محمد عبدالرحمن عريف

   عبد اللطيف محمود البغدادي (20 سبتمبر 1917 – 8 يناير 1999) نائب رئيس الجمهورية المصرية الأسبق، وعضو مجلس قيادة الثورة. ضابط مؤرخ ترك مذكرات دقيقة في جزأين. ولد عبد اللطيف محمود البغدادي في 20 سبتمبر 1917 بقرية شاوة –مركز المنصورة– مديرية الدقهلية. حصل على البكالوريا سنة 1937. درس في الكلية الحربية وتخرج منها في 31 ديسمبر 1938 وكان الثاني على دفعته. التحق بمدرسة الطيران الحربي وتخرج فيها عام 1939 وكان الأول. وعمل ضابطا طيارًا بالقوات الجوية عام 1939، وتدرج من رتبة طيار ثان حتى رتبة قائد جناح “عقيد”.

  هي “أحداث بدأت في ليلة 22-23 يوليو سنة 1952. ولم يكن يخطر ببالي أو ذهني أن أدون حوادثها اليومية وأسجل أحداثها. بيد أني في نهاية عام 1953 أحسست أن هناك خطرًا يهدد مسيرة تلك الثورة واتجاهاتها المرتقبة. ذلك أن بوادر خلاف أو بالأحرى صراع عنيف بدأ يظهر ويتحرك بين اللواء أ.ح محمد نجيب وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة. ورأيت أن أسجل تلك الأحداث والأخطار التي تهدد ثورتنا وحتى لا تضيع الحقيقة عندما نفارق الحياة. ولهذا أراني قد كتبت في بداية مفكرتي لسنة 1954  في يوم 8 أبريل” ما يلي: “لقد دفعتني إلى كتابة هذه اليوميات حرصي على أداء حقي، وأن تعرف الأجيال القادمة وأن تلم ببعض الوقائع عن تاريخ بلادهم في هذه الحقبة من الزمن. وأن يعرفوا كيف كانت تسير ثورتهم ليأخذوا منها عبرًا، ولتكون درسًا لهم حتى لا يقعوا في نفس الأخطاء التي وقعنا نحن فيها، وحتى لا تخدعهم تلك المظاهر بل عليهم أن يبحثوا دائمًا وينقبوا وراء الحقيقة؛ ليعرفوا إلى أين كانت تسير القافلة ومن الذي أضر بها؟ كنت أعود في الحقبة الأولى من الصباح بعد مجهود مضن واجتماعات مستمرة طوال النهار والليل، ولكن أرى أنه من واجبي أن أدون ما حدث لتطلعوا عليه في يوم من الأيام عسى أن تستفيدوا من أخطائنا فتنجنبوها، ولتعرفوا أن السبيل إلى النجاح هو التمسك الدائم بالمبادئ والمثل التي اعتنقتموها، يوم تنحرفون عنها فمصيركم الفشل الأكيد مهما كان مقدار ما حصلتم عليه من نجاح أو شهرة. وإني إذ أكتب يومياتي هذه أرجو ممن يحصل عليها ألا ينشرها إلا بعد وفاتي، فهي أسرار كنت أتمنى أن أكتمها في نفسي وفي صدري ولا أبوح بها لأحد، ولكن واجبي نحو وطني يدفعني إلى هذا التسجيل.

    لم يكن قد مضى عام أو يزيد على قيام ثورة 1952 حتى بدأ الخلاف يدب بين أعضاء مجلس قيادة الثورة لسبب أو لآخر. وكانت تلك الخلافات قد بدأت تظهر وتتضح أثناء الصراع الذي كان قد حدث بين اللواء أ.ح. محمد نجيب وبين أعضاء المجلس. وكان قد ازدادت شدة وعمقًا بعد أن انتهى ذلك الصراع وأبعد محمد نجيب عن السلطة. ولم يكن الخلاف حول المبادئ الأساسية التي قامت الثورة من أجل تحقيقها، وإنما تركز حول أسلوب الحكم والطريقة التي كان يمارس بها في ذلك الحين.

    لقد كان واضحًا للبعض من أعضاء المجلس أن جمال عبد الناصر يسعى ويهدف إلى محاولة تركيز السلطة بيديه. ولقد اتضح هذا الاتجاه منه عندما اقترح تعيين عبد الحكيم قائدًا عامًا للجيش وترقيته من رتبة الصاغ إلى رتبة اللواء بدلاً من أن يتولى تلك القياد ضباط محترفون ومتفرغون لها وبعيدون عن ممارسة السياسة. وبهذا التعيين انتقلت السيطرة على الجيش من مجلس قيادة الثورة إلى عبد الحكيم وبالتالي إلى جمال عبد الناصر بحكم الصداقة والعلاقة الوثيقة التي كانت تربط بينهما.

    هنا جاءت الفرصة لجمال عبد الناصر أكثر لتحقيق ما كان يهدف إليه عندما اقترح جمال سالم أن يفوض مجلس قيادة الثورة سلطته إلى جمال عبد الناصر أثناء الأزمة مع محمد نجيب وموافقة أغلبية أعضاء المجلس على ذلك التفويض. وكان جمال عبد الناصر من جانبه أيضًا دائم السعي في أن تصبح له السيطرة على أجهزة الأمن في الدولة وعلى وسائل إعلامها أيضًا، وكذا على كل الأجهزة التنفيذية التي لها علاقة بالسياسة الخارجية في البلاد – وقد نجح في مسعاه. وكان البعض من أعضاء المجلس يرى ويعتبر أن هذا الذي يجري فيه خورج على مبدأ القيادة الجماعية والمتمثلة في مجلس قيادة الثورة. خاصة وأن أعضاءها متضامنون في المسئولية، وكل فرد فيها مسئول عما يتخذ من قرارات سواء اشترك في إصدارها أو صدرت دون علمه. كما أنهم كانوا يرون أيضًا أن تلك المسئولية الموكلة لمجلس قيادة الثورة مسئولية تاريخية وسيحاسبون عليها أمام التاريخ. كما أن إنفراد فرد بالسلطة له خطورته وأضراره على الاستقرار السياسي بالبلاد. ولكن الأمر انتهى في النهاية إلى انتقال السلطة كاملة إلى جمال وبشكل دستوري أيضًا عام 1956 بعد أن وافق الشعب عليه كرئيس للجمهورية. وعلى الدستور الجيد في استفتاء شعبي عام. ومن ظل من أعضاء مجلس قيادة الثورة مشاركًا في الحكم بعد هذا الاستفتاء، لم تكن مسئوليته إلا مسئولية فردية وعن العمل المنوط به فقط.

