قرار حل جماعة الإخوان. وعلى طريقة من يسبق أكل خصمه، صدر أمر اعتقال حسن الهضيبى و450 عضوًا بالجماعة. وكان من بين التهم الاتصال بجهات أجنبية والاحتفاظ بأجهزة سرية. ورغم ذلك –وله دلالة مهمة- فإنّ عبد الناصر -كما ذكر حمروش (لم يقطع الحبل نهائيًا مع الإخوان فقام بزيارة قبر حسن البنا وقال أمام أعضاء الإخوان (أشهد الله أني أعمل لتنفيذ مبادىء الإخوان وأفني فيها وأجاهد في سبيلها) وأعتقد أنّ أهم ملحوظة سجـّـلها حمروش هي أنّ فئات كثيرة من الشعب استنكرتْ واستاءتْ من ممالأة الضباط للإخوان والإفراج عن القتلة من جماعتهم. وهنا اعترف حمروش بأنّ الضباط احتفظوا بعلاقات طيبة مع الإخوان رغم علم الضباط بأنّ الإخوان (لم يكن يهمهم قضية الأحزاب والديمقراطية بقدر ما كانوا يُخططون لوراثة حركة الجيش أو احتوائها).

   عن اضراب عمال كفر الدوار كتب حمروش (تصرفتْ حركة الجيش إزاء هذا الموقف (برعونة) شديدة تحت وهم أنْ هذه المظاهرات بداية أعمال ضد الجيش. وكانت المحاكمة سافرة العدوان على حقوق المتهمين، فلم تـُتح لهم فرصة الاعتماد على المحامين. وعلق حمروش على صيحة العامل مصطفى خميس (أنا مظلوم. أريد إعادة محاكمتى) تؤكد (هذه الصيحة قسوة المجلس العسكري في معاملة المتهمين وحرمانهم من حق أساسي من حقوق الإنسان. لذا أثارتْ المحاكمة عاصفة من النقد على مستوى العالم وأنّ تصرفات المجلس العسكري مدانة من كل القوى التقدمية واليسارية فى مختلف أنحاء العالم وأنّ حركة الجيش فاشية. وأنّ الضباط مجموعة تربطهم صلة مباشرة وقوية بالولايات المتحدة الأمريكية).

   هنا يُصر حمروش على تبرئة عبد الناصر من دم خميس والبقري بحجة أنه اعترض على قرار حكم الإعدام عليهما هو وخالد محيي الدين ويوسف صديق، رغم أنّ البغدادى ذكر أنّ القرار كان بإجماع الآراء. وعداء الضباط ضد العمال شمل موقفهم من القانون الذى أصدروه وفيه إلغاء حق الاضراب ويبيح الفصل التعسفي دون محاكمة أو تحقيق. فكتب حمروش (كان من أهم الحُجج التي استند إليها مجلس القيادة هي أنّ رأس المال الأجنبي يحتاج لنوع من الضغط على العمال لضمان الاستقرار والاستثمار). ورغم الجرائم التي ارتكبها عبدالمنعم أمين (رجل أمريكا) وعلى رأس جرائمه الحكم بإعدام خميس والبقري وسجن عدد كبير من العمال بمدد من (5- 15سنة)، فقد كافأه مجلس القيادة بتعيينه سفيرًا في بلجيكا. أما المقدم حسنى الدمنهورى الذي اعترض على اعتقال زملائه الضباط فكان مصيره الاعتقال. ووجّه إليه صلاح سالم السباب والكلمات البذيئة. وقام ضباط الحرس بضربه ضربًا شديدًا واستمر تعذيبه من الفجر حتى الرابعة مساءً دون طعام أو شراب. وفي منتصف الليل أستدعى إلى مبنى مجلس القيادة حيث وقف في السادسة صباحًا أمام محكمة برئاسة عبد الناصر. وكان عبد المنعم أمين من بين أعضاء المحكمة. وفي صباح اليوم التالى 9 يناير 1952 تـُلى عليه الحكم بالإعدام في غرفة مأمور سجن الأجانب ثم نـُقل إلى السجن الحربي مقيد اليديْن والرجليْن بالحديد بملابسه الرسمية. وكان هذا هو أول حكم بالإعدام يصدر على ضابط بالجيش المصرى بتهمة غير الخيانة العظمى. رفض محمد نجيب التصديق على الحكم ضد المقدم حسني الدمنهوري، وما فعله نجيب يستحق التقدير، لكن العقل الحر يلح عليه سؤال: لماذا لم يتخذ نفس الموقف مع العامليْن خميس والبقري؟. لماذا أطاع ونفذ رغبة الضباط وصدق على الحكم بإعدامهما؟.

