بقلم الدكتور علي لكحل استاذ بجامعة الجزائر 3

تضمن خطاب قائد أركان الجيش رؤية المؤسسة العسكرية للحل الدستوري الذي تبنته، ونبه لجملة من المعطيات والآليات المرافقة للحل، ودوره في خلق بيئة مقبولة للانتخابات، من خلال ادوات تعدها المؤسسة وتعمل عليها بالشراكة مع القضاء، ومن خلال مقترحات يقع حملها على الطبقة السياسية والمجتمع المدني والشخصيات الوطنية.

ترى المؤسسة العسكرية أن الحل لن يكون سوى حلا دستوريا، باعتباره أحد المبادئ غير القابلة للمساومة، ومرجع ذلك يعود لتبني أغلبية الشعب لهذا الحل، الأمر الذي يشير إلى أن الجيش ينطلق من معلومات على المستوى الوطني وليس من بعض الساحات التي المحسوبة على ماتبقى من الأقلية. وفي هذا الخيار الدستوري ينتهي الحديث عن أي مقترح يتضمن مايسمي بالمرحلة الانتقالية، او المجالس التأسيسية، أو الفراغ الدستوري.

إن مفتاح الازمة هو الحوار ولكن مع الاستعداد للتنازل عن الأنانيات الشخصية والحزبية وغيرها وتغليب المصلحة الوطنية، فالحوار أداة لتشخيص الوضع وتحديد مصلحة الوطن والتوافق على آليات الحركة.

محتوى الحوار يتضمن الاوليات التالية:

اولا: الإسراع والتعجيل في انتخاب رئيس الجمهورية في الأوقات والآجال المتاحة دستوريا والمقبولة زمنيا،

ثانيا:البحث عن انجع الطرق التوافقية الموصلة للانتخابات.

ثالثا: ان يشارك في الحوار المخلصون من الجزائريين، وهم الطبقة السياسية والمجتمع المدني والشخصيات الوطنية، بعد أن تأكد أن هناك من يخلص لشخصه وحزبه وحتى لقوى خارجية، أكثر من إخلاصه للوطن. الأمر الذي يحملهم مسؤولية تاريخية في وضع حد لأصحاب الولاءات المشبوهة. آلية الحوار التي تفضي لهيئة مستقلة توافقية لتنظيم الانتخابات يعني سحب البساط السياسي من الباءات في الاشراف على العملية الانتخابية، بدل انهاء مهمتهم التي أصبحت مهمة لوجيستية أي التحضير المادي والتقني، وهذا يضمن البقاء ضمن الحل الدستوري بدل المغامرة و ظهور التأويلات المختلفة. ولا يأت ذلك منن عدم قدرة الجيش على فعل ذلك وانما في عدم رغبته فيه، تقيدا بالدستور، وبالمعاجلة الهادئة والهادفة التي تراعي ماتمر به الجزائر اليوم.

ثالثا: ان يتضمن الحوار توفير أحسن الشروط التي تضمن شفافية ومصداقية الانتخابات لأن ذلك من متطلبات الديموقراطية الحقة، فالانتخابات ضرورة وليست خيار من الخيارات، فلاديموقراطية بدون انتخابات، وان أفضل أدواتها هو العودة إلى الشعب، بدل الاستغراق في المغالاة السياسية والايديولوجية، فلامجال للتعيين في نظام توافقنا فيه على الديموقراطية، وعليه فالنقاش لايجب ان ينصب على الديموقراطية او أحد أدواتها، وانما ينصب على شروط النزاهة والشفافية، لأن التخوف من عمليات التزوير مشروعة أما التخوف من الديموقراطية والانتحانات نفسها فإنه يخفي إرادة البعض في التعيين والمساومة، بدل التوجه نحو الشعب، وفي ذلك خلل وتناقض واضح.

فكيف نطالب يالديموقراطية بدون انتخابات؟

وكيف نساوم السلطة التي نقف ضدها على التعيين؟

وإذا رغبنا في التعيين فكيف نجعل السلطة نفسها مصدر السلطة، في حين أن ابجديات الديموقراطية تجعل الشعب المصدر الوحيد للسلطة؟

كيف ندعو للوصول إلى السلطة أو البقاء فيهأ أو الخروج منها بدون انتخابات؟

كيف نتجاوز إرادة الشعب ونحو نطالب بها؟

كيف ندين سلطة العصابة السابقة وندعو لنفس آليات حكمها، ونعيد انتاج نفس أساليبها. اليس ذلك مخيبا لآمال وطموحات الشعب الجزائري؟

إن إطالة عمر الأزمة يأتي من استمرار بعض الأشخاص وبعض الأطراف في إبداء معارضة تستند فقط إلى نهج تشويه صورة الآخرين، أو صياغة طلبات جديدة واقتراحات غير صائبة بل وغير موضوعية، تصب في خانة الممارسات غير البناءة،تعد محاولة لتقمص دور الرئيس المنتخب وبدون تفويض شعبي لرسم صورة الجزائر الجديدة. بينما يقتضي المنطق أن يتقدم المرشحون ببرامجهم ليكون الفائز منهم رئيسا لكل الجزائرين، وتقع عليه مسؤولية قيادة البلاد نحو التغيير، وتنفيذ مشروع يصادق عليه الشعب. وهذا السبيل المطلوب لإحداث القطيعة مع ممارسات الماضي.

ولأن الأمر لايخلو من تخوف البعض من استمرار قوى الماضي وأذرعه المالية والسياسية في التأثير على صنع مستقبل الحزائر الجديدة فقد تعهد الجيش باسم قائده على مايلي:

اولا: مرافقة العدالة وحمايتها حماية كاملة من أي مصدر كان، بما يسمح لها بأداء مهامها على أحسن وجه ويكفل لها القيام بدورها التطهيري على الوجه الأصوب.

ثانيا: إخراج كافة الملفات ومعالجتها بكل عدل وإنصاف مهما كانت الظروف والأحوال، وبما يكفل بالتالي مثول كافة الأشخاص المفسدين مهما كانت منزلتهم الوظيفية والمجتمعية.

إن تخليص الجزائر من دنس الفساد والمفسدين قبل إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة، هو جزء من مساهمة مهمة من المؤسسة العسكرية والقضائية لخلق بيئة الانتخابات النزيهة. فقطع الاذرع المالية والفساد عن التأثير في الانتخابات القادمة هو إحدى الضمانات لنزاهة الانتخابات وعدم انتاج نفس الوسائل السابقة لتقلد المسؤولية، والتي أدت لسوء التسيبر وخلق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والتناقض بين خطاب السلطة وأفعالها، ومعها فقدان الأمل وزرع الخوف، واليأس من المستقبل.