   أما المسئولية الكاملة عن الدولة ككل فقد أصبحت بحكم الدستور الجديد المستفتي عليه مسئولية جمال وحده. ولكن كيف انتقلت تلك السلطة إلى جمال، وما هي تلك الخلافات داخل مجلس قيادة الثورة التي تسببت في تفككه وإضعاف وحدته؟ – والإجابة على هذا التساؤل تتضح للقارئ من يومياتي وما جاء بها خلال تلك الفترة وهي تقول: لم يكن قد مضى شهر على تسوية الخلاف مع محمد نجيب حتى واجهنا مشكلة أخرى جديدة يوم 27 أبريل 1954. ففي هذا التاريخ اجتمع بعض من ضباط سلاح الفرسان بمبنى السينما الموجودة داخل معسكرهم بالعباسية وقرروا القيام بانقلاب عسكري. على أن يبدأ في صباح يوم 28 أبريل. وكانوا قد قرروا أيضًا مهاجمة منزل جمال عبد الناصر ومبنى القيادة العسكرية بكوبري القبة وكذا مبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة. والاكتفاء بمحمد نجيب كرئيس للدولة. مع إعادة الحياة النيابية في خلال ثلاثة شهور وإعلان بيان عن ذلك. القبض على 26 ضابطًا: وكان قد وصل إلى علمنا خبر اجتماعهم وما ينوون القيام به، فتم إلقاء القبض على ستة وعشرين ضابطًا منهم. وكانت المعلومات تفيد أيضًا أن هناك تعاونًا بينهم وبين البعض من المدنيين في هذا الأمر. لذا رئي إلقاء القبض على المدنيين المشتبه في أمرهم والعمل على محاكمتهم. وكذا محاكمة الضباط بمجالس عسكرية.

    ظلت الحالة هادئة بعد ذلك حتى شهر أغسطس من نفس العام إلى أن ثار صلاح سالم طالبًا الاستقالة من وزارة الإرشاد لاعتقاده أن هناك خطة قد رسمت لهدمه سياسيًّا وإبراز عبد الحكيم عامر. وفي يوم الأربعاء 25 أغسطس 1954 اجتمع به كل من جمال سالم وكمال وأنور وحسين الشافعي وأنا محاولين معه تسوية ذلك الموضوع. وكان ذلك بعد عودته من بغداد التي سافرا إليها لمقابلة “نوري السعيد” بغرض إقناعه بعدم الارتباط بالحلف الذي كانت تسعى بريطانيا جاهدة إلى إقامته والذي سمي فيما بعد بـ”حلف بغداد”. ولما اجتمعنا به أخذ صلاح يشرح لنا وبإسهاب ما يحس به وما لمسه في خلال الفترة السابقة لهذا التاريخ. وكان من ضمن ما اشتكى منه هو تدخل جمال عبد الناصر في أعمال وزارة الإرشاد القومي التي يتولاها. وأن هناك ازدواجًا في الأعمال التي هي أساسًا من واجبات وزارته. ذلك لأن جمال يقوم بتكليف جهات أخرى بعيدة عن أجهزة وزارة الإرشاد بأعمال هي من اختصاص وزارته كالشئون العامة للقوات المسلحة وغيرها. وتناول صلاح عدة موضوعات أخرى لا محل لذكرها هنا. وطالب أن يحصل على إجازة إلى أن يتم توقيع الاتفاقية النهائية على الجلاء مع بريطانيا. وأن يستمر موضوع استقالته معلقًا إلى أن يتم ذلك التوقيع. واقترح صلاح أن ينسحب أعضاء مجلس قيادة الثورة من السلطة التنفيذية، وأن ينسحب عبدالحكيم من قيادة القوات المسلحة. وأن تتولى الحكم وزارة مدنية، ويبقى مجلس قيادة الثورة لمراقبة السلطة التنفيذية وكحكم بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء. واجتمعت نفس المجموعة بعد انصرافها من عند صلاح للبحث عن حل لهذا المشكل الجديد.

   في مساء يوم الثلاثاء 21 يونيو 1955 تقابلت مع صلاح في منزل جمال سالم وأبلغنا صلاح أنه بعد انتهاء اجتماع مجلس الثورة يوم الأحد السابق فقد ذهب مع جمال عبد الناصر إلى منزله، وكذا زكريا محيي الدين. وأنهم ظلوا ساهرين حتى الساعة السادسة صباحًا. ثم عاد والتقى بهم صلاح ثانية في منزل عبد الحكيم يوم الثلاثاء. وكان عائدًا لتوه من هناك عندما التقى بنا. وذكر لنا صلاح ما قيل أثناء هاتين المقابلتين. وأني سأحالو أن أوردها هنا كما جاءت على لسانه بقدر الإمكان دون التعليق عليها أو الرد على ما جاء بها لأنها كلها خاطئة بالنسبة لي. يقول صلاح أن جمال عبد الناصر علق على اجتماع يوم الأحد السابق بقوله أن الخطة واضحة. وهي اتفاق البغدادي مع جمال سالم. وأن جمال سالم طيب ومستخدم في هذه العملية. وأن جمال سالم حاول إحراجه. وعتب أيضًا على صلاح لأنه هو الآخر قد سبق وأحرجه في اجتماع سابق للمجلس عندما طلب منه صلاح أن يبدي رأيه في نظام الحكم، ولم يكن هو مستعدًا لذلك. بغدادي كاتم في نفسه: وقال جمال عبد الناصر لصلاح: “إنني لاحظت أن البغدادي قد تغير أكثر مما كان بعد مقابلتك لي في برج العرب – وهو ساكن ولا يثير مشاكل ولا يتشاجر، ولكنه كاتم في نفسه الكثير، وهو يحاول ألا يتكلم في الفترة الأخيرة”. كما ذكر صلاح أيضًا أن موضوع خضوع جمال عبد الناصر لرأي الأغلبية قد أثير أيضًا، وأنه –أي جمال عبد الناصر- مصر على أن يكون له الرأي النهائي. وأن عبد الحكيم يؤيده في هذا الاتجاه – حتى أنه قال: “إننا سبق ودخلنا معارك كثيرة ومررنا بها، ولتكن هذه معركة أخرى”.

   يقول صلاح أنه سأل عن وضع جمال سالم والبغدادي بعد انتهاء فترة الانتقال. فقيل له: “إننا مازلنا نفكر”. وأبدى لهما صلاح حلاً مقترحًا أن يتولى جمال سالم رئاسة مجلسة الإنتاج، والبغدادي رئاسة مجلس الخدمات العامة، حتى يتم إبعادهما –على حد قوله- عن السلطة التنفيذية ولا يصبحا أعضاء في المجلس النيابي. ولكن جمال عبد الناصر اعترض قائلاً: “إنك تريد بهذا الاقتراح. أن يصبح هناك ثلاثة رؤساء وزارات”. كما اعترض عبد الحكيم أيضًا ذاكرًا أن معنى هذا أن يصبحا هما اللذين يؤديان الخدمات للشعب ويعملان على زيادة الإنتاج. كما قال جمال عبد الناصر أنه يحاول عدم جمع لجنة التخطيط، وأنه يعمل على إماتتها تدريجًا وذلك خوفًا من أن يحصل داخلها محور بين جمال سالم والبغدادي.