     دافع حمروش عن ما يُسمى (ثورة 23 يوليو 52) ودافع عن عبد الناصر لدرجة أنْ كتب عنه في مقدمة الجزء الأول (كانت وفاة جمال عبد الناصر صدمة هزتْ مشاعر الأمة العربية. فقد رحل الرجل الذي عاش زعيمًا تـُلهب كلماته ومواقفه حماس الملايين. وانقضتْ بموته مرحلة هامة من مراحل ثورة 23 يوليو 1952). كتب حمروش ذلك رغم ما تعرّض له من اضطهاد من عبد الناصر، لدرجة اعتقاله وبقائه في زنزانة انفرادية لمدة 50 يومًا. ولكن في الجزء الثاني بعض الفقرات التي تدل على درجة لا بأس بها من الموضوعية مثل (لم تـُفرّق حركة الجيش بين الدور الوطني والنضالي الذى قامتْ به الأحزاب لمقاومة الاستعمار والاحتلال البريطاني) ورغم هذا الدور الوطنى فإنّ الضباط اعتقلوا هؤلاء الوطنيين. ومن بين جرائم الضباط (فصل الموظفين عن غير الطريق التأديبي) أي بدون تحقيق ولا محاكمة وذلك بحجة (التطهير) الذي أصاب صغار الموظفين ولم يمس الكبار) وكان موضوعيًا عندما كتب أنّ دستور سنة 1923 الذي أسقطه ضباط يوليو –رغم ما فيه من سلطات مطلقة للملك كان (ركيزة وضمانة لحرية الجماهير السياسية)، وفي يوم 17 يناير 1953 صدر بيان حل الأحزاب ومصادرة أموالها فكتب حمروش وهكذا (كشـّرتْ حركة الجيش عن أنيابها) وجاء على لسان كاتب البيان (ومنذ اليوم لن أسمح بأي عبث أو اضرار بمصالح الوطن وسأضرب بمنتهى الشدة على من يقف في طريق أهدافنا) وفي اليوم التالي صدر مرسوم بقانون بأنّ ما يتخذه مجلس القيادة هو من أعمال السيادة لا رقابة قانونية عليها فكتب حمروش (كان تركيز السلطة في يد مجلس قيادة (الثورة) إعلانــًا عن قيام نظام يستند إلى الدكتاتورية العسكرية. ولا يُجيد التخفي في ثياب الديمقراطية). رغم ذلك –وغيره كثير مما اعترف به حمروش– فإنّ الهوى الناصري/ العروبي طغى عليه فأشاد بزعيم العروبة الواحد الأوحد، رغم أنّ نظامه تأسّس على الدكتاتورية العسكرية وفق نص كلام حمروش.

    يبقى أن حمروش كان رئيس اللجنة المصرية للتضامن وأحد أبرز مؤرخى حركة 23 يوليو، ترأس مجلة “التحرير” وهي أول مجلة لحركة الجيش عام 1952، ثم أصدر أو رأس تحرير الهدف والكتائب وروزاليوسف إضافة إلى عشرات المؤلفات والكتب في السياسة والقصة والمسرح والرحلات. وعمل حمروش كاتباً بعد أن ترك القوات المسلحة عام 1955، ثم انتقل إلى الصحافة كاتبًا بجريدة الجمهورية وعين مديرًا للمسرح القومى عام 1956 ومديرًا لمؤسسة المسرح والموسيقى عام 1961، واختير سكرتيراً عاماً للجنة المصرية للتضامن الأفريقى الآسيوى وانتخب رئيساً للجنة المصرية للتضامن عام 1984 أصدر 25 كتاباً في السياسة والفن والأدب.

اضغط على الصورة