اقتراح عزل البغدادي

    يقول صلاح إنه بعد ذلك تساءل عن الحل، ومقترحًا عليهما العمل على تقريب جمال سالم إليهما حتى يتم بذلك عزل البغدادي لوحده. ويقول إن جمال عبد الناصر استجاب لهذه الفكرة قائلاً –على حد قول صلاح- أنها فكرة حسنة. وقال صلاح أيضًا إنه سألهما عما إذا كان لديهما حل آخر، وقد أجابه جمال عبد الناصر بأن الحل السعيد على ما يعتقد هو أن يكون حزبًا واحدًا يستمر عشر سنوات، وعلى أن يتم تعيين أعضاء الحزب ثم يرشح منهم أعضاء السلطة التشريعية. وأن يكون هناك مجلس أعلى للحزب. وأعضاء مجلس قيادة الثورة يكونون من ضمن أعضائه. وأن يحل مجلس الثورة. ويعطي المجلس التشريعي سلطات البرلمان كاملة حتى سلطة استجواب الوزير. وذكر صلاح أن اتجاههم أن تكون الدولة جمهورية برلمانية. وأن يتولى عبد الحكيم رئاسة السلطة التنفيذية على أن يظل في نفس الوقت القائد العام للقوات المسلحة.

تطور الأحداث في نهاية 1955

    في يوم 21 سبتمبر 1955 علمنا أن قوة عسكرية إسرائيلية قد قامت باحتلال منطقة العوجة المنزوعة السلاح وطردت مندوبي هيئة الأمم المتحدة منها. وكانت الولايات المتحدة في نفس الوقت قد أرسلت “كيرمنت روزفلت” لمقابلة جمال عبد الناصر بعد أن وصل إلى علمهم تعاقدنا على صفقة أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا. وكان قد سبق قبل حضوره أن قام السفير الأمريكي بمقابلة جمال عبد الناصر يوم 20 سبتمبر 1955 وتحدث إليه عن اعتراض الولايات المتحدة على إتمام هذه الصفقة. وقامت كل من الولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا بشن حرب باردة علينا بغرض إلغاء هذه الصفقة التي كان قد تم توقيعها.

عبدالناصر رئيسًا رسميًا لمصر

   نتيجة لهذا الموقف من هذه القوى والتي لا قبل لنا بها كان لابد لنا نحن أعضاء مجلس قيادة الثورة من أن نعمل على زيادة تماسكنا وتكاتفنا لمواجهة تحدياتهم. وأصبح لزامًا على كل عضو فيه أن يقدر هذه الظروف التي تمر بها بلادنا وأن يعمل كل منهم قدر استطاعته على تجنب الفرقة والخلاف. ولم يكن مجلس قيادة الثورة قد دعي إلى الانعقاد مرة ثانية لمعاودة مناقشة نظام الحكم وأخذ قرار نهائي فيه بعد اجتماع يوم 7 أغسطس 1955 – وذلك حتى أول يناير 1956 عندما دعا جمال عبد الناصر المجلس لمناقشة مشروع الدستور الجديد المقترح الذي سيحل محل الدستور المؤقت ويتواءم مع المرحلة الجديدة للثورة بعد انتهاء فترة الانتقال. وكان جمال عبد الناصر قد شكل لجنة قانونية من عدد محدود من بعض القانونيين لإعداد هذا الدستور. وكان يرأسهم مستشاره القانوني محمد فهمي السيد. وقام مجلس الثورة بعقد عدة اجتماعات في أيام متتالية ابتداء من يوم الأحد أول يناير 1956 لمناقشة المشروع المقترح. حتى يمكن إعلانه على الشعب لإبداء الرأي فيه قبل الاستفتاء عليه.

   كان أهم ما يلاحظ على المشروع المقترح هو أن الجمهورية المصرية لا هي جمهورية رئاسية ولا هي برلمانية بالوضع المتعارف عليه ولكنها خليط من الاثنتين معًا. ورئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية. وقد حددت له سلطات واسعة. وأغلب تلك السلطات والحقوق التي كانت واردة في مشروع الدستور المقترح ينظمها القانون وذلك بغرض ضمان السيطرة. كما نص أيضًا فيه على أن يعين قائد الثورة –أي جمال عبد الناصر- رئيسً للجمهورية في الفترة الأولى- وذلك لضمان استمرار النظام والثورة. وفي الفقرات الأخرى من الدستور أعطى الحق لمجلس الأمة أن يقوم بانتخاب رئيس الجمهورية بأغلبية الأصوات فيه ثم يقوم بترشيحه إلى الشعب للاستفتاء عليه. وأعطى أيضًا للمجلس من السلطات ما لا يقل عما هو وارد في دساتير بعض الدول من سؤال الوزير إلى استجوابه وسحب الثقة منه. كما أعطى له أيضًا الحق في محاكمة رئيس الجمهورية إذا فقد الثقة والاعتبار.

    لقد أعطى لرئيس الجمهورية حقًا مقابله وهو سلطة حل مجلس الأمة. كما أنه ورد في مشروع الدستور أيضًا على انتظام الأمة في اتحاد قومي شعبي كتنظيم سياسي. وهذا الاتحاد هو الذي يتولى الترشيح لعضوية مجلس الأمة. وجاء به كذلك ألا يسمح بقيام الأحزاب إلا بعد أن يصدر القانون المنظم لها، وبناء على اقتراح من الحكومة وموافقة ثلثي أعضاء مجلس الأمة. كما أن أهداف الثورة الستة التي تسعى وتعمل جاهدة إلى تحقيقها ورد ذكرها في مشروع الدستور كأهداف مطلوب تحقيقها ولو تدريجًا.

    نص أيضًا ولأول مرة على أن مصر دولة عربية وهي جزء من الأمة العربية. ودين الدولة الإسلام. كما ورد فيه أن للدولة الحق في أن تؤمم بقانون كل مؤسسة أو مشروع يتعلق بالمصلحة العامة مقابل تعويض عادل. وقام الشعب المصري بالاستفتاء على هذا الدستور المقترح وعلى رئاسة جمال عبد الناصر للجمهورية في يوم 25 يناير 1956 ونال أكثر من 98% من أصوات الناخبين. وانتقلت السلطة إلى جمال دستوريًّا بعد هذا الاستفتاء. وأصبح هو أيضًا بحكم رئاسته للسلطة التنفيذية له حرية اختيار معاونيه من الوزراء سواء من المدنيين أو من زملائه أعضاء مجلس الثورة السابقين ليعاونوه في أعمال السلطة التنفيذية. وأصبحت مسئولية كل منهم طبقًا للدستور الجديد مسئولية فردية وعن العمل المنوط به فقط وليست تضامنية كما كان الوضع أثناء وجود مجلس قيادة الثورة والذي كان يمثل قيادة جماعية.

   كان قد سبق هذا الاستفتاء انتهاء سحب القوات البريطانية من أرض مصر في يوم 13 يونيو 1956. وتم الجلاء بعد أن ظلت بريطانيا محتلة بلادنا أكثر من سبعين عامًا. واحتفل بهذا الجلاء رسميًّا يوم 18 يونيو 1956 في مدينة بور سعيد برفع العلم المصري على سارية مبنى البحرية بها والذي كانت تشغله القيادة البريطانية. وقام جمال عبد الناصر برفع العلم بعد أن قبله. وبعد أن قام زملاؤه أعضاء مجلس قيادة الثورة بتقبيله أيضًا والدموع تترقرق في أعينهم فرحة بهذا الأمل الذي تحقق والذي طالما حلمنا به وضحى في سبيله الكثير من شهدائنا. وكان من المفروض أن ينعقد مجلس الأمة طبقًا للدستور الجديد في نوفمبر 1956، ولكن أحداث تأميم قناة السويس وما تبع ذلك من حرب شنتها علينا كل من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل كان قد أجل انتخاب أعضائه واجتماعه حتى يوم 22 يوليو 1957. وكان قد اتفق في مجلس الثورة أثناء مناقشة مشروع الدستور على أن أقوم بترشيح نفسي لرئاسة مجلس الأمة في أول انعقاد له. وعندما تم انعقاده في يوليو 1957 رشحت نفسي لرئاسته. كما قام العضو بالمجلس محمد محمود جلال بترشيح نفسه أيضًا. وتم انتخابي رئيسًا له بأغلبية الأصوات.

استقالة صلاح سالم وأسبابها

   كان صلاح قد طلب انعقاد مجلس قيادة الثورة يوم الخميس 25 أغسطس سنة 1955 ليعرض عليه موقف مصر من الاتحاد مع السودان –وانعقد المجلس في ذلك اليوم وتواجد كل الأعضاء فيما عدا جمال سالم لوجوده بأندونيسيا وأنور لوجوده ببور سعيد. وكان المجلس قد استدعى كلا من اللواء صلاح حرب وزير الحربية الأسبق وكذا الأستاذ خليل إبراهيم لإعطائنا صورة عن الموقف في السودان فيما يتعلق بالاتحاد مع مصر– ولقد قاما بشرح الموقف موضحين أن قيام مصر برشوة كثير من السياسيين السودانيين والمشتغلين هناك كان له أثر سيء على أغلبية أفراد الشعب السوداني.

تأميم قناة السويس

  كان قد سبق وأعلن في أبريل 1956 عند اجتماع مجلس حلف بغداد في طهران أن الولايات المتحدة ستعمل على التعاون مع هذا الحلف عسكريًّا واقتصاديًّا. وجاء شهر يوليو 1956 بعد أن انتخب جمال عبد الناصر رئيسًا للجمهورية وكان قد بدأ يعد نفسه للقيام بزيارة يوغوسلافيا زيارة رسمية بدعوة من المارشال تيتو، تبدأ عند منتصف الشهر. وكانت هذه الزيارة هي أول زيارة له لبلد خارج مصر بخلاف رحلته إلى الهند وأندونيسيا وهو في طريقه إلى مؤتمر باندونج في أبريل 1955 ذلك غير السودان التي كان قد خدم بها ثلاث سنوات تقريبًا في أوائل الأربعينيات بعد تخرجه من الكلية الحربية. وكنت أحد أعضاء الوفد الذي رافقه في هذه الزيارة. وكان الغرض الرئيسي منها هو اجتماع زعماء دول الحياد الثلاث –نهرو وعبد الناصر وتيتو– في جزيرة بريوني وقد عقدت بينهم عدة اجتماعات دارت أثناءها المناقشة حول علاقة دول العالم الثالث بتكتلات الدول الكبرى. كذا القتال الدائر في الجزائر بين قوات الاحتلال الفرنسية والثوار العرب الجزائريين. وأيضًا القضية الفلسطينية، والحد من التسلح النووي. سحب تمويل السد العالي: وعدنا إلى القاهرة من هذه الرحلة يوم 19 يوليو 1956، وعلمنا بعد أن وصلنا إلى أرض الوطن مباشرة بما أعلنته الولايات المتحدة من سحبها لوعدها بالمساهمة في تمويل مشروع السد العالي بحجة ضعف الاقتصاد المصري وعدم قدرته على تحمل أعباء تنفيذ المشروع. وقام جمال عبد الناصر بإبلاغ نهرو الذي وصل معنا إلى القاهرة في طريقه إلى الهند بهذا التصريح الذي أدلى به “دالاس” وزير خارجية الولايات المتحدة. وكان الغضب قد انتاب جمال عبد الناصر من هذا التصريح خاصة مما جاء فيه عن وضع الاقتصاد المصري. ولم يمض أربع وعشرون ساعة على تصريح “دالاس” حتى أعلنت بريطانيا أيضًا هي الأخرى سحبها لمعونتها التي سبق وأعلنتها. وسقط بالتالي قرض البنك الدولي بعد انسحاب الدولتين لارتباطه بمساهمتها في تمويل المشروع. وكنت قد ذهبت في مساء يوم 21 يوليو 1956 لمقابلة جمال عبد الناصر في منزله، والتقيت مع علي صبري في حديقة المنزل أثناء مغادرته له. وعلمت منه أن جمال عبد الناصر قد استقر رأيه على تأميم قناة السويس كرد منه على موقف الولايات المتحدة وبريطانيا والبنك الدولي من تمويل مشروع السد العالي. وقد أكد لي جمال عبد الناصر هذا الاتجاه بعد أن التقيت به. وعلى أننا سنقوم ببناء السد العالي من دخل القناة الذي سيئول إلينا بعد التأميم. ولم يكن تفكير جمال عبد الناصر في تأميم القناة وليد الساعة، ولكن فكرة تأميمها كانت مختمرة في أذهاننا من فترة طويلة من بعد قيام الثورة.

    لم يكن قد حان الوقت المناسب لاتخاذ هذه الخطوة لوجود قوات بريطانية في منطقة القناة حتى 13يونيو 1956. وكانت إدارة التعبئة العامة بالقوات المسلحة المصرية قد كلفت منذ عام 1954 بالعمل على الحصول على البيانات اللازمة والمعلومات الكافية عن نشاط شركة قناة السويس وإدارتها. طلب مد الامتياز: وكانت امتياز الشركة ينتهي في عام 1968. ولكن وجودها على تلك الصورة التي كانت عليها، لم تكن إلا دولة مستقلة داخل دولة مصر. ومصر كدولة تحترم نفسها وإرادتها ولها استقلالها لم تكن ترضى لنفسها بمثل هذا الوضع. كذا لم تكن مصر تحصل من عائد الشركة الضخمة والمقدر بخمسة وثلاثين مليونًا من الجنيهات سنويًّا إلا على نسبة ضئيلة لا تزيد على 7% من هذا الدخل. ولما طلبت الحكومة المصرية من الشركة في عام 1955 ضرورة زيادة نصيب مصر من عائدها والعمل على زيادة عدد المصريين المشتغلين بالإدارة والملاحة بها أيضًا – كان رد الشركة على هذا الطلب هو طلب مد فترة الامتياز لها مقابل هذا الذي تقدمت به الحكومة المصرية. وقد بدأ في دراسة موضوع تأميم قناة السويس من جميع جوانبه المختلفة بعد أن غادر نهرو القاهرة مباشرة. وكان عبد الحكيم بالإسكندرية واتصل به جمال عبد الناصر وأبلغه بالاتجاه إلى تأميم القناة ولكنه –أي عبد الحكيم- كان يرى أن نعمل بالضغط على الشركة حتى تزيد من نسبة حصتنا من دخلها السنوي.

   لم يكن لدينا الوسيلة لإرغامها على تنفيذ ما يقترحه. كما وأن ردها على ذلك كان معلومًا لدينا من العام السابق. وكان من المهم أن نتأكد من موقف روسيا ومدى استعدادها في تمويل وإنشاء السد بعد هذا الموقف الذي اتخذته كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وذلك دون أن نخطرها باتجاهنا إلى التأميم. وما كنا نخشاه هو أن يمتنع الغرب عن القيام بتنفيذ المشروع حتى لو توافر لدينا النقد الأجنبي المطلوبة من عائدات القناة بعد تأميمها. وقد أجابنا الروس عن مدى استعدادهم برد شفهي من سفيرهم بالقاهرة “مستر كيسيليف” بأن الحكومة الروسية على استعداد من جهة المبدأ إلى مساندتنا.

    كان من الأمر الطبيعي والضروري أن نناقش مدى رد الفعل الذي سيحدث عند كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة بعد إعلان قرار التأميم ذلك للأضرار التي ستصاب بها مصالحهم في المنطقة وتأثرها بهذا القرار. وكان جمال عبد الناصر يستبعد استخدامهم القوة العسكرية ضدنا لاعتقاده أن فرنسا مشغولة بمعركتها مع الوطنيين الجزائريين داخل الجزائر نفسها. وأن إنجلترا ستخشى من تدمير مصالحها في العالم العربي، خاصة المنتجة منها للبترول لو قامت بالاعتداء علينا عسكريًّا. وأما الولايات المتحدة فليس لها مصلحة من قيام مثل هذه الحروب خاصة أن انتخابات الرئاسة فيها كانت على الأبواب في نهاية نفس العام.

    كان هناك رأي آخر يعتقد أن بريطانيا ستخشى من ضياع هيبتها وبالتالي مصالحها في المنطقة لو تم تأميم القناة دون تحرك منها. ولأن هذه الخطوة من مصر ستشجع دولاً أخرى عربية على اتباع نفس السياسة. وأما فرنسا فربما تحاول العمل على حل مشكلتها داخل الجزائر بضرب مصر وإسقاط النظام بها الذي يمد المساعدة للثوار الجزائريين ويوفر لهم احتياجاتهم من الأسلحة.

تحويل الأرصدة

   لكن جمال عبد الناصر كان يرى أن كل ما يمكنهم فعله هو الضغط علينا اقتصاديًّا، ومحاولة تجميد أرصدتنا من النقد الأجنبي الموجود في البنوك لديهم. لذا طلب من الدكتور عبد المنعم القيسوني أن يعمل على تحويل أكبر قدر ممكن من هذه الأرصدة من بنوك كل من بريطانيا وفرنسا وأمريكا إلى دول أخرى كسويسرا وعلى أن يتجنب إثارة الشبهات حول هذا التصرف منا. ولكن لضيق الوقت لم يتمكن القيسوني من تحويل كل أرصدتنا التي كانت لدى بنوكهم ولأنه خشي أن يلفت النظر إن قام بتحويل مبالغ ضخمة دفعة واحدة. ولقد عملوا على تجميد القدر الأكبر من أرصدتنا التي لم يتمكن من تحويلها بعد أن أعلن جمال قرار التأميم في 26 يوليو 1956. وكانت قد اتخذت ترتيبات الاستيلاء على مكاتب الشركة في كل من مدن القاهرة وبور سعيد والإسماعيلية والسويس، وعلى أن يتم ذلك بصورة مفاجأة ودون أن تتسرب أية معلومات إلى إدارة الشركة الأجنبية تجنبًا من حدوث مقاومة أو تخريب لمنشآت من بعض العاملين الأجانب بها، أو العمل على إخفاء مستنداتها والتي كان لابد لنا من الاستيلاء عليها. لذلك فقد استدعى جمال عبد الناصر المهندس محمود يونس. وكان ضابطًا سابقًا بالجيش المصري وعلى قدر كبير من الكفاءة الإدارية. وقام بتكليفه يوم 24 يوليو 1956 بمسئولية الاستيلاء على منشآت الشركة ومكاتبها والعمل على إدارتها بعد إعلان قرار التأميم.

   كان عليه أن يقوم بدراسة وعمل الخطة التنفيذية لتحقيق هذا الغرض. وقد ترك له جمال حرية العمل واتخاذ ما يراه من خطوات مع مراعاة السرية التامة وعدم إباحته لهذا السر إلى أي شخص كان إلى أن يتم إعلان قرار التأميم. وفي اليوم التالي لهذا التكليف عاد محمود يونس وتقدم بكشف به بعض الأسماء من الفنيين المصريين الذين يرغب في استعارتهم من جهات العمل التابعين لها ليعاونوه في مهمته. وقد أجيب إلى طلبه. وصدر القرار اللازم بهذه الإعارة. وقام جمال بإبلاغه أن كلمة السر هي “دي ليسبس” وعليه عند سماعه لها أثناء إلقاء جمال لخطابه يوم 26 يوليو 1956 بالإسكندرية أن يقوم على فوره – بتنفيذ خطته في الاستيلاء على مكاتب الشركة ومنشآتها والعمل على تأمينها.

   كانت قد أعدت أيضًا بعض من الوحدات العسكرية ووضعت تحت تصرفه لاستخدامها وقت الضرورة إن استدعى الأمر ذلك. وقد كلف بإعداد هذه الوحدات الصاغ عباس رضوان مدير مكتب عبد الحكيم وبأمر من جمال نفسه لوجود عبد الحكيم في الإسكندرية. موتو بغيظكم: وكان حفل افتتاح مشروع خط أنابيب البترول من السويس إلى مسطرد شمال القاهرة في يوم 24 يوليو 1956. وقام جمال عبد الناصر بإلقاء كلمة عند افتتاحه له. وأشار فيها إلى مشروع السد العالي وسحب تلك الدول تمويلها للمشروع. وأكد في كلمته على أننا سنقوم بتنفيذه. وأننا سنعتمد على أنفسنا في ذلك. وقال كلمته المشهورة “موتوا بغيظكم”. والتي أخذت محطة صوت العرب ترددها بعد ذلك باستمرار في حملتها الإذاعية على تلك الدول.

   كان مشروع قانون التأميم قد أعد يوم 25 يوليو قبل أن نغادر القاهرة إلى الإسكندرية والتي توجهنا إليها في صباح اليوم التالي. ولم يكن الوزراء المدنيون يعلمون بهذا القرار إلا بعد ظهر يوم 26 يوليو بعد أن وصلنا إلى الإسكندرية. وقد علموا به بعد أن استدعاهم جمال إلى منزله وقبل أن نتوجه منه مباشرة إلى ميدان المنشية الذي كان جمال سيلقى منه خطابه. وقد طلب منهم الاحتفاظ بسريته للأهمية القصوى حتى الانتهاء من إلقاء الخطاب. وهذا الخطاب أخذ من الوقت ما يقرب من الساعتين والنصف ساعة. وندد جمال فيه بالاستعمار البريطاني في مصر قبل الثورة. وذكر موقف الحكومات المصرية منه. كما أشار إلى موقف الثورة من هذا الاحتلال وقارن بين الموقفين. وأشار كذلك إلى قرار مصر بشراء السلاح من روسيا بعد تعنت الغرب معنا. وأوضح أن مصر قد رسمت لنفسها سياسة حرة مستقلة، ومن أن هذا السلاح ليس بسلاح شيوعي ما دام هو في أيد مصرية، وأنه قد أصبح سلاحًا مصريًّا. كما أشار إلى قضية فلسطين والجزائر ورغبة الغرب في أن نخضع لسياسته التي تملى علينا منه. وأن مصر ترفض هذه السياسة وترغب في أن تكون لها شخصيتها المستقلة. وبين أن الاستقلال الاقتصادي له نفس أهمية الاستقلال السياسي. وشرح أيضًا قصة تمويل السد العالي، وأنه قد توصل إلى نتيجة وهي أن الشروط التي تقدم بها كل من البنك الدولي وبريطانيا والولايات المتحدة كان الغرض منها هو السيطرة على استقلالنا الاقتصادي. وأن السبب في سحب أمريكا تمويلها للمشروع هو أن الغرب يرغب في عقاب مصر لرفضها الاشتراك في أحلافهم العسكرية.

   ثم تدرج في خطابه بعد ذلك إلى مفاوضاته مع “يوجين بلاك” رئيس البنك الدولي. وأنه كان يذكره وهو جالس أمامه “بفرديناند دي ليسبس” عندما جاء إلى مصر سنة 1854 لإقناع الخديو بشق قناة السويس.

   قام جمال بتكرار اسم “دي ليسبس” عدة مرات حتى يطمئن أن محمود يونس ومجموعته قد سمعوها جيدًا. وبعد أن أعلن جمال قانون تأميم القناة قال للمستمعين إلى خطابه أن هناك أخوة لهم يقومون في نفس اللحظة التي أعلن فيها ذلك القرار التاريخي بالاستيلاء على مباني الشركة ومنشآتها وإداراتها المختلفة لنقوم نحن بإدارتها بأنفسنا ولنستعيد بعض أمجادنا الماضية. وقد هب مباشرة كل المجتمعون من أفراد الشعب في ميدان المنشية بعد أن أعلن جمال قانون التأميم، وأخذوا يصيحون صيحة الفرح والسرور والشعور بالقوة والكبرياء. ودام هذا فترة طويلة والحماس يملؤهم جميعًا. كما قام في نفس اللحظة أيضًا جميع الوزراء المدنيين منهم والعسكريين وقد تعانقت أيديهم إلى أعلى مؤكدين وحدتهم وتماسكهم ضد تلك القوى التي تستعدينا وترغب في إملاء إرادتها علينا.

   لقد كان لقرار تأميم قناة السويس صدى واسع في العالم كله، وفي العالم العربي خاصة. وأصبح جمال عبد الناصر بعد هذا القرار بطل القومية العربية وزعيم العرب دون منازع. وكان قد سبق ونال إعجاب الجماهير العربية عندما كسرت مصر احتكار الغرب للسلاح واتجهت نحو روسيا وتبعتها من بعدها سوريا في أوائل عام 1956.

شهادات البغدادي على عبدالناصر

    يقول البغدادي، أنه إذا كان الناصريون/ العروبيون كتبوا كثيرًا أنّ ما حدث في يوليو 52 (ثورة عظيمة قام بها الجيش وأيّدها الشعب) فإنّ البغدادي نقل ما دار في جلسة من جلسات مجلس الوزراء في مارس 54 أنّ الأعضاء كانت أعصابهم مشدودة والجو مكهرب فقال عبد الناصر (إنّ هذه (الثورة) ليستْ لها قاعدة شعبية تعتمد عليها، وليس هناك من يؤيدها لا من الشعب ولا من الجيش. وأنّ الذين قاموا بها 90 ضابطــًا وأنهم في تناقص حتى أصبح عددهم 50.

   الأكثر دلالة أنّ البغدادي قال لعبد الناصر (معنى هذا أننا نفرض أنفسنا على البلد) فردّ بالإيجاب، وعن حقيقة دور محمد نجيب ذكر أنه (كان في البداية خاضعًا لا حول له ولا قوة وأنه لم يكن إلاّ صورة، ثم حاول أنْ يظهر أمام الشعب بأنه قائد (الثورة) فأخذ يُدلى بالتصريحات المختلفة. وأصبح الموضوع مزايدات سياسية بينه وبين جمال في خطبهم عن الدكتاتورية والحريات النيابية. وفي مشادة عنيفة قال صلاح سالم لنجيب (من الذي أتى بك قائدًا للثورة؟ ومن الذىيكان يعرفك من قبل) وفي جلسة أخرى بكى نجيب وقال (البلد ح تروح في كارثة الانقسام. يا رب بتعذبنى ليه؟ موتني. انفضحتْ يا محمد نجيب. حاكموني) وفي اليوم التالي قال عبد الناصر أنه يعتقد أنّ نجيب سيعود إلى الحظيرة كما كان في أول (الثورة).

    هذه الثقة من عبد الناصر (نجيب سيعود للحظيرة) تؤكد ما ذكره كل من أرّخوا لتلك الفترة من أنّ عبد الناصر هو المحرك لكل الأحداث وهو ما صاغه البغدادي في تعبير (أصبح مجلس القيادة هو عبد الناصر) وكان عبد الناصر صريحًا ومباشرًا عندما قال لزملائه الضباط (كل ما أطلبه منكم أنْ تـُعطونى حق حرية التصرف دون الرجوع إليكم).

    من بين نقط الاتفاق في مذكرات الضباط والمؤرخين قرارات مجلس قيادة (الثورة) بهدم ما كان قبل استيلائهم على مصر، فتقرّر إلغاء دستور سنة 23 في 10 ديسمبر 52. وفي 17 يناير 53 قرار بحل الأحزاب والهيئات السياسية ومصادرة أموالها فيما عدا جمعية الإخوان المسلمين. ولترسيخ نظام السلطة الفردية المطلقة، صدر في 10 ديسمير 53 الدستور المؤقت الذي منح سلطة السيادة لقائد (الثورة) ومجلس الوزراء له حق ممارسة السلطة التنفيذية والتشريعية. وفي واقعة ذات دلالة حكى البغدادى أنه في إحدى الجلسات قرّر مجلس القيادة خضوع الأغلبية لرأي الأقلية وفي جلسة 7 أغسطس 55 طلب حسن إبراهيم (أنْ تـُخول السلطة كاملة لعبد الناصر) وأيّده في ذلك كمال الدين حسين وصلاح سالم وعبد الحكيم عامر والسادات وزكريا محيي الدين وجمال سالم).

   كتب البغدادي عن نفسه أنه (يرى أنْ تكون قيادة واحدة وفي شخص واحد هو عبد الناصر). فالبغدادي تطابق مع زملائه في (تخويل عبد الناصر السلطة كاملة) ولكنه تعمّد أنْ يكتب بصياغة مُغايرة ليبدو (في الظاهر) مختلفـًا وهو ما تأكد بعد صفحتيْن فكتب أنه شعر أنّ زملاءه (يُكيّفون سياستهم حسب ظروف مصلحتهم فقط، وأنه يجب علينا أنْ نخرج بكرامتنا ونعمل على إضعاف عبد الناصر، لأنّ غروره لقوته سيضر هذه البلاد فى المستقبل. ولابد أنْ يشعر أنّ هناك قوى أخرى تـُناوئه حتى لا يشتط في تصرفاته).

    نعم هذا الكلام من البغدادى يتناقض مع موقفه عندما منح عبد الناصر (السلطة كاملة) ومع هذا زعم أنه قال (إنّ تنازلنا عن السلطة وهى فى أيدينا لها دلالتها وقوتها وبها نضرب المثل للأجيال القادمة) فردّ عبد الناصر عليه بأنه (غير مستعد لأنْ توضع البلاد تحت التجربة ويخشى من السلطة التنفيذية المدنية المقترحة أنْ تخبط منه البلد) ولا أعرف إذا كانت كلمة (تخبط) التي جاءتْ في جملة (تخبط منه البلد) قالها عبد الناصر، أم من صياغة البغدادي، لأنّ المعنى المقصود من السياق (تخطف) وليس (تخبط).

   يتفق البغدادي مع كثيرين كتبوا عن علاقة عبد الناصر بالأمريكان ، فذكر أنّ عبد الناصر اجتمع مع كيرمنت روزفلت في منزل السفير الأمريكى (بايرود) يوم 28 سبتمبر 55. وذكر معلومة يتجاهلها كثيرون وهي أنّ السفير الأمريكي (كافري) يوم 26 يوليو 52 كان مع الضباط المصريين فى وداع الملك فاروق أي أنّ السفير الأمريكى كان يطمئن ويتأكد بنفسه أنّ أميركا انفردتْ بمصر دون منافس. وهو ما تحقق بالفعل وتأكد بالمعلومات التي ذكرها كثيرون أمثال خالد محيي الدين ومحمد نجيب عن علاقة علي صبري بالأمريكان فكتب البغدادي (كنتُ أعرف مدى صداقة على صبرى (قبل يوليو 52) وكان مديرًا للمخابرات الجوية بالملحق الجوى الأمريكى بالقاهرة (إيفانز) لذا اقترحتُ على باقى الزملاء فكرة استدعاء علي صبري لإبلاغ السفير الأمريكي عن طريق الملحق الجوي بالانقلاب. على أنْ يقوم السفير الأمريكي بإبلاغ السفير البريطاني بتلك الرسالة. وقام علي صبري بهذه المهمة بالفعل. وهذه الخطوة كانت عاملًا مساعدًا في توثيق العلاقة بين أمريكا ومصر في السنين الأولى من الانقلاب).

   لقد كان خالد محيي الدين صريحًا عندما كتب أنّ عبد الناصر رتــّب علاقة مع الأمريكان قبل الثورة عن طريق علي صبري وأنّ السفير الأمريكي في مصر (كافري) كان يتباهى أمام السفراء الأوروبيين بثقته في ضباط يوليو واصفـًا إياهم بأنهم My boys أى أولادي. فمن أين استمد السفير الأمريكي هذه الثقة في الضباط إلاّ إذا كان قد لمس فيهم الطاعة والخضوع للسياسة الأمريكية؟.

   البغدادى فى مذكراته كان موقفه أكثر سفورًا من غيره ممن كتبوا مذكراتهم عن المذبحة التى دبّرها ضباط يوليو ضد عمال مصانع كفر الدوار، فكتب أنها مؤامرة شيوعية لأنّ (الشيوعيين كانوا مُتخوفين من (ثورتنا) ووصفوها بأنها (ثورة برجوازية) وأنّ الولايات المتحدة الأمريكية وراءها) بعد هذه الجملة كان البغدادى أصدق من غيره الذين حاولوا (تجميل) ضباط يوليو بوضع بعض المساحيق التى وضعها الناصريون مثل أنّ (أصحاب المصانع هم الذين حرّكوا العمال بغرض إفشال حركة الجيش) والبعض نسب تحرك العمال لـ(فلول الملك) إلى آخر تلك الأكاذيب، فكانت شهادة البغدادي واحدة من الشهادات التي كذبتْ هذا الادعاء إذْ كتب بعد الفقرة السابقة مباشرة (وكان لابد لنا أنْ نـُقابل هذا (الشغب) بحزم وشدة لإيقاف هذا الاتجاه والعمل على منع تكراره حتى لا تسري هذه العدوي إلى شركات ومصانع أخرى. وقرّرنا تشكيل محكمة عسكرية.. إلخ).

    أما عن التصديق على حكم إعدام خميس والبقرى فقد كذب البغدادي رواية الناصريين الذين زعموا أنّ خالد محيي الدين وعبد الناصر اعترضا (أو امتنعا) عن التصويت فكتب البغدادي (صدق على هذه الأحكام مجلس قيادة (الثورة) وبإجماع الأصوات لأنّ القاعدة التي كان قد أتفق عليها أنّ أي قرار بالإعدام يُتخذ من المجلس لابد أنْ يكون بإجماع الآراء). وكتب مُتباهيًا بهذا الفعل الدموي أنه تم تنفيذ الحكم العسكرى بإعدام خميس والبقري فكانت النتيجة: (ولم يتكرّر ما حدث في كفر الدوار وتجنبنا بذلك مشاكل ربما كانت تؤدي إلى مآس كثيرة وضحايا جديدين).

   أما الموقف ضد الطبقة العاملة أكده أحمد الجبالي في كتابه (العمال في الحركة الشيوعية) فذكر أنّ ضابط المخابرات وفاء حجازى قال بعد اضراب عمال مصنع الشوربجى (لقد أعدمنا خميس والبقري ونحن مستعدون لإعدام مليون لتعيش الثورة). فكانت مكافأته بتعيينه سفيرًا في أوروبا. ويوم 14/8/52 قال السادات أنه (سوف يُعلق المشانق في شبرا الخيمة على أبواب المصانع إذا حدث أي تحرك من العمال).

    البغدادي كما أيّد قمع العمال، أيّد قمع السياسيين خاصة قيادات حزب الوفد فشكل الضباط لهم محكمة عسكرية برئاسة البغدادي الذى يتباهى في مذكراته بهذا الدور اللاإنساني في قمع المختلفين سياسيًا بحجة أنهم من (العهد البائد) كما وصفه عبد الناصر. كتب البغدادي ذلك ولم يخجل من تناقضه لأنه ذكر أنّ (فؤاد سراج الدين سكرتير حزب الوفد كان مقتنعًا بفرض ضرائب تصاعدية). أي أنّ فؤاد سراج الدين (الاقطاعي أو الرأسمالي) مع تطبيق الضريبة التصاعدية على الرأسماليين وأعلن موقفه صراحة لعبد الناصر باعتراف البغداي، فهل يستحق سراج الدين محاكمته أم التعاون معه؟.

   البغدادى الذى رضى لنفسه أنْ يرأس محكمة (عسكرية) لمحاكمة مدنيين، لم تـُوجّه إليهم أى تـُهم جنائية أو مدنية، وإنما لأسباب سياسية وأنهم من (رموز العهد البائد) ومع ذلك عندما حاول استخدام صلاحياته ورفض محاكمة محمود أبو الفتح ، فإنّ عبد الناصر كان صريحًا وهو يخلع كل الأقنعة من على وجهه فقال له (أنتَ لستَ بقاضٍ وإنما تحكم باسم المجلس في قضايا سياسية، وأننا اتفقنا هنا في المجلس على أنْ تعرض علينا كل قضية قبل صدور الحكم فيها، والمجلس هو الذى يُقرّر الحكم، ولكنك اتخذتَ صفة القاضي ولم تعرضها على المجلس)، فردّ عليه البغدادي (إننا لم نتفق على عرض كل قضية على المجلس) فقال عبد الناصر (هذه قضايا سياسية ولابد من تقدير الظروف) فقال البغدادى أليس للمجلس ثقة في ثلاثة من أعضائه لتقدير هذه الظروف ويمكن الاعتماد عليهم؟).

   لقد اتفق البغدادي مع خالد محيي الدين ونجيب عن دور عبد الناصر في التفجيرات الستة التي حدثتْ في وقت واحد: محطة السكة الحديد والجامعة وجروبي، اعترف عبد الناصر أنها من تدبيره لأنه كان (يرغب في إثارة البلبلة في النفوس ويجعل الناس يشعرون بعدم الأمن وبأنهم في حاجة لمن يحميهم). كذلك اتفق الثلاثة على أنّ عبد الناصر منح صاوي أحمد صاوي مبلغ أربعة آلاف جنيه (من خزينة الدولة) ليُحرّض عمال النقل ضد الديمقراطية وأنه اعتقد أنّ خالد محيي الدين ويوسف صديق سيفعلان نفس الشيء، فكان عليه أنْ يسبقهما.

    لقد بدّد عبد الناصر أموال وموارد مصر في المؤامرات والصرف على بعض الصحف العربية لتمجيده والترويج لأسطورة (زعيم العروبة وقائد التحرر الوطني) ورغم ذلك عندما أنزلتْ إسرائيل بعض جنود المظلات عند ممر متلا بسيناء، فإنّ القوات الجوية المصرية لم تتخذ أي رد فعل، فكان تبرير محمد صدقى محمود رئيس هيئة أركان حرب القوات الجوية (عدم توافر الوقود اللازم للطائرات (المصرية) وفي اليوم التالى 30 أكتوبر 56 تم تبليغ مصر بالإنذار الفرنسي/ البريطاني (ولكن عبد الناصر لم يأخذه مأخذ الجد) وإذا كان عبد الناصر لم يهتم فإنّ البغدادي انتقل إلى الحجرة المقابلة لمكتب عبدالحكيم عامر (ليقص الحلاق شعري) وعندما تأكد جميع كبار الضباط بالهزيمة الساحقة الماحقة. قال البغدادي أنه سينتحر، فقال عبد الناصر (من المُستحسن أنْ ننتحر جميعًا) وطبعًا لم ينتحر أحد وإنما ظلوا في مناصبهم حتى يُجهزوا للكارثة التالية (يونيو 67) الشهيرة باسم الدلع الذى أطلقه عليها هيكل (نكسة) وبعد أنْ كان الكلام عن (الانتحار) وتبين أنه (فض مجالس) كما يقول شعبنا الأمى في أهازيجه العبقرية إذا بعبد الناصر يقترح (التفاوض مع القوى المعتدية لوقف القتال).

     قال سليمان حافظ الناس بيقولوا عبد الناصر (بيخلط بين مجده الشخصي ومستبقل البلاد) واعترف البغدادي (أنّ الطائرات الإسرائيلية وصلتْ إلى ألماظة وضربتْ المطار بالقنابل) أي أنّ التضليل الناصري كذب عندما ركز على أنّ الاعتداء كان داخل مدن القناة فقط، وأنّ عبدالناصر صارحه بأنه لا يعرف شيئـًا عن الجيش المصري، وعندما زار الإسماعيلية ورأى الكارثة التي حلتْ بالقوات المسلحة قال (إنها بقايا جيش محطم وإنّ 130مليون جنيه ضاعتْ هباءً ثم قال بالإنجليزية (لقد هـُزمتُ بواسطة جيشي) ورغم هذه الكارثة وبعد انسحاب قوات الدول الثلاث فإنّ عبدالناصر منح عبد الحكيم عامر قلادة النيل. فأي كابوس هذا الذي كان شعبنا يعيشه؟.

    يبقى في النهاية أن البغدادي كان أول ضابط طيار مصري ألقى قنابل على تل أبيب، وكان قائد جناح 9. حصل على النجمة العسكرية مرتين خلال حرب فلسطين. قائد أول تنظيم سرى في سلاح الطيران. في 1948 عين قائداً لمحطة طيران غرب القاهرة. انضم لتنظيم الضباط الأحرار عام 1950. عقب ثورة 23 يوليو عين مراقباً عاماً لهيئة التحرير. في 18 يونيو 1953 عين وزيراً للحربية في عهد الرئيس محمد نجيب. في 17 إبريل 1954 عين وزيرًا للشئون البلدية والقروية ورئيس لمجلس الخدمات العامة في وزارة الرئيس جمال عبد الناصر. في 29 يونيو 1956 عين وزيراً للشئون البلدية والقروية ووزيراً لإعادة تعمير بورسعيد بعد العدوان الثلاثي. في 22 يوليو 1957 انتخب أول رئيساً لأول بعد قيام الوحدة مع سوريا حل مجلس الأمة وعين نائبًا لرئيس الجمهورية. في أغسطس 1958 عين نائباً لرئيس الجمهورية لشئون الإنتاج. في 8 نوفمبر 1960 عين رئيساً للجنة الوزارية للشئون الاقتصادية العليا. في 17 أكتوبر 1961 عين نائباً لرئيس الجمهورية للإنتاج ووزيراًللخزانة والتخطيط. في 19 أكتوبر 1961 كلف بإعادة تنظيم الجهاز الحكومي.في 24 أكتوبر 1962 عين عضواً للجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي. ظل بمجلس الرئاسة الذي شكل في نوفمبر 1963. في مارس 1964 قدم استقالته واعتزل الحياة السياسية. أول من شق بعصاه طريق كورنيش النيل في زمن قياسي.